الهلال

لما ألَف يعقوب أرتين باشا كتابه عن الشارات بالشرق كتب إليه حمدي بك المتقدم ذكره نبذة عن العلَم العثماني افتتحها بقوله: «لا يُعلم بالتحقيق تاريخ اتِّخاذ الهلال والنجم على العلم التركي.» انتهى. وقد راجعنا أقوال مؤرخي الترك وغيرهم فلم نَرَهُمْ متَّفِقِين على أصل الهلال العثماني وسبب تصويره على العلَم وتاريخه، غير أن آراءهم فيه لم تتشعَّب إلا إلى رأيين مشهورين إذا استطعنا ترجيح أحدهما استنادًا على بعض الأدلة، فإنَّا لا نستطيع الوصول فيه إلى حكم قاطع رافع للخلاف.

  • الرأي الأول: أنه مقتبس من الروم بعد فتح العثمانيين للقسطنطينية؛ لأنه كان شعار مملكتهم الشرقية، وهو قول الإفرنج في مَعَالِمِهِم ومعاجمهم التاريخية. ويروى أنه قديم عند البيزنطيين قبل تكوين مملكة الروم الشرقية. وكان سبب اتخاذهم له أن فيليب المكدوني والد الإسكندر حاصر بيزنطية١ في ليلة حالكة، ولما اقترب منها ظهر الهلال في الأفق وقت السَّحَر، وقيل بل ظهر القمر من وراء سحابة وبدا طرف منه كالهلال، فكشف لأهلها مواقع المحاصرين فدفعوهم عنها، وتيمَّنوا به فجعلوه شعارهم وصوروه على أبنيتهم ونقودهم. ثم لما جعلت هذه المدينة قاعدة للمملكة الشرقية بقي هذا الشعار لهذه المملكة، ثم لما فتحها العثمانيون ورأوه مصوَّرًا في كل مكان راقت لهم صورته، فاتَّخذوه شعارًا لهم أيضًا وصوروه على أعلامهم. وممن اعتمد هذا الرأي من مؤرخي الشرق المولى شهاب الدين المرجاني القَزاني في تاريخه «وفيَة الأسلاف وتحيَّة الأخلاف» فساق هذه الرواية ببعض اختلاف؛ وذلك بمناسبة كلامه على وضع صورة الهلال على رءوس المآذن في قزان ثم قال: «وورث ذلك منهم القياصرة ثم العثمانية لما غلبوا عليها، ثم أُحدث ذلك في بلاد قزان متابعة لهم في هذا القرن الذي نحن فيه.» وقد ذكر مؤرخو الترك هذا الرأي ولكنهم لم يقطعوا به كما لم يقطعوا بالثاني وإن كانوا يرجحونه على ما يُؤخذ من كلامهم.
  • الرأي الثاني: أن الهلال كان معروفًا عند العثمانيين من منشأ دولتهم، وكان معروفًا أيضًا عند السلجوقيين، بل كان قبلهم عند الفرس ولا سيما في عصر الشاه خسرو؛ فقد نقش صورته على نقوده واتخذه شعارًا لدولته. وروى واصف أفندي في تاريخه أن بعض الخلفاء العباسيين كانوا يجعلونه هلالًا من النحاس المذهَّب على رأس عَلَمهم الأسود، فلما تغلَّب السلاطين عليهم وتحكموا فيهم استنكفوا من استعمال عَلَمهم فأحدثوا لأعلامهم شارات أخرى غير الهلال، وكان مصير العلم ذي الهلال بعد اضمحلال الخلافة إلى طوائف الصوفية ومشايخ الزوايا، وهو قول غير مستبعد وإن لم نَرَهُ لغيره. وفي خطط المقريزي (ج١ ص٤٤٨) وصبح الأعشى (ج٣ ص٤٧٣) أن الفاطميين كان لهم عَلَمان دون لواءَي الحمد، وهما رمحان برأسيهما هلالان من ذهب صامت وفي كل واحد منهما سبع من ديباج أحمر وأصفر وفي فمه طارة مستديرة يدخل فيها الرمح فيفتحان٢ فيظهر شكلهما يحملهما فارسان من صبيان الخاص فيكونان أمام الرايات في المواكب.

فيُرى من ذلك أن الهلال كان موجودًا في الدول الشرقية قبل فتح القسطنطينية، فكان في بعضها شعارًا ونقشًا في النقود، وفي بعضها شارة للأعلام إن لم يكن في متونها فعلى عوالي رماحها. وقد تقدم أن الأتراك ذكروا الرأي الأول في تواريخهم ولم يقطعوا به. أما الرأي الثاني فيروون أن الهلال كان شعارًا للسلجوقيين وكان متَّخَذًا عندهم في الأعلام ولكن على عواليها، وأن العلَم الأبيض الذي أهداه آخر سلاطينهم إلى السلطان عثمان كان متوَّج الرأس بتمثال هلال، فلما ورث العثمانيون مُلك السلجوقيين بعد انقراض دولتهم عَدُّوا هذا العلم علامة لاستقلالهم وتيَّمَنُوا بالهلال؛ فكان السلطان عثمان يجعله على أعلى مضربه لتكون علامة الاستقلال مرفوعة على رأسه في حلِّه كما تُرفع عليه فوق العلم في تَرحاله.

ثم لما غيَّر السلطان مراد الأول لون العلم الأبيض بالخُضرة جعل في وسطه ثلاثة أهلَّة بيضاء مفضَّضة التطريز اثنان منهما متقابلان والثالث تحتهما مرفوع الطرفين، ثم لما اتخذ السلطان محمد العلمَ الأحمر جعل في وسطه دائرة خضراء بيضيَّةً في وسطها ثلاثة أهلَّة مذهَّبة التطريز متناسقة الوضع في سطر واحد، ثم أُزِيلَتْ تلك الدائرة وحلَّ محلَّها الهلال على المتن الأحمر ولكنَّا لا ندري متى كان ذلك.

figure
علم السلطان مراد الأخضر.

أما أعلام الكتائب فلم يكن منها ما عليه الهلال غير ثلاثة، فكان لعلم «طوپراقلي سواريسي» أربعة أهلَّة مذهَّبة؛ اثنان على الشطر الأخضر واثنان على الأحمر بينها صورة ذي الفقار كما تقدَّم. ولكل واحد من علم السپاه الأحمر وعلم السلاحدارية الأصفر هلالان مفضَّضان.

figure
علم السلطان محمد الأحمر ذو الدائرة الخضراء.

ولولوع السلاطين العثمانيين بتعظيم الهلال اتخذوه مرصَّعًا على الصورغوج، وهي حلية كانت تُجعل على العمائم والقلانس، وقصدهم أن يكون مرفوعًا دائمًا على رءوسهم. وصوَّره بعضهم على الأوسمة لما حدثت عندهم. والظاهر أن أوَّل وسام صور عليه كان «وسام الهلال» المرصَّع الذي أحدثه السلطان سليم الثالث، ثم أبدله السلطان محمود الثاني بوسام الافتخار على ما في مَعْلمة لاروس.

هذا ما استطعنا الوصول إليه عن أصل الهلال العثماني، ولا مطعن لنا في إحدى الروايتين، غير أننا لا نوافق على الرأي المبني على الرواية الأولى؛ فليس الهلال الرومي فيما يظهر لنا أصلًا للهلال العثماني كما يقول أصحاب هذا الرأي، بل الذي نرجِّحه استنتاجًا من الروايتين أن الهلال كان شعارًا للملكة الشرقية كما كان شعارًا للسلجوقيين والعثمانيين. فلما فتح هؤلاء القسطنطينة استنتج المؤرخون بعدهم من توافُق الشعارين ما نشأ عنه الرأي الأول. وسيبقى هذا الإشكال بلا حلٍّ حتى يهتدي الباحثون إلى نصٍّ صريحٍ لثقةٍ من معاصري الفتح.

١  بيزنطية اسم القسطنطينية القديم قبل أن يوسعها قسطنطين وينسبها إليه.
٢  رواية الخطط: «الريح فينتفتحان».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠