العلم المصري الجديد

لم يكن لمصر عَلَم منذ افتتحها العثمانيون غير العلم العثماني كسائر ولاياتهم١ وكان أخيرًا على شكله المعروف أحمرَ اللون ذا هلال ونجم أبيضين في وسطه. ولم يغيَّر في حكم الأسرة العَلَوية على مصر إلى العصر الإسماعيلي فحدث فيه تمييز الشارة الخاصة بالأمير بهلال وثلاثة أنجم، والعلم الخاص به بثلاثة أهِلَّة وثلاثة أنجم، وبقي علم الإمار المصرية على ما كان عليه كعلم الدولة. ولم نَقِفْ في شيء من التواريخ ولا روايات الثقات على تغيير في الشارة قبل هذا العصر ولكنَّ أثرًا تاريخيًّا استوقف نظرنا وأثار فينا الظن إلى أن هذا التغيير قد يكون بُدئ به في عصر العزيز محمد علي؛ فإن في مجموعة الصور الملحقة بخزانتنا صورةً نادرة لعباس حلمي باشا الكبير٢ في إبان صباه قبل توليته على مصر يُرى بها على الجهة اليمنى من صدره تمثال هلال وثلاثة أنجم. فإذا ثبت أن هذه الحِلْية من الشارات أو الأوسمة المصرية لا العثمانية كانت مظنَةً لما قدمناه، ومن أحرى الأمور بالبحث والنظر إلا أن تكون التحلية بالأنجم الثلاثة وقعت عفوًا من غير أن يُقصد بها تمييز في الشارة.
وهذا مثال مصغر لهذه الصورة وهو فيها بالحلَّة القديمة ذات السروال الواسع والجمازة القصيرة المسماة عند العامة «بالصَّلْطَة»٣ وعلى رأسه «الطربوش».
figure
عباس باشا الكبير في إبان صباه قبل التولية.

الكبير ذو العذبة الطويلة وقد بدا منه طرف الكُمَّة «أي الطاقية» وكانوا يلبسونها تحته ويبدون طرفها منه لوقايته من العرق ولهذا يسميها البعض بالعَرَقيَّة.

وفي أواخر سنة ١٣٣٢ وقعت الحرب العظمى بين الدول وأُعلنت الحماية الإنكليزية على مصر بعد فصلها عن الدولة العثمانية، وتولى عليها الأمير حسين كامل في ثاني صفر سنة ١٣٣٣ متلقبًا بالسلطان، فأخذ ولاة الأمر يفكرون في تغيير العلَم كما غيَّروا بعض الأنظمة، وأُشيعت عنه إشاعات، فقيل إنهم سيجعلونه أزرق وقيل أخضر، إلى أن استقر الرأي على اختيار العلم الأحمر ذي الثلاثة الأهلة والثلاثة الأنجم الذي كان خاصًّا بالأمير منذ العصر الإسماعيلي، فجعلوه عَلَمًا للدولة المصرية وهذه صورته:

figure
العلم المصري الأحمر ذو الثلاثة الأهلة والثلاثة الأنجم.

وفي ١٦ رجب سنة ١٣٤٠ أعلن استقلال مصر وتغيَّر لقب سلطانها بالمَلِك، فشرعوا سنة ١٣٤١ ينظرون في تغيير العلَم واختلفت فيه الآراء وكثرت المقترحات، ثم انتهى الأمر بجعله أخضر اللون ذا هلال وثلاثة أنجم بيضاء، وجُعل العلم الخاص بالملك مثله إلا أنه مُيِّز بصورة تاج زيدت عليه في الزاوية التي بجانب عالية رمحه وكان ذلك سنة ١٣٤٢، واحتُفل برفعه على قصر عابدين مقر الملك بالقاهرة في يوم الأحد ١٥ جمادى الأولى من تلك السنة.

وهذه صورة علم الدولة منقولة من تقويم الحكومة:

figure
العلم المصري الأخير الأخضر ذو الهلال والثلاثة الأنجم.

وأُحدِثَت أعلام أخرى للجيش المصري البري والبحري منعنا من ذكرها توخينا الاختصار في هذه النبذة، وسنذكرها إن شاء الله تعالى في رسالة أخرى نفصل فيها الكلام على أعلام الدول الإسلامية من الفتح الإسلامي إلى اليوم.

١  حدَث بعد الفتح العثماني انقسام جند مصر من الجراكسة إلى طائفتين كبيرتين؛ إحداهما: الفقارية نسبة إلى ذي الفقار بك وكان له علم أبيض برمانة في عالية رمحه، والأخرى: القاسمية نسبة إلى قاسم بك وكان علمها أحمر بجلبة، فكان بمصر علمان آخران غير علمها العثماني. ولكن لا يخفى أن كليهما كان عَلَمًا خاصًّا بفرقة من الجند غير معتبر علمًا للولاية.
٢  هو عباس حلمي باشا ابن الأمير أحمد طوسون باشا ابن عزيز مصر محمد علي الكبير، مات أبوه وهو طفل فعطف عليه جده واعتنى بتربيته، وتولى على مصر سنة ١٢٦٤بعد وفاة عمه إبراهيم باشا؛ لأنه كان أكبر الأسرة العلوية سنًّا، وتوفي بقصره ببنها سنة ١٢٧٠.
٣  صوابها في التركية «صالته» تخفيف «صالته مارقه» وهو لفظ دخيل من الإيطالية وأصله سنتومركو Santo Marco اسم قديس كانوا يعتقدون أنه حامي البندقية Veniso فأطلقوه على نوع من الأقبية القصيرة التي كان يلبسها الملاحون تيمنًا باسمه، ثم أطلقوه في التركية بعد تغيير بعض أحرفه على نوع من هذا اللباس يلبس على السراويل الواسعة، ثم خففوه بحذف جزئه الثاني.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠