ذكرى المولد

سَلُوا قلبي غداةَ سَلا وتابَا
لعلَّ على الجمالِ له عِتابَا
ويُسألُ في الحوادث ذو صوابٍ
فهل ترك الجمالُ له صوابَا؟
وكنتُ إذا سألتُ القلبَ يومًا
تولَّى الدمعُ عن قلبي الجوابَا
ولِي بين الضلوع دمٌ ولحمٌ
هما الواهي الذي ثكِلَ الشبابَا١
تسرَّب في الدموع فقُلتُ ولَّى
وصفَّق في الضلوع فقُلتُ ثابَا٢
ولو خُلِقَت قلوبٌ من حديدٍ
لما حمَلَت كما حمل العذابَا
وأحبابٍ سُقيتُ بهم سُلافًا
وكان الوصلُ من قِصَرٍ حَبابَا٣
ونادَمْنا الشبابَ على بِساطٍ
من اللذاتِ مختلفٍ شرابَا
وكلُّ بِساطِ عيشٍ سوف يُطوَى
وإن طال الزمانُ به وطابَا
كأنَّ القلبَ بعدهمُ غريبٌ
إذا عادَته ذكرى الأهلِ ذابَا
ولا يُنبِيكَ عن خُلُقِ الليالي
كمَن فقَدَ الأحِبَّةَ والصِّحابَا
أخا الدنيا أرى دنياك أفعى
تُبدِّل كلَّ آونةٍ إهابَا
وأن الرُّقطَ أيقَظُ هاجعاتٍ
وأترَعُ في ظلالِ السِّلم نابَا٤
ومِن عَجبٍ تُشيِّبُ عاشِقيها
وتُفنيهم وما برِحَت كَعابَا٥
فمن يَغترَّ بالدنيا فإني
لبِستُ بها فأبليتُ الثيابَا
لها ضَحِكُ القِيانِ إلى غبيٍّ
ولي ضَحِكُ اللبيب إذا تَغابى٦
جنَيتُ برَوضِها وردًا وشوكًا
وذُقتُ بكأسِها شُهدًا وصابَا
فلم أرَ غيرَ حُكمِ الله حُكمًا
ولم أرَ دونَ بابِ الله بابَا
ولا عظَّمتُ في الأشياء إلا
صحيحَ العلم والأدبَ اللُّبابَا٧
ولا كرَّمتُ إلا وجهَ حُرٍّ
يُقلِّد قومَه المِننَ الرَّغابَا٨
ولم أرَ مِثلَ جمعِ المال داءً
ولا مِثلَ البخيلِ به مُصابَا
فلا تَقتلْك شهوتُه وزِنْها
كما تزِنُ الطعامَ أو الشرابَا
وخُذْ لِبَنيك والأيامِ ذُخرًا
وأعطِ اللهَ حِصَّتَه احتسابَا٩
فلو طالعتَ أحداثَ الليالي
وجدتَ الفقرَ أقربَها انتيابَا١٠
وأن البِرَّ خيرٌ في حياةٍ
وأبقى بعدَ صاحبِه ثوابَا
وأن الشرَّ يصدعُ فاعلِيهِ
ولم أرَ خيِّرًا بالشرِّ آبَا
فرِفقًا بالبنينَ إذا الليالي
على الأعقاب أوقعَت العِقابَا
ولم يتقلَّدوا شُكرَ اليتامى
ولا ادَّرعوا الدعاءَ المُستجابَا١١
عجِبتُ لمعشرٍ صلَّوا وصامُوا
ظواهرَ خشيةٍ وتُقًى كِذابَا١٢
وتُلفِيهم حِيالَ المالِ صُمًّا
إذا داعِي الزكاةِ بهم أهابَا١٣
لقد كتموا نصيبَ الله منهُ
كأنَّ اللهَ لم يُحصِ النِّصابَا
ومَن يَعدِل بحُبِّ اللهِ شيئًا
كحبِّ المال ضلَّ هوًى وخابَا
أرادَ اللهُ بالفقراء بِرًّا
وبالأيتام حُبًّا وارتبابَا١٤
فرُبَّ صغيرِ قومٍ علَّموه
سَما وحَمى المُسوَّمةَ العِرابَا١٥
وكان لقومه نفعًا وفخرًا
ولو تركوه كان أذًى وعابَا١٦
فعلِّم ما استطعت لعلَّ جيلًا
سيأتي يُحدِث العَجَبَ العُجابَا
ولا تُرهِقْ شبابَ الحيِّ يأسًا
فإنَّ اليأسَ يخترمُ الشبابَا١٧
يريد الخالقُ الرزقَ اشتراكًا
وإن يكُ خصَّ أقوامًا وحابَى١٨
فما حَرَم المُجِدَّ جَنَى يدَيهِ
ولا نسِيَ الشقيَّ ولا المُصابَا١٩
ولولا البخلُ لم يَهلِكْ فريقٌ
على الأقدارِ تَلقاهُم غِضابَا
تعِبتُ بأهلِه لَومًا وقبلي
دُعاةُ البِرِّ قد سئموا الخِطابَا
ولو أني خطبتُ على جمادٍ
فَجَرتُ به الينابيعَ العِذابَا
ألم ترَ للهواءِ جرى فأفضى
إلى الأكواخ واخترق القِبابَا٢٠
وأن الشمس في الأفاق تَغشى
حِمى كِسرى كما تَغشى اليبابَا٢١
وأن الماء تَرْوى الأُسْدُ منهُ
ويَشفي مِن تلعلُعِها الكلابَا٢٢
وسوَّى الله بينكم المنايا
ووسَّدكم مع الرُّسْلِ الترابَا٢٣
وأرسَلَ عائلًا منكم يتيمًا
دنا من ذي الجلال فكان قابَا٢٤
نبيُّ البِرِّ بيَّنه سبيلًا
وسنَّ خِلالَه وهَدى الشِّعابَا٢٥
تفرَّق بعدَ عيسى الناسُ فيهِ
فلمَّا جاءَ كان لهم مَتابَا٢٦
وشافِي النفسِ من نزَعاتِ شرٍّ
كَشافٍ من طبائعها الذئابَا٢٧
وكان بيانُه للهدي سُبْلًا
وكانت خيلُه للحقِّ غابَا
وعلَّمنا بِناءَ المَجدِ حتى
أخذنا إمرةَ الأرضِ اغتصابَا
وما نَيلُ المَطالبِ بالتمني
ولكن تُؤخَذُ الدنيا غِلابَا٢٨
وما استعصى على قومٍ مَنالٌ
إذا الإقدامُ كان لهم رِكابَا

•••

تجلَّى مَولد الهادي وعمَّت
بشائرُه البواديَ والقِصابَا٢٩
وأسدَت للبَريةِ بنتُ وَهبٍ
يدًا بيضاءَ طوَّقَت الرقابَا٣٠
لقد وضعَته وهَّاجًا مُنيرًا
كما تلِدُ السمواتُ الشهابَا٣١
فقام على سماءِ البيتِ نورًا
يُضيءُ جبالَ مكةَ والنِّقابَا٣٢
وضاعَت يثربُ الفيحاءُ مِسكًا
وفاحَ القاعُ أرجاءً وطابَا٣٣
أبا الزهراءِ قد جاوزتُ قَدري
بمدحك بَيدَ أنَّ ليَ انتسابَا
فما عرَفَ البلاغةَ ذو بيانٍ
إذا لم يتَّخِذكَ له كِتابَا
مدحتُ المالكين فزِدتُ قدرًا
فحين مدحتُكَ اقتَدتُ السحابَا
سألتُ اللهَ في أبناءِ ديني
فإن تكُنِ الوسيلةَ لي أجابَا
وما للمسلمين سواكَ حِصنٌ
إذا ما الضُّرُّ مسَّهمُ ونابَا
كأن النَّحسَ حين جرى عليهم
أطارَ بكلِّ مملكةٍ غُرابَا
ولو حفِظوا سبيلَك كان نورًا
وكان من النُّحوسِ لهم حِجابَا
بنَيتَ لهم من الأخلاق ركنًا
فخانوا الركن فانهدم اضطرابَا
وكان جَنابُهم فيها مَهيبًا
ولَلأخلاقُ أجدَرُ أن تُهابَا
فلولاها لَساوى الليثُ ذئبًا
وساوى الصارمُ الماضي قِرابَا٣٤
فإنْ قُرِنَت مَكارمُها بعِلمٍ
تذلَّلَت العُلا بهما صِعابَا
وفي هذا الزمان مَسيحُ عِلمٍ
يردُّ على بني الأُممِ الشبابَا
١  الواهي: الضعيف. وثكل الشباب: فقده. والمقصود بالدم واللحم هنا: القلب.
٢  ثاب: رجع بعد ذهاب.
٣  السلاف: خالص الخمر. وحباب الماء: نفاخاته التي تعلوه.
٤  الرقط: جمع رقطاء، وهي الحية على جلدها سوادٌ مَشوب بالبياض. وأترع: أسرع إلى الشر.
٥  الكعاب: الجارية الناهد.
٦  القيان: جمع قينة، وهي الأَمَة المُغنِّية.
٧  اللباب: المختار الخالص.
٨  الأرض الرغاب: التي لا تسيل إلا مِن مطرٍ كثير.
٩  احتسب عند الله أمرًا: قدَّمه.
١٠  انتابه: أتاه مرةً بعد أخرى.
١١  ادَّرع: لبس الدرع.
١٢  الكِذاب: الكذب.
١٣  أهاب به: دعاه.
١٤  ارتبَّ الصبيَّ ارتبابًا: ربَّاه حتى أدرك.
١٥  الخيل المسوَّمة: المرعية. والخيل العراب: الكرائم.
١٦  العاب: العيب.
١٧  أرهقه طغيانًا: أغشاه إيَّاه. ويخترم الشباب: يستأصله.
١٨  حاباه: اختصَّه ومال إليه.
١٩  الجنى: ما نجني من الشجر.
٢٠  أفضى: بلغ.
٢١  اليباب: القفر.
٢٢  تلعلع الكلب: دلع لسانه عطشًا.
٢٣  سوَّى: جعلكم فيها سواءً.
٢٤  عائلًا: فقيرًا. وقاب القوس: ما بين المقبض والسية، والمراد أنه كان قريبًا.
٢٥  الشعاب: الطُّرق.
٢٦  الضمير في «فيه» يعود على البر.
٢٧  النزغات: الوساوس.
٢٨  غلابًا: قهرًا.
٢٩  القصابا: جمع قصبة، وهي المدينة.
٣٠  بنت وهب: السيدة آمنة، أمه .
٣١  الشهاب: الكوكب.
٣٢  نقاب: جمع نقب، وهو الطريق في الجبل.
٣٣  ضاع المسك: تحرَّك فانتشرت رائحته.
٣٤  الصارم: السيف. والقراب: الغمد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤