أطوار العقيدة الإلهية

يعرِّف علماء المقابلة بين الأديان ثلاثة أطوار عامة مرت بها الأمم البدائية في اعتقادها بالآلهة والأرباب: وهي دور التعدد Polytheism.
ودور التمييز والترجيح Henotheism.
ودور الوحدانية Monotheism.

ففي دور التعدد كانت القبائل الأولى تتخذ لها أربابًا تعد بالعشرات وقد تتجاوز العشرات إلى المئات، ويوشك في هذا الدور أن يكون لكل أسرة كبيرة رب تعبده أو تعويذة تنوب عن الرب في الحضور وتقبل الصلوات والقرابين.

وفي الدور الثاني وهو دور التمييز والترجيح تبقى الأرباب على كثرتها ويأخذ رب منها في البروز والرجحان على سائرها، إما لأنه رب القبيلة الكبرى التي تدين لها القبائل الأخرى بالزعامة وتعتمد عليها في شئون الدفاع والمعاش، وإما لأنه يحقق لعباده جميعًا مطلبًا أعظم وألزم من سائر المطالب التي تحققها الأرباب المختلفة، كأن يكون رب المطر، والإقليم في حاجةٍ إليه، أو رب الزوابع والرياح وهي موضع رجاء أو خشية، يعلو على موضع الرجاء والخشية عند الأرباب القائمة على تسيير غيرها من العناصر الطبيعية.

وفي الدور الثالث تتوحد الأمة فتجتمع إلى عبادة واحدة تؤلف بينها مع تعدد الأرباب في كل إقليم من الأقاليم المتفرقة، ويحدث في هذا الدور أن تفرض الأمة عبادتها على غيرها كما تفرض عليها سيادة تاجها وصاحب عرشها، ويحدث أيضًا أن ترضى من إله الأمة المغلوبة بالخضوع لإلهها، مع بقائه وبقاء عبادته كبقاء التابع للمتبوع والحاشية للملك المطاع.

ولا تصل الأمة إلى هذه الوحدانية الناقصة إلا بعد أطوار من الحضارة تشيع فيها المعرفة ويتعذر فيها على العقل قبول الخرافات التي كانت سائغة في عقول الهمج وقبائل الجاهلية، فتصف الله بما هو أقرب إلى صفات الكمال والقداسة من صفات الآلهة المتعددة في أطوارها السابقة، وتقترن العبادة بالتفكير في أسرار الكون وعلاقتها بإرادة الله وحكمته العالية، وكثيرًا ما يتفرد الإله الأكبر في هذه الأمم بالربوبية الحقة وتنزل الأرباب الأخرى إلى مرتبة الملائكة أو الأرباب المطرودين من الحظيرة السماوية.

والرأي الأرجح عند علماء المقابلة بين الأديان أن الاعتقاد بالثنائية Dualism يأتي أحيانًا كثيرة بعد اعتقاد الوحدانية على الصورة التي أجملناها، وهي الوحدانية الناقصة التي تأذن بوجود الأرباب معها أو بتنازع الوحدانية بين إله دولة وإله دولة أخرى.

وهم يعللون ظهور الثنائية بعد الوحدانية بأن الإنسان يترقى في هذا الطور فيحاول تفسير الشر في الوجود بنسبته إلى غير إله الخير، ولا يكون هذا من قبيل النكسة في عقيدته؛ لأنه لا يزال يسيغ تعدد الأرباب ويسيغ التمايز والترجيح بينها والتفاوت بين درجاتها وطبائعها، فلا تكون الثنائية بعد الوحدانية نكسة من الأعلى إلى الأدنى، بل تقدمًا من الأدنى إلى الأعلى لتنزيه الله والارتفاع بصفاته إلى أرفع صور الكمال الموافقة لترقي الإنسان في أطوار العبادة.

وأثبت من هذا عندهم — أي عند علماء المقابلة بين الأديان — أن وحدة الوجود Pantheism تأتي بعد جميع الأطوار توفيقًا بين النقائض والضرورات، وإثباتًا لوجود الله من طريق الثبوت الذي لا شك فيه، وهو ثبوت الكون بالحس والعقل والإيمان.

•••

ولم تكن أرباب الأمم الماضية في جميع أطوارها نوعًا واحدًا أو مثلًا لفكرة واحدة، ولكنها أنواع شتى يمكن أن نجمعها في الأنواع التالية، وهي:
  • (١)

    أرباب الطبيعة أو الأرباب التي تتمثل فيها مشاهد الطبيعة وقواها كالرعد والبرق والمطر والفجر والظلام والينابيع والبحار والشمس والقمر والسماء والربيع.

  • (٢)

    أرباب الإنسانية وهي الأرباب التي تقترن بأسماء الأبطال والقادة المحبوبين والمرهوبين، ويحسبهم عبادهم من القادرين على الخوارق والمعجزات.

  • (٣)

    وأرباب الأسرة وهم الأسلاف الغابرون، يعبدهم أبناؤهم وأحفادهم ويحيون ذكراهم بالحفلات والمواسم المشهودة كما يحيي الناس ذكرى الموتى في هذا الزمان ويزورونهم بالأقوات والألطاف، ولكن مع هذا الفارق البين: وهو أن الرجل الهمجي لا يمنعه مانع أن يجعل الذكرى عبادة وأن يجعل هدايا القبر في حكم الضحايا والقرابين.

  • (٤)

    أرباب المعاني كرب العشق ورب الحرب ورب الصيد ورب العدل ورب الإحسان ورب السلام.

  • (٥)

    أرباب البيت كرب الموقد ورب البئر ورب الجرن ورب الطعام.

  • (٦)

    أرباب النسل والخصب، وهي على الأغلب الأعم في صورة الإناث، ويسمونها بالأمهات الخالدات، وقد ترقت مع الزمن إلى واهبات الخلود بعد هبة الحياة.

  • (٧)

    آلهة الخلق التي ينسب إليها خلق السماء والأرض والإنسان والحيوان.

  • (٨)

    الآلهة العليا وهي آلهة الخلق التي تدين عبادها بشرائع الخير وتحاسبهم عليها وتجمع المثل العليا للمحاسن والأخلاق، وتضمن السعادة الأبدية للأرواح في عالم البقاء.

وهذه الطبقة من طبقات العبادة هي أرقى ما بلغته الإنسانية في أطوارها المتوالية، واستعدت بعده للإيمان بإلهٍ واحد لجميع الأكوان والمخلوقات بغير استثناء أمة من الناس.

•••

ومن العسير جدًّا أن نبني من هذه الأطوار جميعًا سلمًا متعاقب الدرجات لا تتقدم فيه درجة على درجة ولا يتلاقى فيه نوعان أو أكثر من نوعين من المعبودات.

فقبائل الهوتنتوت الأفريقية التي لم تفارق مرتبة الهمجية حتى اليوم، ولا يزال أناس منها يأكلون لحوم البشر، تعرف إلهًا واحدًا فوق جميع الآلهة يسمى أبا الآباء.

وقبائل البانتو الأفريقيون يقسمون المعبودات إلى ثلاثة أنواع: نوع هو بمثابة الأطياف الإنسانية الراحلة وهو الذي يسمونه ميزيمو Mizimu، ونوع هو أرواح لم تكن قط في أجساد البشر وهو الذي يسمونه بيبو Pepo ويزعمونه قابلًا للتفاهم والاتصال بالعرافين والحكماء، ونوع مفرد لا جمع له وليس من الأطياف ولا من الأرواح المتعددة ويسمونه «مولنجو» Mulungu. لا يمثلونه في وثن ولا تعويذة ولا تفلح فيه رقية الساحر ولا حيلة العراف، وفي يديه الحياة والسطوة ووسائل النجاح في الأعمال، ويصفونه بأعلى ما في وسعهم من صفات التجريد والتفرد والكمال.

وكفار العرب كانوا قبيل البعثة المحمدية يدين أناس منهم بالمسيحية وأناس باليهودية ويذكرون «الله» على ألسنتهم ويسمون أبناءهم بعبد الله وتيم الله، ويعبدون مع ذلك أسلافهم فيقولون إن أصنام الكعبة تماثيل قوم صالحين، كانوا يطعمون الطعام ويصلحون بين الخصوم، فماتوا، فحزن أبناؤهم وإخوانهم عليهم، وصنعوا تلك الأصنام على مثالهم، وعبدوهم من فرط الحب والذكرى، ولكنهم لم يعبدوهم إلا ليقربوهم إلى الله زلفى.

ووصل المصريون إلى التوحيد، وبقيت أسماء الإله الواحد متعددة على حسب التعدد في مظاهر التجلي المتعددة لذلك الإله، فكان أوزيريس هو إله الشمس باسم رع، وهو الإله الخالق باسم خنوم وهو الإله المعلم الحكيم باسم توت وهو في الوقت نفسه إله العالم الآخر وإله الخلق أيضًا حيث ينبت منه الزرع ويصورونه في كتاب الموتى جسدًا راقدًا في صورة الأرض تخرج منه السنابل والحبوب، وكانوا بعد كل هذه الأطوار يرسمون أوزيريس على مثال مومياء محنطة ويردون أصله إلى العرابة المدفونة، كأنهم لم ينسوا بعد عبادة الإله الواحد الخالق للكون كله — عبادة الموتى أو عبادة الأسلاف.

واليهود عبدوا العجل بعد عبادة الله الواحد، وسمَّوُا الإله الواحد باسم الجمع وهو في العبرية «الوهيم» أو الآلهة، ثم أصبح الجمع علامة التعظيم.

•••

فالتطور في الديانات محقق لا شك فيه، ولكنه لم يكن على سلم واحد متعاقب الدرجات، بل كان على سلالم مختلفة تصعد من ناحية وتهبط من أخرى، وقد أوجب هذا الاختلاف أن الشعب على حدته لا يطرد في التقدم عقيدة بعد عقيدة، ولا تزال له عقائد شتى قلما يسري عليها حكم واحد في عوامل التطور والارتقاء، وأن الديانات نشأت في شعوبٍ كثيرة لا في شعبٍ واحد، فما تقدم هنا لم يلزم أن يتقدم هناك، وما استعاره شعب من شعب غريب عنه قد يكون أرفع من طبقته التي ارتقى إليها من طبقات الحضارة، فيتفق له في الوقت الواحد ضربان من العبادة أحدهما سابق والآخر متخلف، ويتقهقر السابق أحيانًا قبل أن يتقدم المتخلف إليه، وربما سمت قبيلة متخلفة ربًّا من أربابهم باسم خالق الأشياء جميعًا ولم يكن ذلك دليلًا على ارتفاع في فهم الربوبية، على ضيق في حصر نطاق المخلوقات وقصرها على الحيز المحدود الذي تعيش فيه القبيلة.

•••

إلا أن المشاهدات التي أحصاها علماء المقابلة قد تتوافى كلها إلى نتيجة يجمعون عليها، وهي: أن الإيمان بالأرواح شائع في جميع الأمم البدائية، وأن الأمم التي جاوزت هذا الطور إلى أطوار الحضارة وإقامة الدول لا تخلو من مظاهر العبادة الطبيعية، أو عبادة الكواكب على الخصوص وفي طليعتها الشمس والقمر والسيارات المعروفة، وأن عبادة الأسلاف تتخلل هذه الأطوار المتتابعة على أنماط تناسب كل طورٍ منها حسب نصيبه من العلم والمدنية.

أما التوحيد فهو نهاية تلك الأطوار كافة في جميع الحضارات الكبرى، فكل حضارة منها قد آمنت بإلهٍ يعلو على الآلهة قدرًا وقدرة وينفرد بالجلالة بين أرباب تتضاءل وتخفت حتى تزول أو تحتفظ ببقائها في زمرة الملائكة التي تحف بعرش الإله الأعلى.

لكن الأديان الكتابية — بعد كل هذا — هي التي بلغت بالتوحيد غاية مرتقاه وعلمت الناس شيئًا فشيئًا عبادة الإله «الأحد» الذي خلق الوجود من العدم ووسعت قدرته على كل موجود في السماوات والأرضين، ولم يكن له شريك في الخلق ولا في القضاء.

•••

وذاك التوحيد الإلهي الذي نشأ من توحيد الدولة لم يعرض لخلق الكون كله، ولم يذهب بفكرة التكوين إلى أبعد من خلق الإنسان من مادة موجودة لا حاجة بها إلى موجد، ولما بحثوا في خلق الأرض والسماء كانت فكرة الخلق عندهم بمثابة فكرة التنظيم والتجميل؛ لأنهم نظروا إلى مادة الأرضين والسماوات كأنها حقيقة راهنة ماثلة للحس والنظر في غنى عن المبدع ولا حاجة بها إلى شيء غير التركيب والتنسيق، وفرضوا لتركيبها أسلوبًا من الصناعة كأسلوب الإنسان في تركيب مصنوعاته من موادها الحاضرة بين يديه، وظل العقل البشري محصورًا في هذا الأفق إلى عهد الديانة الإغريقية قبيل الدعوة المسيحية بل بعد الدعوة المسيحية في بعض الجهات بزمنٍ غير قليل، فلم يكن «زوس» كبير الآلهة خالقها ولا خالق الكون بما رحب من أرض وسماء، ولكنه كان بينها كرب الأسرة بين الأبناء والأحفاد؛ أو كالسيد المطاع بين الأعوان والأتباع، وبلغ من سريان هذه «الحالة العقلية» في الأذهان أن الفلاسفة أنفسهم لم يجهدوا عقولهم في البحث عن أصل للمادة الأولى أو الهيولى، كأن وجودها حقيقة مفروغ منها لا تتوقف على مشيئة خارجة عنها. فلما ترقى الإنسان في فهم الوحدانية الإلهية أصغر من الكون بمقدار ما أكبر من الله، فجاء تفكيره في خلق الكون من طريق تعظيمه لقدرة الله وإفراده بالوجود الصحيح والقدرة السرمدية على الإيجاد فاقتحم بالإيمان بابًا لم يقتحمه بالتأمل والتفكير.

فالإيمان بالأرواح كان أشيع إيمان وألزمه لبديهة الإنسان في مبدأ هدايته للتدين والاعتقاد.

ولا مانع من تعليل اهتدائه إلى «الروح» بالعلة التي شرحها سبنسر وتيلور: وهي الأحلام واستحياء الجماد؛ إذ لم يكن في طاقته أن يفهم الروح فهما أصح من هذا الفهم في ظلمات الجاهلية وعثرات النظر بين غياهب تلك الظلمات.

فكان ينام ويرى أنه كان يعدو ويرقص ويأكل ويشرب ويقاتل في منامه، ثم يستيقظ فإذا هو في مكانه لم ينتقل منه قيد خطوة إلى مكان غيره، فيقع في حدسه أنه فعل ذلك بالروح الذي يسكن جسده ويتركه أو يعود إليه حين يريد، وكان يرى الموتى في منامه فيحسبهم أحياء يتحركون مثله كما تحرك بروحه وهو نائم بجسده، وراقب الموتى، فرأى أنهم يفقدون النفس حين يموتون، فوقع في حدسه من ذاك أن النفس هو الروح المفارق للأجساد في حالة الموت، فهي شيء في لطف الهواء الخفي يحتجب عن الأنظار فلا تراه، ولا شك على الإطلاق في ارتباط الروح بالهواء في بديهة المؤمنين الأولين بالأرواح، فإن الكلمات التي تطلق عليها في العربية تدل كلها على ذلك، وهي الروح والنفس والنسمة، وكلمة بسيشي Psyche اليونانية معناها النفس كمعنى سبريت Spirit في اللغات الأوربية الحديثة، وفي ذلك دلالة لا شك فيها على أصلها الأول من بداهة الإنسان.

ونحن الآن نفهم الظل الذي يلازمنا ونفهم الصورة التي تتراءى لنا حين ننظر في الماء، ولكن الهمجي لم يكن يفهم هذه الظلال ولا هذه الصور كما نفهمها الآن، بل كان يحسبها نسخًا حية منه يصاب من جهتها بالسحر والطلاسم، ويصونها من كيد أعدائه كما يصون أعضاء جثمانه، ويحار في هذا الازدواج فيلحقه بازدواج الأشباح والأجساد على نحوٍ من الأنحاء.

ولم يكن جهله بالأشياء دون جهله بالظلال والأشباح، فلا يستغرب منه أن يلبسها ثوب الحياة كما يفعل الطفل حين يعطف على ما حوله من الأشياء أو يقابلها بالرهبة والإحجام، وكثيرون من الراشدين المثقفين في عصرنا هذا يهتاجون فيخاطبون الجماد بالزجر والسباب كما يخاطبون الأحياء، وتغلبهم عاطفة الحزن أو الوجد فيعتبون على الشيء الذي لا حس له، كأنه يحس منهم العتب والدعاء.

والمهم أن الإنسان الأول قد اهتدى إلى فكرة «الروح» من نواحيه التي تلائمه، فكانت هذه الهداية مفرق الطريق في الثقافة الإنسانية سواء منها ثقافة العقل أو ثقافة الضمير.

فتسنى له بذلك أن يفتح لعقله منفذًا إلى ما وراء المادة المطبقة على حسه وفكره، ولو ظلت مطبقة عليه هذا الإطباق لفاته العلم كما فاته الدين.

وتبدلت قيم الحياة كلها منذ دخل في روعه إمكان الوجود لما لم يلمس باليد وينظر بالعين. فمن هنا كل تفرقة بين الروح والجسد، وبين العقل والمادة، وبين الحركة والجمود، وبين الخير والشر، وبين النور والظلام، وبين المعاني المجردة والأجسام المحسوسة، ومن هنا كل اتساع في أفق النظر وراء أفق الحيوان.

وإذا حسب الإنسان مكسبه من هذه الهداية فلا ينبغي أن يحسبه بما قصد بل بما وجد، ولا ينبغي أن يقيسه على خطئه في التعليل بل على صوابه بعد ذلك في التوفيق بين العلل والمعلولات.

وينفعنا هنا أن نذكر قصة الأب الذي أوصى أبناءه، وهو يودعهم ويودع الحياة أن ينبشوا الأرض عن كنز دفنه فيها ونسي مخبأه منها، فلما نبشوا الأرض لم يجدوا كنزًا من الذهب والفضة، ووجدوا كنزًا يساوي الذهب والفضة، ويثمر لهم في كل عام كنوزًا بعد كنوز.

فلما وقع الإنسان الأول على فكرة الروح وقع عليها خطأ لا شك فيه، ولكنه خطأ توقف عليه إلهام الصواب في عالم العقل وعالم الضمير.

•••

وقد امتزجت عقيدة الروح بكل عقيدة دينية بعد أطوار العقيدة البدائية وفي أثنائها فعبادة الأسلاف لا تخطر على بال ما لم تخطر معها فكرة بقاء الأرواح، وإنما تترقى الأنماط على حسب الترقي في المعارف والمعقولات، فالهمجي الذي جهل أسرار التناسل قد يتخذ له جدًّا معبودًا يتمثله في شبح الأسد أو الكلب أو الصقر أو العقاب، ولا ينكر أن يكون أبوه من سلالة الحيوان جسدًا وروحًا بغير مجاز؛ لأنه لا يفقه المانع الذي يمنع الروح أن تسكن جسم حيوان كما تسكن جسم إنسان، والحضري الذي تهذب واستطلع أسرار الخليقة بعض الاستطلاع يجعل أباه روحًا تتجلى في الشمس، ويفرق بين أبوة الأجساد وأبوة الأرواح، وعلى هذا المثال ولا ريب زعم الكهنة أن هذا الفرعون أو ذاك من الفراعين ابن الشمس أو ابن أوزيريس، ولم يفهموا ولا فهم أحد من ذلك أنهم ينكرون أبوته الجسدية المسجلة بالميراث، وبحقها يجلس على عرش أبيه.

ولا يرى علماء المقابلة أن عبادة الشمس كانت معدومة في أطوار الديانات القديمة، ولكنهم يقررون أن «ديانة الشمس» لم تنتشر في تلك الأطوار؛ لأنها تستلزم درجة من الثقافة العلمية والأدبية لا تتيسر للهمج وأشباه الهمج في أقدم عصور التاريخ، فلا بد قبل ذلك من نظرة فلكية عالمية تحيط بعض الشيء بنظام الأفلاك وعلاقة الشمس بالفصول ومواعيد السنين حتى تنتظم «للديانة الشمسية» مراسم ومواسم، وتقام لها معابد ومحاريب، وتنتظم لها شعائر وصلوات وقرابين، ولا بد للمتدين بالديانة الشمسية من علم بآثار الشمس في إنبات الزرع، وتسيير الرياح، وشفاء الأمراض، وتقليب الأيام والأعوام، وضبط مواقع السيارات، وما يتخيلونه بها من طوالع السعود والنحوس، ولهذا سبقت عبادة القمر عبادة الشمس في قبائل شتى؛ لأنهم ربطوا بين القمر والحيض والولادة، لانتظام الحيض في مواعيد قمرية وسهولة هذه الملاحظة من غير حاجة إلى علم الفلك والحساب.

وتستدعي ديانة الشمس غير هذا أن يرتفع العقل البشري بفكرة الخلق من أفق الأرض القريب إلى الآفاق العليا في السموات، فتتسع دنياه وتتعاظم فيها دواعي الحركة والسكون والحياة والموت، ويقترب من الأوج الذي يستوعب فيه الكون بنظرة شاملة، ويلتمس له سببًا واحدًا «للحصول» كما حصل بعد أن أصبح الكون كله في حاجة إلى التعليل، فإنه كان قبل ذلك يعلل حياته بهذه القوة أو بتلك من العلل الكونية، فإذا بالكون كله لا يستغني عن تعليل مريح.

فديانة الشمس كانت الخطوة السابقة لخطوة التوحيد الصحيح؛ لأنها أكبر ما تقع عليه العين وتعلل به الخليقة والحياة، فإذا دخلت هي أيضًا في عداد المعلولات فقد أصبح الكون كله في حاجة إلى خالق موجد للأرض والسماء والكواكب والأقمار، وينطبق هذا الترتيب تمام الانطباق على فحوى قصة إبراهيم في القرآن الكريم فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ۚ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ ۚ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا ۗ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ.

وقد وصل الإنسان إلى عبادة الشمس حين قامت له دول وحضارات، فتلاقت حوله جميع الطرق مجتمعة في طريق التوحيد الصحيح.

ذاك أن القبيلة عبدت أسلافها، وظلت القبائل متفرقة في عبادة الأسلاف حتى غلبت قبيلة على سائر القبائل في أمة واحدة، فوجب أن يسود رب القبيلة الغالبة سائر الأرباب، وتنحدر الأرباب المرجوحة إلى مكان دون المكان الأول، وعمل دون العمل الأعظم المنسوب إلى رب الأرباب، فإذا كان العمل الأعظم هو الخلق فالأرباب التي تتولى ما دونه لا تتسامى إلى مرتبة الإله الخلاق المستأثر بأشرف الصفات وأوحد الأعمال، ثم تنطوي الأمم في الدولة أو الإمبراطورية فيقترب الناس من عبادة إنسانية عامة، ومن تخصيص الإله الأكبر بما هو أعظم وأشرف من صفات الخلق والتقدير.

وفي الدولة تستفيض العلوم الفلكية والحسابية وتحتل الشمس مكانها المنفرد بين ظواهر الطبيعة جمعاء، فالجد القديم إذن هو الشمس في عليائها وأبناؤه قبس على الأرض من روحها أو من قضائها، وتلتقي الديانة الشمسية بالديانة السلفية من هذا الطريق.

وإذا بقيت في الأمة فرق قوية لا تفنى كل الفناء في الديانة التي يدين بها الملك الأكبر — فهي تحتفظ باستقلال كيانها في عناوين آلهتها المترادفة لا في حقيقة الإله وعنصره الأصيل، فالشمس مثلًا هي أوزيريس وخيرا ورع وآمون وآتون، ولكنما اختلفت الأسماء لاختلاف الكهانات والأقاليم.

ومما لا منازعة فيه بين الثقات من علماء المقابلة أن أوزيريس جد قديم في مصر الوسطى، وأن قصته قصة إنسان عاش عيشة الآدميين في زمنٍ من الأزمان، ومما لا منازعة فيه أيضًا أن أوزيريس اسم من أسماء الشمس في مغربها أو في جهة المغرب التي اعتقدوا دهرًا طويلًا أنها هي عالم الأموات، ومما لا منازعة فيه مع هذا وذاك أن اسم أوزيريس أطلق بعد ذلك على الشمس في جميع الأحوال، فكان هذا التدرج نموذجًا للسلم الذي تترقى عليه الديانات.

فأوزيريس أول ميت خالد بروحه معبود في قبيلة من جملة قبائل البلاد، ثم تمتزج القبائل فتعبده الأمة كلها أو تميزه بالعبادة على سائر الأرباب، ثم تبرز ديانة الشمس بما ينبغي لها من العلو والتفرد في أفق العبادات، فيتدرج أوزيريس في التلبس بالشمس حتى تنسى أشكاله الأولى فيعود هو والشمس مرادفين لذات واحدة: فهو «أولًا» روح إنسان محتفظ بسلطانه بعد الموت ممثل في صورة المومياء للدلالة على الموت والخلود، ثم هو الشمس في حالة الغروب لأنه انتقل من الأرض إلى عالم الأموات، ثم هو الشمس في جميع أحوالها مع تقادم الزمان.

وتستفيد الديانات هنا من عقيدة الروح العريقة أنها جعلت للشمس روحًا أو معنى غير محسوس، ينتقل منها إلى البشر المعبودين فيستحقون العبادة لأنهم كائنات علوية لا لأنهم رجال عظماء أو مجرد أسلاف مذكورين بالتجلة والتقديس، وما من أحد في مصر واليونان كان ينكر أن الإسكندر ابن فيليب بالوراثة الجسدية، ولكنهم مع هذا لم يروا شيئًا من التناقض في انتمائه إلى عطارد حين زعمت أمه أن عطارد نفخ فيها من روحه وهي تحمل هذا الجنين، ولا رأوا شيئًا من التناقض في انتمائه مرة أخرى إلى آمون حين زعم كهان سيوة القديمة أنه ابن آمون.

ولنا أن نقول: إن ديانة الشمس كانت هي القنطرة الكبرى بين عدوة التعديد وعدوة التوحيد، وإنها وافقت اتحاد الأمم في نطاق الدول الجامعة فانتشرت حيث انتشرت الدول الجامعة من أقدم العصور؛ لأنها انتشرت في مصر وبابل وفارس والهند واليابان، وكانت رموزًا للقوة الكونية العظمى بعد أن كانت مبدأ الأمر جرمًا محسوسًا يعبد لذاته، وتضاف إليه الروح حينًا لأنه معبود حي، ولا حياة بغير روح.

ولا تزال بداءة التوحيد من طريق تأليه الشمس مسألة تخمين لا مسألة يقين، فالحضارات القديمة في الدول قد عمت الأقطار الشرقية بين مصر وبابل وفارس والهند منذ ثمانية آلاف سنة أو تزيد، كلها قد عبدت الشمس وميزتها بالعبادة في دور من الأدوار، فَأَيُّها هي الأمة السابقة إلى التوحيد؟ أهي فارس أم الهند أم بابل أم آشور أم مصر أم اليابان في مجاهل القدم قبل اتصالها بالحضارة الآسيوية؟ ليس الجواب على هذا كما أسلفنا مسألة يقين بل مسألة تخمين. وأغلب الظنون المدعمة بالقرائن المعقولة أن مصر بدأت بتوحيد الدين كما بدأت بتوحيد الدولة. فالمؤرخ هيرودوت القديم يقول: إن الإغريق تعلموا أمور الدين من المصريين، والسير إليوت سميث — وهو مرجع موثوق به في تاريخ مصر — يقول: إن شعائر الهند القديمة في الجنائز نسخة محكية من كتاب الموتى، وتفرق الديانات معقول في الدول الأخرى ولكنه غير معقول في قطر يجري فيه نيل واحد ويتحد وجهاه قبل خمسة آلاف سنة على أقل تقدير.

•••

وجملة القول: إن أطوار العقيدة الإلهية تشعبت بين الناس فلم تطرد على مراحل متشابهة في جميع الأمم ولا في جميع الأزمان.

ولكننا إذا أحطنا بوجهتها العظمى وجدنا أن عقيدة الأرواح لم تفارق أطوارها الأولى، وأن عبادة الأسلاف امتزجت بعقيدة الأرواح، ثم اتسعت نظرة الإنسان إلى دنياه حتى التمس لها علة في السماء فكانت الشمس هي أكبر ما رآه وتوجه إليه بالعبادة، ثم أصبحت الشمس رمزًا للخالق حين تجاوزها الإنسان بنظره إلى ما هو أعظم منها وأعلى، فهي القنطرة الأخيرة بين العدوتين: عدوة التعديد وعدوة التوحيد.

ولم يبق بعد اعتبار الشمس رمزًا للقوة الكونية إلا قبول التوحيد الصحيح، فتعلمه الإنسان من الديانات الكتابية شيئًا فشيئًا حتى بلغ بالقوة الإلهية نهاية التنزيه.

ويبدو لنا هذا الترقي الديني من ترقي العقل في تفسير كلمة الإله، فكلمة «إيل» بالآرامية مرادفة لمعنى القوي أو البطل، ثم أصبحت كلمة الإيل بالتعريف مرادفة لبطل الأبطال أو للبطولة المطلقة، كما نميز عالمًا بكلمة العالم مع التعريف، لنقول: إنه العالم دون سواه.

ومن فكرة البطل إلى فكرة الله الحي القيوم الأول الآخر الصمد الدائم الذي لا شريك له تاريخ طويل: هو تاريخ العقل في الترقي إلى التوحيد.

وقد ظل الموحدون يناضلون ديانة الشمس مئات السنين لأنها لم تتزحزح عن معقلها بغير جهاد عنيف، ولا ننس أن الموحدين في جهادهم القديم لم ينكروا وجود الأرباب الأخرى، بل سلموا وجودها واعتبروها من شياطين الشر التي ترين على العقول وتحجبها عن هداية الدين القويم. فبقيت إلى عصرنا هذا أيام يحتفل بها أتباع الديانات الإلهية، ولا موجب للاحتفال بها إلا أنها كانت مواسم لعبادة الشمس على الخصوص، فأخذتها الديانات الإلهية؛ لأن الله أحق بالتكريم من أرباب الوثنية ومضى زمن طويل قبل إقصاء تلك الأرباب من حظيرة الوجود، فإنما أخرجها العقل البشري أولًا من حظيرة القدس والعبادة وسمح لها بالبقاء في زي الشياطين الخبيثة التي تغتصب الربوبية من الجهلاء فترقى في فهم التوحيد ولم تنته جهوده بالوصول إليه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠