الزجل

قال ابن خلدون: ولما شاع فن التوشيح في أهل الأندلس وأخذ به الجمهور لسلاسته وتنميق كلامه وترصيع أجزائه، نسجت العامة من أهل الأمصار على منواله ونظموا في طريقته بلغتهم الحضرية، من غير أن يلتزموا فيها إعرابًا، واستحدثوا فنًّا سموه بالزجل، والتزموا النظم فيه على مناحيهم فجاءوا فيه بالغرائب، واتسع فيه للبلاغة مجال بحسب لغتهم المستعجمة. وأول من أبدع في هذه الطريقة الزجلية، أبو بكر بن قزمان، وإن كانت قيلت قبله بالأندلس، ولكن لم تظهر حلاها ولا انسكبت معانيها واشتهرت رشاقتها إلا في زمانه، وكان لعهد الملثمين (أول القرن الثامن) وهو إمام الزجالين على الإطلاق. ا.ﻫ.

ورأيت في بعض الكتب أن ابن قزمان هذا أول من تكلم بالزجل وسبب ذلك أنه وهو في المكتب عشق بعض الصبيان، فرُفِعَ أمره للمؤدِّب فزجره ومنعه من مجالسة الصبي، فكتب في لوحه:

المِلاح ولاد أماره
ولا وحاش ولاد نَصاره
وابن قزمان جا يغفر
ما قبلوا الشيخ غفاره

فاطلع عليه المؤدب فقال: قد هجوتنا بكلام مزجول، فيقال إنه سُمِّي زجلًا من هذه الكلمة.

ولست أثبت هذه الرواية ولا أنفيها، أما ابن قزمان فهو الوزير الكاتب أبو بكر بن قزمان، اشتمل عليه المتوكل على الله صاحب بطليموس في أواخر القرن الخامس، فاقتطع في دولته أسمى الرتب، وهو شاعر بليغ وصفه الفتح بن خاقان في القلائد بأنه «مُبَرِّز في البيان، ومحرز للسبق عند تسابق الأعيان» وقال لسان الدين بن الخطيب: كان ابن قزمان نسيج وحده أدبًا وظرفًا ولوذعية … وكان أديبًا بارعًا حلو الكلام مليح النثر مبرزًا في نظم الزجل، قال: وهذه الطريقة الزجلية بديعة تتحكم فيها ألقاب البديع وتنفسح لكثير مما يضيق على الشاعر سلوكه، وبلغ فيها أبو بكر رحمه الله مبلغًا حجره الله عمن سواه، فهو آيتها المعجزة، وحجتها البالغة، وفارسها المعلم والمبتدي فيها والمتمم.١
وقد شاعت أزجال ابن قزمان وأولع بها الناس خصوصًا المشارقة، حتى كانت في القرن السابع كما قال ابن سعيد العربي، مرويَّة في بغداد أكثر مما هي في حواضر المغرب. واشتهر مع ابن قزمان من معاصريه بهذه الطريقة عيسى البليدي، وأبو عمرو بن الزاهر الإشبيلي، وأبو الحسن المقري الداني وأبو بكر بن مدين، وكان في عصرهم بشرق الأندلس محلف الأسود، إلا أن إمامهم المجمع عليه إنما هو ابن قزمان. ثم جاءت بعد هؤلاء حلبة كان سابقها عبد الله بن الحاج المعروف بمدغليس، وهو خليفة ابن قزمان في زمانه وقد وقعت له العجائب في هذه الطريقة، وامتاز عن ابن قزمان بصنعة ألفاظه حتى طارت شهرته بذلك، وكان أهل الأندلس يقولون: ابن قزمان في الزجالين بمنزلة المتنبي في الشعراء، ومدغليس بمنزلة أبي تمام، بالنظر إلى الانطباع والصناعة، فابن قزمان ملتفت إلى المعنى ومدغليس ملتفت إلى اللفظ، وكان أديبًا معربًا لكلامه مثل ابن قزمان، ولكنه لما رأى نفسه في الزجل أنجب، اقتصر عليه،٢ وقد ذهب مدغليس بشهرة القرن السادس، حتى ظهر ابن جحدر الإشبيلي في النصف الأول من القرن السابع، وكان إمام الزجالين في عصره، ثم كانت الإمامة بعده لإمام الأدب أبي الحسن سهل بن مالك، ثم استقل بها في أول المائة الثامنة أبو عبد الله الألوسي، ثم محمد بن عبد العظيم من أهل وادي آش، ومعاصره لسان الدين بن الخطيب الشهير، وفي هذه المائة صارت الطريقة الزجلية فن العامة بالأندلس، واستحدثوا منها نوعًا سموه الشعر الزجلي، وذلك أنهم ينظمون بها في بحور الشعر، لكن بلغتهم العامية، فتجمع وزن الشعر ولحن الزجل على المبالغة المألوفة.
أما المشارقة فقد أولعوا بالزجل وأكثروا من أوزانه، حتى قالوا: صاحب ألف وزن ليس بزجال، والمتأخرون من أهل هذا الفن يقولون إنه لم يتصل بهم أكثر من خمسين وزنًا. وتفننوا في إبداعه أنواع البديع، ومن أشهرهم في ذلك علاء الدين بن مقاتل الحموي من أدباء الملك المؤيد صاحب حماة، وقد استشهد ببعض أزجاله ابن حجة في كتابه خزانة الأدب في باب الجناس المقلوب وفي باب التوجيه وغيرهما٣ متابعًا في ذلك الشيخ شمس الدين بن الصائغ، فقد ذكر أنه استشهد في شرحه المسمى رقم البردة بشيء من أزجال أهل عصره على بعض أنواع البديع،٤ وقلده هو في ذلك ولكنه لم يورد لغير علاء الدين بن مقاتل، لذهاب شهرته شرقًا وغربًا، وإبداعه في إيداعه، وافتراعه في اختراعه.
وللمصريين تاريخ خاص في الزجل؛ لأن هذه الطريقة توافق ما في طباعهم من اللين ومشايعة الكلام بشيء من التهكم الذي تبعث عليه صفة الفتور الطبيعية فيهم، وهي التي يقال فيها إنها ذَوق حلاوة النيل. وقد اخترع المصريون في الزجل نوعين سموهما البليقة والقرقية. قال صاحب كتاب الأقصى القريب، وهو أبو عبد الله محمد التنوخي، في كلامه على الموشحات والأزجال: ومنها قرقيات المصريين وبليقاتهم، والفرق بينهما وبين الزجل أن الزجل متى جاء فيه الكلام المعرب كان معيبًا، والبليقة ليست كذلك، فيجيء فيها المعرب وغير المعرب، ولذلك سُميت بليقة، من البلق، وهو اختلاف الألوان، وتفارق البليقة القرقية في أن البليقة لا تزيد على خمس حشوات غالبًا، وقد تنتهي إلى السبع قليلًا، والقرقية تزيد كثيرًا على حكم الزجل في ذلك، وسُميت القرقية كذلك من القرقة وهي لعبة يلعب بها صبيان الأعراب، وهذه اللعبة سماها صاحب القاموس: القرِق،٥ ووصفها ورسمت خطوطها في تاج العروس، فانظرها هناك.
وقد كان اختراع البليقة في القرن السابع، ثم تبسطوا فيها بعد ذلك فكانت القرقيات، ولا تحقق تاريخها، ولكنها متأخرة عن المائة السابعة حتمًا، وقد استدللنا على ذلك بما ذكره صاحب فوات الوفيات إذ قال في ترجمة صدر الدين بن المرحل المتوفى سنة ٧١٦ بالقاهرة، وهو المعروف في كتب الشاميين بابن الوكيل المصري: «وشعره مليح إلى الغاية، وكان ينظم الشعر والموشح والدوبيت والمخمس والزجل والبليق». فلو كانت القرقيات يومئذ معروفة لذكرها وإن كانت من الزجل، فقد ذكر المخمس وهو من الشعر.٦

وأشهر نوابغ المصريين في الأزجال من المتقدمين، الغباري الذي نبغ في عهد السلطان حسن، فإن له أزجالًا بعيدة الشهرة بما فيها من دقة الصنعة وإبداع المعاني وكثرة التفنن. وقد رأينا في مجموعة من مدائحه حملًا زجليًّا (أهل هذا الفن يسمون ما يعادل القصيدة في الشعر منه: حملًا) لرئيس العامة في هذا الفن على عهد محمد علي باشا، وهو محمد الحباك القشاشي، يزاهي ٥٦٠ بيتًا، مدح فيه أهل مصر على طريقة عامية، وذكر علماءها وأشرافها ومتنزهاتها وعد أكثر أسواقها — لأنه من سوق كان يسمى القشاشين ذكره في الزجل — وقال في آخره ما يستدل منه أنه يعارض الغباري في حمل له بهذا المعنى، وقال: إن الغباري ما استطاع أن يضبط محاسن مصر فيما وصف. ومما استفدناه من هذه المجموعة، أن للزجل أوزانًا كانت مشهورة، منها وزن: (أصبحت مصر نزهة للناظرين)، ووزن (على داري)، ووزن (في الهند مكتوب) وللمتأخرين من عوام العصر مثل هذه الأوزان أيضًا، ويعدون منها (بفتَه هندي يا بنات).

ولم يزل فن الزجل مشهورًا بمصر إلى عهدنا، ولأهله فيه إحسان كثير وهم يرتجلونه ويحاضرون به، وقد ذكر الأديب عبد الله نديم المصري الشهير في مجلة الأستاذ واقعة في المساجلة بالزجل مع بعض رؤساء الفن من العامة، وكان الشرط أن من تلعثم أو استبلع الآخر ريقه يبتغي بذلك مهل البديهة وخلسة الفكر فهو المغلّب، وذكر هناك بعض الأوزان التي أخذوا فيها، فارجع إليها فإنها عجيبة.

والزجل اليوم أحد أنواع الشعر العامي الباقية لعهدنا، وقد اختص به المصريون، فيقال: الزجل المصري، كما يقال: المغنَّى السوري، والزهيري البغدادي.

ومما نوفي به فائدة هذا الفصل، أن ظرفاء المصريين يقولون في الفنون السبعة التي نكتب تاريخها: «السبعة وتمِّتها» ويريدون بهذه «التمَّة» فن الواو الذي ذكرناه وأبحرًا أخرى ينظمون عليها العامية في أوزان خاصة، يعارضون بها أسماء البحور الشعرية، ومنها المستطيل في معارضة الطويل، والممتد في معارضة المديد، والمتوفر في معارضة الوافر، وغير ذلك مما يبعث عليه الظرف المصري، وهو بجملته معدود من الزجل فلا حاجة إلى إيراد أنواعه وأمثلته.

فنون أخرى

قال ابن خلدون بعد كلامه على الأزجال. ثم استحدث أهل الأمصار بالمغرب فنًّا آخر من الشعر في أعاريض مزدوجة كالموشح، نظموا فيه بلغتهم الحضرية أيضًا وسموه عروض البلد، وكان أول من استحدثه فيهم رجل من أهل الأندلس نزل بفاس يُعرف بابن عمير، فنظم قطعة على طريقة الوشح ولم يخرج فيها عن مذاهب الإعراب، مطلعها:

أبكاني بشاطئ النهر نوح الحمام
على الغصن في البستان قريب الصباح
فاستحسنه أهل فارس وأولعوا به ونظموا على طريقته وتركوا الإعراب الذي ليس من شأنهم وكثر سماعه بينهم واستفحل فيه كثير منهم وفرعوه أصنافًا إلى المزدوج والكاري والملعبة والغزل، واختلفت أسماؤها باختلاف ازدواجها وملاحظاتهم فيها … إلخ.٧

… ونقل قطعة كبيرة من هذه الملعبة تشبه الشعر التاريخي المعروف بالقصصي، حتى ذهب بعض المتأخرين إلى أن أمثال هذه الملاعب تعتبر نوعًا من الشعر القصصي وإن كانت عامية.

الأصمعيات والبدوي

وذكر ابن خلدون أيضًا أن العرب المستعجمين عن لغة سلفهم من مضر يقرضون لعهده الشعر في سائر الأعاريض على ما كان عليه سلفهم المستعربون ويأتون منه بالمطولات … إلخ٨ وقد أورد في مقدمته بعض قصائد أمثلةً على ما ذكر.

كان وكان والقوما

وهما كما قال أصحاب الفنون فرعان من الزجل، وإنما أفردوهما نوعين لتغيرات فيهما لا تكون في الزجل، أما الأول فلا نعرف من تاريخه شيئًا، وله وزن واحد وقافية واحدة، ويستعملونه كثيرًا في الوعظ ونحوه من المعاني التي تدخل فيها الحرقة والحدة ونحو ذلك، كقول بعضهم:

ما ذقت عمري جرعة
أمر من طعم الهوى
الله يصبر قلبي
على الذي يهواه

وأما القوما فقيل: إن أول من اخترعه ابن نقطة برسم الخليفة الناصر، والصحيح أنه مخترع من قبله، وإنما كان الناصر يطرب له فاشتهر في زمنه، وهو من اختراع البغداديين، قيل: كانوا ينشدونه عند السحور في رمضان كما يفعل المسحرون بالقصص والأدعية لعهدنا، وسمي بذلك من قول المغنين (قوما نسحِّر قوما) وجعلوه على وزن هذه الكلمات الثلاث، ثم فرعوا منه فروعًا دعوها الزهري والخمري وغيرهما على حسب المعاني التي ينظمون فيها، ومن هذا النوع ما نظمه الصفي الحلي يسحر به بعض الخلفاء:

لا زال سعدك جديد
دائم وجدك سعيد٩

الحماق

وهو نوع قد يدخلونه في الزجل، ولكن أكثرهم على أنه منفرد، وهم ينظمونه قطعًا، كل بيتين من القطعة في قافية.١٠

العامي الغريب

وهو نوع من النظم نشير إليه استطرادًا ونلم به تفكهة وتلمُّحًا، وذلك أن «اللغويين» من أدباء العامة يخترعون ألفاظًا غريبة لا تجري على وزن ولا تدخل في لغة، ثم ينظمونها معاياة بها في الحفظ، أو إغرابًا في التفكهة، أو مبالغة في التشدُّق والتقعير، كالقصيدة التي أوردها صاحب كتاب إعلام الناس ونسبها للأصمعي، وقصتها هناك فارجع إليها، وهي من تكاذيب الظرفاء وباطل المنحول.

ورأينا في كتاب «نفحة اليمن» للأنصاري أنه اجتمع في بلدة كلكتة سنة ١٢٢٢ﻫ برجل من العرب اسمه جواد ساباط وقد ارتد عن الإسلام وسمي ناثانائيل ساباط، وهو واحد فيما يرويه من المضحكات والعجائب، قال: وله نظم على أسلوب أبي الهميسع المنسوب إليه لفظ «حَجْلَنْجَع» وذكر هناك بعض شعره، ومنه قصيدة شينية يقول فيها:

بهشوا الخرباش عنه برخشوا
طسعوا عن دارمي حين تشُّوا

وذلك يدل على أن الهميسع كان متميزًا بهذه الطريقة، وقد أولع بها أهل التقعير من المتأخرين، ومنها قول بعضهم وقد ضبطناه بإملائه.

يا سائلي عن حَبْلَطَنْج عُجرفتْ
عِجرفتاهُ تمر كالعنْبَعْلَصِ

ولا نشك في أن هذه القافية في معارضة كلمة أبي الهميسع التي ذكرها الأنصاري وأول من ابتدأ هذه الطريقة من الفصحاء بشار بن برد أبو المحدثين كان يجيء بالكلمات اليسيرة التي لا حقيقة لها فيحشو بها شعره ليتنادر بذلك، ومنه ما حكاه قال: مات حماري فرأيته في النوم فقلت له: لِمَ متّ؟ ألم أكن أحسن إليك؟ فقال:

سيدي خذ بي أتانا
عند باب الأصبهاني
تيمتني ببنان
وبدلٍّ قد شجاني
ولها خدٌّ أسيل
مثل خدُّ الشيفران
فقال له بعضهم: ما الشيفران؟ قال: ما يدريني؟ هذا من غريب الحمار، فإذا لقيته فاسأله!١١ ثم استظرف الناس منه ذلك فمرُّوا فيه حتى بلغ مبلغه في المتأخرين. والله أعلم.

هوامش

(١) نفح الطيب: ٢ / ٣٥٦.
(٢) نفح الطيب: ٢ / ٢٣٧.
(٣) خزانة الأدب: ص٥٠، ١٧٠.
(٤) خزانة الأدب: ص١٦.
(٥) القاموس المحيط: ص١١٨٨ ط مؤسسة الرسالة.
(٦) فوات الوفيات ٢ / ٢٥٤.
(٧) مقدمة ابن خلدون: ص٣٤٨ وما بعدها.
(٨) مقدمة ابن خلدون: ص٣٣٣.
(٩) المستطرف: ٢ / ٢٥٤.
(١٠) المستطرف: ٢ / ٢٥٥.
(١١) الأغاني: ٣ / ٦٤.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١