الفصل الرابع عشر

«النشأة النفسية لحالة مِثلية جنسية أنثوية»

سوزان بَد

نشر فرويد هذا البحث، والذي يُعتبر آخرَ سجلِّ حالةٍ لديه، عام ١٩٢٠. وكما يتبين من العنوان، فإنه تحليلٌ مختصر لكيف أصبحت امرأة — أو بالأحرى فتاة في الثامنة عشرة — مثلية الجنس. لا يعتبر البحث سردًا لعلاج؛ إذ أكد فرويد أن العلاج لم ينجح وأنه أوقفه بعد أسابيع قليلة. اعتَبرَت هذه الورقة البحثية جزءًا من نقاش معاصر عن طبيعة النشاط الجنسي لدى النساء، إلا أن القضايا التي أثارتها عن المثلية الجنسية الأُنثوية لم تُنَاقَش على وجه الخصوص، وتم تجاهُل البحث بعد ذلك إلى حدٍّ كبير حتى التسعينيات من القرن العشرين، حين جذب أنصار الحركة النسوية والسحاقيات وموقف التحليل النفسي تجاههن، مزيدًا من الانتباه إلى الموضوع (انظر بيرلبِرج، ٢٠٠٥، ورافاييل-ليف وبيرلبِرج، ١٩٩٧، للاطلاع على ملخص للنقاش التحليلي النفسي حول الأنثوية). لكن البحث لم يحظَ قط باستقبالٍ مؤيد على نحوٍ خاص؛ إذ كانت القضايا التي يناقشها مُعقَّدة ومثيرة للجدل، كما أنه كُتِب بأسلوبٍ تعليمي مُنمَّق يثير أسئلةً بقدْر ما يُقدم من إجابات. (من سمات هذا البحث أنه يحوي بعضًا من أكثر ملاحظات فرويد إثارة للاهتمام في الحواشي والتعليقات الجانبية.) إن ما يفتقده البحث كثيرًا الاهتمام البشري الكبير الذي لاقته سجلات حالاته الأخرى.

ما السبب في هذا؟ يُستخدَم تاريخ الحالة من أجل غرضٍ مُحدَّد وهو التأمُّل في نشأة المثلية الجنسية الأنثوية. ويتفق جميع المعلقين على أن الجنسانية لدى الإناث قد جذبت اهتمامًا أقل بكثير منها لدى الرجال، وأن السحاقية قد أثارت قلقًا أقل؛ ومن ثَمَّ جذبت انتباهًا أقل، عن اللواط. ولا يُوجد ما يضاهي الوصف التفصيلي الشامل الذي قدَّمه لويس (١٩٩٥؛ ولكن يمكنك مطالعة أوكونور ورايان، ١٩٩٣) لتغيُّر رؤى التحليل النفسي عن المثلية الجنسية لدى الرجال وتفاعُلها مع توجُّهاتٍ اجتماعية أوسع. يبدأ فرويد مقاله بالإشارة إلى أن المثلية الجنسية منتشرة بين النساء مثل الرجال، لكنها ليست ضد القانون، ولا يُشعَر بأن لها تأثيرًا هدامًا على المستوى الاجتماعي، كما أنها أقل وضوحًا بكثير، وربما نرغب في تجنب التفكير في السلوك الجنسي النشط لدى النساء، وإن كان فرويد لم يذكر ذلك. غير أنه يقدم لنا وصفًا صادقًا إلى حدٍّ ملحوظ، كما فعل مع سجلاتِ حالاتٍ أخرى، يُعبِّر عن إدراكه لغموض الموقف وتعقيده، والصعوبات التي تُواجهه في التعامل معه. كان تاريخ الحالة الخاص به مليئًا بتساؤلاتٍ ليس لها إجابة، لكن بالرغم من التحليل الذي تغلب عليه النقدية من قِبل مُعلقِين لاحقِين للبحث، ما زلنا فيما يبدو غيرَ قادرِين على الاتفاق بشأن الإجابات. تشير أدريان هاريس (١٩٩١) إلى أن «النوع الاجتماعي هو أحد أكثر المفاهيم إثارةً للجدل في الفكر الاجتماعي والحياة الاجتماعية المعاصِرَين»؛ ولذا فإن العديد من المصطلحات الرئيسة في هذا البحث — مثل الشذوذ/الانحراف، وعلم الأحياء، والنوع الاجتماعي، والمعيار الطبيعي والهوية الجنسية — أصبحت مثيرة للجدل؛ ومن ثَمَّ فإن معانيها تُهدم بشكلٍ مستمر ويجب إعادة تعريفها.

البداية

بدأ فرويد تاريخ حالته كما يلي:

أثارت فتاةٌ جميلة وذكية في الثامنة عشرة، من عائلةٍ ذات سمعةٍ حسنة، استياء وقلق والدَيها بسبب الهُيام الشديد الذي كانت تُطارِد به «إحدى سيدات المجتمع» التي كانت تكبرها بعشر سنوات. أكد الوالدان أن تلك المرأة رغم شهرتها واسمها البارز، لم تكن إلا امرأةَ بغيًّا؛ فلم يكن سرًّا، حسب قولهما، أنها كانت تعيش مع صديقةٍ لها، وهي امرأةٌ متزوجة، وكان بينهما علاقاتٌ حميمية، وفي الوقت نفسه ارتبطت بعلاقاتٍ جنسية مع عدد من الرجال.

من له أن يحكم على هذا الموقف؟ الفتاة، أم والداها، أم الرأي العام، أم فرويد؟ تبقى تلك المرأة سرًّا. ويبقى اسم الفتاة مجهولًا، بينما تكتسب المرأة العديد من الأسماء المستعارة؛ كوننا نراها من خلال أعينٍ مختلفة. إنهما مثل شخصياتِ تشيكوف، جزءٌ منها إنساني، وجزءٌ منها رمزي؛ لذا ورغم أن العديد من المُعلِّقِين الجدد يظنون أن عدم ذكر أسمائهما يُعتبر إهانة، يبدو من المناسب لي أن نُسمِّيَهما «الفتاة» و«المرأة»؛ فمجهوليتهما تُستخدم للتأكيد على نقطةٍ معينة، على حساب الجاذبية الفورية الشديدة التي تصطبغ بها حالاتُ فرويد الأخرى.١ نُلاحظ كذلك الالتواء وعدم المُباشَرة في عنوان فرويد: «النشأة النفسية لحالةِ مثليةٍ جنسية لدى امرأة». لم يكن فرويد أبدًا كاتبًا أخرق، فلِمَ لم يقل «سحاقية» مباشرة؟ كان فرويد يأمُل أن يدرك إلى أيِّ حدٍّ تكون المثلية الجنسية شيئًا فطريًّا أم مُكتسبًا، وإلى أي مدًى تُحدِّد أو تُحدَّد بواسطة جوانبَ أخرى من الشخصية؛ كما كان يأمل في مناقشةِ إلى أيِّ حدٍّ تُعد «المثلية الجنسية» تصنيفًا.

بعباراتٍ أشمل، ربما نرى على مدى البحث الصراع بين فرويد الذي كتب بحث «ثلاثة مقالات» (١٩٠٥ب) الذي يُؤكِّد أننا «جميعًا» ثنائيو الجنس، وأننا «جميعًا» يجب أن نبلغ الحياة الجنسية الخاصة بمرحلةِ الرشد من خلال سلسلة من التماهيات والاستدماجات، وبيَّن فرويد في فترةٍ لاحقة الذي كان أكثر ميلًا إلى الكتابة عن سيكولوجية النساء كما لو كان جنسنا البيولوجي يستتبع قدرًا تطوريًّا منفصلًا. بعض المُعلقِين لا يمكنهم فهم لماذا أكَّد فرويد بشدةٍ هكذا على الشكل الجسدي «للفتاة» في بداية البحث، لكنه أمرٌ بالغ الأهمية لحُجته التي طرحها في هذا الشأن، وأعود لهذا الآن.

(١) تكوين الاختيار الجنسي

بدأ فرويد بالإشارة إلى أن والدَي الفتاة، وليست هي، هما من أرادا أن تخضع للعلاج؛ فقد كانا ينظران إلى العلاقة «باستياء وقلق»؛ إذ كانت تُهمِل دراستها، وكانت تخدعهما بشأن لقائها «بالمرأة»، ولم تكن عابئةً بسمعتها (وسمعتهما) بالسماح لنفسها بأن تُرَى على الملأ مع مثل هذه المرأة المُتهتِّكة السيئة السمعة. ووَصلَت الأمور إلى حدٍّ لا يمكن السكوت عليه عندما قابلهما والدها معًا وراح يحملق بهما بينما قَفزَت الفتاة من فوقِ سورٍ لتسقط على قضبانِ سكةٍ حديدية مُقطَّعة ويُصاب ظهرها. كانت هذه الحركة الانتحارية دافعًا للأبوَين للشعور بمزيدٍ من القلق بشأن سلامتها واصطحابها إلى فرويد. وجاءت موافقتها على الخضوع للتحليل النفسي فقط لأن قلق والدَيها جعلها تفعل ما يريدان؛ إذ لم تكن راغبة في إنهاء العلاقة.

كان والدها، وكان رجلًا صارمًا، فزعًا على نحوٍ غير عقلاني بسبب ارتباط ابنته بهذه المرأة؛ إذ كان «يعتبرها شخصيةً فاسدة، أو منحلةً، أو مريضة عقليًّا». أمَّا موقف والدتها فكان أكثر التباسًا؛ فقد كان اعتراضها الأساسي منصبًّا على إعلان ابنتها شغفها وافتتانها بالمرأة على رءوس الأشهاد هكذا. لقد كانت، في الواقع، تنظر لارتباط ابنتها الشاذ بالمرأة أمرًا مناسبًا؛ إذ كانت هي نفسها تتمنى أن ينظر الآخرون لها على أنها ما زالت شابة وجذابة، واستغلت «مشكلاتها العُصابية» لانتزاع «قدْرٍ كبير من الاهتمام من زوجها». ونتيجة لهذا، كانت تعامل أولادها الثلاثة بتساهل وكانت «قاسية بوضوح» تجاه ابنتها. لا يزال الوالدان عالقَين في مرحلة عقدة أوديب؛ فالأم تُغوي زوجها وأبناءها، وتنظر إلى ابنتها كمنافسٍ جنسي، بينما الأب الغاضب والمُحبَط بسبب رفض ابنته لجنسه، يحاول أولًا أن يأمرها بالطاعة، ثم يُقرِّر معاقبتها بتزويجها. وما إن رأت الفتاة كمَّ استياء والدها من انجذابها إلى النساء، حتى أَدركَت الفتاة كيف يمكنها إيلامه. كانت تستمع بخداعه، لكنه كان يجب أن يعلم بعلاقتها بتلك المرأة لتنتقم منه. وكان هذا هو السبب وراء استهتارها بالأمر وغضب والدها المبالغ فيه؛ إذ شعر بأنه يُستخَفُّ به عن عمد.

يستفيض فرويد بعد ذلك في سرد الأسباب وراء الفشل الحتمي الذي لحِق بالعلاج الذي كان يأمُل به الوالدان. لا يمكن أن ينجح التحليل النفسي إلا عندما يريد المريض المساعدة، أمَّا إذا أراد شخصٌ آخر تغييره كي يفعل ما يُؤمر به، فربما تكون النتائج مزعجة. لم تكن «الفتاة» مريضة أو عُصابية، كما أنها لم تكن تريد أن تصبح محبةً للجنس الآخر. لا يمكن عكس المثلية الجنسية؛ ربما يمكننا من حين لآخر أن نجعل مِثليَّ الجنس أن يصبح ثنائي الجنس. «لا بد أن نتذكر أن الجنسانية الطبيعة تعتمد كذلك على حصرٍ وتقييد في اختيار الموضوع.» وقد أشار فرويد إلى أن مثليِّي الجنس الذين لجئوا إلى العلاج كانوا يُضطَرُّون إلى التخلي عن مصدر للمتعة، سواء بسبب أخطاره وأضراره الاجتماعية، أو لأنهم لم يرغبوا في التسبُّب بألم لآبائهم وأصدقائهم. وقد أخبر فرويد والدَي الفتاة أنه مستعد فقط لدراسةِ حالة ابنتهما لبضعةِ أسابيع لِيُقرِّر ما إذا كانت مثليتها الجنسية قابلةً للعلاج أم لا.

بعد ذلك، تَتبَّع فرويد العملية التي كان يعتقد أنها ما أدت إلى مثلية الفتاة. لقد تجَاوزَت عقدة أوديب على نحوٍ طبيعي دون أي ذكريات لصدماتٍ جنسية أو استمناء في الطفولة. وفي سن الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة، شُغِفَت عشقًا لفترةٍ قصيرة بصبيٍّ صغير في حوالي الثالثة من عمره، ولكنها تحوَّلَت إلى اهتمامٍ شبقي بنساءٍ يكبرنها من صديقات العائلة. حدث هذا التغيُّر عندما كانت في السادسة عشرة وقت ميلاد شقيقها الثالث. كانت النسوة اللاتي انجَذبَت إليهن كلهن أمهات، ووجَّهَت مشاعر انجذابها إلى والدتها نحوهن.٢ كانت «المرأة» التي تحول انتباهها إليها بديلًا ليس فقط لوالدتها بل لشقيقها الأكبر الذي كان يُشبِه تلك «المرأة»؛ لقد نقلت الفتاة كلًّا من دوافعها المثلية والمغايرة إليها.

لماذا قاد حمل الأم المتأخر ابنتها إلى الانصراف عن قدراتها الأمومية التي كانت قد بدأت في التفتح للتحوُّل نحو حب لأمٍّ بديلة؟ العديد من الفتيات في ظروفٍ مشابهة كنَّ سيشعرن «بمزيج من الحب والاحتقار والحسد» تجاه أمهاتهن، كما أن والدة الفتاة كانت قاسية معها؛ إذ كانت مهتمة على نحوٍ خاص بمنع أيِّ حميميةٍ بين الأب والابنة. ومع إحياء شهوتها الجنسية عند البلوغ، كانت الفتاة تتوق لامتلاك طفلٍ ذكر وهو الذي في خيالها سيكون ابنها من والدها. لكن والدتها هي من حَملَت الطفل؛ و«بسبب نقمتها وغيظها الشديدَين، انصَرفَت عن والدها وعن جنس الرجال جميعًا.» بعدها يلفت فرويد انتباهنا إلى الطريقة التي تتذبذب بها الشهوة الجنسية. إن الإحباط في حبِّ جنسٍ ما يمكن أن يجعلنا نتوجه إلى الجنس الآخر؛ فنجد «الشخص الأعزب يستغني عن أصدقائه الرجال عندما يتزوج، ثم يعود إلى حياة الأصدقاء عندما تفقد حياته الزوجية مذاقها الخاص.» لماذا إذن كان تحول الفتاة جوهريًّا ونهائيًّا إلى هذا الحد؟ في حاشيةٍ طويلة، يناقش فرويد «الانسحاب لصالحِ شخصٍ آخر»؛ حيث قد يشعر شخص بأنه مُجبَر على هجرِ نوعٍ من الارتباط الجنسي، أو منطقةِ نشاطٍ شهواني، حين يتراءى له أن الأب أو الأخ يمتلكها؛ الأمر الذي ربما ننظر إليه الآن كنوعٍ من التماهي الإسقاطي.

بعد ذلك يوضح فرويد كيف تحول تفكيره من الغريزة إلى نموذجِ علاقاتِ الموضوع منذ صدور بحث «ثلاثة مقالات عن النظرية الجنسية». لقد «تحوَّلَت الفتاة إلى رجل، واستَبدلَت بوالدتها والدها كموضوع لحبها»؛ لقد تماهت مع حبها المبكر، المتمثل في والدها، والآن تحب النساء، كما يفعل هو، لكن بصورةٍ نرجسية. لقد سهَّل حبها المُبكِّر المستمر لوالدتها، وفرط التعويض عن عدوانيتها الحالية تجاهها، ومحاولتها كسبَ حُب والدتها مرةً أخرى بالانسحاب من المنافسة معها على الحصول على انتباه الرجال؛ كل هذا سهَّل انتقالها إلى المثلية الجنسية. يُبيِّن فرويد الترابطات البينية المعقدة بين العلاقة الحالية الحقيقية بين الفتاة ووالدَيها، والطريقة التي أعادت بها هذه العلاقة تفعيل قدراتها المبكرة. يُسمَّى هذا في الألمانية nachträglichkeit أو الإدراك اللاحق، والذي تُرجِم إلى الإنجليزية على نحوٍ غير وافٍ إلى «الفعل المُؤجَّل» Deferred Action. يمكن لحدثٍ حديث تعزيز تغيُّرات تطرأ بسبب أمرٍ حدث منذ وقتٍ طويل مضى، والذي ربما كان سيبقى خامدًا لولا ذلك الحدث. وهذا النوع من العمليات يعني أن علينا التخلي عن أيِّ فكرةٍ ولو بسيطة عن الحتمية النفسية. وكما في التاريخ، ربما تكون كل الأشياء الممكنة قد وَقعَت، لكن الحظ والعمليات الضمنية غير المُتوقَّعة تؤدي دورها في قلب الموازين.

يشير فرويد في نهاية البحث، في فقرةٍ تنم عن نفاذِ بصيرةٍ استثنائي (فرويد، ١٩٢٠، الصفحات ١٦٧-١٦٨)، إلى أننا إذا حاولنا تفسير النتيجة بالبحث عن الأسباب، فإن كل شيء يبدو مترابطًا وواضحًا؛ أما إذا حاولنا التنبُّؤ بتقدُّمِ حياةٍ بشريةٍ ما، «نلاحظ على الفور أنه ربما كانت هناك نتيجةٌ أخرى، وأننا ربما كان يمكننا كذلك فهم وتفسير هذه النتيجة الأخيرة.» وهذا يرجع إلى أننا يمكننا إدراك الأسباب أثناء وقوعها، لكننا لا نعرف قواها النسبية في حالةٍ بعينها. ربما كانت أي فتاةٍ أخرى لتستجيب للصدمات نفسها على نحوٍ مختلف تمامًا؛ فالحياة يجب أن تُعاش على نحوٍ استباقي، وتُفهَم على نحوٍ رجعي.

(٢) أَوجُه الحب

يتخلى فرويد بعد ذلك عن سرده الخطي للحالة لاستعراض بعض العوامل اللاواعية بعمق أكبر. نظر فرويد إلى شغف الفتاة الشديد والعُذري «بالمرأة»، التي لم يبدُ أنها تسعى للحصول على الإشباع الجنسي منها، كصفةٍ ذكورية. ويُحيلنا إلى بحثه الصادر عام ١٩١٠ بعنوان «نوع معين من اختيار الموضوع يقوم به الرجال». بعض الرجال يبدون مُعرَّضِين للدخول في شكلٍ مُكرَّر وميئوس منه من الحب، يبدو فيه المحبوب مضطرًّا دائمًا للارتباط بشخص آخر، وأن يعرف عنه أنه غيرُ مخلصٍ وغير جدير بالثقة. إنهم مخلصون بدرجةٍ تفوق الوصف لعشيقاتهم الخائنات ومقتنعون بأن بوسعهم إنقاذهن من أنفسهن. ويذهب فرويد إلى أن حبهم ينتمي في الحقيقة إلى أمهاتهم اللاتي يجب أبدًا ألَّا يمتلكوهن؛ تخفي قناعةُ أن الأم يجب أن تكون عفيفةً ما يشعر به الصبي من رعبٍ وشوق عندما يدرك أنها ليست كذلك، وإلا فكيف أتى هو وأشقاؤه إلى الوجود؟ يعتبر وَهْم الإنقاذ هو الصورة المعكوسة لدى الطفل لاعتماده على أبوَيه. وعلى النحو نفسه تمامًا، وقعت «الفتاة» في حب مجموعة من النسوة الخليعات اللاتي لم يكنَّ مثلياتٍ جنسيًّا؛ بل إنها رَفضَت محاولاتِ صديقةٍ لها مثليةِ الجنس للتقرُّب منها. لقد كانت مُتوهمةً أن بإمكانها إنقاذ تلك «المرأة» من حياة الانحلال، لكن ما كانت تتمناه هو امتلاك والدتها.

ساهمت محاولة الفتاة الانتحار في تحسين وضعها مع كلٍّ من والدَيها والمرأة. لكن كانت ثَمَّةَ دوافعُ لا واعية أخرى وراء تصرُّفها هذا. لقد «وَقعَت» وهو ما يعني أنها حَملَت في طفل (فاس، ١٩٩٥). كانت تأمُل في طفل من أبيها، ولكن تحريم حبيبها عليها أدى بها إلى تمثُّل رغبتها رمزيًّا. لقد كانت تعاقب نفسها وفي الأثناء كانت تعاقب والدَيها أيضًا.

أشار فرويد إلى أن علاقة الفتاة بوالدها كان لها أهميةٌ بالغة؛ فتحديها ورغبتها في الانتقام جعلاها تتمسك بمثليتها الجنسية. ويمضي مباشرة في الحديث عن غضبه من انصياعها الفكري السطحي لمُحلِّلها/أبيها ومقاومتها له في الوقت نفسه.

بمجرد أن فسرت لها جزءًا مهمًّا على نحوٍ خاص من النظرية، وكان يمسها إلى حد كبير، ردت بنبرةٍ فريدة لا يمكن محاكاتها: «كم هذا مثير للاهتمام!» كما لو كانت «سيدةً كبيرة» ذات شأن في زيارة إلى المتحف تنظر إلى المعروضات من خلال منظار اليد دون اهتمام يُذكر بها. (فرويد، ١٩٢٠، صفحة ١٦٣)٣
وصف فرويد كيف أن مرضى الوساوس أمثالها يمكنهم عزل أنفسهم ضد التحليل النفسي:

يقول المريض لنفسه، وغالبًا ما يكون هذا عن وعي لحدٍّ بعيد: «كل شيء سيكون على أفضل ما يُرام. إذا كان مضطرًّا لتصديق ما يقوله هذا الرجل، لكن لا مجال لحدوث هذا، وطالما الحال هكذا، فلست بحاجة لأي تغيير.» لقد نَقلَت لي رفضها القاطع للرجال وهو الإحساس الذي سيطر عليها منذ ما عانته من إحباط بسبب والدها. إن الحنق ضد الرجال … أمرٌ يسهل إشباعه بتوجيهه نحو الطبيب … فهو يُعبِّر عن نفسه ببساطة بجعل كل مساعيه بلا طائل ومن خلال التشبُّث بالمرض؛ لذا أوقف العلاج، ونصح والدَيها أنهما إذا كانا مؤمنَين بالحل العلاجي ويُقدِّرانه، فيجب أن يستمر مع طبيبة.

في غضون ذلك، تعهَّدَت الفتاة بأنها ستتوقف عن مقابلة «المرأة»، وهنا يُنهي فرويد قصتهما.

يختلف المعلقون اللاحقون حول دوافعِ وحُجج فرويد لإيقاف التحليل؛ فيشير بعضهم إلى عقليته المتفتحة؛ إذ كان يرى ضرورة احترامِ مَيل الفتاة ورغباتها، وأنه لا يمكن ولا يجب استخدام التحليل النفسي لتقويمها وإجبارها على الطاعة. ويرى آخرون أنه قد تماهى مع الأب، غير مدركٍ لهذا التحويل المضاد للمشاعر، وأن الفتاة جَرحَت مشاعر الأب وكان يجب عليه استكمال العلاج. ويذهبون إلى أن الفتاة ربما كانت في نهاية الأمر مشتهية للجنس الآخر؛ فهي كانت لا تزال مراهقة، ولم يبدُ أنها تسعى وراء الإشباع الجنسي مع المرأة، وفي مرحلةٍ مبكرة من العلاج سَردَت مجموعةً من الأحلام أظهرت آمالها في أن تُشفى لكي تتزوج وتنجب أطفالًا. واعتبر فرويد هذه الآمال زائفة؛ كونها كانت تتحدث خلال جلساتها عن احتقارها لزوجها المستقبلي، ونيتها في استغلاله كغطاءٍ يُمكِّنها من ممارسة علاقاتها الشاذة، واتَّهمَها بالكذب عليه كما كَذبَت على أبيها؛ لأنها كانت تَودُّ إرضاءه وخداعَه في الوقت نفسه، وتؤكد السيرة الذاتية الحديثة له أنه كان مُحقًّا في هذا. بعد ذلك يعود ليُناقِض نفسه، عندما يُشير إلى تناقُضِ وغموضِ الحياة البشرية الجنسية، ويُشبِّه ذلك برجالٍ ينخرطون في علاقاتٍ عابرة، ثم يُدرِكون لاحقًا حبهم الدائم والجارف لمن نبذوهم بلا أي مبالاة، ويُشبِّهه كذلك بالعواقب غير المُتوقَّعة لبعض عمليات الإجهاض التي يبدو من السهولة اللجوء إليها.

يُذكِّرنا فرويد بأن الأمر يستغرق من الجميع وقتًا لِيُصبحوا مثليِّين أو مُشتهِين للجنس الآخر بالدرجة الأُولى. «تشيع الانجذابات المثلية الجارفة، وهي صداقاتٌ قوية بشكلٍ مُبالغ تكتنفها مَسْحةٌ من الشهوانية، بما يكفي لدى الجنسَين خلال السنوات الأولى التالية لسن البلوغ.» وكانت ارتباطات الفتاة الشديدة لوقتٍ طويل مُوجَّهةً نحو النساء، ربما كنوعٍ من التثبيت الطفولي المُستمِر على والدتها. وأَظهَر التحليل العملية التي انحَرفَت بها الرغبة الجنسية المُغايِرة الأَكثرُ عُمقًا أيضًا لتتخذ مسارًا مثليًّا. لقد كانت الفتاة دومًا مُسترجِلة، و«كانت مستعدةً دائمًا للشجار والصخَب». أَدَّت رؤيتها لأعضاء شقيقها التناسُلية إلى حسدٍ ملحوظٍ للقضيب: «لقد كانت في الواقع مُناصرةً للمساواة، وكانت تشعر بأنه ليس من العدل ألا تَتمتَّع الفتيات بالحُرية التي يحظى بها الفتيان، وتمرَّدَت على جنس النساء بشكلٍ عام.» وبدَت مذعورةً على نحوٍ خاص من فكرة الحمل والولادة وما يَتبعُهما من «تشويه لشكل الجسد».

هل كانت هذه الاستجابات ترجع إلى تكوين الفتاة الفطري، أم إلى أحداثٍ وقعت في مرحلةٍ مُبكِّرة من حياتها؟ إن السببَين متداخلان لدرجةٍ يصعُب معها علينا فَصلُ ما هو موروث وما هو مُكتسب. كان فرويد يرى أنه لا يُوجد تمييزٌ سهل بين المثليِّين ومُتغايرِي الجنس؛ فعلينا التمييز بين اختيارِ كُل شخصٍ للموضوع، وسِماته الجنسية وتَوجُّهاته الجنسية (وسنُطلِق على ذلك الأخير من الآن الهُوية الجنسية). يختلف الثلاثة بشكلٍ مُستقِل؛ يمكن أن يُوجد رجلٌ ذكوري يعيش حياةً جنسية ذكورية لكنه يحب الرجال فقط؛ ورجلٌ مُخنَّث يحب كالنساء لكنه منجذب للجنس الآخر تمامًا. الأمر نفسه ينطبق على النساء؛ إذ تختلف السمات الجسدية الجنسية، والذكورة أو الأنوثة، ونوع اختيار الموضوع على نحوٍ مستقل. كل البشر الطبيعيين، بجانب اشتهائهم الظاهري للجنس الآخر، يَحمِلون قدْرًا جديرًا بالاعتبار من المِثلية الجنسية الكامنة أو اللاواعية؛ فالتنوع الجنسي البشري أَمرٌ تحكمه عواملُ عديدة، ولا يُوجد «جنسٌ ثالث» مِثليٌّ مستقل.

بعد ذلك، يسرد فرويد مجموعةً من المحاذير. لا يمكن للتحليل النفسي تفسير المثلية الجنسية، بل يُمكِنه فقط تتبُّع العمليات النفسية التي أدَّت لهذا الميل الغريزي نحو اختيارٍ مُعيَّن. يمكن لعلم الأحياء التأثير على النفس لكن ليس العكس؛ يمكن كذلك لعمليات تغيير الجنس أن تُغيِّر النفس، لكن النساء المُخنَّثات لم يكن من المُرجَّح أن يقبلن هذه العمليات؛ إذ لن يُضطَرَرن للتخلِّي عن المتعة الجنسية فحسب، بل ستجعلهن عقيمات.٤ لا يمكن للتحليل النفسي البحث فيما هو «ذكوري» و«أنثوي»؛ فهذان المصطلحان يُصبِحان مجرد مرادفَين لِمصطلحَي «نشط» و«سلبي». وهكذا تُصبِح حُجته أكثر تفككًا على نحوٍ متزايد، وعند هذه النقطة يُنهيها وكذلك يُنهي البحث.

(٣) فكر فرويد قبل وبعد بحث النشوء النفسي

قبل أن أَصِف أَثَر ذلك البحث، سأتناول سلفه الأساسي؛ وهو بحث «ثلاثة مقالات عن نظرية الجنسانية» (١٩٠٥ب، لكنها رُوجِعَت حتى بعد تاريخ نشر بحث النشوء النفسي)، وأعقد بعض المقارنات بينه وبين علاج فرويد لدورا (١٩٠٥أ).

في بحث «ثلاثة مقالات عن نظرية الجنسانية»، فرَّق فرويد بين الانحراف والشذوذ. الشذوذ (أي اختيار الموضوع من نفس الجنس) يختلف عن اشتهاء الجنس المُغايِر فقط في اختلاف موضوع الغرائز الجنسية. أمَّا الانحراف، فهو حالةٌ يحدث فيها كبحٌ للغريزة الجنسية ولا يكون مُوجَّهًا نحو شخصٍ بالغ، بل نحو جزءٍ مُكوِّن للنشاط الجنسي، كما في الفتيشية، أو استِراق النظر، أو لعق العضو الذكري، إلخ؛ حيث يُصبِح ثابتًا، مستغنيًا عن الكل بجزء. والطفل، وفقًا لعبارة فرويد الشهيرة، «مُنحرِف بأشكالٍ عديدة»، لكن مع نضج الجنسية التناسُلية، تُصبِح المناطق المُثيرة للشهوة والغرائز الجنسية التي تنتمي لمراحلَ سابقةٍ من التطوُّر، خاضعةً لها. وأشار إلى أن المثلية الجنسية، على غِرارِ اشتهاء الجنس المغاير، ربما تكون مُطلَقة وثابتة؛ أو ربما يكون الشخص ثُنائيَّ الجنس، أو ربما تكون المِثلية الجنسية طارئة؛ أي تُعزى فقط إلى غياب الجنس الآخر. على النحو نفسه، قد يرجع الشذوذ إلى فترة الطفولة أو ما بعدها، وربما يتغير خلال الحياة — إذ تشيع المثلية الجنسية في مرحلة المُراهَقة — أو يظهر في مرحلةٍ لاحقة من الحياة. يمكن لمعظم الانحرافات التعايُش مع اشتهاء الجنس المغاير والمثلية في الوقت نفسه، وربما تحُل مَحلَّهما بشكلٍ تام.

أُغفِلَت أهمية هذه الملاحظات خلال الجزأين الأوسط والأخير من القرن العشرين؛ إذ كان العديد من المُحلِّلِين النفسيِّين يميلون للنظر إلى المثلية الجنسية كحالةٍ مَرَضية ومتفردة؛ حالة «مثلي الجنس». كان فرويد يُواجِه موقفًا متعنتًا سابقًا في أواخر القرن التاسع عشر ارتبط بتقدُّم الطب النفسي وأنظمة تصنيف الأمراض العقلية. قبل هذا، كان يُنظَر إلى الخيار الجنسي والهُوية الجنسية كأمرَين غير مُحدَّدَين وليس لهما أهمية نسبيًّا، لكن مع تزايد أهمية الجنسانية البشرية، أصبح مصطلح «مِثلي الجنس» ملموسًا، واعتُبِر بمثابة تعريفٍ للشخص، وليس تعريفًا لعلاقة. (استُخدم مصطلح «مثلي الجنس» لأول مرة عام ١٨٦٩ (لويس، ١٩٩٥).) أصبَحتِ المثلية الجنسية، على نحوٍ خاص، جزءًا من قلقٍ ثقافي أوسع بشأن «الانحلال» وإضعاف الجنس البشري (بيك، ١٩٨٩). كان فرويد يُعارِض تمامًا النظر إلى المثلية الجنسية كانحلال؛ إذ قال إن العُرف الطبي السائد هو «اعتبار أي عَرَض لا يُعزى بوضوحٍ إلى صدمةٍ أو عدوى علامةً على الانحلال.»

كان فرويد هنا يُواجِه السؤال الصعب، وهو إلى أيِّ مدًى توجد الجنسانية خارج نطاق الثقافة، وإلى أيِّ حدٍّ تُعتبر بِنى تصوُّراتنا لها على أساسٍ اجتماعي. كان فرويد داروينيًّا؛ ولذا كان عليه الإجابة على السؤال الخاص بأسبابِ وجود المثلية الجنسية في الأساس، ما لم تكن شذوذًا. وكانت إحدى إجاباته (١٩٢٢) أنها قلَّلَت التنافُس بين الرجال؛ ومن ثَمَّ جعلت بالإمكان تواجُد المجتمعات؛ إذ يرى أن «الشعور الاجتماعي هو ارتقاءٌ بالتوجُّهات المثلية نحو الموضوعات.»

ولكن حتى في بحث «ثلاثة مقالات عن نظرية الجنسانية» يبدو واضحًا أن المثليات يُنظَر إليهن باهتمامٍ أقلَّ من نُظرائهن من الرجال؛ فقد كان العديد من الباحثِين في هذا المجال، في وقتٍ كانت فيه الثقافة الكلاسيكية تلقى إعجابًا على نطاقٍ واسع، يعتقدون أن الثقافة الإغريقية كانت تُجيز فضائل الحب بين الرجال وليس بين النساء، بل تُثني عليها. وطالما كان فرويد يُسلِّم، وكتب عن هذا لاحقًا، بأن العديد من الفنانِين المُبدعِين البارزِين من «الذكور» كانوا مِثليِّي الجنس، وأكَّد أن المثلية الجنسية الذكورية كانت شائعةً ومقبولةً في العصور الكلاسيكية القديمة. لكن ما يسري على الرجال ليس بالضرورة أن يسري على النساء؛ ففي الوقت الذي لا يُظهر فيه كل الرجال المثليِّين «صفاتٍ أنثوية» بالضرورة، فإن النساء السحاقيَّات «يُظهرن صفات ذكورية، جسديًّا وعقليًّا، بتكرارٍ غريب ومُثير، ويبحثن عن الملامح الأُنثوية في موضوعاتهن الجنسية» (فرويد، ١٩٠٥ب، صفحة ١٤٥)؛ ولهذا السبب كان لتوصيفاتِ فرويد لمظهر الفتاة الخارجي أهميةٌ بالغة لِحُجته في بحث النشوء الجنسي؛ وهو ذو عقليةٍ عادلة ومنصفة بما يكفي لكيلا يفترض أن ذكاءها النشِط جعلها ذكورية.

إن أَوجُه الشبه بين حالة دورا (١٩٠٥أ) والحالة الواردة في بحث النشوء النفسي (١٩٢٠) ملحوظة؛ فكلتا الفتاتَين حاولت الانتحار، وهو ما أجبر والدَيهما المُتسلِّطَين على الإصرار على أن تخضعا للعلاج، وحاولا إجبارهما على الدخول في علاقاتٍ مع الجنس الآخر. كما تعرَّضَت كلتاهما للإهمال من قِبل الأُم، وكلتاهما كانت حانقةً على تفضيلِ أمها للأشقاء الذكور الذين يُعتبر دورهم في القصتَين أساسيًّا على الأرجح، لكنه لم يُبحَث. في كلتا الحالتَين، يُركِّز فرويد على العلاقة مع الأب وليس الأم، على الرغم من أنه في حالة الفتاة، يكون هذا بسبب أنها لم تستطع قولَ الكثير عن علاقتها بوالدتها. في كلتا الحالتَين، فشل العلاج وتوقَّف. شعر فرويد أنه قلَّل من أهميةِ وَلَع دورا المثلي بالسيدة «كيه»؛ وربما هذه المرة ذهب بعيدًا في الاتجاه الآخر. كان من الواضح أنه وجد أنصار الحركة النسوية مُثيرِين للضيق، لكنه استطاع أن يرى أن الأعراف قد قيَّدَت حياة النساء وولَّدَت هستيريا. واعتبر العديد من المُعلِّقِين النسويِّين الجدد أن فرويد كان يكره «الفتاة»؛٥ بينما أَعتقِد أنه كان يُكِن إعجابًا واحترامًا ولو لبعض جوانبِ شخصيتها، وذكائها النشِط، ومباشرتها، وافتقادها للهستيريا.

وجد فرويد أن النساء عمومًا أقلُّ صراحة في الحديث عن حياتهن الجنسية؛ ففي علاجه لكلٍّ من دورا والفتاة، كان أكثر ما يُثير ضيقه هو المقاومة والتكتُّم، إضافةً إلى ما استشعره لدَيهما من عجرفةٍ وتكبُّر؛ فقد كانت «الفتاة» تَتصرَّف كسيدةِ مجتمع، بينما كانت تُعامِله دورا «كخادم». وكانت حساسيته واضحةً في سِجلِّ كلتا الحالتَين نظرًا لمكانة التحليل النفسي الضعيفة، وافتقاره إلى المال، والأبوَين اللذَين كانا يتصلان به فقط في حالةِ يأسهِما (فاس، ١٩٩٥). من المفهوم أنه كان يجب أن يشعُر بالغضب تجاههما، لكن ربما قاده تحويله المُضادُّ للمشاعر في البداية إلى غضبٍ محبط خلال العلاج مع دورا، أعقبه رفضٌ لعلاجها عندما حاولتِ العودة إلى العلاج، كما قاده إلى رفضٍ عاجل «للفتاة» وربما إرسالها إلى مُحلِّلة (في ذلك الوقت كان فرويد يُحلِّل ابنته آنا نفسيًّا، لكنه قرر تسليمها إلى «الرقيقة المتألقة»، لو أندرياس-سالومي؛ أورجيل، ١٩٩٦). واعترف لاحقًا بأنه كان لا يشعر بالارتياح تجاه التحويل الأُمومي للمشاعر، وربما قاده هذا إلى الاعتقاد أنه لا يُمكن إلا لامرأةٍ أن تُحلِّل «الفتاة».

(٤) علم الأحياء والمصير

كان أكثر جوانب نظريات فرويد أهميةً لغالبية أنصار النسوية النشطِين، في العشرينيات والثلاثينيات ومرةً أخرى في سبعينيات القرن العشرين، هو حسد القضيب. غير أنه لم يُذكَر في بحث النشوء النفسي إلا مرةً واحدة؛ فالجنس التشريحي أقل أهميةً بكثير من التماهيات المختلفة للفتاة الصغيرة. تشير ماري جاكوبس (١٩٩٥) إلى الالتباس والسهو في البحث بين التماهي واختيار الموضوع؛ فنجد فرويد يتحدث أحيانًا كما لو كان التماهي مع والدها هو ما دفع الفتاة إلى الشعور بحبٍّ ذكوري تجاه النساء؛ في أوقاتٍ أخرى، يُقدَّم ارتباطها المُبكِّر بوالدتها بوصفه الاختيار الطبيعي للموضوع لكلا الجنسَين وهو ما لم تتجاوزه الفتاة بعدُ.

غير أنه منذ نشر بحث «النرجسية» عام ١٩١٤، كان فرويد يؤمن بأن القدرة على الوقوع في الحب تعتمد إمَّا على الانجذابِ لما هو مختلفٌ بناءً على تماهينا مع الوالد الذي ينتمي للجنس نفسه، أو على رغبةٍ في حبِّ شخصٍ ما مثلنا يمكننا أن نُحبَّه كما كانت أمهاتنا تحبنا في وقتٍ سابق من حياتنا. بدأ هذا البحث، وهو الذي ربط بين الحب المثلي والنرجسية، سلسلةً من الأفكار تُشير إلى أن حُب موضوعٍ من الجنس نفسه هو حبٌّ نرجسي بطبيعته. لكن ربما نُشكِّك في مدى اعتبار الجنس الحقيقي لموضوعاتنا المُبكِّرة جزءًا جوهريًّا في علاقتنا بهم؛ فالطفل في المرحلة ما قبل الأوديبية ربما ينظر إلى الوالد كمزيجٍ من كلا الجنسَين، وربما نجد جوانبَ تخُص الوالد من الجنس نفسه في انجذابنا لشخصٍ من الجنس الآخر، والعكس صحيح. لن يُشكِّك أيُّ مُحلِّل في أن حب الجنس المُغاير يمكن أن يكون نرجسيًّا؛ ومن ثَمَّ أصبح السؤال الخاص بما إذا كان يجب أن يكون للطفل أبوان من كلا الجنسَين، لكي يُنمِّي لديه إحساسًا مُشبعًا بالهُوية الجنسية، واختيارًا لموضوعٍ من جنسٍ مغاير، مَوضِعَ نقاشٍ ساخن.

(٥) ما مدى أهمية النوع؟

ناقش فرويد مسألة التشريح والنوع الاجتماعي مرةً أخرى في ١٩٢٥، وكان يرى آنذاك، على عكس السابق، أن التطوُّر النفسي للفتيات أقلُّ تشابُهًا مع التطوُّر النفسي لدى الفتيان، كصورةٍ غيرِ متطابقة في المرآة؛ إذ كان قد بدأ في التركيز على العلاقة المُبكِّرة بالأم؛ فالأم بالنسبة إلى الفتيات هي الموضوع الأول لهن، شأنُهن في ذلك شأن الفتيان: كيف لهن إذن أن يُنجزن المهمة الأكثر تعقيدًا الخاصة بفصل أنفسهن عنها والتوجِّه نحو الرجال؟

لكن بحلول عشرينيات القرن العشرين، بدأ مُحلِّلون نفسيون آخرون إمَّا في مناقشة أو توسيعِ نطاقِ آراء فرويد فيما يخص طبيعة الجنسانية الأُنثوية. ربما كان هذا الجدال هو الجدال الأكبر في حياة فرويد؛ حيث كان قادرًا على الاعتراف بأن حُجج زملائه قد أدت إلى تغييره لرأيه (جريج وآخرون، ١٩٩٩). فقد قلَّل فرويد من إصراره على الأهمية الفريدة لعقدة أوديب؛ ومن ثَمَّ أهمية الإخصاء وحسد القضيب، واتجه نحو العلاقة المُبكِّرة للغاية بين الفتاة الصغيرة ووالدتها. سأستعرض بعضَ جوانبِ فكر فرويد مع تطوُّره في أوائل ثلاثينيات القرن العشرين في بحث «الجنسانية الأنثوية» (١٩٣١)، والفصل الذي يتناول «الأنثوية» في «محاضرات تمهيدية جديدة» عام ١٩٣٣.

في بحث «الجنسانية الأنثوية»، يُوضِّح فرويد أن التطوُّر الجنسي لدى الفتيات الصغيرات مختلف؛ إذ يكون عليهن فصلُ أنفسهن عن موضوعاتهن الأَوَّلية، المتمثل في أمهاتهن، واستبدال آبائهن بهن، وفي الوقت نفسه، نقل منطقتهن التناسُلية المهيمنة من البظر إلى المهبل. كيف ترتبط هذه التغيرات ببعضها؟ صار فرويد يُدرِك أن ارتباط الفتاة القوي بوالدها دائمًا ما كان يسبقه ارتباط بالقوة نفسها بالأُم، وأننا «لم نُقلِّل من قوة هذا الارتباط بالأم فحسب، بل قلَّلنا من الفترة التي استغرقها»:

في ظل هذه الاحتمالية، تكتسب المرحلة ما قبل الأوديبية لدى النساء أهميةً لم نعزُها إليها حتى الآن.

يُعبِّر فرويد عن مدى الصعوبة التي واجهَته لفهمِ ارتباطِ الفتاة الأَوَّلي بوالدتها — إذ وصفه بأنه «مُبهَم وفي قمة الغموض بفعل السن» — نظرًا لأن النساء اللاتي خضعن للتحليل لديه كنَّ قد دفنَّ ارتباطهن المبكِّر بأُمهاتهنَّ تحت غطاءِ تحويل المشاعر تجاهه كرمزٍ أبوي. غير أنه قد شعر أنه قد أدرك تحليليًّا كيف أن «اعتماد الفتاة المُبكِّر على الأم يضم بداخله البذرة التي قد تُؤدِّي إلى تطوُّر جنون الارتياب لدى أيِّ امرأةٍ لاحقًا.» وهذه البذرة تتمثل في وَهْم قيام الأُم بقتلها والتهامها.

(لدواعي الإطالة، سأحذف أيَّ نقاشٍ للروابط التي صنعها فرويد بين المثلية الجنسية وجنون الارتياب، لكنه باختصار، كان يؤمن بأن المثلية انبَثقَت من حبٍّ مُبكِّر للوالد من الجنس نفسه، وهو ما يتم إسقاطه نحو الخارج ويتحوَّل من حب إلى كراهية؛ لذا تتحوَّل «أنا أحبه» إلى «إنه يكرهني». وأضاف عام ١٩٢٢ أن الغَيرة الطفولية الشديدة من الأشقاء الأكبر سنًّا والمُنافسِين تَتعرَّض للكبت والانقلاب؛ ومن ثَمَّ يُصبِحون هم موضوعاتِ الحب الأُولى لدى الصبي. ونتيجةً لذلك، يكون العديد من مِثليِّي الجنس اجتماعيِّين إلى حدٍّ كبير ولديهم تَوجُّه نحو الاهتمام بشئون المجتمع؛ لأنهم أقل تنافسًا مع الرجال الآخرِين (فرويد، ١٩٢٢). وهكذا أصبَحَت الروابط بين المثلية الجنسية وجنون الارتياب جزءًا من الرؤية اللاحقة المُتمثِّلة في أن المثلية الجنسية كانت آليةً دفاعية ضد قلقِ جنون الارتياب والقلق الذُّهاني.)

يذهب فرويد بعد ذلك إلى أن ازدواجية التوجُّه الجنسي، المُتأصِّلة في البشر، تَسرِي في الواقع على النساء أكثر من الرجال؛ فالنساء يَملِكن عضوًا تناسليًّا ذكريًّا وآخرَ أنثويًّا، وعلى الرغم من الدليل الجديد الذي يُشير إلى أن الفتيات تُراوِدهن أحاسيسُ مهبلية مُبكِّرة، فإن عليهن التنقُّل بين الاثنَين. «تنقسم الحياة الجنسية للنساء إلى مرحلتَين؛ الأولى ذات طابعٍ ذكوري، والمرحلة الثانية فقط هي ما تكون أنثويةً على نحوٍ خاص.» نُلاحظ أن فرويد الآن مُستعِد لاستخدام الذكورة والأُنوثة أحيانًا كمصطلحاتٍ تصف فوارقَ «طبيعية» وليس كتراكيبَ اجتماعية. كذلك لم يعُد يفترض أن الرغبة والهوية لا بد أن يكونا متعارضَين؛ بل يصف كيف أن الارتباط الطويل بالأم، بالنسبة إلى النساء، ربما يُؤدِّي إلى وقوعهن في حبِّ رجالٍ يُذكِّرنهن بأُمهاتهن، ويُكرِّرن في زيجاتهن الصراعات التي واجهنها معهن.

لماذا تُكِنُّ النساء مثل هذا القدر من الامتعاض تجاه أُمهاتهن؟ يتمثل أقوى أشكالِ هذا الامتعاض في كون الأم لم تَمنح البنت قضيبًا ذكريًّا، وأَجبرَتها على أن تُشاركها حبها مع أشقائها، بالإضافة إلى أنها لم تمنحها ما يكفي من اللبن أو ترعاها مدةً كافية. لا جدوى من أن تكون الطفل المُفضَّل لدى والدَيه؛ «فمتطلبات الطفل من الحُب مُفرِطة وأبعدُ ما تكون عن الاعتدال؛ فهم يفرضون مطالبَ مقتصرةً عليهم ولا يسمحون بأيِّ مشاركة.» وتُؤدِّي قوة ارتباط الفتاة بوالدتها إلى انحرافٍ نحوَ نفورٍ وازدواجية في المشاعر. يُمكِن للصبية الصغار مواجهةُ الموقف بسهولةٍ أكبرَ بتوجيهِ عدائهم نحو آبائهم. يمر ارتباط الفتاة الجنسي بوالدتها بمراحلَ فمويةٍ وشرجية وقضيبية؛ ويتم كبته خوفًا من أن تقتُلها وتلتهمها الأم التي تَودُّ هي التهامها. وربما يزيد عداء الأم اللاواعي تجاه طفلتها الأمور سوءًا.

أخيرًا، تُلقي الفتاة اللوم على والدتها في افتقادها للقضيب، وهذا الافتقاد غيرُ القابل للإرضاء ربما يدفع امرأةً إلى الذهاب إلى التحليل؛ فربما تتوق إلى طفل، أو إلى العمل في مجالٍ فكري، أو تجد ملاذًا في الاهتمام بالمظهر الجسدي، أو العثور على الحُب، أو الاستبدال بالابن قضيبًا ذكريًّا. ويزداد كل هذا صعوبةً بالنسبة لها بسبب الصعوبة الأكبر التي تُواجِهها في تهذيبِ أو إعادةِ توجيه غرائزها مقارنةً بالرجال؛ وربما أيضًا لامتلاكها شهوةً جنسيةً أقل. ثَمَّةَ شدٌّ وجذب مستمران في كتابات فرويد بين «فطرية» التوجُّه نحو اشتهاء الجنس المُغاير والصعوبة في الوصول إليه.

(٦) ما بعد فرويد

طالما كان جزء من قضية تحرُّر المثليِّين أنهم ليسوا معيبِين أو أقلَّ شأنًا، بل مُجرَّد أشخاصٍ مُختلفِين. لكن إذا كانت المثلية الجنسية يُنظَر إليها كنموٍّ مُعطَّل، يُصبح السؤال حتميًّا: ما الخطأ الذي حدث وكيف يمكن منعه أو تصحيحه؟ (شوارتز، ١٩٩٨).

كانت ميلاني كلاين، وهي التي أَصبحَت لاحقًا ذاتَ تأثيرٍ مهيمن على التحليل النفسي في بريطانيا والقوة العظمى في استعادةِ أهمية الأُم المبكرة، تنظر أيضًا للمثليِّين كأشخاصٍ عالقِين في مرحلة السادية الفموية التي يَتخلَّلها الفصام البارانويدي، وكانت ترى اشتهاء الجنس المُغاير والرغبة، وعلى نحوٍ أكبر من فرويد، باعتبارهما التعبير «الطبيعي» عن جنسٍ مُعيَّن؛ فالفتيات يُردن امتلاكَ قضيبِ الأب وسرقتَه من الأم ومُساواتَه بثدي الأم، وبمساواة الفم بالمهبل، يُصبِحن مستقبلاتٍ للقضيب؛ لذا فإن الدوافع الأوديبية لدى الفتيات أكثر فموية عن نظيرتها لدى الأولاد، وتُصبِح العلاقات السحاقية حتمًا علاقاتِ موضوعٍ جزئي، وأكثر خضوعًا لحسد القضيب ومَثلَنَته.

تَفرَّق الجدل داخلَ مجال التحليل النفسي بين الثقافات المحلية إلى حدٍّ ما. وبشكلٍ عام، كان هناك ابتعادٌ عن التمييز بين الأفكار الأوديبية وما قبل الأوديبية، وأُولِي المزيد من الانتباه إلى الطفل فيما قبل مرحلة الكلام وعلاقته بوالدته. بالنسبة لبعض المُؤلِّفِين، ولبعضهم فقط، استُكشِفت جنسانية النساء ليس فقط في إطارِ علاقتهن بالرجال، بل أيضًا في إطار علاقتهِن بالأمومة والأطفال. تبقى مسألة الفروق الجوهرية بين الرجال والنساء مسألةً شائكة؛ ففي بريطانيا، تزايَد تركيزُ المُحلِّلِين النفسيِّين على الطفل بعيدًا عن نوعه في الفترة ما قبل الأوديبية، والعلاقة مع الأم التي يُتوَهَّم أنها تمتلك قضيبًا. لكن في فرنسا، استمر النظر إلى الأبِ بوصفه عنصرًا بالغ الأهمية؛ كونه هو من يُخرِج الطفل من علاقةٍ تعايُشية مع والدته مُطلِقًا إياه إلى مرحلة الكلام واللغة.

لم يَسترِدَّ المُحلِّلون البريطانيون اهتمامهم مرةً أخرى بالجنسانية الأُنثوية حتى ظهور الحركة النسوية في سبعينيات القرن العشرين؛ إذ انصَبَّ تركيزُهم على الطفل في المرحلة المُبكِّرة من حياته دون التركيز على نوعه، وعلى مخاوفه من العدوانية والانفصال (لخَّص كل من رافاييل-ليف وبيرلبِرج، ١٩٩٧، وبريكستد-بريين، ١٩٩٣، بعضًا من هذه المناقشات)؛ ففي مناقشاتهم عن الانحراف، أحيانًا ما كانوا يُورِدون ذكر المثلية الجنسية؛ على سبيل المثال، رأى مسعود وخان (١٩٨٩) أن المثلية الجنسية لدى الإناث قائمةٌ على علاقةٍ منحرفة بين أُمٍّ مصابة بالاكتئاب وهوَسِ المرض وطفلةٍ تحتاج للبقاء مرتبطةً بجسد الأم. وثَمَّةَ عودةٌ إلى أهمية عقدة أوديب في إطار الحُجة القائلة إن الطفل يجب أن يكون قادرًا على تقبُّل فكرة أن الوالدَين ينخرطان في جماعٍ يُؤدِّي إلى خلقِ حياة. لكن النسوية وتقنين المثلية الجنسية بين الرجال، كما في أيِّ مكانٍ آخر، أثَّر على فكر التحليل النفسي؛ فيشير أوكونور ورايان (١٩٩٣) إلى أن العديد من المُعالجِين النفسيِّين والمُحلِّلِين لا يرتاحون لطبيعة الشبق السحاقي، وربما لَجئوا إلى نُموذج الأم/الطفل في محاولةٍ منهم لتجنُّب تناوُل الرغبة لدى الناضجِين (ويمكن الاطلاع على حُجتي التي تُشير إلى أن هذا الأمر يُميِّز اشتهاء الجنس المُغاير في النظرية البريطانية لعلاقات الموضوع بالقَدْر نفسه؛ وفي هاردينج، ٢٠٠١). إن التغييرات التي طَرأَت على التحليل النفسي ببريطانيا على نحوٍ خاص — بحيث يتزايد التركيز على قضيتَي التحويل والتحويل المضاد، وعلى العلاقات بين الأشخاص، وعلى الإحساس بتفتُّت الهُوية وعدم استقرارها وترابُطها — تعني انخفاضَ التركيز الآن على مسائل الهُوية الجنسية.

في الولايات المتحدة، كان ثَمَّةَ مزيدٌ من الاهتمام بالبحث التجريبي والفسيولوجي للسلوك الجنسي، واستَمرَّت نظرية التحليل النفسي في الاعتماد أَكثرَ على نظرية الدافع ودَور الأنا. في فترةِ ما بعد الحرب، تزايَد افتراضُ أن المثلية الجنسية الذكورية كانت كيانًا تحليليًّا واحدًا، وكانت إمَّا فطرية أو نتاجَ أمومةٍ مُختلَّة، شأنها في ذلك شأن الفصام. وأدَّى ظهور النظرية السلوكية إلى تركيزٍ متزايد على العوامل البيئية، واهتمامٍ أقل بالجنسانية. ومن ثَمَّ أصبح يُنظَر للمثلية الجنسية بوصفها متعلقةً بالقوة والاتكالِ أكثرَ من تعلُّقها بالجنسانية في حدِّ ذاتها. وقد وَجدَت تقارير كينسي الصادرة عامَي ١٩٤٨ و١٩٥٣ أن ازدواجية التوجُّه الجنسي كانت أكثر شيوعًا بكثيرٍ من المثلية الجنسية لدى كلٍّ من الرجال والنساء، وأن المثلية الجنسية ليست حالةً بذاتها، بل سلسلةٌ متصلة، ويُمكِن أن تكون مكتسبة أو فطرية، وأن النساء، مثل الرجال، يُمكِنهن أن يجدن تغيُّرًا في توجُّههن الجنسي مع تقدُّمهن في السن.

تُستَخدم فكرة أن التوجُّه الجنسي توجُّهٌ فِطري للدفع بأن مثليِّي الجنس ليسوا مسئولِين عن حالتهم وأنه من العبَث والخطَأ محاولةَ استخدام التحليل النفسي لتغييرها، مثلما يمكن استخدام الفرضية الفطرية «لتفسير» مُعاقَرة الكحوليات، والإدمان، واضطرابات الهُوية الجنسية المختلفة؛ فبدأ ستولر وزملاؤه دراسة الإحساس بالكينونة الذكورية أو الأُنثوية وانحرافاته بين هؤلاء الذين كانوا يشعرون حقًّا بأنهم ينتمون إلى الجنس الآخر، وحاولوا توضيح هذا النقاش. يجب النظر إلى «الجنسانية» من خلال العلاقة بالجنس البيولوجي؛ فقد كانت تشير ضمنيًّا إلى الإثارة الجنسية، والدوافع والسلوك القائمَين على الفسيولوجيا، لكن بتوابعَ نفسية، وكانت تنتمي انتماءً قاطعًا للهُو. أمَّا الإحساس «بالهُوية الجنسية» كذكرٍ أو أُنثى، فهو جزءٌ من الأنا؛ فهو يُشير ضمنيًّا إلى تصوُّرات عن الذات وتماهيات، وما إلى ذلك. ربما لا يكون الإحساس بالهُوية الجنسية متوافقًا مع الجنس البيولوجي؛ لذا صاغ ستولر تعريفًا جديدًا ومُؤثِّرًا للانحراف لم يُركِّز على اختيار الموضوع أو السلوك، بل على الأوهام المصاحبة للفعل — «الشكل الشهواني من الكراهية» — وهو ما فَصَله عن التوجُّه الجنسي وأعاده إلى التحليل النفسي. وقد كان ستولر أكثر المُحلِّلِين النفسيِّين تأثيرًا ممن ذهبوا إلى أن المثلية الجنسية ليست متلازمةً أو حالةً متفردة، ويجب إزالتها من تصنيف الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية.

أمكن تحقيق هذا بسهولة أكبر؛ لأنه بحلول الثمانينيات من القرن العشرين، كانت نظرية التحليل النفسي صارت أقلَّ تأثيرًا في الطب النفسي الأمريكي على أيِّ حال. ومع إعادة إحياء الاهتمام النسوي والثوري بالتحليل النفسي، ركَّز الجدلُ القائمُ حول النوع على الصراع بين الجوهرية البيولوجية في مقابل البنائية الاجتماعية. كان التحليل النفسي في أمريكا يمُر بتغيُّراتٍ بنهاية ثمانينيات القرن العشرين؛ بسبب تدفُّق النسويِّين والمُحلِّلِين النفسيِّين الإكلينيكيِّين الذين درسوا العلوم الإنسانية والاجتماعية إلى المهنة، والتي أُجبرت على التخلي عن احتكار الطب لها. تُرجِمت كتابات لاكان إلى الإنجليزية في سبعينيات القرن العشرين، واستفاد الباحثون في الأدب كثيرًا من كتاباته التي ركَّزَت على الطبيعة المُتغيِّرة والغامضة للهُوية، والطريقة التي يُمكِننا بها فهم وتفسير العالم من خلال اللغة. ناقش لاكان تركيزَ فرويد الأساسي على الإخصاء ليس كفارقٍ تشريحي حرفي، لكن كأساسٍ للبناء اللغوي للنوع الجنسي؛ فهو بمثابةِ مجازٍ يدل على انفصال البشر عن موضوعات رغباتهم. إنه يُشير إلى تجربةٍ عامة، وليست تجربةً أنثوية فقط، للافتقاد والحاجة. كان لاكان يُحاول فصل التفسيرات الخاصة بالتحليل النفسي ليس فقط عن علم الأحياء بل أيضًا عن تاريخ المريض؛ فعلم النفس البشري يتألف عن طريق اللغة، والهُوية الجنسية تُبنى اجتماعيًّا. ومصطلحاتٌ مثل ذكوري وأنثوي لا تُشير إلى كياناتٍ «حقيقية»، وإنما تُشير إلى كيفيةِ إدراكنا لمثل هذه الفروق من خلال اللغة.

غير أن لاكان كان حليفًا غيرَ جدير بالثقة. لقد وافقه النسويون الرأي في أن الهُوية النفسية مُحيِّرة وتتشكل بواسطةِ اللغة وداخل نطاق الثقافة؛ فلا يُوجد ما يُسمى بالجنسانية «الطبيعية». لكن لاكان بقِي عالميَّ النظرة فيما يتعلق بأن القضيب دائمًا كان دلالة الاختلاف والرغبة الجنسية؛ ومن ثَمَّ يبقى النوع الجنسي والجنسانية مُترافقَين. وشدَّد في مَعرِض تعليقه على حالة النشوء النفسي على توق الفتاة إلى والدها. ويرى من منظوره أن الإحباط أمرٌ جوهري في المثلية الجنسية لدى الإناث. إن الطفل يَضحَى كائنًا اجتماعيًّا من خلال قانون الأب وتجربة الفقدان؛ فالرغبة غير المُشبَعة هي ما يدفعنا إلى اكتسابِ لغة والبحث عن المُواساة في الثقافة. والقلق من الإخصاء يعني أن علينا الدخول إلى العالم الرمزي؛ فموضوع حبنا الأَوَّلي ضاع دونَ أملٍ في استعادته، ومعه ضاع العالم التخيُّلي. ولا يمكننا قَط التعبير أو التلفظ برغبتنا خارجَ إطار اللغة؛ فلا تُوجد حقيقةٌ ثابتة يمكن التعبير عنها في الخطاب الحرفي.

بالطبع يتسم المعلقون الجدد على بحث النشوء النفسي بيقظةٍ شديدة إلى استخدام اللغة لبناء الفكر وتحجيمه، والإشارة ضمنيًّا إلى استنتاجاتٍ محددة. والأغلب أنهم ينظرون إلى المثلية الجنسية كحالةٍ صحيحة ومقبولة على قدم المساواة، مُشيرِين إلى أنه بعيدًا عن تأثير الضغوط الاجتماعية، فلا يُوجد سببٌ يمنع أيَّ علاقةٍ مثلية من أن تكون ناضجةً ومليئة بالحب كأي علاقةٍ بين جنسَين مختلفَين. ويعتقد البعض أن المثلية الجنسية شيءٌ راسخ وله أساس نسبيًّا، ويحتمل أن يكون فطريًّا؛ بينما يعتقد آخرون أنها مُكتسَبة تمامًا مثل العلاقات الجنسية المُغايرة. وقد اكتَسبَت بعض حُججهم الآن قبولًا على نطاقٍ واسع في التحليل النفسي؛ وفي العديد من الحالات، يُكرِّرون ما كان يقوله فرويد؛ بمعنى أنه لا يمكننا افتراض أن المثليِّين الذين يحضرون للعلاج يُمثِّلون كل المثليِّين؛ وإذا كانوا قد حضروا بحالاتٍ مَرَضيةٍ ما، فإنها ربما تكون أو لا تكون مرتبطةً بتوجُّههم الجنسي؛ فالنفور العام والخوف من المثليِّين، وحاجتهم لإخفاء حالتهم هو ما يخلق مُشكلاتِهم؛ فالجنسانية قبل كل شيء، ليست «وحدةً متكاملةً متراصة لا تتجزأ» (فاس، ١٩٩٥).

تبنَّى كل المُساهمِين، سواء رموزٌ أدبية أو مُحلِّلون نفسيون، في كتابٍ حديث يضم مجموعة من المقالات عن حالة النشوء النفسي (ليسر وشونبرج، ١٩٩٩) المنظور الذاتاني البنائي الاجتماعي في مسألة النوع؛ فجميعهم مُهتمٌّ بالبرهنة على أن المثلية الجنسية ليست انحرافًا ولا خللًا. الاستثناء الوحيد هو كارولين جراي (١٩٩٩) التي كرَّرَت نقد فرويد للحُجج «المُشخصَنة». والأمر هنا بمثابةِ سلاحٍ ذي حدَّين؛ فإذا كنا سنذهب لاعتبار السلوك الجنسي المقبول حاليًّا هو الطبيعي، فما الذي سيحدث عندما تتغير الأعراف والتقاليد مرةً أخرى؟

لا نبدو قَريبِين من الإجابة على سؤال فرويد الأصلي: ما الدور الذي يلعبه الجسد في تشكيل الهُوية الجنسية، وإلى أيِّ مدًى تتكون خبرتنا بأجسادنا على أساسٍ نفسي؟ (رافاييل-ليف وبيرلبِرج، ١٩٩٧؛ ميتشيل وروز، ١٩٨٢).

هوامش

(١) نُشِر مؤخرًا سيرةٌ ذاتية للفتاة (رايدر وفويت، ٢٠٠٠)، ووضع المؤلفان المادة الخاصة بهما في متحف فرويد بفيينا. كان اسم الفتاة الحقيقي مارجريتا تشونكا وكان اسم المرأة البارونة ليوني بوتكامر.
(٢) كان جورجي جارثيا سيلفا أحد مُحلِّلِي ما بعد الحرب القلائل الذين علَّقوا على بحث النشوء النفسي قبل إحياء الاهتمام به بين النسويِّين واللاكانيِّين في أواخر ثمانينيات القرن العشرين. وقد ذهب إلى أن فرويد قلَّل من أهميةِ مدى شوق الفتاة لحب الأم وحاوَلَت العثور عليه لدى مجموعة من النساء (سيلفا، ١٩٧٥).
(٣) رأى كونودوز (١٩٨٩) أن احتقار الفتاة كان بسبب أنها كانت تُدافع عن نفسها تجاه نكوصٍ إلى التفكُّك الذُّهاني.
(٤) تحدَّث فرويد عن عمليات تغيير الجنس في كتاباتٍ أخرى في ذلك الوقت؛ وكان هو نفسه سيخضع لعملية تغيير الجنس التي ابتكرها شتايناخ بعد ثلاثِ سنوات من خضوعه لعملية لقطع القناة المنوية على أملِ كبح السرطان الذي كان مصابًا به، وتخفيف الإعياء، واستعادة طاقته الجنسية.
(٥) طالع على سبيل المثال معظم أعمال المُساهمِين في كتاب ليسر وشونبرج (١٩٩٩).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢