الهند

ترجع الديانة الهندية القديمة إلى أزمنة أقدم من العصر الذي دونت فيه أسفارها المعروفة بالكتب الفيدية.

ويختلف المؤرخون المختصون بالهند في العصر الذي تم فيه هذا التدوين، فمنهم من يرده إلى ألف وخمسمائة سنة قبل الميلاد، ومنهم من يرده إلى ستة آلاف سنة قبل الميلاد، ولكنهم لا يختلفون في سبق الديانة الهندية لهذا العصر بزمنٍ طويل.

ومن المتفق عليه أن الديانة الهندية القديمة مزيج من شعائر الهنود الأصلاء وشعائر القبائل الآرية التي أغارت على الهند قبل الميلاد بعدة قرون، وقد كانت هذه القبائل الآرية تقيم على البقاع الوسطى بين الهند ووادي النهرين، فاتجهت طائفة منها غربًا إلى أوربة، واتجهت طائفة منها شرقًا إلى الأقاليم الهندية من شمالها إلى جنوبها على السواحل الغربية، قبل أن توغل منها إلى جميع أنحاء البلاد.

ويعتقد فريق من المؤرخين أن الديانة الهندية القديمة لا تخلو من قبس منقول إليها من البابلية والمصرية، ويعللون ذلك بتوسط الموقع الذي أقام فيه الآريون الأولون، وأنهم لم تكن لهم في موقعهم ذاك حضارة سابقة لحضارة مصر وبابل وآشور، فلا خلاف في أن تاريخ الأسر المصرية أسبق من تاريخ الكتب الفيدية وأسبق من كل حضارة عرفها التاريخ للآريين، حيثما أقاموا من البقاع الآسيوية أو الأوروبية.

وقد اشتملت الديانة الهندية القديمة على أنواعٍ شتى من الآلهة التي تقدمت الإشارة إليها.

ففيها آلهة تمثل قوى الطبيعة وتنسب إليها، فيذكرون المطر ويشتقون منه اسم «الممطر» فهو الإله الذي يتوجهون إليه في طلب الغيث، ومن هنا اسم «أندرا» إله السحاب المشتق من كلمة «أندو» بمعنى المطر أو بمعنى السحاب.

وكذلك يذكرون إله النار وإله النور وإله الريح وإله البحار ويجمعونها في ديانة شمسية تلتقي بأنواع شتى من الديانات.

وأقدم معاني الإله عندهم معنى «المعطي» أو ديفا Deva بلغتهم التي بقيت آثار منها في اليونانية واللاتينية وبعض اللغات الأوروبية الحديثة، فكلمة «ديو» الفرنسية Dieu وكلمة ديتي Deity الإنجليزية وكلمة زيوس اليونانية القديمة مأخوذة من أصلها الهندي المتقدم، ويرجحون أن جوبيتر عند اللاتين — وهو «المشتري» في اصطلاح علم الهيئة — هو مزيج من كلمة المعطي وكلمة الأب، بمعنى أبي العطاء أو الأب المعطي للجميع، وهما في الهندية القديمة ديوس بيتار Dyaus-Petar إذ لا تزال كلمة الأب في أكثر اللغات الأوروبية متفرعة من هذا الجذر الأصيل على تعدد اللهجات ومخارج الحروف.
واشتملت البرهمية القديمة على عبادة الأسلاف كما اشتملت على عبادة المظاهر الطبيعية. فتقديس الملك عندهم إنما هو تقليد موروث من تقديس جد القبيلة، تحول إلى تقديس الرئيس الأكبر في الدولة بعد أن تحولت القبيلة إلى الأمة، ويحسب العلامة إليوت سميث — كما قال في كتابه «المبادئ» The Beginning: «إن مراسم تقديس الملك التي لا تزال مرعية في جوار الهند كانت تحاكي مراسم قصة الخليقة كما تخيلها المصريون، فلم يكن حق الملك مستمدًا من الجلوس على العرش أو من البناء بالمملكة التي تنقل إليه حقوقه الملكية، ولكنه يتولى هذا الحق بعد تقديسه في حفل يمثل قصة الخليقة، وكأنهم يعنون بهذا أن الملك يستمد من ذلك التقديس قدرته على الخلق ومنح الحياة، وهي قدرة لا غنى عنها لاضطلاعه بالفرائض الملكية.»

وقصة الخليقة في الهند تشبه قصة الخليقة المصرية في أكثر من صيغة واحدة من صيغها العديدة: فالحياة خرجت من بيضة «ذهبية» كانت تطفو على الماء في العماء، والإله الأكبر كان ذكرًا وأنثى فهو الأب والأم للأحياء كما جاء في «رع» في بعض الأساطير المصرية، وبناء العالم من صنع بَنَّاء ماهر في أساطير مصر والهند على السواء، وتتفق مصر وبابل والهند على أن الإله الأكبر قد خلق الأرض بكلمةٍ ساحرة، فأمرها بأن توجد فبرزت على الفور إلى حيز الوجود.

•••

وتعززت في الهند عبادة «الطواطم» بعقيدتهم في وحدة الوجود وتناسخ الأرواح كما تعززت بعقيدة الحلول.

فعبدوا الحيوان على اعتباره جدًّا حقيقيًّا أو رمزيًّا للأسرة ثم للقبيلة، ثم تخلفت عبادة الحيوان حتى آمنوا بأن الله يتجلى في كل موجود أو يخص بعض الأحياء بالحلول فيه، وآمنوا بتناسخ الأرواح فجاز عندهم أن يكون الحيوان جدًّا قديمًا أو صديقًا عائدًا إلى الحياة في محنة التكفير والتطهير، فعاشت عندهم الطوطمية في أرقى العصور كما عاشت في عصور الهمجية، لهذا الامتزاج بين الاعتقاد الحديث والاعتقاد القديم.

لكنهم خلصوا كما خلص غيرهم من هذه العبادات إلى الإيمان بالإله الواحد، وإن اختلفوا في المنهج الذي سلكوه، فلم يكن إيمانهم به على الأساس الذي قام عليه إيمان الشعوب الأخرى بالتوحيد.

فهم قد بدأوا بإبطال جميع المظاهر فنسبوا إليها التعدد والاختلاف لأنها تتكرر وتزول وتستر من ورائها الحقيقة الأبدية التي لا تتكرر ولا تزول، وتلك هي حقيقة القضاء والقدر، التي تقدر للآلهة وتقضي عليهم كما تقدر لسائر الموجودات وتقضي عليها في أجلها المحدود.

وهنا ذهب حكماؤهم إلى مذهبين غير متفقين: فبعضهم تمثل تلك الحقيقة إلهًا واحدًا قريبًا من الإله الواحد في أكثر ديانات التوحيد. قال ماكس موللر الثقة الحجة في اللغات الآرية: «أيًّا كان العصر الذي تم فيه جمع الأناشيد المسطورة في الرجفيدا فقبل ذلك العصر كان بين الهنود مؤمنون بالله الأحد الذي لا هو بذكر ولا بأنثى ولا تحده أحوال التشخيص وقيود الطبيعة الإنسانية، وارتفع شعراء الفيدا في الواقع إلى أوج في إدراكهم لِكُنْهِ الربوبية لم يترق إليه مرة أخرى غير أناس من فلاسفة الإسكندرية المسيحيين، ولكنه فوق هذا لا يزال أرفع وأعلى مما يطيف بأذهان قوم يدعون أنفسهم بالمسيحيين.»

وتبدو مداناة هؤلاء البراهمة لمذهب الموحد المؤمن «بالذات الإلهية» من إيمانهم بالخلاص على يد الله، وبقاء فريق منهم بعد ذلك بمئات السنين ينقسمون في شرح سبيل الخلاص على نهجهم الذي لا نستغربه من قوم يعظمون الحيوان ذلك التعظيم، فمنهم من يسمي سبيل الخلاص بالسبيل القردية ومنهم يسميها بالسبيل القطية، ويقصدون بهذه التسمية أن الله يخلص الإنسان إذا تشبث به كما يتشبث ولد القرد الصغير بأمه وهي تصعد به إلى رءوس الأشجار، أو أن الله على اعتقاد الآخرين يخلص الإنسان وهو مغمض العينين مستسلم للقضاء، كما يستسلم ولد القطة لأمه وهي تحمله مغمضًا من مكان إلى مكان.

فالله الذي يخلص عباده هذا الخلاص أو ذاك هو «ذات» على كلتا الحالتين يتشبث بها العابد أو يستسلم لقضائها فتسهر عليه وإن غفل عنها.

ويتسمى هذا الإله بثلاثة أسماء على حسب فعله في الوجود، فهو «برهما» حين يكون الموجد الخالق، وهو فشنو حين يكون الواقي المحافظ، وهو سيفا حين يكون المهلك الهادم، ولا نهاية للتداخل ولا للترجيح بين هذه الأسماء والوظائف والأفعال، على تباين النحل والملل والأجيال.

أما الفريق الثاني فالحقيقة الأبدية عنده معنى ليس له قوام من «الذات» الواعية، وإنما هو قانون يقضي بتلازم الآثار والمؤثرات، ويقابل الاعتقاد بالقضاء والقدر عند المؤمنين بالأديان الكتابية، ونعني بها الإسرائيلية والمسيحية والإسلام.

إلا أنه قضاء يسري على الآلهة كما يسري على البشر، ويتغلغل في طبائع الخالقين كما يتغلغل في طبائع المخلوقات، وحكمه الذي لا مرد له هو حكم التغير الدائم والفناء، وحكم الإعادة والإبداء.

ولا نحسب أن أحدًا من الأقدمين بلغ في إعظام الأكوان المادية مبلغ البراهمة، سواء في تقدير السعة أو تقدير القدم أو تقدير البقاء، فإن أناسًا من الأقدمين لم يجاوزوا بعمر الأكوان المادية بضعة آلاف سنة، وأناسًا منهم جعلوا لها خلقًا واحدًا وفناء واحدًا خلال أجل مقدور من القرون، ولكن البراهمة جعلوا لها أربعة أعمار تساوي اثني عشر ألف سنة إلهية وأربعة ملايين وثلثمائة وعشرين ألف سنة شمسية، وبعض المتأخرين يضاعفها ألف ضعف ويقولون جميعًا إنها دورة واحدة من دورات الوجود، وإن هذه الدورة هي يوم يقظة يقابله ليل هجوع، ينقضي بين كل دورة فنيت وكل دورة آخذة في الابتداء.

والقانون الأبدي Karma يقلب هذه الأدوار فيبدئها ويحفظها ويفنيها ثم يختم هذا النهار بليل من ليالي الهجوع، ثم يعود فيطلع النهار كرة أخرى دواليك إلى غير انتهاء؛ لأنه لا انتهاء للزمان.

ويتضاءل الإنسان الفاني كلما تعاظم هذا الفناء الخالد أو هذا الخلود الذي يتجدد بالفناء، فليس للإنسان حساب كبير في هذه الحسبة الأبدية؛ لأنه «رقم» ضئيل يغرق في طوفان الأرقام التي لا يحيط بها العد والإحصاء.

وعلى هذه القاعدة قامت البوذية التي بشر بها البوذا جوتاما قبل الميلاد المسيحي بحوالي خمسة قرون.

فقبل «جوتاما» بمئات السنين كان نساك الهند يتغنون بمضامين النشيد المرهوب الذي ترجمه ماكس موللر إلى الإنجليزية وجاء فيه عما كان قبل أن يكان أو يكون:

حينذاك لم يكن ما وجد أو ما لم يوجد، ولم يكن ما تثبته ولا ما تنفيه.
لا أجواء ولا سماء وراء الأجواء.
وماذا عساها تنطوي عليه؟ أين كانت وأين قرارها؟ أهي هاوية الماء التي ليس لها من قرار؟
لم يكن موت، فلم يكن خلود.
لم يمكن ما يموت، فلم يكن ما ليس يموت.
ولم يكن ثمة نهار ولا ليل، ولم يكن إلا «الأحد» يتنفس حيث لا أنفاس.
ولا شيء سواه.
وكان البدء في ظلام، عيلم بلا ضياء.
ومن البذرة في تلك القشرة قام «الأحد» بحرارة الحياة.
وانتصر الحب حين نبتت البذرة من لباب العقل السرمدي، وناجى الشعراء قلوبهم فتبينوا بالحكمة ما هو مما ليس هو، فقد نفذ شعاع القلب خلال ما هنالك، فماذا نظروا فوق الأحد وماذا نظروا دونه؟ كل ما هنالك حملة لبذور، قوى، قوة من أدنى ومشيئة من أعلى، ولا أحد يدري، ولا من يعلم من أين جاء ما جاء، فإنما جاءت الأرباب بعد ذاك، فمن إذن يعلم ما جرى؟ أهو الذي حدثت منه الخليقة؟ لعل الذي يعرفه «أحد» واحد في أعلى عليين، ولعله لا يدري كذاك.

وقبل «جوتاما» آمن البرهميون بالدورة في وجود الكون والدورة في وجود الإنسان، فالكون يتجدد حلقة بعد حلقة، والإنسان يتنقل في جسد بعد جسد، وسلسلة الأكوان ليس لها انتهاء، وسلسلة الحياة الإنسانية قد تنتهي إلى السكينة أو الفناء.

فالبوذية إنما قامت على أساس البرهمية في كل عقيدة من عقائد الأصول، وإنما تميزت البوذية بتبسيط العقائد لطبقات من الشعب غير طبقات الكهان، فأخرجتها من حجابها المكنون في المحاريب إلى المدرسة والبيت وصفوة المريدين، ولا تعتبر البوذية إضافة في صميم العقائد الدينية بل إضافة في آداب السلوك وفلسفة الحياة، وإضافة في عرض الآراء على غير المستأثرين بها قديمًا من سدنة الهيكل والمحراب.

وخلاصة الفلسفة التي أتى بها البوذا جوتاما هي تقريره هذه المبادئ الأربعة وهي:
  • أولًا: إن هناك عذابًا وشقاء.
  • وثانيًا: إن هناك سببًا للعذاب والشقاء.
  • وثالثًا: إن هذا السبب قابل للزوال، و«رابعًا»: إن وسيلة الانتهاء إلى هذه الغاية موجودة لمن يختار.
  • ورابعًا: إن وسيلة الانتهاء إلى هذه الغاية موجودة لمن يختار.

أما سبب الشقاء فهو الجهل الذي جعلنا نتعلق بالأوهام وننسى لباب الأمور، أو نتعلق بالعرض ونعرض عن الجوهر الأصيل.

والعرض هو كل ما يزول ويتغير، وهو من شر وفساد، وكل ما نحسه هو عرض تشمله لعنة الزوال. فما من شيء ثم «يكون» بل كل شيء يصير ولا يكف عن التغير، أو كما قال: «إن الناس يؤمنون بالثنائية، فيؤمنون بأن الشيء إما كائن وإما غير كائن، ولكن الناظر إلى الأمور بعين الصدق يعلم أن الرأيين طرفان متطرفان، وأن الحقيقة وسط بين الطرفين.»

وعلى هذا النحو ينكر البوذا وحدة «الشخصية الإنسانية» لأنها لا تتجاوز أن تكون تلاحقًا مستمرًّا للأحاسيس يبدو لنا كأنه حزمة مضمونة في كيان واحد، ومفسروه في العصر الحديث يمثلون لذلك بشريط الصور المتحركة الذي يلوح لنا شيئًا واحدًا وهو خطفة بعد خطفة من الألوان والظلال.

وإذا كان الشقاء في التطرف بالحس إلى النقيضين، فالخلاص من الشقاء لا يتأتَّى بغير الاعتدال بين كل طرفين، وبهذا نميط عنا غشاوة الخداع الذي يتراءى على ظاهر الأشياء للنفاذ إلى ما وراءها من سر الوجود.

فلا استغراق في إرضاء الحس ولا استغراق في قمعه وتجريده، بل توسط بين الغايتين في أمور الحياة الثمانية، وهي الفهم والعزم والكلام والسلوك والمعيشة والعمل والتأمل والفرح.

فالفهم طرفاه التصديق بكل ما يقال وإنكار كل ما يقال، والوسط بينهما التمييز بين الباقي والزائل والظاهر والباطن والثابت والذي ليس له ثبوت.

والعزم طرفاه التهافت والإهمال، والوسط بينهما إرادة الحكمة متى تبين السبيل إليها بالفهم الصحيح.

والكلام منه المهجور ومنه المطروق، والوسط بينهما قول الصدق وصون اللسان عن العيب والنميمة والمحال.

والسلوك طرفاه المحاباة مع الغرض والإجحاف مع الغرض، والوسط قوام بين الغرضين لا ينقاد لهذا ولا لذاك.

والمعيشة الصالحة قوامها أن يتخير الإنسان رزقًا حلالًا يتورع فيه عن التكسب بما يضر الآخرين.

والعمل الصالح أن يعرف ما يبتغيه ويقيس طاقته على مراده ويلتزم في كل ما يريد جادة الرشد والحكمة والإنصاف.

والتأمل الصالح سلام العقل وصفاء البصيرة ونبذ الوهم والعكوف على الحق البريء من النزعات.

والفرح الصادق هو فرح الرضوان الذي يتاح للإنسان في هذه الحياة فيبلغ به ملكوت «النرفانا» الأرضية في انتظار النرفانا الصمدية، وهي السكينة أو الفناء، وبينها وبين العدم فرق كبير. لأنها هي وجود يفنى في وجود، ويفسرها بعض العصريين من أذكياء البوذيين بفناء ألوان الطيف في البياض الناصع الذي ليس له لون، وهو ملتقى جميع الألوان.

بهذه الآداب ينجو الإنسان من رباط ذلك الدولاب الدائر بالولادة والموت والتجدد في حياة بعد حياة وجثمان وراء جثمان، فيدخل في «النرفانا» ولا يولد بعد ذلك ولا يموت.

وحكمه في هذا المصير حكم الأرباب والملائكة وحكم السماوات والأرضين، فكلها خاضع لقانون القضاء والقدر الذي لا فكاك منه لموجود، وكلها عرضة للتكفير والتطهير والتحول والتغيير، ثم للذهاب في غمرة الفناء الأخير.

وموضع التناقض في هذه الفلسفة أنها تنكر «الشخصية الإنسانية» ولا تعترف بالذات أو بالروح وهي مع هذا تؤمن بتناسخ الأرواح وثبوت شيء في الإنسان يبقى على التنقل بين الأجساد والدورات.

وأنها تؤمن بالكل أو «المطلق» الصمدي الوجود، ثم تنفي عنه الذات كما تنفيها عن الإنسان. مع أن الكل بغير ذات لا يكون كلا بمعنى من معاني الكلية، ولكنه شتات من أجزاء متفرقات.

وعلينا أن نحترس من مغالاة الشراح الأوربيين بهذه الفلسفة البوذية؛ لأنهم يتعصبون لكل منسوب إلى الآرية على اعتبارها عنصر الأوربيين الأقدمين والمعاصرين.

فقد رفعوها فوق قدرها بلا مراء، وزعموا أنها «جرأة العقل الكبرى» في مواجهة المشكلة الكونية، وأنها الخطوة المقتحمة التي لم يذهب وراءها ذو عقيدة في مطاوح التأمل والإقدام.

لكنها لا تحسب من الجرأة العقلية بوصف من الأوصاف، فما هي إلا جرأة حسية في أقصى ما تطوحت إليه من الفروض والأظانين، وما البوذية كلها إلا تململًا من وطأة الحس والجسد، ولا سعادتها القصوى إلا ضيقًا بالحس وهربًا منه إلى الفناء أو «اللاوعي» على أحسن تقدير.

والمحسوس عندها شامل للمعقول، والكائن بحق الحس عندها شامل للكائن بحق العقل وحق الوعي وحق الذات.

والآلهة عندها تأتي في المرتبة التالية بعد مرتبة الأكوان، وما ارتفعت الأكوان عندها إلى هذه المرتبة إلا بأنها هي المحسوس، وهي أول ما يفاجئنا قبل أن نفكر وقبل أن نتأمل وقبل أن ندين باعتقاد.

نعم إنها قد مدت نطاق الأكوان في الزمان والفضاء مدًّا قصر عنه المتدينون الأقدمون في معظم الأمم والأقطار.

ونعم إنها نفذت وراء الظواهر فتجاوزتها إلى ظواهر أعم منها وأبقى، فكان البرهميون يجزمون بأن الشمس لا تغيب عن الفضاء حين تغرب في المساء، يوم كان الأقدمون يحسبونها تهلك في مغربها أو يحسبونها تحجب وراء الجبال أو تتوارى بما تخيلوه من ضروب الحجاب.

ولكنها مدت نطاق الأكوان بحسية كبيرة لا بالخروج من الحسية والجرأة عليها، واختصرت الظواهر بالإقلال منها بعد تكثيرها ولم تردها آخر الأمر إلى ظاهرة واحدة، ولا إلى عقل تتساوى فيه هذه الظواهر في عنصر التجريد.

والبوذيون المعاصرون يسوغون تجريد «الكل» من الذات، أو تجريد الإله الأعظم من الذات، بأن الذات شبهة إنسانية نشأت من تخيل الإنسان كل موجود على مثاله ومنحاه.

ولكن تخيل الإنسان طبقة أعلى من تخيل الإله مجموعة من هذه الأكوان البكماء، وكل ما يقولونه عن ربوات ربوات الفراسخ التي يمتد إليها الفضاء لا تزيده على أن يكون فضاء في كل مكان: وذرة واعية في نواة تعيش الألوف منها على سن الإبرة — هي أوسع امتدادًا في آفاق الوجود من أوسع فضاء لا وعي فيه.

ومن راعه امتداد الفضاء ولم يرعه امتداد «الوعي» فهو يقيس العالم بالأشبار والأمتار ولا يقيسه بعمق الحياة وكنه الوجود الذي يعلم أنه وجود، وما من فارق كبير بين وجود لا وعي له وبين معدوم.

فالبوذية فتح في ميدان التصوف أو ميدان «الوجدانيات» والفضائل الخلقية، ولكنها ليست بالفتح الجريء في معارج الوصول إلى الكمال: كمال الإله.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠