القرن السادس وما بعده

بعد أن انقرض مُلك الطوائف واستوسق أمرها لابن تاشفين بما أظهر من النكاية في العدو والدفاع عن المسلمين وحماية ثغورهم، بلفَّ الجيوش إلى الجيوش، وصُدم الخيل بالخيل، عُدَّ من يومئذ في جملة الملوك وسُمِّيَ هو وأصحابه بالمرابطين. ولم يختلف عليه شيء من الأندلس، فانقطع إليه من أهل كل علمٍ فحولُه حتى ماجت بهم حضرته، ولم يجد بدًّا من أن يتبع سنن من قبله في تجميل الملك بهم؛ وبذلك اجتمع له ولابنه من أعيان الكتَّاب وفرسان البلاغة ما لم يتفق اجتماعه في عصر من عصور الأندلس، فكان من كتَّابه كاتب المعتمد على الله الوزير أبو بكر بن القصير، وكان على طريقة القدماء، من إيثار جزل١ الألفاظ وصحيح المعاني من غير التفات إلى السجع، إلا ما جاء من ذلك عفوًا، وكتب له أيضًا الوزير عبد المجيد بن عبدون، وهو من أبلغ الكتَّاب قاطبة إلى غيرهما من الفحول الذين لم يجدوا لهم ركنًا بالأندلس، وقد ذكرنا بعضهم، فإنه لم يشتهر بها بعد نكبة ملوك الطوائف ممن تفضل على أهل الأدب، غيرُ الوزير أبي محمد عبد الرحمن بن مالك المعافري، وكان شاعرًا بليغًا — فإنه جرى على سنن عظماء الملوك في ذلك حتى لم يُرَ بعده مثله، وتوفي سنة ٥١٨ — وكان إبراهيم ابن الأمير يوسف المذكور قد عقد في هذه الدرة سماءً، ولما قام بالأمر علي بن يوسف بن تاشفين سنة ٤٩٣ — وكان إلى أن يعد في الزهَّاد والمتبتلين أقربَ منه إلى أن يُعدَّ في الملوك والمتغلبين — اشتد إيثاره لأهل الفقه، فكان لا يقطع أمرًا في جميع مملكته دون مشاورة الفقهاء، وإذا ولَّى أحدًا من قضاته كان فيما يعهد إليه ألا يقطع ولا يبت حكومة في صغير من الأمور ولا كبير إلا بمحضر أربعة من الفقهاء٢ فبلغوا في أيامه ما لم يبلغوه في الصدر الأول من فتح الأندلس، ولم يكن يقرِّب منه ويحظى عنده إلا من أتقن علم الفروع، أي فروع مذهب مالك، فنفقت في ذلك الزمان كتب المذهب ونبذ ما سواها، وكثر ذلك حتى نُسِيَ النظر في الكتاب والسنة، ودان أهل ذلك الزمان بتكفير كل من ظهر منه الخوض في شيء من علوم الكلام، وقرر الفقهاء عن أمير المسلمين تقبيح هذا العلم وكراهة السلف له وأنه بدعة في الدين، وفي أشباه لهذه الأقوال حتى استحكم في نفسه بُغض الفلسفة وأهلها، فكان يكتب في كل وقت إلى البلاد بالتشديد في نبذ الخوض في شيء من علم الكلام وتوعَّد من وُجد عنده شيء من كتبه، ولما دخلت كتب الغزالي إلى المغرب أمر هذا الأمير بإحراقها، وتقدم بالوعيد الشديد، من سفك الدم واستئصال المال، إلى من وُجِد عنده شيء منها، واشتد الأمر في ذلك، فهذه أعظم نكبات الفلسفة، وهذا هو سببها: مغالبة الرزق وتهالك على السلطة، وإذا كانوا قد نسوا النظر في كتاب الله وسنة رسوله فلقد هان بعد ذلك أن تُحرق كتب الفلسفة وأن يُمثَّل بها كل تمثيل، ولما دخل محمد بن تومرت إلى مراكش، وهو أصل دولة الموحدين، أُحضر بين يدي هذا الأمير وجمع له الفقهاء للمناظرة، فلم يكن فيهم من يعرف ما يقول، إلا رجلًا أندلسيًّا اسمه مالك بن وهيب، وكان متحققًا بأجزاء الفلسفة، وقد شارك في جميع العلوم، غير أنه لم يكن يظهر إلا ما ينفق في ذلك الزمان.
وقد كان من وراء ذلك وتشعُّب هذه الفروع واستبحار هذا العلم أن الأمير يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن المتوفى سنة ٥٩٥ من أمراء الموحدين — لما نظر في هذه الآراء المتشعبة التي أُحدثت في دين الله ووجد في المسألة الواحدة أربعة أقوال وأكثر لا يُعرف في أيها يكون الحق — حمل الناس على الظاهر من القرآن والحديث وأراد محو مذهب مالك وإزالته من المغرب مرة واحدة، فأمر بإحراق كتبه بعد أن يجرِّد ما فيها من الحديث والقرآن، حتى لقد كان يؤتى منها بالأحمال فتوضع وتطلق فيها النار، وتقدَّم كذلك إلى الناس بترك الاشتغال في علم الرأي والخوض في شيء منه، وتَوَعَّدَ على ذلك بالعقوبة الشديدة، وأمر مَن عنده من المحدِّثين باستخراج مجموع من مصنفات الحديث العشرة، كالصحيحين والترمذي والموطأ وغيرها، فكان يمليه بنفسه على الناس ويأخذهم بحفظه، وجعل لمن حفظه الجعل السُّنِيَّ من الكساء والمال، فحفظه الخواص والعوام٣ وكان ذلك في سنة ٥٨٤.

غير أن الأمير علي بن يوسف لم يكن منصرفًا عن الأدب؛ إذ لا عداوة بينه وبين الفقه، فكان يستدعي أعيان الكتَّاب من جزيرة الأندلس، وكان عنده من مشاهيرهم أبو القاسم المعروف بالأحدب، وأبو بكر محمد المعروف بابن القبطرنة، وأبو عبد الله محمد بن أبي الحضال وكان صاحب المكانة لديه، لمشاركته في علوم الفقه، وأخوه أبو مروان، وعبد المجيد بن عبدون وغيرهم.

وكذلك كان أخوه إبراهيم بن يوسف بن تاشفين قد عقد للأدب في ذلك الجو سماءً أدار فلكها واستوى على عرشها فكان ملكها، وهو الذي ألَّف له الفتح بن خاقان كتابه الشهير الموسوم بقلائد العقيان، وكان يتودد في أوائل القرن السادس من خلفتهم ملوكُ الطوائف ومن تركهم أبوه من العلماء والشعراء والكتاب، وقد ذُكر كثير منهم.

ولم يزل أمر الأدب يتردد بين الأندلس وبر العدوة، حتى أعاد أمراء الموحدين مجده وعزَّه، وكان أوَّلهم عبد المؤمن الذي ولي سنة ٥٣٤، وكان من أشهر شعراء الأندلس في هذا الزمن: ابن حمديس، وابن الزقاق، وابن خفاجة، وابن بقي، والفيلسوف أبو بكر بن الصائغ، وأبو الحسن جعفر بن الحاج الميورقي الشاعر الشهير، وابن الصفار القرطبي، وغيرهم.

الأدب ودولة الموحدين

لما تفرَّق أهل الأندلس بعد الفتن التي كانت في أواخر القرن الخامس، كان منهم الكتَّاب والوزراء والشعراء والأدباء، فكان لا يُستعمل في بر العدوة بلديٌّ ما وُجد أندلسي؛٤ ومن أجل ذلك كان الأمراء يبعثون في طلبهم ويرغبون فيهم أشد الرغبة، إن لم يكن إحياءً لملك الأدب، فزينة لأدب الملك، وقد مر شيء من ذلك في دولة المرابطين، ولما ولي عبد المؤمن — من الموحدين — جرى على هذه السنة، فبعث يستدعي أهل العلم من البلاد إلى السكون عنده والجوار بحضرته، وأجرى عليهم الأرزاق الواسعة، وأظهر التنويه بهم والإعظام لهم إلا أنه لم يكن من شعرائه الخواص به من تلقى له أزمة القول، حتى إنه لما تغير على وزيره الكاتب البليغ أبي جعفر بن عطية، امتحن مَن عنده من الشعراء بهجوه، فلما أسمعوه ما قالوا أعرض عنهم وقال: ذهب ابن عطية وذهب الأدب معه!٥
ولما خرج بجموعه يقصد الأندلس، وكانت قد اختلت أحوالها، نزل مدينة سبتة، فعبر البحر ونزل الجبل المعروف بجبل طارق، وسمَّاه هو جبل الفتح — وفد عليه في هذا الموضع وجوه الأندلس للبيعة، فكان له هناك يوم عظيم، استدعى فيه الشعراء ابتداءً ولم يكن يستدعيهم قبل ذلك، إنما كانوا يستأذنون فيؤذَن لهم، وعلى بابه منهم طائفة أكثرهم مجيدون٦ فأنشده أبو عبد الله محمد بن حبوس من مدينة فاس، وهو الذي كان في دولة لمتونة مقدَّمًا في الشعراء، والطليقُ المرواني، وابن سيد اللِّص؛ وهو نحوي كان يُغير على أشعار الناس فنبز بهذا اللقب،٧ والرصافيُّ، وكان يومئذ حدثًا، وغيرهم، وقد ولي عبد المؤمن بعض أولاده على جهات الأندلس، فولي غرناطة وأعمالها ابنه عثمان، ويكنى أبا سعيد، وكان محبًّا للآداب مؤثرًا لأهلها، يهتز للشعر ويثيب عليه، فاجتمع له من وجوه الشعراء وأعيان الكتَّاب عصابة كانت البقية الباقية من ضوء ذلك النهار، ثم صارت الدولة إلى يوسف بن عبد المؤمن في سنة ٥٥٨ وكان في حياة أبيه قد ولي إشبيلية وأعمالها، نزل منها محل المعتمد ووقف على آثار دولته، فاختلط هناك بعلمائها، كالأستاذ اللغوي ابن ملكون وغيره، وجعل يأخذ عنهم، وصرف عنايته إلى كلام العرب وحفظ أيامهم ومآثرهم وأخبارهم في الجاهلية والإسلام، حتى صار أسرع الناس نفوذَ خاطر في غوامض النحو ومسائل العربية، مع مشاركة في علم الأدب واتساع في حفظ اللغة، ثم طمح به شرف نفسه وعلوُّ همته إلى تعلم الفلسفة، فجمع كثيرًا من أجزائها، وبدأ من ذلك بعلم الطب، ثم تخطَّاه إلى ما هو أشرف منه من أنواع الفلسفة، وأمر بجمع كتبها فاجتمع له منها قريب مما اجتمع للحكم المستنصر، وما كان ينتهي إليه خبر كتاب منها عند أحد إلا أخذه وعوَّض عليه ما هو خير له، ولم يزل يجمع الكتب من أقطار الأندلس والمغرب، ويبحث عن العلماء وخاصة أهل العلوم النظرية، إلى أن صارت حاضرته بذلك أشبه بحاضرة خلافة علمية، وكان ممن صحبه من فلاسفة الإسلام، أبو بكر محمد بن طفيل، تلميذ أبي بكر بن الصائغ، وقد كان أمير المؤمنين أبو يعقوب هذا شديد الشغف به والحب له حتى كان يقيم عنده في القصر أيامًا ليلًا ونهارًا لا يظهر، وهو الذي تولى جلب العلماء إليه من جميع الأقطار، ونبه على أقدارهم، ولولاه ما كان ابن رشد أعظم فلاسفة الأندلس شيئًا مذكورًا؛ إذ هو الذي نوَّه به حتى عظم قدره، وتقدَّم إليه في تلخيص كتب أرسطوطاليس. وتقريب أغراضها. وكان من كتاب أبي يعقوب أبو عبد الله محمد بن عياش بن عبد الملك، وهو الذي جرى على طريقة خاصة في الإنشاء توافق طريقة هؤلاء الأمراء وتصيب ما في أنفسهم، ثم جرى الكتَّاب من أهل ذلك المصر بعده على أسلوبه وسلكوا مسلكه، لما رأوا من استحسانهم لتلك الطريقة،٨ وكان أشهر شعرائه وشاعر المغرب في وقته أبو بكر بن مجير الأندلسي المتوفى سنة ٥٨٧، ومن شعراء زمنه وزمن أبيه الرصافي، والكندي، وأبو جعفر بن سعيد، وابن الصابوني شاعر إشبيلية ووشَّاحها، وابن إدريس الرندي.
وتوفي أبو يعقوب سنة ٥٨٠ فقام بعده يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، وكان قد وزر لأبيه فبلغ غاية بعيدة من مطالعة الأمور وتقدير الرجال، فكأنما استوفى حظه من إكرام الفلسفة ووفَّاها قسطها في ذلك الزمن؛ لأنه ما كاد يتصل به الأمر حتى أراد أن يرجعها بدوية ساذجة يجري فيها على سنن الخلفاء الراشدين، فكان يتولى الإمامة بنفسه في الصلوات الخمس ثم كان يقعد للناس عامة لا يحجب عنه أحد، حتى اختصم إليه رجلان في نصف درهم!٩ وقد سلف ما كان من نظره في كتب الرأي وتقدمه بإحراقها، وحكوا عنه أنه لما أزمع الخروج إلى بعض غزواته سنة ٥٩٢ كتب إلى جميع البلاد بالبحث عن الصالحين والمنتمين إلى الخير وحملهم إليه، فحصل على جماعة كبيرة منهم كان يجعلهم كلما سار بين يديه، فإذا نظر إليهم قال لمن عنده: هؤلاء الجند لا هؤلاء! مشيرًا إلى العسكر؛ ولعله يحكي في ذلك قتيبة بن مسلم الفاتح الشهير، فإنه حين لقي الترك وكان في جيشه أبو عبد الله محمد بن واسع، جعل يُكثير السؤال عنه، فأُخبر أنه في ناحية من الجيش متكئًا على سية قوسه رافعًا إصبعه إلى السماء ينضنض بها، فقال قتيبة: لتلك الإصبع … أحب إليَّ من عشرة آلاف سيف.

نكبة الفيلسوف ابن رشد

وفي أيام يعقوب هذا نالت أبا الوليد بن رشد فيلسوف الأندلس المحنةُ الشديدة التي أظلمت أسبابها على الأقلام ظلمة المداد، وأقام لها الكتَّاب من كلامهم مناحة وألبسوها من صحفهم ثياب الحداد، وقد تكلم عنها الكتبة من العرب، كالذهبي والأنصاري وابن أبي أصيبعة وعبد الواحد بن علي التميمي صاحب كتاب المعجب، وكان يومئذ حيًّا، ثم تناولها كذلك المؤرخون من الإفرنج وبسطوا فيها العبارة، كالفيلسوف رينان وغيره، وهم إنما حاروا في أسبابها؛ لأن ابن رشد كان قاضي القضاة، وكان مقربًا عند يعقوب وأبيه حتى إن يعقوب جاوز به مجلس أخصائه وأدناه فوق ما يؤمل، ولكن أكثر أولئك لم يرجعوا في سبب هذه المحنة إلى سيرة يعقوب هذا؛ لأنها لا تخرج عن أن تكون خلقًا من أخلاقه أو نزوة لبعض هذه الأخلاق، وإنما أعمال المرء بخيرها وشرها ميزان، وسيرته موضع اللسان منه، فهي تنطق بصواب التمييل بين الكفتين وتدل على حقيقة الترجيح، وقد أسلفنا من أمر هذه السيرة ما يتعين معه الحكم بأن الأمير يعقوب لا يبغض الفلسفة مستقيمة في كتبها، ولكنه يبغضها معوجَّة في الألسنة؛ إذ تزيغ بها القلوب الخفيفة، وتضلُّ العقول الطائشة، فلما نتأ رأس الفتنة، وأصبح الكلام على أن يشيع في العامة ويتقلب على الألسن ويختلط بالأهواء ووجوه التأويل، لم يكن بدٌّ من أن يحسم الأمير مادة الفتنة ويتقي الله في عامته، وهو الرجل الذي يحكمهم بالقلب المطمئن ويحوطهم بالنظرات المحككة، فلا يزال يتحرى العدل بحسب طاقته وما يقتضيه إقليمه والأمة التي هو فيها، ولذلك نستبعد نحن أن يكون سبب هذه المحنة غضبًا من المنصور لمن يناوئ الفيلسوف، أو موجدة عليه لأنه ذكر في شرح كتاب الحيوان لأرسطاطاليس أنه رأى الزرافة عند ملك البربر — يعني المنصور — فغفل عما يتعاطاه خدمة الملوك ومتحيلو الكتاب من الإطراء والتقريظ، ولا أن ابن رشد كان يؤثر أبا يحيى على أخيه يعقوب ولا ما أشبه ذلك مما لا يلتئم مع سيرة المنصور بتَّةً؛ إذ هو لا يخرج من جلده ويترك فضلات روحه ويخلق رجلًا جديدًا يحب التمليق والمداهنة ويؤثر الكبرياء ويفسح من صدره للغيبة والنميمة من أجل ابن رشد ولكي يشدُّ عليه هذه الشدة، ولولا ذلك ما جمع فقهاء قرطبة وأخذهم بأن ينظروا في كتب الفيلسوف فإما التحريم وإما التحليل.

وقد كان الأمير أتقى لله من (أن يهين شيبة مسلم) ويلعن رجلًا يقول ربي الله، أو يغمض في رأي من يشير بذلك، ولكنه أراد أن يبرأ من هذه التبعة، ويتحلل من عهدة ما عسى أن يكون خطأ، فجمع الفقهاء لتكون كلمتهم الحكم على العامَّة بالسكوت، فإنهم إذا خاضوا في ذلك وتُرك الأمر على ما هو، فشت لهم فاشية من الضلال وَوَجَدَ الناس السبيل إلى خذلان هذا الأمير في غزواته، وهو الذي كان يذكر البلاد المصرية وما فيها من المناكر والبدع ويقول: نحن إن شاء الله مطهروها! ولم يزل هذا عزمه إلى أن مات.١٠

هذا ما نراه من سبب المحنة، وهو الحق لا ريب فيه، أما تفصيلها فهو قار في موضعه من كتب من ذَكرناهم في صدر هذا الفصل فلا يفوت من يلتمسه، وقد أبعد الفيلسوف بعد ذلك إلى … بلدة قريبة من قرطبة يسكنها اليهود، وأبعد من يقول بقوله أو يتكلم في علوم الفلسفة، ومنهم القاضي أبو عبد الله بن إبراهيم الأصولي الذي يقال إنه خرَّج كلمة (ملك البربر) ونبَّه على أنها محرفة عن (ملك البرين)، وأبو جعفر الذهبي، ومحمد بن إبراهيم قاضي بجاية، وأبو الربيع الكفيف، وأبو العباس الشاعر، ثم كُتبت الكتب عن المنصور إلى البلاد بالتقدم إلى الناس في ترك هذه العلوم جملة واحدة، وبإحراق كتب الفلسفة كلها إلا ما كان من الطب والحساب وما يُتَوصَّل به من علم النجوم إلى معرفة أوقات الليل والنهار وأخذ سمت القبلة. فأشبع الناس من كتب الفلسفة هذه النار التي بقيت في الأندلس إلى زمن ديوان التفتيش تقول: هل من مزيد؟ ولكن المنصور لما رجع إلى مراكش نزع عن ذلك كله وجنح إلى تعلم الفلسفة، وأرسل يستدعي أبا الوليد من الأندلس إلى مراكش للإحسان إليه والعفو عنه، فحضر ولكنه مرض بها مرضه الذي مات فيه سنة ٥٩٤، وتوفي بعده يعقوب صدر سنة ٥٩٥.

وكان في زمنه من أمراء الكتاب والشعر: أبو عبد الله بن وزير الشلبي المشهور من أمراء كتَّاب إشبيلية، وشعره يشبه شعر أبي فراس الحمداني، وكان أحد فرسان الأندلس، وابنه أبو محمد غير مقصر عنه فروسيةً وأدبًا وشعرًا،١١ وقد كثر الشعر في زمنه وجمَّ أهله ولكنه شعر اتِّباع لا شعر ابتداع؛ إذ لم ينشأ في الأندلس بعد القرن الخامس من يعدُّ في أوائل شعرائها، ومن كثرة الشعر يومئذ أن المنصور لما قفل من غزوة الأراكة الشهيرة سنة ٥٩١ وَرَدَ عليه الشعراء من كل قطر يهنئونه فلم يمكن لكثرتهم أن ينشد كل إنسان قصيدته، بل كان يختص منها بالإنشاد البيتين والثلاثة المختارة، فدخل أحد الشعراء فأنشده:
ما أنت في أمراء الناس كلهم
إلا كصاحب هذا الدين في الرسل
أحييتَ بالسيف دين الهاشمي كما
أحياه جدَّك عبد المؤمن بن علي
فأمر له بألفي دينار ولم يصل أحدًا غيره، لكثرة الشعراء، وأخذًا بالمثل: «منعُ الجميع إرضاءٌ للجميع» وقد انتهت رقاع القصائد إلى أن حالت بينه وبين من كان أمامه١٢ وهذا وحده ينهض دليلًا على أن الشعر يومئذ كان متجرًا حقيقيًّا لا يُتَأَدَّبُ به، فلا يخرج من روح الشاعر إلى قلبه حتى يبقى أدبًا، ولكنه يخرج من لسانه إلى يده فينقلب مادة. وقد كان ذلك قبل زمن عبد المؤمن؛ لأنه لما مدحه الحسيب أبو القاسم بن سعدة الأوسيُّ، وكان جده ملك وادي الحجارة، كتب اسمه وزيرُ عبد المؤمن في جملة الشعراء، فلما وقف الأمير على ذلك ضرب على اسمه وقال: إنما يُكتَبُ اسمُ هذا في جملة الحساب (أصحاب الحسب) لا تدنسوه بهذه النسبة، فلسنا ممن يتغاضى على غمط حسبه١٣ إلا أن ذلك لم يمنع أن يكون بينهم نفر قليلون يقومون على الأدب.

وممن ختم بهم القرن السادس من أولئك: محمد بن سفر الشاعر الكبير، وأبو بحر صفوان بن إدريس المتوفى سنة ٥٩٨، وأبو جعفر الحميري الحافظ أديب الأندلس المتوفى سنة ٦١٠، وغيرهم وإن كانوا قليلين.

بعد القرن السادس

ابتدأت الفتن بعد هذا القرن تتقلب حتى ذُل الأندلسيون سنة ٧٤١ حين اتحد ملوك الإسبانيول وملك البرتغال على العرب فهزموهم، ثم عادوا ثانيةً مع ملوك إيطاليا واستولوا على الجزيرة الخضراء سنة ٧٤٣ ولم يبقَ في حوزة الأندلسيين إلا غرناطة، وكان بعد ذلك الزمن الذي انتهى بجلاء الأندلسيين في أوائل القرن العاشر، وفي كل هذه المدة كان ينبغ الشعراء والكتَّاب وأهل العلوم، إلا أن المشاهير منهم كانوا يعدون بالنسبة إلى ضعف الزمن وسفاهة التصرف في إرث تلك الحضارة القديمة — على قاعدة المثل السائر: واحد بالمائة، ورجُل يفي بالفئة، وكانوا مع ذلك في الأغلب إنما يقلدون المعاصرين من أدباء المشرق، كالصفدي وغيره، فيتبعونهم في الصناعات اللفظية ونحوها، وكان لأكثرهم رحلة إلى هؤلاء، يجتمعون بهم ويأخذون عنهم، كما فعل ابن جابر صاحب بديعية العميان، ورفيقه الألبيري؛ وابن سعيد المغربي، وغيرهم، خصوصًا وقد كانت دولة الشعر قائمة يومئذ — في القرن السابع — بحضرة الناصر ملك الشام الذي ألبسها من عِزه تاجًا، وأحلَّها من سمائه أبراجًا.

وممن نبغ في القرن السابع أبو جعفر أحمد بن طلحة الوزير الكاتب الذي كتب عن ولاة من بني عبد المؤمن، ثم استكتبه السلطان ابن هود وقُتل سنة ٦٣١ وهو مبدع في نثره وشعره معًا، وكان يرى نفسه فوق أبي تمام والبحتري والمتنبي؛ لأن أكثر مدارسة الشعر يومئذ كانت منصرفة إلى دواوين هؤلاء الثلاثة كما هي إلى اليوم، وكما تكون بعد اليوم إلى ما شاء الله، وابن سهل الإسرائيلي الشاعر الشهير المتوفى سنة ٦٤٩، وأبو المطرف بن عميرة الإمام الكاتب المتوفى سنة ٦٥٨، وابن مرج الكحل الشاعر المتوفى سنة ٦٣٤.

وكان من نابغي القرن الثامن ابن الجياب المتوفى سنة ٧٤٩. وأبو يحيى بن هذيل المتوفى سنة ٧٥٣ — وسيأتي ذكره في فلاسفة الشعراء، وأبو القاسم بن جزي المتوفى سنة ٧٥٠ وكلهم من أشياخ لسان الدين بن الخطيب وزير بني الأحمر، وهو أشهر أدباء هذا القرن شعرًا وكتابةً وتفننًا في العلوم، وقد وضع في شعراء هذا القرن كتابًا سماه الكتبة الكامنة في شعراء المائة الثامنة، إلا أنه على ما أُرجِّح عد فيه طبقات العلماء، وإذ كان لا يخلو أحدهم من أن يكون على شيء من الأدب يحمله على شيء من الشعر، وكذلك فعل في الإحاطة، ثم كان شاعر ما بقي من الأندلس بعد لسان الدين، هو العربي العقيلي الشاعر الوشاح، واشتهر بعده أيضًا تلميذه ابن زمرك وزير الغني بالله.

أما القرن التاسع وهو الذي مرَّ على أطلال الأندلس، فكان في نصفه الأول الوزير الكاتب القاضي أبو يحيى بن عاصم الذي يقول عنه الأندلسيون: إنه ابن الخطيب الثاني، وكان في نصفه الأخير قاضي الجماعة ابن الأزرق الشاعر المنشئ الفقيه المتوفى سنة ٨٩٥، وصارت الأندلس بعد ذلك أرضًا صماء لا ترجع الصدى، واستعجم تاريخها فكأنما بدأ غريبًا وعاد كما بدأ.

هوامش

(١) قلت: جزل الألفاظ: خلاف الركيك (وهو الضعيف)، والجزيل: العاقل الأصيل الرأي كما في القاموس.
(٢) المعجب: ص١١٠.
(٣) المعجب: ص١٨٤.
(٤) نفح الطيب: ٢ / ١٢٤.
(٥) نفح الطيب: ٣ / ١٠١.
(٦) المعجب: ص١٣٧.
(٧) بغية الدعاة: ص١٥٠.
(٨) المعجب: ص١٧٤.
(٩) المعجب: ص١٨٩.
(١٠) المعجب: ص١٨٨.
(١١) نفح الطيب: ٢ / ٥٨٢.
(١٢) نفح الطيب: ٢ / ٤٣٠.
(١٣) نفح الطيب: ٢ / ٢٥٣.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١