انتحار الطلبة١

ناشِئٌ في الوَردِ مِن أيامِهِ
حسْبُهُ الله أبِالوَردِ عَثَرْ؟!٢
سدَّد السهمَ إلى صدرِ الصِّبا
ورماه في حَواشِيه الغُرَرْ٣
بيدٍ لا تعرفُ الشرَّ ولا
صلُحَت إلا لتلهُو بالأُكَرْ٤
بُسِطَت للسمِّ والحبلِ وما
بُسِطَت للكأس يومًا والوتَرْ
غفرَ الله له ما ضرَّهُ
لو قضى من لذَّةِ العيشِ الوَطَرْ
لم يُمَتَّع من صِبا أيامِهِ
ولياليه أصيلٌ وسَحَرْ٥
يَتمنَّى الشيخُ منه ساعةً
بحِجابِ السمع أو نورِ البصرْ٦
ليسَ في الجَنةِ ما يُشبِههُ
خِفَّةً في الظِّلِّ أو طِيبَ قِصَرْ
فصِبا الخُلدِ كثيرٌ دائمٌ
وصِبا الدنيا عزيزٌ مُختصَرْ

•••

كلَّ يومٍ خبرٌ عن حدَثٍ
سئمَ العيشَ ومَن يَسأمْ يَذَرْ٧
عافَ بالدنيا بِناءً بعدما
خَطَب الدُّنيا وأهدَى ومَهَرْ٨
حلَّ يومَ العُرسِ منها نفسَهُ
رحِمَ اللهُ العَرُوسَ المُختضَرْ٩
ضاقَ بالعيشةِ ذَرْعًا فهَوى
عن شَفا اليأسِ وبئسَ المُنحدَرْ١٠
راحلًا في مِثلِ أعمارِ المُنى
ذاهبًا في مِثلِ آجالِ الزَّهَرْ
هاربًا من ساحةِ العيشِ وما
شارَفَ الغَمرةَ منها والغُدُرْ١١
لا أرى الأيامَ إلا مَعرَكًا
وأرى الصِّنديدَ فيه مَن صَبَرْ١٢
رُبَّ واهِي الجأْشِ فيه قَصَفٌ
مات بالجبنِ وأودَى بالحَذَرْ١٣

•••

لامَه الناسُ وما أظلمَهم
وقليلٌ مَن تَغاضَى أو عَذَرْ
ولقد أبلاكَ عذرًا حَسنًا
مُرتدي الأكفانِ مُلقًى في الحُفَرْ
قال ناسٌ صَرعةٌ مِن قدَرٍ
وقديمًا ظلَمَ الناسُ القدَرْ
ويقول الطبُّ بل من جِنَّةٍ
ورأيتُ العقلَ في الناسِ نَدَرْ١٤
ويقولون جفاءٌ راعَهُ
من أبٍ أغلَظَ قلبًا من حَجَرْ١٥
وامتحانٌ صعَّبَتهُ وَطأةٌ
شدَّها في العِلم أستاذٌ نَكِرْ١٦
لا أرى إلا نِظامًا فاسدًا
فكَّكَ العِلمَ وأودى بالأُسَرْ؟
مِن ضَحاياه وما أكثرَها!
ذلك الكارِهُ في غَضِّ العُمُرْ١٧
ما رأى في العيش شيئًا سَرَّهُ
وأخَفُّ العيش ما ساءَ وسَرْ
نزل العيشَ فلم ينزِلْ سوى
شعبةِ الهمِّ وبَيداءِ الفِكَرْ١٨
ونهارٍ ليس فيه غِبطةٌ
وليالٍ ليس فيهنَّ سَمَرْ١٩
ودُروسٍ لم يُذلِّل قطفَها
عالِمٌ إنْ نطقَ الدرسَ سَحَرْ٢٠
ولقد تُنهِكه نهْكَ الضَّنى
ضَرَّةٌ مَنظرُها سُقْمٌ وضُرْ٢١
ويُلاقي نَصَبًا ممَّا انطوى
في بَنِي العَلَّاتِ من ضِغْنٍ وشَرْ٢٢
إخوةٌ ما جمَعَتهم رَحِمٌ
بعضُهم يمشون للبعضِ الخَمَرْ٢٣
لم يُرفرِفْ مَلَكُ الحُبِّ على
أبوَيه أو يُبارِكْ في الثَّمَرْ
خلَقَ اللهُ من الحُبِّ الورى
وبنى المُلك عليه وعمَرْ

•••

نشَأَ الخيرِ رُوَيدًا قتْلُكم
في الصِّبا النفسَ ضَلالٌ وخُسُرْ٢٤
لو عصيتُم كاذبَ اليأسِ فما
في صِباها ينحرُ النفسَ الضَّجَرْ٢٥
تُضمِرُ اليأسَ من الدنيا وما
عندها عن حادثِ الدُّنيا خَبَرْ
فِيمَ تجنُون على آبائِكم
ألَمَ الثُّكْل شديدًا في الكِبَرْ
وتعقُّون بلادًا لم تزَلْ
بينَ إشفاقٍ عليكم وحذَرْ
فمُصابُ المُلكِ في شُبَّانِهِ
كمُصابِ الأرضِ في الزرعِ النَّضِرْ
ليسَ يدري أحدٌ منكم بما
كان يُعطَى لو تأنَّى وانتظَرْ
رُبَّ طفلٍ برَّحَ البُؤسُ بِهِ
مُطِرَ الخيرَ فَتيًّا ومَطَرْ٢٦
وصبيٍّ أزْرَت الدُّنيا بِهِ
شبَّ بين العزِّ فيها والخطَرْ٢٧
ورفيعٍ لم يُسوِّدْهُ أبٌ
مَن أبو الشمس ومَن جدُّ القمَرْ
فلكٌ جارٍ ودُنيا لم يدُمْ
عندها السَّعدُ ولا النحسُ استمَرْ
روِّحوا القلبَ بلذَّات الصِّبا
فكفى الشيبُ مجالًا للكدَرْ٢٨
عالِجوا الحكمةَ واستشفوا بها
وانشُدوا ما ضلَّ منها في السِّيَرْ٢٩
واقرءُوا آدابَ مَن قبلكمُ
ربَّما علَّمَ حيًّا مَن غبَرْ٣٠
واغنموا ما سخَّر الله لكم
من جَمالٍ في المعاني والصُّوَرْ٣١
واطلبوا العِلمَ لِذاتِ العِلمِ لا
لشهاداتٍ وآرابٍ أُخَرْ٣٢
كَم غُلامٍ خاملٍ في درسِهِ
صارَ بحرَ العلمِ أستاذَ العُصُرْ
ومُجِدٍّ فيه أمسى خامِلًا
ليس فيمَن غابَ أو فيمَن حَضَرْ

•••

قاتِلُ النفسِ ولو كانت لهُ
أسخَطَ اللهَ ولم يُرضِ البَشَرْ
ساحةُ العيشِ إلى الله الذي
جعلَ الوِردَ بإذنٍ والصَّدَرْ٣٣
لا تموتُ النفسُ إلا بِاسمِهِ
قامَ بالموتِ عليها وقهَرْ
إنما يَسمحُ بالرُّوح الفَتى
ساعةَ الرَّوعِ إذا الجمعُ اشتجرْ٣٤
فهناك الأجرُ والفخرُ معًا
مَن يَعِشْ يُحمَدْ ومن ماتَ أُجِرْ
١  رأى صاحب الديوان ذلك المَفزع الوبيء، الذي يفزع إليه صغار الطلبة في مصر بعد سقوطهم في الامتحانات؛ فنظم لهم هذه القصيدة، يقطع عليهم فيها سبيل اليأس، ويبسط لهم سبيل الأمل.
٢  حسبه الله: أي كفاه الله.
٣  الصبا: الميل إلى جهالة الفتوَّة. والحواشي: الجوانب.
٤  الأكر: جمع أكرة، وهي الكرة.
٥  الأصيل: وقت ما بعد العصر إلى المغرب، والسَّحَر: قُبَيل الصبح.
٦  منه: أي من صبا الأيام.
٧  الحدث: الشاب. ويذر: يترك.
٨  عاف: كرِه. وبناء: من قولهم بنى بأهله؛ أي زُفَّت إليه. خطَب: من خِطبة الزواج. أهدى: أعطى الهدية. مهَر: أعطى المهر.
٩  المختضَر: أي الميت في صباه، من اختضار الكلأ؛ أي قطعه وهو أخضر.
١٠  ضاق بالشيء ذرعًا: ضعفت عنه طاقته، ولم يجد مخلِّصًا من مكروهه. والشفا: حرف كل شيء.
١١  شارف الشيء: قارَبه ودنا منه. وغمرة الشيء: شِدَّته ومُزدحَمه. والغُدُر: جمع غدير، وهو النهر، أو القطعة من الماء يُغادِرها السيل.
١٢  الصنديد: السيِّد الشجاع.
١٣  الواهي: الضعيف المتداعي إلى السقوط. الجأش: نفس الإنسان، أو هو رواع القلب عند الفزع. والقصف: الخور والضعف. أودى: هلك.
١٤  الجِنَّة: الجنون.
١٥  الجفاء: غلظة العِشرة.
١٦  النَّكِر: الفَطِن.
١٧  غضُّ العمر: أي العمر الغض الناضر.
١٨  شعبة الهمِّ: الطائفة منه.
١٩  الغبطة: حُسن الحال. والسمر: الحديث في الليل.
٢٠  يذلل: مِن ذلَّل الشيء جعله هيِّنًا. وقطف الثمر: جنيه وجمعه، وقطف الشيء: أخذه بسرعة.
٢١  تنهكه: تُضنيه. والضنى: المرض والهزال. وضرَّة المرأة: امرأة زوجها، وهما ضرَّتان، وهن ضرائر.
٢٢  بنو العلَّات، بفتح العين: هم بنو أمهاتٍ شتَّى من رجلٍ واحد. والضغن: الحقد.
٢٣  بعضهم يمشون للبعض الخمر، بفتح الخاء: أي يختلونهم، ومنه قولهم: هو يدبُّ له الضرَّاء ويمشي له الخمر.
٢٤  نشأ الخير: أي يا نشأ الخير. والنشأ، بفتح الشين: جمع نشء؛ بسكونها: وهو النسل. ورويدًا: أي مهلًا لتسمعوا ما أقول. والخسر، بضم السين: الخُسران.
٢٥  لو عصيتم كاذب اليأس: حضٌّ، معناه اعصوا كاذب اليأس.
٢٦  برَّح به: جهَدَه وآذاه. ومُطر الخير، بضم الميم: أي أصابه كما يُصيب المطر الأرض. ومَطر، بفتح الميم: أي صدر عنه الخير كالمطر.
٢٧  أزرت به: تهاونت.
٢٨  روِّحوا القلب: أي أنعِشوه وطيِّبوه.
٢٩  الحكمة: صواب الأمر وسداده، ووضع الشيء في موضعه. السير، بكسر السين: جمع سيرة، وهي للإنسان طريقة سلوكه بين الناس.
٣٠  مَن غبر: مَن مضى.
٣١  اغنموا: من غنم الشيء؛ أي فاز به من غير مشقَّة، وأخذه بغير بذل.
٣٢  آراب: جمع أرَب، وهو الحاجة.
٣٣  الورد: بلوغ الماء. والصدر: الرجوع عنه.
٣٤  الروع: الفزع، ويأتي بمعنى الحرب، وهو المراد هنا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤