الأدب الأندلسي

هنا مشرَعُ القلم ومصرعه، والمورد الذي يُرويه ماؤه تُظمِئه أدمغه، فلو كان القلم سحابًا لاحترق من أسى البكاء بما فيه من البرق، ولو كانت الصحيفة صحيفة الشمس وهي تندب مجد المغرب لأظلم بها الشرق. أيام أدب مرّت كنور النهار أصبح به حينًا وبات، بل كانت خفقات قلب الزمان عاش بها دهرًا ومات، فنضَّر الله سعدًا لا عيب له إلا أنه من الزمن وآخر الزمن شقِي، ورحمه الله عهدًا لا نقص فيه إلا قول المؤرخ بعده: لو بقِي!

(١) الأدب وتأثره بالتاريخ السياسي

لما قرأنا تاريخ الأندلس وأخذنا في درس أدبها واستخلاصه من جملة التاريخ، رأينا ما أذهلنا من إغفال المؤلفين في الأدب والعلوم وتراجم رجالها لهذا الفرع الفينان من الحضارة العربية، فإنك إن جهدت أن تتمثل صورة مجملة لآداب الأندلسيين، فكأنما تجهد أن ترجع إلى خيالك شبابًا أخلَقْتَ عَهْدَه، وكأنك خُلقت بعده، فمهما تأتِ من ذلك لا تزيد على الذكرى التي يبلغ من ضعفها أن لا يكون فيها إلا بعض أنقاض التاريخ، وأنت تريد الأنقاض كلها، بل صورة البناء قبل أن ينقض.

لذلك رأينا أن نضع هذه الصفحة جديدة في تاريخ الأدب العربي، ولما شرعنا في ذلك رأينا أن لا بد من أن يأخذ الكلام في طريقيه: فالأول في ظاهر الأدب وتأثره بالتاريخ السياسي، والثاني في حقيقته وتأثر التاريخ السياسي به، وهذا مما انفرد به الأدب الأندلسي؛ لأنه بدأ عربيًّا وانتهى أعجميًّا — كما سترى — ومن أجل ذلك قسمنا الكلام إلى قسمين:

القسم الأول: الأندلس من العراق

إن الأدب الأندلسي لا يبزه١ في التاريخ إلا الأدب العراقي، ولقد يكون في الأندلس ما ليس في العراق من بعض فروع الحضارة والصناعة، غير الفرق ما بين الموطنين في زينة الطبيعة ونضارة الإقليم، إلا أن الأدب العراقي ممتاز بمتانة اللغة، لقربه من البادية، ولاستفحال الرواية هناك، وبكونه أصلًا، حتى إن الأندلسيين أنفسهم كانوا يلقبون نابغيهم بأسماء المشارقة، فيقولون في الرصافي: إنه ابن رومي الأندلس، ومروان بن عبد الرحمن: ابن معتز الأندلسي، وابن خفاجة: صنوبري الأندلس، وابن زيدون: بحتري الأندلس، وابن دراج: متنبي الأندلس، ومحمد بن سعيد الزجالي الأديب الحافظ: أصمعي الأندلس، لحفظه وذكائه، وأبي بكر الزبيدي الشاعر اللغوي: ابن دريد الأندلس، كما يقولون في الفيلسوف ابن باجه الشاعر الموسيقي: إنه فارابي المغرب،٢ وحمدة بنت زياد الشاعرة الأديبة: خنساء المغرب، وكان منشأ ذلك أن العلماء والأدباء من أهل ذلك الصقع كانوا يرحلون إلى المشرق فيلقون الأئمة ويأخذون عنهم، ثم ينقلبون إلى الأندلس برواية ما أخذوه فيبثونه في أهلها مسندًا إلى أدباء العراق، كسوار بن طارق القرطبي مولى عبد الرحمن بن معاوية، فإنه حج ودخل البصرة ولقي الأصمعي ونظر أمره، ثم انقلب إلى الأندلس وأدَّب الحكم، ومن ولده محمد بن عبد الله بن سوار، حج أيضًا ولقي أبا حاتم بالبصرة والرياشي وغيرهما، وأدخل الأندلس علمًا كثيرًا، وقاسم بن أصبغ البياني (نسبة إلى بيانة من أعمال قرطبة) فقد سمع بالأندلس ممن كان بها، ثم رحل إلى المشرق سنة ٢٧٤ فسمع بمكة والكوفة وبغداد من أئمة الفقه والحديث، وكتب عن ابن أبي خيثمة تاريخه، وسمع من ابن قتيبة كثيرًا من كتبه، ومن المبرد وثعلب وابن الجهم، في آخرين، وسمع بمصر من محمد بن عبد الله العمري، ومطلب بن شعيب، وبالقيروان من أحمد بن يزيد المعلم وبكر بن حماد التاهرتي الشاعر، وانصرف إلى الأندلس بعلم كثير، فمال الناس إليه في تاريخ أحمد بن زهير وكتب ابن قتيبة وأخذوا ذلك عنه،٣ ومحمد بن عبد الله بن يحيى من قضاة الناصر (توفي سنة ٣٣٧) وكان شاعرًا مطبوعًا، فقد رحل إلى المشرق وسمع من ابن الأعرابي وغيره، ثم حدث عنه بالأندلس. وسيأتي ذكر آخرين في الكلام على علماء الأندلس.
وكانت أمهات كتاب الأدب التي تؤلف بالعراق تُروى في الأندلس بالسند إلى مؤلفيها، على تفاوت بين الأسانيد قوةً وضعفًا، ومن ذلك قول الأمير الحكم المستنصر: لم يصح كتاب الكامل عندنا من رواية إلا من قِبل ابن أبي قلاعة،٤ وكان ابن جابر الإشبيلي قد رواه قبلُ بمصر، وما علمتُ أحدًا رواه غيرهما، وكان ابن الأحمر القرشي يذكر أنه رواه، وكان صدوقًا، ولكن كتابه ضاع، ولو حضر ضاهى الرجلين المتقدمين. ا.ﻫ.٥

وقد يكون دخول العراق عند بعض العلماء من قبيل قولهم: «مَن حفظ حجة على من لم يحفظ» لأنه عندهم زيادة في الاطلاع وتحقُّق بالثقة في الرواية، ولما قدم عليهم أبو علي القالي سنة ٣٣٠ في زمن الناصر، أمر ابنه الحكم وكان يتصرف عن أمر أبيه، أن يجيء مع أبي علي إلى قرطبة، ويتلقاه في وفد من وجوه رعيته، ينتخبهم من بياض أهل الكورة تكرمةً له، وباسم الحكم طرز أبو علي كتاب الأمالي المشهور، وكان قبل ولاية الأمر وبعدها ينشطه ويعينه على التأليف بواسع العطاء ويشرح صدره بالإفراط في الإكرام، وقد اعتنى الأندلسيون بكتاب الأمالي فشرحوه وألفوا على منزعه، كما فعل الشَّقُوري رئيس كتاب الأندلس في كتابه سراج الأدب، وحفظه كثير منهم حتى في النساء — كما سيمر بك — ومن أجله جعلوا أبا علي أندلسيًّا بالموطن دون المنشأ، ليصح لهم الاختصاص به، مع أن القالي لم يكن في قرطبة أعرابيًّا في أعاجم، ولا كان وحده فيهم كالذهب في تراب المناجم، بل كان في قرطبة كثير منهم، وحسبك بمحمد بن القرطبة، وهو الذي كان يبالغ القالي في تعظيمه، وشهد له بأنه أنبل أهل الأندلس في اللغة، وكان إمام الأدب في ذلك الزمن أبا بكر الزبيدي.

غير أن التاريخ قد فسر هذا التفاوت؛ فإنه عدَّ أبا علي حسنة من حسنات الدولة الأموية في الأندلس، حتى وقع ذلك موقع المنافسة من المنصور بن أبي عامر المتوفى سنة ٣٩٣، فإنه لما قدم عليه أبو العلاء صاعد بن الحسين البغدادي اللغوي عزم على أن يعفِّي به آثار أبي علي الوافد على بني أمية، ليفوز بإحدى الحسنيين، ولكنه لم يجد عنده ما يرتضيه، وكان الرجل يتنفق بالكذب — وقد مرَّ من ذلك شيء في بحث الرواية — فأعرض عنه أهل العلم، وقدحوا في روايته وحفظه، ولم يأخذوا عنه شيئًا لقلة الثقة.

ولم يكن الشغف بالأسماء والألقاب العراقية مقصورًا على العلماء والأدباء وحدهم، بل تجاوزهم إلى الخلفاء، فإن ألقاب الأول منهم كانت: الأمراء أبناء الخلائف، ثم الخلفاء وأمراء المؤمنين، إلى أن وقعت الفتنة بحسد بعضهم لبعض، وابتغاء الخلافة من غير وجهها الذي ترتبت عليه، فتوثَّب ملوك الطوائف على الألقاب العباسية، وترفعوا إلى طبقات السلطنة العظمى، بما في جزيرتهم من أسباب الترفه والفخامة التي تتوزع على ملوك شتى فتكفيهم وتنهض بهم للمباهاة، وفي هذه الألقاب يقول ابن رشيق:

كالهرِّ يحكي انتفاخًا صورة الأسد
وكان بنو حمود الذين توثبوا على الخلافة في أثناء الدولة مارونية بالأندلس يتعاظمون ويأخذون أنفسهم بما يأخذها خلفاء بني العباس، فكانوا إذا حضرهم منشد يمدح أو من يحتاج إلى الكلام بين أيديهم، تكلم من وراء حجاب والحاجب٦ واقف عند الستر يجاوب بما يقول له الخليفة، ولما حضر أبو يزيد عبد الرحمن بن مقانا الأشبوني الشاعر أمام حاجب إدريس بن يحيى الحمودي الذي خطب له بالخلافة في مالقة وأنشده قصيدته النونية المشهورة التي مطلعها:
ألبرقٍ لاحٍ من أندوين
ذرفت عيناك بالماء المعين

وبلغ فيها إلى قوله:

انظرونا نقتبس من نوركم
إنه من نور رب العالمين
فرفع الخليفة الستر بنفسه وقال: انظر كيف شئت، وكذلك انتحل وزراء الأندلس لقب ذي الوزارتين امتثالًا لاسم صاعد بن مخلد وزير بني العباس ببغداد، وأول من تسمى به منهم وزير الناصر، أبو عامر بن شُهَيْد الكاتب الشاعر الكبير، أول وزير في الإسلام.٧

ولما احتفل المأمون بن ذي النون، من أعظم ملوك الطوائف في إعذاره المشهور الذي عمله بطليطلة وبالغ في ذلك بما يناسب ما بلغت إليه دولتهم من البذخ والترف، وهو الإعذار الذنُّوني — ضرب أهل المغرب به المثل وفاخروا به المشارقة في عرس بوران بنت الحسن بن سهل التي بنى بها المأمون العباسي. وهو من أكبر الاحتفالات التي حفظها التاريخ.

ذلك طرف من تهافت الأندلسيين في تقليد مشاهير العراقيين، وقد بلغوا من ذلك أنهم لما وفد زرياب المغني تلميذ إسحاق الموصلي على عبد الرحمن بن الحكم ورأوا من ظرفه وفنون أدبه ما رأوا، اتخذه خواصهم قدوة فيما سنه لهم من آدابه في اللباس والفرش والطيب والطعام، ثم امتثلهم عامة الناس. وقد ذكر من ذلك نفح الطيب أشياء قال إنها صارت إلى آخر أيام الأندلس منسوبة إليه معلومة به، فكأن عربية الأندلسيين كانت صغيرة في أنفسهم لنزولها عن العربية العراقية بالمنشأ فهم يحققونها دائمًا بالتقليد، ويتثبتون من بقاء قِدَمِهَا بهذا الجديد، ولا جرم فقد كان أصل حضارتهم أمويًّا، لأن أول من سنَّ سنن الآداب وأقام حالة الملك بالأندلس هو عبد الرحمن الداخل المتوفى سنة ١٧٢ فلءُ بني أمية بالشام، وكان يسميه عدوُّه أبو جعفر المنصور العباسي: صقر قريش، لرقيِّ همته وبُعد مطمحه، وقد طرز ثوب ملكه حفيده الحكم بن هشام فحل بني أمية المتوفى سنة ٢٠٦، فكان أول من جند الأجناد واتخذ العدة، وأول من جعل للملك بأرض الأندلس أبهة واستعد بالمماليك حتى بلغوا خمسة آلاف، منهم ثلاثة آلاف فارس وألفا راجل.

القسم الثاني: عربية الأندلس

كان أول احتلال طارق بن زياد لأرض أندلسية في سنة ٩٢، وبعد أن ضرب فيها قليلًا رحل إليها موسى بن نصير فدخلها في سنة ٩٣ وافتتح جانبًا منها ثم قفل عنها سنة ٩٥، وتتابعت الولاة والفتوح بعد ذلك مما ليس في هذا الكتاب موضع لبسطه؛ غير أنه لما استتم الفتح وعصفت ريح الإسلام، صرف أهل الشام وغيرهم من العرب همّهم إلى الحلول بها، فنزل بها من جراثيم العرب وساداتهم جماعة أورثوها أعقابهم، وهم بدء تاريخ الأدب فيها، فكان منهم القبائل المختلفة من العدنانية والقحطانية٨ ولم يتركوا في الأندلس عاداتهم المشرقية من الغزو والحروب، فطرأت بذلك الفتن بين الشاميين والبلديين والبربر والعرب من المضرية واليمانية، حتى كان زمن الداخل في سنة ١٣٨، ولم يزل أولئك العرب يتميزون بالعمائر والقبائل والبطون والأفخاذ إلى أن قطع ذلك المنصور بن أبي عامر الداهية الذي ملك سلطنة الأندلس سنة ٣٦٦ وقصد بذلك تشتيتهم وقطع التحامهم وتعصبهم في الاعتزاء، وقدم القواد على الأجناد، فيكون في جند القائد الواحد فِرَق من كل قبيل، فانحسمت بما فعل مادة الفتن بالأندلس التي كانت تثيرها تلك الجاهلية الرقيقة …
وقلما تجد في الأندلسيين شاعرًا مفلقًا أو كاتبًا بليغًا أو عالمًا ضليعًا إلا ونسبه في قبيلة من تلك القبائل العربية، فكأن يحيى الغزال أول شعراء الأندلس الفلاسفة من بني بكر بن وائل، وكان يوسف بن هارون الرمادي معاصر المتنبي من كندة، وأبو بكر المخزومي هجَّاء الأندلس من بني مخزوم، وكذلك أبو بكر بن زيدون وابنه أبو الوليد بن زيدون الشهير، وكان أبو بكر بن عمار ينتسب إلى مهرة من قضاعة، وغير هؤلاء كثيرون، فضلًا عمن لم يُعرف سبيل اعتزائهم من الأدباء؛ لأن الانتساب إلى العرب كان محفوظًا بالأكثر في العلماء والفقهاء والأعيان، متميزًا فيهم، كبني سراج الأعيان من أهل قرطبة، ينسبون إلى مذحج، وبنو المنتصر العلماء من أهل غرناطة، إلى مرة بن أود بن زيد بن كهلان، وبنو أسماك القضاة من أهل غرناطة أيضًا، إلى عاملة، وقيل: هم من قضاعة، وبنو عباد أصحاب إشبيلية، إلى لخم بن عدي، وهم من ولد النعمان بن المنذر صاحب الحيرة، إلى غير هؤلاء ممن أفردت لهم كتب الأنساب الأندلسية، وكان يقال لنساء غرناطة المشهورات بالحسب والجلالة: العربيات، لمحافظتهن على المعاني العربية٩ فكأن الطبيعة بتلك الوراثة العربية قد تعاون باطنها وظاهرها على إيجاد الأدب الأندلسي وإجادته.

(٢) أولية الأدب والعلوم

فمن لدن فتح الأندلس إلى زمن الداخل — أي نحو ٤٦ سنة — لم يكن في الأندلس ضرورة شعراء ولا كُتَّاب من أهلها، بل كانوا من الطارئين، وهم مع ذلك لم يتميزوا ولم يبلغوا مبلغ أدباء العراق والشام، ومن هؤلاء أبو الحظار صاحب اليمانية، والصميل بن حاتم شيخ المضرية، وهما كبشا الفتنة العمياء، غير أنه كان في تلك المدة أبو الأجرب جعونة بن الصمة الكلابي، وكان معاصرًا لجرير والفرزدق وشعره على مذهب الأوائل من جاهلية العرب لا على طريقة المحدثين، وكذلك بكر الكناني، وهذان وحدهما هما اللذان عُرفا بالشعر في ذلك الزمن، ولما توجه عباس بن ناصح الشاعر من قرطبة إلى بغداد ولقي أبا نواس استنشده من شعرهما،١٠ وهذا يدل على أن شهرتهما ترامت إلى العراق. واستمرت تلك الحال إلى منتصف القرن الثاني، فعرف بالشعر حبيب بن الوليد الذي ينتهي نسبه إلى عبد الملك بن مروان، وقد توفي بعد المائتين١١ وحوالي ذلك الزمن كان من قضاة الداخل معاوية بن صالح الحضرمي الحمصي، وكان له أدب وشعر، وكان عباس بن ناصح الثقفي قاضي الجزيرة الخضراء في أواخر هذا القرن يفد على قرطبة فيأخذ عنه أدباؤها، ومنهم يحيى الغزال أول المشاهير من شعراء الأندلس المفلقين، وكان يومئذ حدثًا١٢ وفي تلك الأيام عُرف شاعر اسمه بكر بن عيسى.
هذه أولية الشعر في الأندلس، أما الكتابة فلعل أول من اشتهر بها أمية بن يزيد مولى معاوية بن مروان، وذلك لأنه لزم الكتابة لعبد الرحمن الداخل، وكان يكتب قبله ليوسف الفهري، وقد جعله الأمير عبد الرحمن في عديد من يشاوره ويفضل آراءه،١٣ ولم يكتب أحد قبله لهذا الأمير إلا أبو عثمان النقيب وصاحبه عبد الله بن خالد، إلا أن فضل الخصوصية والمشاورة كان لأمية دونهما.

أما أولية العلوم فإن أقدم ما اشتغلوا بمدارسته من العلوم إنما هو الفقه، حتى كان الأمراء الذين وُلوا الحكم في القرن الثاني، وهم: الداخل، وهشام ابنه، والحكم بن هشام — لا يعنون إلا بالقضاة، ويقرِّبونهم، ولا يألون الناس جهدًا في إقامتهم على الحق وحملهم بالسنَّة الواضحة، ولهم في ذلك الأخبار العريضة.

وقد كانت حركة الحياة الأندلسية حركة غزو وحرب واضطراب فتن سياسية عليها صفة الدين إلى آخر تاريخها العربي — كما ستعرفه — فكان طبيعيًّا أن يكون من مقتضيات فطرة ذلك الشعب، الحماسة الدينية، ولا يدل عليها كالإحساس الشديد باحترام الفقهاء، ولذلك كانت سمة الفقيه عندهم جليلة، حتى إن المسلمين كانوا يسمون الأمير المعظم منهم الذي يريدون التنويه به: فقيهًا، وقد يقولون للكاتب والنحوي واللغوي: فقيه؛ لأنها عندهم أرفع السمات١٤ وفي تاريخ وزرائهم وشعرائهم وأدبائهم ما يدل على ذلك، وسنأخذ في هذا المعنى في موضع آخر، وقد كان الأندلسيون يتفقهون على مذهب الأوزاعي حتى رحل زياد بن عبد الرحمن بن زياد اللخمي المعروف بشيطون المتوفى سنة ٢٠٤ إلى الحجاز فسمع من الإمام مالك بن أنس كتاب الموطَّأ، وهو أول من أدخل مذهبه الأندلس، وكان ذلك زمن الأمير هشام بن عبد الرحمن المتوفى سنة ١٨٠ في فجر تلك الحضارة، وذلك طبيعي؛ لأن الناس في أدوار التاريخ الإسلامي لم يتفرغوا لعلم الأدب إلا إذا استكملوا علوم الدين أو أهملوها والعياذ بالله، وقد أجمع الأندلسيون قاطبة على مذهب مالك، ولا يزال ذلك في أهل المغرب لعهدنا. قال الحافظ ابن حزم: «مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرياسة والسلطان: مذهب أبي حنيفة، فإنه لما ولِي القضاء أبو يوسف كانت القضاة من قِبَله من أقصى المشرق إلى أقصى عمل إفريقية، فكان لا يولي إلا أصحابه والمنتسبين لمذهبه، ومذهب مالك عندنا بالأندلس، فإن يحيى بن يحيى — يعني يحيى بن يحيى الليثي، وقد روى الموطأ عن زياد المذكور آنفًا قبل أن يدرك مالكًا، ثم أدركه فروى عنه — كان مكينًا عند السلطان مقبول القول في القضاة، وكان لا يلي قاضٍ في أقطار الأندلس إلا بمشورته واختياره، ولا يشير إلا بأصحابه ومن كان على مذهبه، والناس سراع إلى الدنيا، فأقبلوا على ما يرجون أغراضهم به، على أن يحيى لم يلِ قضاءً قط، ولا أجاب إليه، وكان ذلك زائدًا في جلالته عندهم، وداعيًا إلى قبول رأيه لديهم.»
وابن حزم هذا هو أول مَن خالف مذهب مالك بالمغرب واستبدَّ بعلم الظاهر، ولم يشتهر به مثله أحد.١٥
وليس اشتغال الأندلسيين بالفقه ورسائله بمانعهم أن يتدارسوا علوم اللغة والإعراب، إلا أنهم لم يستقصوا هذه العلوم ولم يستغرقوها؛ لأن ذلك إنما كان في الطارئين على الجزيرة وفي قليل من أهل البلاد كما مرَّ بك بعضه، وقد كان الأمير عبد الرحمن الداخل شاعرًا محسنًا ولَسِنًا فصيحًا، وكان ابن الأمير هشام إذا حضر في مجلسه امتلأ أدبًا وتاريخًا. وفي زمن هشام هذا وقد تقدمت سنه ودنت وفاته، كان بالجزيرة الخضراء منجِّم يُعرف بالضبي، قال صاحب نفح الطيب عندما ذكر أن هشامًا أشخصه١٦ من وطنه إلى قرطبة: «وكان في علم النجوم والمعرفة بالحركات العلوية بطليموس زمانه حذقًا وإصابةً».١٧
وكان في زمن الحكم بن هشام، الذي وَلي سنة ١٨٠، شاعر اسمه العباس معروف بالشعر، أورد له صاحب نفح الطيب بعض أبيات غير جيدة.١٨

فتلك جملة تاريخ الأدب الأندلسي في القرن الثاني وما أدركه الفتح من بقية القرن الأول، وهي لا تعدُّ شيئًا في جنب ما كان يومئذ بالشام والعراق في الدولتين الأموية والعباسية، حيث انتهى القرن الثاني بقيام المأمون العباسي الذي بويع سنة ١٩٨، ولكنها كالجاهلية للأدب الإسلامي، ولم تزل سنَّةً أن لا يَتم آخرُ شيءٍ إلا إذا كان النقص في أوله!

هوامش

(١) قلت: يبزه: بزًّا (بزْوًا): يطاول ويقهر.
(٢) هو أبو بكر بن الصائغ يُعرف بابن باجه، وإليه تنسب الألحان المطربة التي كان عليها الاعتماد في الأندلس، توفي سنة ٥٣٣.
(٣) نفح الطيب: ١ / ٣٤٥.
(٤) هو محمد بن أبي قلاعة البواب، سمع من أبي الحسن علي بن سليمان الأخفش عن المبرد كتابه الكامل المشهور، وأخذ أيضًا عن أبي إسحاق الزجاجي، وأبي بكر الأنباري، ونفطويه، وغيرهم.
(٥) نفح الطيب: ١ / ٣٩٢.
(٦) لم يكن الحاجب على المعنى المصطلح عليه اليوم، بل كان هذا اللقب خاصًّا بكبار الوزراء، فإن قاعدة الوزراء بالأندلس كانت في مدة بني أمية مشتركة في جماعة يعينهم صاحب الدولة للإعانة والمشاورة، ويخصهم بالمجالسة، ويختار منهم شخصًا ينوب عنه فيسميه بالحاجب، وقد عظمت هذه السمة حتى كانت أعظم ما تنوفس فيه.
(٧) التمدن الإسلامي: ١ / ١١٩.
(٨) قد مر الكلام عن معنى هذين اللفظين وما يرادفهما في الجزء الأول.
(٩) نفح الطيب: ٢ / ٤٩٢.
(١٠) نفح الطيب: ٢ / ١٥٦.
(١١) نفح الطيب: ١ / ٥٧٤.
(١٢) نفح الطيب: ١ / ٤٤٥.
(١٣) نفح الطيب: ٢ / ٧٢.
(١٤) نفح الطيب: ١ / ١٠٣.
(١٥) المعجب: ص٣٢.
(١٦) قلت: أشخَص فلانًا من بلده: أخرجه، وأشخص فلانًا إليه: بَعَثَ به.
(١٧) نفح الطيب: ١ / ١٥٧.
(١٨) نفح الطيب: ١ / ١٦٠.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١