الأقوال في أوليَّة الشعر العربي

إذا ذهبنا نتتبع الشعر العربي إلى أوَّليته، رأينا لدينا من أحوال الجاهلية تاريخًا سقيم التركيب متفكك الأجزاء مضطرب الجهات، لا يكشف منه التعب ولا يبلغ فيه النصب؛١ وإذا كان ما ورد في كتب اليونان والروم عن جزيرة العرب، وما كشفوه من الآثار في هذا العهد، مما يستأنس به في تأريخ بعض أول الجاهلية، فليس للشعر من مثل ذلك شيء؛ لأنه لا يعني غير أهله، وهم عرب أميون، ولم يكن للشعر في جاهليتهم الأولى ما كان له من الشأن في جاهليتهم الأخيرة؛ نعرف ذلك من تتبع أحوالهم الاجتماعية كما سنشير إليه.

وقد تصفحنا التواريخ العربية وراجعنا ما نقلوه عن أهل الرواية وهم مصدر آداب الجاهلية وأخبارها، فرأينا أن ما كتبوه من ذلك إذا صلح أن ينُقل فهو لا يصلح أن يُعقل، وهذا المسعودي يروي في (مروج الذهب) أشعارًا عربية للقبائل البائدة: كعاد وثمود وطسم وجديس، وهي روايات لا يقيدها بتاريخ ولا يحدّها بزمن، فيمكن على ذلك أن تدخل في غمار المفتريات والأقاصيص.

ولكنا رأيناه يذكر ممن كان في الفترة، أسعد أبا كرب الحميري أول من كسا الكعبة الأنطاع والبرود، قال: وكان مؤمنًا، وآمن بالنبي قبل أن يُبعث بسبعمائة سنة، ثم استدل على ذلك بشعر نسبه إليه، وهذا منتهى العجب.٢
ويقول الجاحظ في كتاب (البيان) عن هذه القبائل: وقد ذكرت العرب هذه الأمم البائدة والقرون السالفة، ولبعضهم بقايا قليلة وهم أشلاء٣ في العرب متفرقون مغمورون: مثل جرهم وجاسم ووبار وعملاق وأميم وطسم وجديس ولقمان والهس ماس وبني الناصور، وقَيْل بن عثَّر٤ وذي جدن، ويقال في بني الناصور: إن أصلهم من الروم.
فجعل لهذه القبائل بقايا مغمورين في العرب، ولعل ذلك كان مستفيضًا بين الرواة ليرجحوا به صحة ما نقلوه؛ إذ الخلف مستودع أخبار السلف؛ ولكنهم إنما أثبتوا هذه البقايا لما جاء في القرآن عن ثمود من قوله تعالى: وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَىٰ٥ وقوله: فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ٦ فأخذوا من ذلك أن غير ثمود لهم بقية في العرب، وغفلوا عما يعطيه لفظ الآية ويدل عليه السياق.

وقد بالغنا في تتبع أخبار الوقائع والأيام التي ورد فيها للعرب شعر؛ لأن مثل هذه الوقائع لا يسوقها الرواة نفيًا لدليل ثابت ولا إثباتًا لحجة مقتضية، فهي بعيدة بطبيعتها عن اختلاف الشعر؛ ثم جهدنا أن نثبت تاريخ أقدم تلك الأيام؛ ولا سبيل إلى ذلك إلا بقرينة الأعلام التي ترد فيها، فرأينا في أخبار يوم الرحرحان أن زهير بن جذيمة بن رواحة سيد قيس بن عيلان تزوج إليه النعمان بن امرئ القيس ملك الحيرة، ولزهير هذا شعر جيد، فحسبنا شعره قيل في أوائل القرن الخامس للميلاد؛ لأن النعمان بن امرئ القيس توفي سنة ٤٣١، ولكنا رأينا في أخبار داحس والغبراء أن عنترة بن شداد رثى مالك بن قيس المعروف بقيس الرأي. وهو ابن زهير الذي ذكرناه، وقالوا: إنه أنشد أباه وقومه القصيدة؛ وعنترة توفي في القرن السابع للميلاد. فلم نظفر مع هذا الخلط بشيء.

وروى الجاحظ في كتاب الحيوان عن الهيثم وابن الكلبي وأبي عبيدة، أن كل أمة تعتمد في استبقاء مآثرها وتحصين مناقبها على ضرب من الضروب وشكل من الأشكال، وكانت العرب في جاهليتها تحتال في تخليدها بأن تعتمد في ذلك على الشعر الموزون والكلام المقفى وهو ديوانها … قال: ثم إن العرب أحبت أن تشارك العجم في البناء وتنفرد بالشعر فبنوا غمدان وكعبة نجران إلخ.

وذلك يدل على أن العرب اقتصروا في تخليد مآثرهم على الشعر أولًا، ثم شاركوا العجم في تخليدها بالبناء، ولكن الهمداني وياقوت ذكرا أن الذي بنى غمدان، هو لِيَشَرحُ بن يحصب، وهو من ملوك حِمْيَر، كان حوالي تاريخ الميلاد، وقد بقي غمدان إلى زمن عثمان بن عفان وهو الذي هدمه،٧ ووقف الهمداني على بقاياه في القرن الرابع للهجرة. وعلى ذلك يكون الشعر العربي فخر حِمْيَر من قبل الميلاد، ويقول الجاحظ: إذا استظهرنا الشعر وجدنا له إلى أن جاء الله بالإسلام خمسين ومائة عام، وإذا استظهرنا بغاية الاستظهار فمائتي عام؛ وهذا هو الذي نذهب إليه.

وقد ترجح لدينا أن سبب هذا الخلط في كلام الرواة، غفلتهم عن تأريخ الوقائع المعروفة، وجهلهم بما أثبته الفرس والروم في تواريخهم عن ملوك العرب التابعين لهم من المناذِرة والغسانيين؛ فابن قتيبة يقول في طبقاته عن زهير بن جناب: إنه جاهلي قديم، ثم يقول: ولما قدمت الحبشة تريد هدم الكعبة بعثه ملكهم إلى أرض العراق ليدعو من هناك إلى طاعته. وإنما كانت حادثة الحبشة في القرن السادس للميلاد، ونسب ابن قتيبة لزهير هذا البيت المشهور:

من كل ما نال الفتى
قد نلته إلا التحية

وهذا البيت نسبه غيره للجُيم بن صعب، وعدّه صاحب المزهر في قدماء الشعراء؛ وكل ما وقفنا عليه من أقوالهم في قدم الشعر يمكننا أن نورده أمثلة على ذلك الخلط؛ وقد بالغ بعضهم فعدّ آباء القبائل في الشعراء، كربيعة ومضر، وكمنبه — أبي باهلة — وغني، والطفاوة، وغيرهم من الأسماء التي لا دليل عليها من خبر أو زمان وكل ما فيها تسلسل النسب وقِدم العهد.

تحقيق هذه الأولية

والذي عندنا أن أولية الشعر العربي لا ترتفع عن مائتي سنة قبل الهجرة، ولا يذهب عنك أننا لا نريد بالشعر التصورات والمعاني، فهذه فطرية في الإنسان، ولا بد أن تكون قد استقلت طريقتها في العرب من أقدم أزمانهم إلى ما وراء ألفي سنة قبل الميلاد، وكذلك لا نريد بالشعر مطلق ما اصطلحوا على وصفه من ذلك، فهذا قد يكون منه شيء في العدنانية قبل الميلاد أو حواليه، ولكنه بغير اللغة المضرية طبعًا، وإنما نريد بالشعر هذا الموزون المقفى، باللغة التي وصلت إلينا، وكل بحث فيما وراء ذلك لا يتعلق بهذه اللغة نفسها.

كانت منازل العدنانيين شمالي بلاد اليمن في تهامة والحجاز ونجد وما وراءها شمالًا إلى مشارف الشام والعراق، ويقال: إن لغتهم واللغة الحميرية التي هي لغة عرب الجنوب في اليمن، من أصل واحد، على الاختلاف بينهما في الإعراب والضمائر والاشتقاق والتصريف، وهم ينتسبون إلى إسماعيل، فيكون بدء تاريخهم في القرن التاسع عشر قبل الميلاد إذا صح ذلك النسب، وآخر ما ذَكَرَتْهُ منهم التوراةُ يرجع إلى القرن السادس قبل الميلاد، وذلك زمن بختنصر الذي غزا قبيلة معد، وهي أحد فرعي العدنانية: عك، ومعد. ثم ظل العرب خاملين حتى نبه اسمهم قبيل الميلاد، وذلك أن عقب عدنان إنما هو من قبيلة معد، وقد انقسمت إلى فرعين: نزار، وقنص، والكثرة والنسل في نزار، وهم فروع، أشهرها خمسة: قضاعة، ومضر، وربيعة، وإياد، وأنمار؛ وقد ذكر البكري أن مساكن قضاعة ومراعى أنعامهم كانت جدة من شاطئ البحر فما دونها شرقًا إلى منتهى ذات عرق، وهي الحد بين نجد وتهامة، إلى حيز الحرم من السهل والجبل. وقبائل مضر أقامت في حيز الحرم إلى السروات وما دونها من الغور وما والاها من البلاد، وأقامت ربيعة في مهبط الجبل من غمر ذي كندة وبطن ذات عرق وما صاقبها من بلاد نجد إلى الغور من تهامة. وأقامت إياد وأنمار معًا ما بين حد أرض مضر إلى حد نجران وما والاها وصاقبها، وصار لقنص وغيره من ولد معد أرض مكة وأوديتها وشعابها وجبالها وما صاقبها من البلاد.٨

فاستقرت هذه القبائل في منازلها حتى وقعت بينهم الفتن وفرقتهم الحروب، فتباينت مساكنهم، وكانت قضاعة أول من نزح منهم حوالي تاريخ الميلاد، فنزلت بطونها في مساكن مختلفة، ثم نزحت أنمار، ثم إياد، ثم ربيعة، ثم مضر؛ ولذلك تاريخ لا محل له هنا، فملأوا الجزيرة وابتدأ تاريخهم الاجتماعي الحديث؛ لأن بأسهم أصبح بينهم، فنشأت فيهم يومئذ مقتضيات الشعر ومثلت لهم أغراضه.

هوامش

(١) قلت: النَّصب: نصب الأمر فلانًا أي: أتعبه وأعياه، ونَصِبَ: أعيا وتَعِبَ.
(٢) مروج الذهب: ١ / ٣٢.
(٣) قلت: أشلاء: مفردها (شِلو) أي عضو كما في الوسيط.
(٤) قلت: في تفسير الطبري: عنز.
(٥) سورة النجم: ٥١.
(٦) سورة الحاقة: ٨.
(٧) الحيوان للجاحظ: ج١.
(٨) تاريخ العرب: ص١٧٠.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١