الفلسفة بعد الأديان الكتابية

نشأت المذاهب الفلسفية بعد الأديان الكتابية متأثرة بها على نحوٍ من الأنحاء: فإما للموافقة وإما للمخالفة وإما للمناقشة والتفسير.

فقد كان الفلاسفة يولَدون هودًا أو مسيحيين أو مسلمين، فيأخذون في التوفيق بين أديانهم وبين الفلسفة التي تعلموها أو علموها، ومن ألحد منهم فإلحاده في معظم الأحيان إنما هو إنكار لعقائد الأديان، وليس بالمذهب القائم على حدة بمعزلٍ عنها، وعلى غير علم أو مبالاة بوجودها.

وكان أقدم النِّحَل الفلسفية التي شاعت بعد اليهودية والمسيحية مذهب المعرفيين أو الجنوسيين Gnostics الذي تقدم السيد المسيح بزمنٍ قصير.

وكان الغرض منه استخلاص المعرفة من جميع العقائد التي كانت يومئذ معتقدة مرعية بين أمم الحضارة، فأخذ من المجوسية والفرعونية واليهودية والوثنية الإغريقية، كما أخذ من فلاسفة اليونان، ولا سيما فيثاغوراس.

ولما شاعت المسيحية آمن بها أكثر المعرفيين وأدخلوا في مذهبهم عقيدة البنوة الإلهية وعقيدة الخلاص على نحو يوفق بين الفلسفة والدين، وكان إمامهم الأكبر بعد المسيحية فالنتينوس valentinus من الإغريق المتمصرين، فافتتح في رومة سنة ١٤٠ مدرسة لتعليم مذهبه وأضاف إليها كثيرًا من الشعائر والرموز والتأويلات.

وخلاصة «الفلسفة المعرفية» أن عالم الغيب — أو العالم غير المرئي — وجد فيه منذ الأزل «الأب السرمدي» ومعه الصمت المطلق، والحقيقة الأبدية، وأن الأب السرمدي أودع العقل في الصمت، فالعقل ولده ونده لأنه عقله، ومن ثم كانت أصول القدم أربعة كما في مذهب فيثاغوراس، وهي: الأب والصمت والحقيقة والعقل أو «الكلمة» كما كانوا يسمونه في بعض الأحيان.

ويأخذ المعرفيون من المجوسية إيمانها بعنصري النور والظلام، ويزيدون عليها أن حُجُبَ الظلام تحول بين الإنسان وبين رؤية الله، ويقولون إنها سبعة آلاف حجاب تمر بها الروح الإنسانية في هبوطها من العالم الأعلى إلى عالم الفساد، وعملها — وهي في ثوب الجسد — أن تشق هذه الحجب وترتفع إلى نور الله من جديد.

وقد نشأ الشر بخروج روح من الأرواح العلوية من عالم النور إلى عالم الظلام، فكل ما في عالم الأجساد هو صنع ذلك الروح، وهذه هي الخطيئة الأصلية في رأي المعرفيين.

وهم يعتقدون أن «المعرفة» هي سبيل الخلاص والرجعة إلى الله؛ لأن المعرفة تبدد حجب الظلام حجابًا بعد حجاب، فلا يبقى في النهاية غير النور المطلق، وهو الله.

والمعرفيون لا ينكرون تعدد الأرباب دون الإله الأكبر وهو الأب السرمدي، بل يؤمنون بوجود آلهة أخرى بمثابة أرواح نورانية أو أرواح ظلامية، ويحسبون إله العهد القديم في عداد هذه الأرواح.

ولولا أن المعرفية هي أول محاولة عقلية لاستخلاص العقائد من الأديان والفلسفات لما اتصلت لها بالفلسفة علاقة تذكر في معرض الكلام على المباحث العقلية؛ لأنها أشبه بنِحَل العباد منها ببحوث المفكرين.

•••

وأول مفكر تَقَدَّمَ المفكرين بعد الميلاد وتَخَلَّص من هذه التلفيقات الوثنية وواجه الحكمة والدين بعقل الفيلسوف وسليقة المؤمن — هو أفلوطين إمام الأفلاطونية الحديثة، الذي ولد بإقليم أسيوط في السنوات الأولى من القرن الثالث للميلاد.

وهو أجدر فيلسوف أن يُحسب من صميم المتصوفة، أو يقال عنه بغير جدال إنه إمام التصوف الذي امتزجت آراؤه بالطرق الصوفية ولا تزال تمتزج بها إلى هذا الزمان.

وقد بلغ أفلوطين غاية المدى في تنزيه الله، فالله عنده فوق الأشباه وفوق الصفات ولا يمكن الإخبار عنه بمحمول يطابق ذلك الموضوع.

بل هو عنده فوق الوجود.

وليس معنى ذلك أنه غير موجود أو أنه عدم؛ لأن العدم دون الوجود وليس فوق الوجود، وإنما معناه أن حقيقة وجوده لا تقاس إلى الجواهر الموجودة ولا تدخل معها في جنسٍ واحد ولا تعريفٍ واحد، فهو «أحد» بغير نظير في وجوده ولا في صفاته ولا في كل منسوب إليه.

ويغلو أفلوطين أحيانًا فيقول إن الله لا يشعر بذاته؛ لأنه لا يميز ذاته من ذاته فيعرفها، ولكنه لصفاء وجوده يتنزه عن ذلك التمييز ويتنزه عن ذلك الشعور.

وبديه أن هذا المذهب يقتضي وسائط متعددة لربط الصلة بين هذا الإله «الأحد» الملطق الصفاء، وبين المخلوقات العلوية وهذه المخلوقات السفلية — ولا سيما خلائق الحيوان المركب في الأجساد.

وهكذا لزم أفلوطين أن يقول: إن الواحد خلق العقل، وإن العقل خلق الروح، وإن الروح خلقت ما دونها من الموجودات على الترتيب الذي ينحدر طورًا دون طور إلى عالم الهيولى أو عالم المادة والفساد.

وليست مسألة الخلق مسألة مشيئة في مذهب أفلوطين، بل هي مسألة ضرورة لازمة من طبيعة الخير الذي هو الله، فالخير يعطي ضرورة وينشأ من عطائه ضرورة شيء من الأشياء، ولن يكون هذا الشيء إلا أقرب الأشياء إليه، وإن لم يبلغ مبلغه من الكمال، وهذا ما يسميه بضرورة الفيض أو الصدور.

غير أن الإعطاء لا ينقص المعطي في عالم التجريد والصفاء؛ لأن الفكرة لا تنقص بالإعطاء، بل تزيد مَنْ أَخَذَ ولا تنقص شيئًا ممن أعطاه، وأقرب مثال للفيض والصدور في المحسوسات صدور النور من الشمس، أو صدور الطيف في المرآة من صاحب الطيف، فلا نقص على الإطلاق في مثل هذا الصدور.

ولا تزال الروح تخلق ما دونها ثم يصدر عنه ما دونه حتى تتلبس الروح الإنسانية بالجسد أو الهيولى، ويتناقض أفلوطين في وصف الشر فيحسبه تارة من الروح التي تخلق الهيولى ويحسبه تارة من الهيولى التي تهبط بالروح إلى دركها الأسفل؛ لأنها سلب محض يهبط بالروح فتجاهده وتبلغ الخلاص بهذا الجهاد.

ومن ها هنا لزم أفلوطين أيضًا أن يقول بتناسخ الأرواح وبالثواب والعقاب في أدوار التجسيم، فزعم أن الولد إذا قتل أمه عاد امرأة ليقتلها ابنها فتكفِّر بذلك عن ذنبها، وأن الظالم يعود ليظلمه غيره، وأن الضارب في عمر من الأعمار يقتص منه ضارب في عمر جديد.

ولا تذكر الروح ما مر بها في أعمارها الأولى؛ لأن الذاكرة عرض من عوارض التلبس بالأجسام الفانية وما يجري منها أو عليها، أما الروح المجردة فهي أبدية لا تتغير باختلاف الأعمار عليها، فلا تستبقي بعد مفارقة الجسد أثرًا مما طرأ عليها فيه.

ويرى أفلوطين أن الله لا يعرف بالعقل وهو في الجسد، بل تراه الروح وهي في حالة الغيبوبة؛ لأنها حالة تجاوزت فيها جسدها فتصعد إلى مقام الإلهام، وهي لا تبصر في تلك الحالة شيئًا يدخل في نطاق المعقولات، ولكنها تترجم عنه إذا هبطت من مقام «الأحد» إلى مقام العقل والتفكير.

ويخالف أفلوطين سابقيه من جماعة المعرفيين في إنكارهم كل جمال وكل خير في هذه المخلوقات التي ابتدعها الروح الهابط بالخطيئة من سماء عليين، فإنهم يقولون: إن المحسوسات كلها — حتى الشموس والكواكب — شرور ونحوس، ويقول هو: إن جمالها هو الدليل على مصدرها الأول، وإنها تستمد الكمال طبقة بعد طبقة من كمال الله.

•••

ولم يظهر بعد أفلوطين فلاسفة لهم خطر في التفكير الإلهي غير فلاسفة الإسلام في الشرق والأندلس وفلاسفة الكنيسة المسيحية، وقد تقدمت خلاصة أقوالهم في الفكرة الإلهية، عند الكلام على الأديان الكتابية بعد الفلسفة الإغريقية.

ثم انطوت القرون في ظلمات العصور الوسطى إلى القرن السابع عشر الذي اشتهر فيه ديكارت الفرنسي ١٥٩٦–١٦٥٠ ثم القرن الثامن عشر الذي اشتهر فيه بركلي الإيرلندي ١٦٨٥–١٧٥٣ وهما بحق مُجَدِّدَا حياة الفلسفة في العالم الحديث.

فأما ديكارت فهو يرى أن إثبات وجود العالم يتوقف على ثبوت وجود الله، فهو لا يتخذ من العالم دليلًا على وجود صانعه — بل يتخذ من وجود الصانع الكامل الأبدي دليلًا على أن العالم حقيقة وليس بالوهم الباطل.

ويرى ديكارت أن وجود النفس ووجود الله حقيقتان ثابتتان بغير برهان، فهو يقول «أنا افكر أنا موجود» فيعلم أن النفس موجودة لا شك فيها، ولا يسوق هذا العلم مساق القضية المنطقية التي لها مقدمة ونتيجة، بل يسوقه مساق المعرفة اللدنية التي يتلقاها مباشرة من الوجود الثابت، وإن كانت الكلمة التي قرر بها وجود النفس صالحة لأن تتخذ قضية ذات دليل.

وفكرة الكمال المطلق كفكرة «الأنية» حقيقة مباشرة يتلقاها العقل من مصدرها، ويستلزمها كذلك بالبرهان الصحيح.

فلو لم يكن الكائن الكامل موجودًا لما خطرت فكرته على بال، ولو لم تخطر على بال لكان الكائن الذي لا حدود له ضرورة عقلية؛ لأن وضع هذه الحدود تعسف لا يقوم عليه دليل.

والله كامل مطلق الكمال، سرمدي مطلق الدوام، خلق الأرواح والأجساد، أو خلق الروح والمادة جوهرين مختلفين، وزود المادة بمقدار من الحركة لا يزيد ولا ينقص، وجعل لها قوانين أو نواميس لا تخرج منها إلا بإذنه وتقديره، وقد يشاء الله خرق العادات، بل يشاء تغيير الحقائق الرياضية والبراهين البديهية؛ لأنه هو خالق كل شيء، وقدرته تحيط بكل شيء، وكل ما أراده فهو ممكن وهو معقول لصدوره منه ورجوعه إليه، ولا يزال الخلق متجددًا بلا انقطاع؛ لأن الخلق إنما يقوم بالخالق الدائم ولا يفرغ عمله في وقت محدود.

وقد حاول ديكارت أن يقيم بين العقل والمادة قنطرة تنتقل بها المؤثرات بين هذين الجوهرين المختلفين، فقال: إن الغدة الصنوبرية في الدماغ هي الحلقة المتوسطة بين روح الإنسان وجسده، وقد رأينا مما تقدم أن بعض العلماء المعاصرين يؤيدون هذا القول ويدعمونه بالمشاهدة والاستقراء، ولكن ديكارت لم يُعْنَ بإيجاد مثل هذه القنطرة بين الله والعالم؛ لأنه كما يفهم من مجمل آرائه يرى أن قدرة الله في غنًى عن ذلك الوسيط، وقد قال تلميذه لويس دي لافورج: إن تأثير الأجسام في الأجسام واقع مفروغ منه، ولكننا إذا حاولنا فهم الحقيقة التي يقع بها التأثير لم تكن أيسر فهمًا من تأثير الأرواح في الأجسام، ولولا الواسطة الإلهية لما وصلت الأفكار نفسها إلى العقول والأرواح.

•••

أما جورج بركلي فلا وجود في رأيه لغير العقل أو الروح، ولا وجود للمادة في الخارج إلا من عمل العقل الباطن؛ لأن الصفات التي تنسب إلى الأشياء ليست في الأشياء بل في العقل الذي يدركها، فالامتداد والشكل والحركة وهي الصفات الأولية المنسوبة إلى المادة هي عوارض فكرية لا توجد في خارج العقول: واللون والطعم والصوت هي كذلك إحساس عقلي وليس صفات عالقة بالأشياء، وإذا قيل له إن الصوت حركة نراها في الهواء قال: ولكن الحركة ترى ولا تسمع، فالصوت إذن من عمل السامع على كل حال.

وسخر بعضهم من هذا الإنكار فنظم أبياتًا فكاهية يقول فيها ما فحواه: «إنك أيتها الشجرة لا توجدين إذا أغمضتُ عيني ولم أنظر إليك»، فأجابه بركلي قائلًا: «كلا، بل توجد إذا أغمضتَ عينك؛ لأن الله لا يغمض عينه.»

وهذا هو البرهان الأكبر على وجود الله في مذهب بركلي، وهو توقف الموجودات كلها على عقل شامل الإدراك يحتويها، ومن هذا العقل يصل إلى عقولنا علمنا بالموجودات؛ لأن العقل لا يفهم إلا عن عقل يُلقي إليه بالمعرفة إذ لا معرفة في غير العقول.

قال في أصول المعرفة الإنسانية: «إن التحقق من إدراك وجود الله لأكثر جدًّا من تحقق وجود الإنسان؛ لأن مؤثرات الطبيعة تزيد زيادة لا نهاية لها على جميع المؤثرات المعزوة إلى الناس.»

وقد نظر بركلي في هذا إلى رأي لوك Locke سلفه في الفلسفة الإنجليزية حيث يقول: «إن لنا من المعرفة اليقينية بوجود الله ما يزيد على كل معرفة لم تكشفها لنا الحواس، لا بل يسعني أن أقول: إن يقيننا بوجود إله أقوى من اليقين بوجود أي شيء خارج عنا.»
ولكن بركلي كما رأينا قد جاوز رأي لوك في إثبات الوجود للعقل وحده، وكان أثره في إنشاء الفلسفة المثالية Idealism أعظم من آثار جميع سابقيه.

•••

وخَلَفَ ديكارت وبركلي في القارة الأوروبية والجزر البريطانية فلاسفة كثيرون من ذوي الآراء المعدودة في الحكمة الإلهية، أشهرهم سبنوزا وليبنتز في أوروبة، وهيوم ومل وهاملتون وريد في الجزر البريطانية، عدا فلاسفة ألمانيا الذين ظهروا في القرن التاسع عشر قبل الفلسفة المعاصرة، وأشهرهم كانت وهيجل وشوبنهور.

ومذهب سبنوزا ١٦٣٤–١٦٧٧ أن الله والكون والطبيعة جوهر واحد؛ لأن الجوهر ما قام بنفسه، أو هو واجب الوجود، وهو لا يتعدد.

ولهذا الجوهر فكر وامتداد، وكل ما في الوجود من المعقولات والمحسوسات فهو مظاهر للفكر أو للامتداد، فالفكر تبدو مظاهره في عقل الإنسان، والامتداد تبدو مظاهره في هذه الأجسام.

والله علة الأشياء كلها بالمعنى الذي نفهمه من أنه هو علة نفسه، فليس خارج اللانهاية شيء، والله هو اللانهاية، وإنما الفَرق بين الله ومجموعة الظواهر المتفرقة أن مجموعة الظواهر المتفرقة تمثل الجانب المخلوق Natura Naturata وأن الله يمثل الجانب الخلاق Natura Naturans.

فإذا قال قائل: إن هذا الإنسان يفكر، يفهم سبنوزا أن الله هو الذي يفكر بمقدار ما يتجلى في ذلك المظهر، وكذلك إذا قلنا إن تلك الشجرة تنمو أو ذلك الكوكب يتألق، فكل ذلك هو مظاهر إلهية تتراءى لنا في صورة الأعراض لأننا نحن أنفسنا من الأعراض.

وسبنوزا لا يصف الله بالإرادة والسمع والبصر والرضا والغضب والحكمة؛ لأن الله لا يمكن أن يتحول إلى حالة أكبر أو حالة أقل من وجوده فيرضى أو لا يرضى ويريد أو لا يريد، وهو — لأنه جوهر قائم بذاته — ليس وراءه شيء يحتاج إليه، فإذا أسندت هذه الصفات إلى الله وجب أن نقصي من أذهاننا كل مشابهة في الحقيقة أو المجاز بينها وبين الصفات التي نسندها إلى المخلوقات، وإنما هي أوهامنا نحن تمثل لنا هذه المشابهات، ولو أن المثلث عقل نفسه لحظة لخيل إليه أن الله مثلث الأركان.

والله لا يعمل الشر ولا يعلمه؛ لأنه ليس هنا شر بالقياس إلى اللانهاية، ولكنه يأتي من اكتفاء كل جزء من هذه الأعراض المحسوسة بنفسه كأنه جزء منفصل عما حوله، أو هو نفي وليس بثبوت، وليس في حق الله نفي بل كله ثبوت، ولا يعرض النفي إلا للمحدود الذي ينقص ويزيد.

والخلق لا يفيد معنى الإنشاء من العدم في مذهب الفيلسوف، بل هو لازم لزوم الأعراض أو المظاهر للجوهر الإلهي القائم بغير ابتداء. «وكل ما جرى فهو يجري بقوانين سرمدية في الجوهر الإلهي مستمدة من ضرورة وجوده على الوجوب؛ إذ ليس في الكون ممكن على الإطلاق، ولكن الأشياء محتومة الوجود والعمل على نحو تستلزمه ضرورة الطبيعة الإلهية، ولا سبيل إلى نشوء هذه الأشياء على أي نحو أو أي نظام يخالف ما وقع، ولهذا لزم أنها وجدت على أكمل الأنحاء والنظم إذ هي نشأت ضرورة من طبيعة على أتم كمال.»

وواضح من هذا أنه لا محل للحرية الإنسانية ولا للثواب والعقاب في هذا المذهب، ولكن الإنسان يترقى فيتحد بالجوهر الإلهي بقدر مقدور أو بالمعرفة و«الحب العقلي» كما سماه، أي حب العارفين الذين استحقوا أن يتجاوزوا مرتبة الأعراض إلى الجوهر الأبدي المطلق الذي يتجردون فيه من التجزؤ والانفراد.

وقد نفى سبنوزا في بعض رسائله أنه يقول بوحدة الله والطبيعة، وفسر كلامه بأن الله «حاضر» في الطبيعة لا ينفصل عنها ولا تنفصل عنه؛ لأنه لا انفصال عن اللانهاية، وهي الله.

وعقدة الإشكال كلها — على ما رأينا — هي أن سبنوزا لم يرد أن يفرق بين وجود الأبد ووجود المكان والزمان، فالمكان يأخذ من المكان، والزمان يلحق بما له حركة تبتدئ وتنتهي في أمدٍ محدود، وليس للانهاية حيز يجوز عليه مكان ولا زمان، فلا تناقض بين كمال الله ووجود الكائنات التي تتحيز في قضاء محدود أو تجري إلى أمدٍ محدود.

•••

ويعد جوتفريد ويلهم ليبنتز ١٦٤٦–١٧٢٦ أكبر الكارتيين بحق بين فلاسفة الألمان وفلاسفة القارة الأوروبية على التعميم.

وشعار ليبنتز في مسألة الخلق «أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان» وأن هذا العالم ليس بالعالم الوحيد الممكن في قدرة الله، فإن قدرة الله لا تنحصر في ممكن واحد بل تتناول جميع الممكنات، ولكن هذا العالم أحسن العوالم الممكنة التي تقبل الوجود، وكان في قدرة الله أن يخلقه بغير شر ولا قبح فيه، ولكنه يكون إذن بغير خير ولا جمال؛ إذ الخير مرتبط بالشر والجمال مرتبط بأضداده، ومن تمثيله لذلك أن الظمآن إذا نقع غليله بالماء البارد القراح شعر بلذة جديرة باحتمال الظمأ في سبيلها ويطيب له تكرارها وتكرار ألم الظمأ الذي يشوقه إليها.

وفي الوجود على مذهب ليبنتز جواهر لا عداد لها يسميها الوحدات أو الأحاديات وهي باليونانية موناد Monads: كل منها بمثابة مرآة للوجود كله يختلف نصيبها من تمثيله باختلاف نصيبها من الصفاء والجلاء، وهي لا تتطلب أن يؤثر بعضها في بعض لأنها تعمل جميعًا بقانون واحد مذ كانت كلها منطوية على مثال الوجود كله، وهي كالساعات التي تدق دقاتها معًا بغير تأثير من إحداها على الأخرى؛ لأنها متفقة التركيب والحركات.

وإذا اجتمعت هذه الوحدات في بنية واحدة كانت لتلك البنية «أميرة» ممتازة من تلك الوحدات، وهذه الأميرة لا تحركها ولا تؤثر فيها، ولكنها إذا تحركت كانت أصدق الوحدات تمثيلًا لنظام الوجود، كما تكون الساعة المجلوة المتقنة أوضح في رصد الوقت وضبط الحركات من سائر الساعات.

وكل هذه الوحدات جواهر بسيطة لا امتداد لها ولا مقياس لها إلا مقياس الحركة المجردة، والله أعلى هذه الوحدات جميعًا، ومنه تصدر القدرة التي تنتقل إليها على سبيل المحاكاة، وهي قدرة لا تنقطع عن الخلق ولا يزال صدور الوحدات منها في اطراد.

ولو لم تكن وحدات الوجود «بسائط» لكانت المركبات كلها أعراضًا وهو محال، فلا يكون جوهرًا إلا ما هو بسيط، ولا يكون المركب موجودًا وجودًا صحيحًا إلا باشتماله على هذه البسائط أو الوحدات.

وقد امتاز ليبنتز بحسن تلخيصه للبراهين المثبتة لوجود الله، فمن تلخيصاته أنه قسم المقررات إلى وقائع زائلة وحقائق أبدية كالحقائق الرياضية، فاستدل من دوام الحقيقة على حق دائم هو الله، ومن التلخيصات أن وجود الممكنات لا يشتمل على سببٍ كافٍ لتعليل وجودها، فنحن نسأل لماذا وُجِد العالم؟ فلا نفهم لذلك علة كافية إلا إذا تعلق الأمر بخالق واجب الوجود، شاء له أن يوجده لحكمة تحسن بواجب الوجود.

•••

وأكبر الفلاسفة الذين ظهروا في الجزر البريطانية بعد بركلي هو دافيد هيوم ١٧١١–١٧٧٦ ولعله أكبر الفلاسفة المحدثين في القارة الأوروبية.

والشك في الحواس وفي طاقة العقل الإنساني هو سمة هيوم في كل ما كتب من المباحث الفكرية، ورأيه في وجود الله يوافق هذه السمة الغالبة عليه، فهو يرى أن إثبات وجود الله لم يكن رغبة من رغبات العقل، ولكنه رغبة كبرى من رغبات الضمير والشعور، فالأسباب التي تشكك الفيلسوف في الإيمان هي بعينها أسباب المتدين التي تبعثه إلى الإيمان، وهي الشكايات والآلام والشرور، وقد تعلق البشر بالله لأنهم يعتصمون بالرجاء وينشدون السعادة، وكلاهما باعث أصيل في النفس الإنسانية، فليكن هذان الباعثان مناط الإيمان بوجود إله قادر على الإسعاد وتلبية الرجاء.

وقد عرضنا لرأي جون ستيوارت مِل في موضع آخر من هذا الكتاب، فلم يبق في الفترة التي بين فلسفة هيوم وفلسفة المعاصرين من هو أولى بتلخيص رأيه من ريد الذي وُلِدَ في أوائل القرن الثامن عشر ١٧١٠، وهاملتون الذي وُلِدَ في أواخره ١٧٨٨.

ويبني ريد فلسفته على الحقائق اللدنية التي يقرها الإدراك السليم Common Sense ولا تحتاج إلى برهان، ومنها وجود المدركات وهي العالم الخارجي، ووجود القوة المدركة وهي النفس الإنسانية، فلا يمكن عقلًا أن يكون أساس الوجود أكذوبة أو أن يكون «الوجود» غير موجود إن أدركناه على غير حقيقته الخفية، ووجود العالم ووجود النفس هما الدليل على وجود الله، بل وجود الله حقيقة من حقائق الإدراك السليم، وليست بساطة الاستدلال على الصانع من صنعه مضعفة من قوة الدليل؛ لأن الحقائق لا تكتسب القوة بالتنويع والتركيب، بل أبسطها هو في الواقع أقدمها وأغناها عن الزخرفة والاختراع.
وهاملتون يبني فلسفته في الدين على فلسفته في أصول المعرفة، وخلاصتها أن الإدراك موقوف على الكيفية، فلا يقبل الإدراك ما ليست له كيفية Unconditioned وقولك إنك تفكر مرادف لقولك إنك تضع حدودًا وشروطًا لما تفكر فيه، فالوجود المطلق لا يدخل في حيز التفكير ولا تدركه العقول، وليست نتيجة ذلك أننا ننكر الوجود المطلق؛ لأن معرفتنا بقصور معرفتنا لا ينتج منه أن نجعلها حكمًا في الإثبات والإنكار، وإنما تستلزم هذه الحقيقة نتيجة أخرى وهي ضرورة الاعتقاد، وأنه لازم لإتمام عمل العقل في الإنسان، ولا يحب هاملتون أن يخلي ضرورة الاعتقاد من أسبابها الفكرية الراجحة، بل يجعلها قضية معقولة قائمة على أن الفرضين المتعارضين أحدهما صحيح لا محالة، فنحن إذا أردنا أن نعرف الوجود المطلق — أو نعرف الله — فإما أن يتمثل لنا كأنه «لا نهاية» مكيفة، أو يتمثل لنا بلا كيفية من الزمان والمكان والصفات، ونحن لا ندرك اللانهاية بحال لأنها غير قابلة للإدراك، فليس أمام العقل إلا أن يدركها كما تتصل بالكون، فتمثل بذلك نوعًا من «الكيفية» لا سبيل إلى غيره، فهو دون غيره ما يسلمه العقل ويتممه الإيمان.

وتعد الفترة التي بين أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر عصر كانْت ١٧٢٤–١٨٠٤ وهيجل ١٧٧٠–١٨٣٠ في الفلسفة الأوروبية؛ لأنهما قد هيمنا بمذهبهما على مسالك التفكير التي شاعت بعدهما في أوروبة، ولا يزالان يهيمنان عليها إلى العصر الحاضر.

كان «كانت» من المؤمنين بالله، إلا أنه يَكِلُ الإيمان إلى الضمير ولا يعتمد فيه على البراهين العقلية التي تستمد من ظواهر الطبيعة.

فالعقل في مذهب كانت لا يعرف إلا الظواهر الطبيعية Phenomena ولا ينفذ إلى حقائق الأشياء في ذواتها Noumena.

والروح فاعلة أبدًا وليست مفعولًا أو موضوعًا للمعرفة، فهي عارفة غير معروفة.

وليست مسألة الإيمان من ثمة مسألة علاقة بين الله والطبيعة، أو بين الله وهذه الأكوان المادية، ولكنها مسألة علاقة بين الله وضمير الإنسان، فمن ضمير الإنسان إذن نستمد الدليل على وجود الله.

وفي ضمير الإنسان شعور أصيل بالواجب الأدبي، وقسطاس مستقيم يوحي إليه أن يعامل الناس كما يحب أن يعاملوه.

وهذا الوحي الذي أودعه الله النفس الإنسانية ضمين بإسعاد من يطيعونه وحسن الجزاء لهم من الله.

ولكنهم لا يسعدون في كثير من الأحيان، وقد يسعد الآثمون ويشقى العاملون بالواجب في هذه الحياة.

فلا بد من عالم آخر يتكافأ فيه واجب الإنسان وجزاؤه، وهذا هو البرهان الأدبي على خلود الروح وحرية الإنسان.

وهيجل يؤمن بالله كذلك ولكن على نحو يشبه الإيمان بوحدة الوجود، فليس في الكون غير العقل، والعقل هو الكون — وهو العقل المطلق — يتجلى في الموجودات على سُنَّة مطردة: وهي السُّنَّة الثنائية Dialectic.

وخلاصة هذه السُّنَّة أن كل موجود في هذا الكون ينشئ نقيضه، ثم يجتمعان في موجود أكمل من الموجود الأول، ويعود هذا الموجود الأكمل فينشئ نقيضه، ويكون هذا التطور سبيلًا إلى استيفاء الحقيقة من وجوهٍ عدة، بدلًا من حصرها في وجهٍ واحد.

فهناك التقرير Thesis ثم النقيض Antithesis ثم التركيب Synthesis وهو يجمع التقرير والنقيض.

وإذا طبقت هذه السُّنَّة على مسألة الوجود الكبرى بدأنا بالوجود المطلق، وهو التقرير، ونقيض الوجود المطلق هو العدم، والتركيب الجامع للوجود المطلق والعدم هو الصيرورة؛ لأن الشيء في حالة الصيرورة يكون موجودًا وغير موجود، ولا يأخذ في الوجود من ناحية حتى يأخذ في الزوال من ناحيةٍ أخرى.

ومن الضروري لفهم هيجل في هذه المسألة أن نفهم ما يعنيه بالعدم الذي يقابل الوجود المطلق.

فالوجود المطلق هو الوجود الكامل الذي لا تقيده صفة من الصفات ولا حالة من الحالات، وخلو الوجود من كل صفة وكل حالة يقابله العدم الذي يعنيه الفيلسوف.

ومتى حدثت الصيرورة في الوجود المطلق كان منه الوجود الذي له صفات وأحوال، وهو يتطور على السُّنَّة المتقدمة من تقرير، إلى نقيض، إلى تركيب.

وقد تجلى الوجود المطلق في هذه التطورات حتى بلغ طور الإنسان، وهو طور الوعي أو إدراك الوجود لنفسه، ولا يزال الوجود المطلق متجليًا حتى يشمل الوعي كل موجود.

فالصيرورة قنطرة بين الكمال المطلق، والعدم المطلق، لا بد منها لإخراج هذه الموجودات المحدودة التي ليست بكاملةٍ ولا معدومة.

والله هو كل الوجود سواء في كماله المطلق أو في تجليه في كل محدود من هذه الكائنات.

•••

ومن البديه أننا لا نستقصي بهذه العجالة كل رأي لكل فيلسوف ظهر في العصور الحديثة، فذلك شرح يطول ولا تدعو إليه الحاجة فيما نحن فيه، ولكننا توخينا أن نكتفي بالفلاسفة الذين فصلوا آراءهم ومذاهبهم في المسألة الإلهية، وأن نكتفي من هؤلاء بمن يعبرون عن جوانب النظر المتعددة، ولا نحصيهم جميعًا على سبيل الاستقصاء.

وقد عرفت لغير هؤلاء الفلاسفة آراء تستحق الإلمام بها لأنها تعبر عن وجهات نظر لم تذكر كلها فيما أسلفناه.

وأحقها بالذكر هنا رأي نيوتن الإنجليزي وكونت الفرنسي، وأولهما مؤمن وثانيهما لا يثبت الله ولا ينفيه.

أما رأي نيوتن فهو أننا لا نصف العالم بالإحكام والإتقان لنستدل بإحكامه وإتقانه على وجود صانعه وهو الله، فإن هذا الدليل ينطوي على تناقض في رأي الفيلسوف؛ لأن العالم المحكم المتقن يستغني بقوانينه ونواميسه عن العناية الإلهية بعد خلقه، والإيمان بالله قائم على الإيمان بالعناية التي تحيط بالخلق في كل حين، فوجود النقص في العالم لا ينفي وجود الصانع الحكيم، بل وجود هذا الصانع الحكيم يقتضي أن يكون العالم مخلوقًا لا يبلغ الكمال كله، ويفتقر إلى موجده على الدوام.

ويسخر ليبنتز بعالم نيوتن؛ لأن ليبنتز كما تقدم يرى «أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان»، ويقول: إن عالم نيوتن كالساعة التي تحتاج إلى إدارة اللوالب وإصلاحها من حينٍ إلى حين، وجلَّت صنعة الله عن مثل هذا الصنيع.

وخير ما يُستفاد من هذه المقابلة بين العقلين الكبيرين أن المسألة أكبر من أن يحاط بها في تفكيرٍ واحد، وأنها قابلة للرأيين معًا بعد التدبر والإنعام.

فمذهب ليبنتز لا ينفي أن العالم ناقص كما تكون جميع «الممكنات»، فكون العالم «أحسن عالم ممكن» لا يخرجه من عداد الممكنات التي لا تبلغ في الكمال مبلغ واجب الوجود.

وكون العالم محكمًا متقنًا على أي معنى من معاني الإحكام والإتقان لا يسوغ الاعتراض من جانب نيوتن، بل يحتاج إلى تكملة من رأي الفلاسفة الآخرين الذين يقولون إن الخلق عمل مستمر وليس بعملٍ منقطع في وقتٍ ينتهي إليه، فلا يزال الوجود قائمًا بقدرة الله لأنه لا يستقل بكيانه أبدًا ولا ينحصر كيانه في وقتٍ من الأوقات.

•••

وأوجست كونت إمام الفلسفة الوضعية يقول: إن البشر يتقدمون من طور الدين إلى طور الفلسفة إلى طور العلم الوضعي، ثم يعتمدون على هذا العلم وحده في كل معرفة يدركونها، ولا وسيلة إلى الإدراك غير التجربة والمقابلة والاستقراء.

ومهما يجهد العقل فلن يصل إلى حقيقة بغير هذه الوسيلة، فإدراك المسائل الغيبية من وراء أمد العقول، وقد تستغني العقول عن إدراكها لأنها لا تغير حياتها على هذه الأرض، وهي حياة قائمة على التجارب في حدود المعلوم من القوانين والنواميس.

وليس أمامنا غاية مثالية نتجه إليها بالإيمان ونثبتها بوسائل المعرفة الميسورة غير «سعادة الإنسانية» وتقديس أمثلتها العليا في الخير والحق والجمال.

ومن الجديرين بالتقديس أنبياء الماضي وأئمة الإصلاح في كل جيل؛ لأنهم خدموا الإنسانية وزودوها بالأمل والعزاء وفتحوا لها طريق الاستقامة والعمل المشكور، وقد جعل لكل نبي من هؤلاء الأنبياء، موعدًا يذكر فيه وشعائر مرعية لعبادة الإنسانية في ذكراه.

وخير ما يُستفاد من مذهب كونت أن الدين حاجة إنسانية لا غنى عنها، وأن الله كما قال فولتير: لو لم يكن موجودًا لوجب إيجاده في العقل والضمير، ويبقى أن كونت يتخطى الركن الأكبر من أركان الإيمان وهو الصلة بين النوع البشري وعالم اللانهاية، فإذا كانت الصلة بين الإنسان واللانهاية تنقطع لأن اللانهاية لا يحاط بها في العقول، فمعنى ذلك أن «اللانهاية» لن يؤمَن بها لأنها لا نهاية، وأن الكمال المطلق لن يؤمَن به لأنه كمال مطلق، وأن يكون السبب المستحق للإيمان هو السبب المبطل للإيمان في رأي فيلسوف العقل والتجربة، وما كان العقل والتجربة لينكرا قولًا هو أحق بالإنكار من هذا الرأي العجيب، وأصح من هذا أن يقال: إن الكمال المطلق لا يحاط به، ولكن هناك وسيلة للإيمان به غير تجارب العلوم وحدود المنطق، وقد وجدت هذه الوسيلة فعلًا ولم يقتصر القوم فيها على أنها فرض من الفروض.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠