مقدمة الطبعة الثالثة

في نهاية الطبعة الثانية من هذا الكتاب لخَّصْنا زُبدة الآراء الراجحة فيما تستطيعه العلوم الحديثة من الحكم الصادق في مسألة الحقيقة الإلهية، فقلنا: «إن العلوم الطبيعية ليس من شأنها أن تُخَوِّل أصحابَها حقَّ القول الفصل في المباحث الإلهية والمسائل الأبدية؛ لأنها من جهة مقصورة على ما يقبل المشاهدة والتجربة والتسجيل، ومن جهة أخرى مقصورة على نوع آخر من الموجودات، وهي — بعد هذا وذاك — تتناول عوارض الموجودات ولا تتناول جوهر الوجود، وهو لا يدخل في تجارب علم من العلوم.»

واستطردنا في هذا التلخيص قائلين: «ولكن العالم الطبيعي يحقُّ له إبداء الرأي بحق العقل والدليل والبديهة الواعية؛ لأنه إنسان يمتاز حقه في الإيمان بمقدار امتيازه في صفات الإنسان. أما العلم نفسه فلا غنى له عن البديهة الإنسانية في تلمس الحق بين مجاهل الكون وخوافيه، فكيف تسري المقررات العلمية بين العلماء — فضلًا عن الجهلاء — لولا ثقة البديهة؟ كيف يعرف المهندس صدق الطبيب في مباحثه العلمية؟ ولا نقول: كيف يعرفها الجاهل بالطب والهندسة؟ ما من حقيقةٍ من هذه الحقائق تسري بين الناس بغير ثقة البديهة وثقة الإيمان، وما من حقيقةٍ من هذه الحقائق يعرفها جميع المنتفعين بها معرفة العلماء أو يمكن أن يعرفها جميع الناس كما يعرفها بعض الناس، وهي مع ذلك مسائل محدودة يُتاح العلم بها لمن يشاء، فلماذا يخطر على البال أن حقيقة الحقائق الكبرى تستغني عن ثقة البديهة الإنسانية ولا يتأتَّى أن تقوم في روع الإنسان إلا بتجارب المعامل التي يباشرها كل إنسان؟»

وقد مضى العلم قُدُمًا في كشوفه وبحوثه عن حقيقة المادة وحقيقة ما وراءها خلال هذه السنوات، فلم يظهر في هذه الكشوف والبحوث ما يزيد دعوى العلم الحديث أكثر مما تقدم: قصاراه أن يذهب مع التجارب العقلية والحسية إلى غاية أشواطها، ثم ينتهي إلى عمل البديهة؛ لإدراك أقرب الموجودات إلى الحس وأبعدها منه، على حدٍّ سواء.

ويبدو أن الفلسفة اللاهوتية والفلسفة العلمية تتلاقيان على هذا الاتجاه، فلا تدعي الفلسفة اللاهوتية أنها أقدر من العلم على بلوغ أسرار الحقيقة الكبرى، وإنما غاية ما تدعيه أن الحقيقة الكبرى فرض محتوم كفروض الرياضة الصحيحة التي نسلمها لنقيس عليها الحقائق البرهانية.

ونحن نكتب هذه المقدمة في أواخر السنة ١٩٥٩ وأمامنا كتاب في موضوع الفلسفة الإلهية وخبر عن جائزة نوبل التي مُنحت للممتازين بخدمة العلم الطبيعي هذه السنة، فإذا بنا واقفين مع الفلسفة واللاهوت والعلم الطبيعي معًا عند نهاية أشواط الحس والفكر وبداية أشواط البديهة. ثم لا سبيل إلى الرجوع خطوة في هذه الطريق، ولا سبيل إلى التقدم وراءه خطوة واحدة بالتجربة الحسية أو العلمية.

بين أيدينا كتاب البروفيسور ﻫ. د. لويس Lewis الذي سماه «تجربتنا الإلهية» أو تجربتنا عن الإله Our Experience of God ولخص بها نتائج البحث المشروعة عن الحقيقة الإلهية، فما هو غاية المدى الذي تذهب إليه الفلسفة في رأي هذا الفيلسوف؟

غاية المدى في رأيه أن الحقائق التي يقررها العلم والفكر لا تعدو أن تكون حقائق نسبية أو حقائق بالإضافة إلى غيرها كما نقول في مصطلحات المنطق العربية، وبعض هذه الحقائق مقياس لبعض، ولكنها جميعًا لا تثبت للذهن بحالٍ من الأحوال بغير القياس إلى حقيقة مطلقة أبدية تحيط بها جميعًا، وهي الحقيقة الإلهية.

وليس البروفسور «لويس» ممن يستضعفون البراهين الفكرية التي يُستعان بها على إثبات وجود تلك الحقيقة، وليس هو كذلك ممن يقنعون بها، ويحسبونها يقينًا قاطعًا يحسن السكوت عليه، ولكنه يرى أن هذه البراهين هي واجب العقل الذي لا يجوز له أن يتخلى عنه في سعيه إلى هذه الحقيقة وإلى كل حقيقة، أو لا يجوز له أن يركن إلى البديهة وحدها، ويعفي نفسه مما هو قادر عليه، فإنه لا يستطيع أن يثق بالبديهة إن لم يبلغ بالبحث غاية الأمد المستطاع، وقد يشعر العقل أحيانًا أنه وثب بالإدراك الملهم وثبة تذهب به وراء المدركات التجريبية والمدركات الفكرية أو المنطقية، ولكن هذه التجارب القاصرة هي جزء من التجربة الإلهية وليست شيئًا مناقضًا لها أو مستوعبًا لجميع أجزائها.

ولو كان الفيلسوف لويس من المتصوفة القائلين بإمكان المعرفة من طريق الاتحاد بين الله والإنسان لما كان لفلسفته محل من البحث الحديث ولا البحث العلمي الفكري على إطلاقه، فهو لا يقول بإمكان هذا الاتحاد الإلهي الإنساني، ولا يسميه تجربة إنسانية في سبيل العرفان بالله، بل هو يرى أن المتصوفة يخطئون التعبير عن هذه التجربة، وينبغي أن يفرقوا بين معرفة تقوم على فناء الإنسان في الذات الإلهية ومعرفة تقوم على إدراكه لوجوده في صميمه، ثم إدراكه لما هو أعظم منه وأرفع من شأوه، ومحل فلسفة لويس من البحث الحديث أنه لا يعيد لنا عبارات الاتحاد والفناء ووحدة الوجود كما رددها بعض المتصوفة من جميع المذاهب، ولكنه يأتي بالجديد حين يقول: إن إدراك الحقيقة المطلقة عمل إنساني يعالجه الإنسان بما عنده من الوسائل المحدودة، وكل ما هنالك أنها وسائل غير كافية تحتاج إلى تتمة، فهي لا تعطينا كل شيء ولا تحيط بكل شيء، ولكن الفرق بينها وبين المعرفة الواجبة إنما هو فرق بين ناقص وتام وليس بفرقٍ بين باطل وحق، ولا بين شك ويقين.

وعلى الجملة يمكن أن تدل فلسفة لويس، ونظائرها من الفلسفات الدينية في هذا العصر، إلى نتيجتين:
  • أولاهما: أن أدلة المنكرين غير كافية للإنكار، فليس عندهم من دليل مقنع يستند إليه العالم أو المفكر في الجزم بإنكار وجود الله.
  • وثانيتهما: أن أدلة المؤمنين كافية لبعض الإثبات، ولا بد من ملاحظة الفرق بين هذا القول وبين القول بأن تلك الأدلة لا تكفي للإثبات على وجه من الوجوه، فإن ما يثبت بعض الثبوت بالعقل، ويتم ثبوته بعد ذلك بالبديهة غير الدعوى التي ليس لها ثبوت على الإطلاق، وبخاصة حين نعلم أن الاعتماد على البديهة سند معول عليه في الدراية الإنسانية، كما يعول الطبيب على حقائق الهندسة ويعول المهندس على حقائق الطب، ويعول الناس جميعهم في الحكم ببديهتهم على الحقيقة التي لا يحيطون بها كل الإحاطة.

أما المباحث التي اختص أصحابها بجائزة نوبل العلمية لهذه السنة فهي ذات مغزى كبير في التعريف بالأقيسة النسبية والأقيسة المطلقة أو المجردة من ناحية أخرى: وهي ناحية الحقيقة المادية.

فالباحثون في تركيب المادة يبحثون في البروتون والبوزيترون والكهرب والنيوترون، ويعلمون أنها جميعًا موجودات بالنسبة إلى غيرها، ولم يعرف بعد كيف يكون وجودها إذا انفردت بذاتها.

فالبروتون كهربة موجبة بالقياس إلى السالبة، والنيوترون كهربة محايدة بالنسبة للاثنين، والسالبة تلتزم السلب في علاقتها بالكهربات الأخرى، وقد يكون بعض هذه الموجودات سالبًا في حالة وموجبًا في حالة أخرى.

وهذه كلها موجودات اعتبارية بالقياس إلى غيرها، فكيف يكون وجود المادة المجردة من جميع هذه الاعتبارات؟ وكيف تكون المادة المطلقة على قدر ما نتصور الإطلاق في هذه الموجودات؟

إننا أشرنا إلى تجارب علماء «كليفورنيا» في هذه المباحث في باب العوالم الأخرى من كتاب «القرن العشرون ما كان وما سيكون» وذكرنا أنهم يحتملون وجود كائنات لا مادية Anti-Matter على بعض العوالم الأخرى، ولا نعلم ماذا ثبت من هذه الكائنات اللا مادية في مباحث البروتون التي أجراها العلماء المجازون وزملاؤهم المشتغلون بها في شتى الميادين، ولكن المهم في الأمر أن الحقيقة المادية والحقيقة المجردة لا تتناقضان عند العلم الحديث، خلافًا لما جرى عليه العرف بين عامة الباحثين إلى عهدٍ قريب.

فقد كان العرف الشائع إلى أوائل القرن العشرين أن البحث عن الحقيقة المجردة والبحث عن الحقيقة المادية طريقان متعارضان، ينبغي لمن يتوخى أحدهما أن يولي ظهره للآخر، ولا يترقب الوصول إلى غاية معقولة من سلوكه إياه.

فاليوم قد تبين — على الأقل — أن الإمعان في البحث عن حقيقة المادة يؤدي بنا إلى الحقيقة المجردة وينتهي بنا إلى التسليم بكائنات «لا مادية» تخالف ما كنا ندركه من صور المادة المحسوسة.

ولا بد من الحقيقة المجردة إلى جانب الحقائق الاعتبارية، أو الحقائق التي يقاس بعضها إلى بعض ولا تستقل بذواتها عن وجود آخر وراءها، وجود يسميه علماء المادة أنفسهم وجودًا «لا ماديًّا» للتمييز بينه وبين الموجبات والسوالب والمحايدات وسائر هذه المضافات.

إن السنوات التي مضت منذ تأليف هذا الكتاب عن «الحقيقة الإلهية»، قد تقدمت بنا في طريقنا ولم تزل تتقدم بنا فيه وتحطم الحواجز التي يُخيل إلينا بادئ الرأي أنها تنكص بنا عنه أو تتشعب بنا حوله.

فإذا أردنا أن نلخص ذلك كله في سطورٍ قليلة فخلاصته الواضحة أن الإيمان بالمحسوسات ينقص على أيدي التجارب العلمية نفسها ويحل محله إيمان بالغيب المجرد الذي لا يُوصف بالمادية، أو كما قلنا في كتابنا «عقائد المفكرين»: إن القرن العشرين عصر الشك في الإلحاد والإنكار بمقدار ما كان القرن الذي قبله عصر الشك في الإيمان والنظر إلى الغيب المجهول.

وكيف يكون الموقف يا ترى عند نهاية هذا القرن العشرين؟

لا نراه مؤدِّيًا بنا إلى رجعة عن هذا الطريق، بل نراه — علميًّا كما نراه دينيًّا — يمعن بنا في هذه الوجهة التي لمحناها على كثب يوم ختمنا هذا الكتاب عن الحقيقة الإلهية في طبعته الأولى، ولعل طبعاته المتوالية أن تكون في تقدير قرائه معالم متوالية لهذا الطريق المحدود إلى أن يشاء الله.

عباس محمود العقاد

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠