الفصل السادس عشر

كايبيرينها في تمام التاسعة

دخلت فاندا بار «الهافانا» في التاسعة والثلث. وجدت زابينة جالسة على طاولتها المفضلة في آخِر الحانة. بدت شاردةً أمام كوبها الزجاجي وهي تحرك الماصَّة بين مكعبات الثلج.

«هل بدأتِ بالشرب فعلًا؟» قالت فاندا مؤنبةً.

«لأنك تأخرت كثيرًا.»

«للأسف لم أتمكن من الحضور أبكر من هذا؛ كلفني الرئيس بمهمة جديدة.»

نظرت لها زابينة نظرات متعاطفة ومدَّت لها ذراعيها، إلا أن فاندا لوحت لها.

«ممنوع اللمس؛ جسمي كله متصلب مثل لوح خشب. أحتاج بشدة لشيء أشربه.» أشارت إلى مقدِّمي الخدمات، فلبَّت الإشارة نادلة ترتدي بنطالًا قصيرًا بالكاد يغطي الفخذين، على بطن عارٍ تُعلِّق به قرطًا في السرة. طلبت فاندا مشروب كايبيرينها، واستمتعت باستراق النظر لهذا الجسد الخاوي من العيوب، المعروض للفرجة المجانية. تنهَّدتْ.

«لماذا لا ترتدين شيئًا كهذا؟» توجهت فاندا إلى زابينة بالسؤال بعد أن مضت النادلة، «فقوامك يسمح بذلك.»

«لا تكبِّري المسألة. ليس كل الرجال يجدون هذا الأمر مثيرًا. لا أعتقد أن توماس …»

«توقفي عن هذا»، قاطعتها فاندا، فهل الآن الوقت المناسب للحديث عن توماس. ليست فاندا في مزاج يسمح بالحديث عنه.

«ألا تريدين معرفة ماذا حدث؟» ثم بدأت في سرد الأحداث لها بترتيب وقوعها منذ ليلة الاثنين، والمحاولة الفاشلة للحصول على البيانات من المعهد، والمداهمة الغامضة، وتصرفات يوهانيس الغريبة، وحماقتها هي نفسها في ترك ذاكرة اليو إس بي هناك، وتحاشت أن تنبئها بأسوأ ما حدث؛ ألا وهو أن فاندا نفسها هي التي ستتولى متابعة المشروع، فظلت تلف وتدور بكلمات مقتضبة حول محاولتها غير المجدية في العثور على بياناتها الخاصة وعن ريبتها في يوهانيس.

«لا أستطيع أن أقيِّم يوهانيس. إنه يتصرف بصورة تختلف عن المعتاد.»

«صحيح. في الأسابيع الأخيرة كان كثير التسلل حولي كلما دخلت وحدة الحيوانات، لدرجة أني كنت أشعر وكأني مراقبة في كثير من الأحيان.»

«ولماذا يهتم هو ببيانات تجاربك؟»

«ربما لكونها معلومات سرية، ولأنه لا يطيق شتورم.»

«هل تلمحين إلى انتقام؟»

«لا أستغرب منه ذلك. ربما بسبب الطريقة التي يتجاهله بها شتورم في الآونة الأخيرة. قد يكون هو التالي في ترك المعهد.»

تدبَّرت فاندا لوهلة.

«لكن إن كان يبحث عن مسائل من العيار الثقيل، فلِمَ قام بمحو بياناتك؟»

فنقرت زابينة على ذراعها وقالت: «فاندا، أذكِّرك بأن هناك من ضرب كلًّا منكما على رأسه.»

ضيقت فاندا عينيها: «بالضبط، والشخص الوحيد الذي علم أني أريد الذهاب إلى المعهد يوم الاثنين ليلًا هو أنت.»

«صحيح. وأعطيتك مفتاحي الإلكتروني وكلمة المرور الخاصة بي التي ستمكِّنك من الدخول إلى بنك المعلومات، ثم أرسلتُ في إثرك قاتلًا مأجورًا! عزيزتي أَلَا تعتقدين أنك حِدْتِ قليلًا عن جادة الصواب؟»

ولوهلة صمتت كلتاهما.

«شخص ما عبث بمكتبي.» تجولت عينا فاندا داخل الحانة وكأنها تبحث عن الفاعل هنا بين الزبائن.

«كيف تعرفين؟»

«لا يهم، أنا أعرف وحسب.»

«هل تقصدين أن يوهانيس من الممكن أن …»

«… أو ربما شتورم.»

«وما الذي يدعو شتورم إلى ذلك؟»

«ربما ليختبر ولائي. على أية حال، فإنه يتوقع أننا على اتصال. سأتولى تقييم النتائج الخاصة بأبحاثك.»

نطقتها أخيرًا. أما زابينة فارتشفت من مشروبها.

«الخنزير يريد أن يفرِّق بيننا.»

ردَّت فاندا بهدوء: «بينة، أنا لا أستطيع أن أحل محلك، ولا أريد؛ أنا لستُ متأكدة حتى إن كان يعرف أننا أصدقاء.»

«ألن تقولي له إنك لا تستطيعين أن تفعلي هذا بي؟» صمتت فاندا. هل أقول لها ما أعطاه لي شتورم في يدي؟ هل يعرف بأمر تغييراتي الطفيفة سابقًا؟ هل يضغط عليَّ لأنه يعرف أني طموحة؟ أنا لم أقبل بالعرض لأثري.

ردت فاندا: «على أية حال، بالتأكيد قد يحسب حساب أني أتشاور معك، ربما يريد من خلالي أن يستغل كفاءتك بطريقة غير مباشرة.»

«إنه تصرُّف يليق به.»

واصلت فاندا الحديث: «لقد قضيت فترة ما بعد الظهيرة كلها في التفتيش في بياناتك. عمل رائع حقًّا، أستطيع أن أتخيَّلَ حقًّا ما تشعرين به، بل وأشعر ببعض الحسد تجاهك أيضًا.» كان مخطَّطًا بحثيًّا موسَّعًا ومموَّلًا بكرم. لقد كانت زابينة تمتلك إمكانيات لا تجول ببال فاندا إلا في الأحلام. إن كان فهمها للبحث صوابًا، فإن الأمر يدور حول اختبار أثر نقل الجينات. اندهشت فاندا من هذا التدخل العلاجي الخارق للعادة، ولم تكن قد سمعت قطُّ من قبلُ عن ذلك الإجراء المسمى «نانوسنيف». إن نقل مادة أو جين بمساعدة جزيئات النانو عبر الأنسجة المخاطية المبطنة للأنف لِتعبرَ إلى نقاط مستهدفة بعينها من المخ، لَهُوَ عمل أبسط ما يُوصَف به أنه رائد وقابل للتحقُّق، على الأقل على الفئران حسبما أثبتته تجارب زابينة، إلا أن لفاندا شكوكها. «لا أعتقد أن هذا الإجراء يمكن تحقيقه على الإنسان يومًا ما؛ فالقياس لا يصلح هنا؛ لأنه مقارنة بعضو الشم في الفئران، فإن مراكز الشم عندنا منبسطة على رقعة صغيرة جدًّا، سنتيمترين مربعين مقابل … دَعِيني أحسبها؟»

أكملت زابينة: «من ستة إلى سبعة سنتيمترات مربعة لدى الفئران.»

«أي إن هذا يماثل ثلاثة أضعاف حجمها عند البشر.»

«ها قد فهمت المسألة. نحن نقيس معدل السياح الذين يزورون جبال روكي في أمريكا، ونستنتج من هذا أن نفس العدد سيزور مرتفعات التاونوس في ألمانيا.»

مست زابينة أنفها، وأشارت إلى السرة المثقوبة لتعليق الأقراط، ثم رفعت إصبعين في الهواء.

وقالت بازدراءٍ: «مقارنة لا تستقيم.» ورفعت ذقنها قليلًا إلى أعلى، في حين امتلأت عيناها بكل اللامبالاة التي تملأ نظرات مربية إنجليزية لا تنظر لشيء محدَّد.

«ولو لم تَخُنِّي الذاكرة، فإن سلاسل جبال روكي تمتد على قارة أمريكا الشمالية بكاملها، في حين أن مرتفعات تاونوس ترتفع فقط على جنوب ولاية هيسن.» أحيانًا تفقد زابينة حس الفكاهة تمامًا. «في كل الأحوال نستطيع أن نثبت التأثير المتوقع، أما الباقي فهو من اختصاص علماء الأدوية.»

سألت فاندا غير مصدقة: «أولا تعرفين فعلًا أي شيء عن الجين؟»

«ولا أدنى فكرة، كما أني لا أعرف حتى أي جزيء نانو يستخدمون. أعلم فقط أن الأمر ينجح. شركة بي آي تي لا تسمح بأي تسريبات في هذا الخصوص. أعلم الآن ماذا يعني الصندوق الأسود، إنه ذاك الخواء في رأسك حين لا يطلعونك على أسرارهم.»

«لكنك تستطيعين أن تُثبِتي «مفعولًا» ما.»

«بالتأكيد، فالبروتينات الفلورية الخضراء «جي إف بي» مذهلة حقًّا؛ إذ إن الجين المناسب للتجربة يتم تعليقه على الحمولة التي ينبغي نقلها وكأنها هدية للدعاية، فالخلية لا تختار، إنها تبني الطرد بأكمله في الجينوم الخاص بها وتصنع منه البروتين، وحين يتم الأمر تشع لونًا أخضر.»

كانت فاندا تعرف هذا الإجراء. فقد ثبتت فعالية البروتين الفلوري الأخضر في اقتفاء الأثر، وهو بمثابة علامة فارقة في علم الخلايا. الجين الخاص بهذا كان يرتبط بأي جين آخَر حسب الرغبة، ويدخل معه في الجينوم المكوِّن للخلايا، وقد أطلق عليه العلماء الجين المراسل؛ لأنه كان يبعث بالنبأ كلما قبلت الخلايا الجين الجديد. كانت الخلايا تشع لونًا أخضر إذا ما تعرَّضت لضوء الأشعة فوق البنفسجية. كان هذا يثبت أن الشفرة الجينية دخلت فعلًا إلى مكتبة الخلايا وأصدرت نماذج للقراءة مكوَّنة من البروتينات. أمر آخَر تمكَّن البشر من غشه من الطبيعة. فالبروتين الذي يضيء باللون الأخضر يساعد نوعًا من قناديل البحر التي تعيش في شمال المحيط الهادئ على عملية الضيائية البيولوجية. لقد قام العلماء عمليًّا بإحضار عينات من البحر المحترق ودرسوها تحت المجهر الفلوري. ومن هنا استبعدوا أي خطر يهدد الحياة؛ لأنهم أثبتوا أن البروتين غير ضار على ما يبدو. وكان ذلك بمثابة دليل غير مباشر على صحة عمليات نقل الجين، إذا ما أريد الاستغناء عن تحليل البروتين لارتفاع تكلفته؛ ولأنه يستغرق وقتًا أطول كثيرًا، وبهذا لم تَعُدْ شركة بي آي تي مضطرة للإفصاح عن المادة الخاصة بها؛ لأنه يكفي تتبُّع توزيع البروتينات الفلورية الخضراء، وهذا تحديدًا هو ما قامت به زابينة. الجزيئات سرعان ما وجدت طريقها من خلايا الإحساس الموجودة على النسيج المخاطي عبر حُزَم الألياف العصبية الدقيقة وصولًا إلى البصيلة الشمية، ثم تحركت من هناك بمحاذاة الخطين الكبيرين المكونين للعصب الشمي نحو المناطق الأعمق في الدماغ، وبعد ساعات قليلة وصلت عبر شبكة توصيلات واسعة إلى مناطق «تحت المهاد»، «المهاد» و«الجهاز الحوفي». كان التدخل دقيقًا في الوصول للهدف لأن المادة لم يوجد لها أي آثار في الأعضاء الأخرى كالقلب أو الكبد أو الكليتين، حتى بعد مرور عدة أيام.

أبدت فاندا ملحوظة متشكِّكةً: «لكني لم أفهم رغم ذلك، كيف يظل الشيء الذي تم نفخه تحديدًا في الأنف؟»

«ربما الجزيئات مزوَّدة بمستقبلات لا يتعرف عليها سوى الخلايا الموجودة في الغشاء المخاطي، ربما شيء مثل تأشيرة الدخول، لا تسمح بعبور جزيئات النانو بكل حمولتها إلا عبر غشاء هذه الخلايا.» رفعت زابينة كتفيها: «مجرد تخمين …»

«وكيف أمكنك نفخها في أنوف الفئران؟»

«أرسلوا مضخة هوائية شكلها مثل مسدس الماء لها جزء يثبت على المقدمة لتناسب تمامًا الأنوف الصغيرة للحيوانات، والجهاز بكامله يتصل بأنبوبة مصنوعة من زجاج البليكسي، يدخل الحيوان فيها ويدفع رأسه خلال الغشاء المطاطي في حين يضيق عليه من الخلف فيعلق الفأر. بمجرد ضغطة زر يدخل الجهاز إلى أنفه، حيث يتم التحكم في آلية الضخ بشكل إلكتروني. علينا فقط الحذر حتى لا يتوقف الحيوان عن التنفس.»

«هل تعاملت مع كل فأر على حدة؟»

«طبعًا، حتى أضمن حصول كلٍّ منها على جرعة ثابتة. الجزيئات تتعلق بأي شيء. ما الذي يفيدني لو نفختها على فروتها؟»

«صحيح، ستقوم بلعقها تمامًا.»

«بالضبط.» خبطت زابينة على رأسها. «نريد للمادة الفعالة أن تصل إلى المخ، وليس إلى الجهاز الهضمي، علاوةً على ذلك، فوفقًا للتعليمات لا يجوز سوى حقن مادتين فقط بالأنف، ولكل واحدة القناة الخاصة بها في المسدس الهوائي. من فضلك لا تسأليني عن السبب؛ فهو أمر مثل كل شيء آخَر في هذا المشروع، سر كبير.» نطقت الكلمات الأخيرة ببطء يؤكد كل كلمة فيها، وخفضت صوتها كأن الحدوتة وصلت إلى نهايتها، ولأنها أومأت برأسها قليلًا نحو الأسفل فقد استنتجت أنها تعني ما تقول.

«هل تريدين التوقف في منتصف الحكاية؟ أنا لحكاياتي نهايات مختلفة.»

«أنت تنسين أني الآن خارج الموضوع.»

لوهلة توقفتا عن أي حديث، وكلٌّ منهما تشرب مشروبها المنعش ورأسها مثقل بالأفكار. انتظرت فاندا. كل شيء حتى الآن يوحي بأنها دراسة واعدة، لكن هذه ليست الصورة الكاملة. كانت تعرف زابينة، فهناك شيء آخَر يؤرقها. متى ستضع صديقتها كل الأوراق على المائدة؟ إنها تحدق الآن في كأسها وكأن في مقدورها أن تستدعي شبح الكايبيرينها لينقذها من الورطة التي وقعت فيها. عندها رأت فاندا شيئًا يتحرك تحت بلوفر زابينة، إذ استدار شيء ما بين نهديها، فلكأنه نهد ثالث أطول قليلًا. في نفس اللحظة أطل ذيل أملس وردي اللون من فتحة البلوفر. لا بد أنه يدغدغها في رقبتها لأن زابينة دسته فورًا تحت البلوفر ثانيةً. وتوهجت وجنتاها.

قالت متلعثمة: «هذه جوسي، لم أستطع أن أتركها هكذا ببساطة.» أمسكت الفأر من بين نهديها ومسَّدت جسمه، في حين أصدر الحيوان صريرًا خفيفًا.

لم يكن سرًّا أن زابينة تروض حيوانات التجارب. كانت تستمتع لمدة ساعة يوميًّا باللعب معها. كانت تتركها تدغدغ ذراعيها ورقبتها فكانت تألفها. وكانت تحرص على إخبار الزملاء الذين يضايقونها بتعليقاتهم السمجة أن ذلك جزء من التحضير للتجربة، خصوصًا وأن التوتر واحد من أكبر العوامل المزعجة. كانت فخورة بالعدد القليل من الحيوانات النافقة في التجارب التي تجريها، إلا أنها كانت تشكو في الفترة الأخيرة من ازدياد أعداد الحيوانات الميتة.

قالت فاندا ساخرة: «لا عجب أنه طردك» … فهزت زابينة رأسها.

«لا أعلم كيف وصل الأمر إلى هذا الحد.»

«إلى أي حد؟»

«كانت الإناث بعضها مع بعضٍ في القفص الكبير المصنوع من الماكرولون، ورغم ذلك هاجم بعضها بعضًا. في كل صندوق كان يوجد على الأقل حيوان ميت. لقد اختل التسلسل الهرمي في المجموعات. كل حيوان يحاول السيطرة على الحيوانات الأخرى، ويتخطاها، ويسبب توترًا له ولغيره. ويسوء الحال كثيرًا حين تكون الإناث في حالة شبق وإباضة.»

«هل عندك تخمين؟»

ربتت زابينة على نهدها الثالث قائلةً: «جوسي من حيوانات الضبط في التجربة. الكلام السابق ينطبق فقط على المجموعة التي استنشقت المادة الفعالة. يبدو أن إيقاع نشاطها قد اختل، ومراحل النشاط صارت تستغرق وقتًا أطول وتحدث حتى في منتصف اليوم، وهو الوقت الذي كان ينبغي لها أن تنام فيه، لكنها تموت كالذباب، ولا يهتم أحد لأمرها. أعتقد أن شتورم يريد أن يتخلص من الحيوانات.»

زمجرت فاندا: «هذا لا يثير العجب. لكن من المؤسف حقًّا أن لا أحد عنده أي قياسات حول هذا الأمر.»

«كنتُ أسجل التغيرات في سلوك الحيوانات.»

همهمت فاندا خائرة الهمة: «وهو سبب إضافي يجعله يريد التخلص منك»، وطلبت كأسَيْ كايبيرينها أخريين.

«شتورم لا فكرة له عن ذلك، لقد أخبرته طبعًا بسلوك الحيوانات العدواني. صحيح أنه استمع إليَّ، لكنه لم يُرِدْ أن يقف على حقيقة الأمر، وأجبرني أن أَعِده ألا أتحدث بهذا مع أحد.»

«لكن ربما يكون قد علم بأمر هذه المدونات، ربما يكون شخص ما أخبره عنها.»

«مَن يكون يا تُرى؟»

رفعت فاندا كتفيها وقالت على مضض: «وما أدراني؟» … خف التوتر تدريجيًّا. أدارت فاندا رأسها بحذر وحكت رقبتها. قالت وقد ثبطت همتها: «أرجو فقط ألا تقولي إن هذه البيانات مسجَّلة أيضًا على كمبيوتر المعهد.»

ردت زابينة بصوت خفيض: «إنها على الكمبيوتر الخاص بوحدة تجارب الحيوان.»

مست فاندا الورم الصغير في مؤخرة رأسها وتنهدت: «لماذا لم تخبريني بذلك على الفور؟»

«أعتذر عن ذلك، فقد فقدت تركيزي.»

«هل هناك طريقة تمكنني من الوصول إليها دون أن أُضرَب على رأسي؟»

«عليك أن تذهبي إلى وحدة تجارب الحيوان. الكمبيوتر هناك غير متصل بالشبكة الداخلية، وكلمة المرور هي نفسها.»

بعد تناول كأس الكايبي الثالثة شعرت فاندا بخفة أراحت نفسها. «قرأت مؤخرًا أن العلماء يطوِّرون جهازًا لاقتفاء الأثر عن بُعْدٍ مصنوعًا من جزيئات النانو. المفترض أن يتم ابتلاعها مع غذاء حيوانات التجارب، ثم تقتحم خلايا عضلات القلب والعمود الفقري لتعمل مثل أجهزة كمبيوتر دقيقة تقوم بإرسال إشارات إلى الإنترنت. مثل هذا الجهاز يمكن أن يفيدنا الآن.»

قالت زابينة بلا اكتراث: «هذه كلها أحلام المستقبل. حين يتوافر مثل هذا الجهاز في السوق سيكون عقدك المؤقت قد انقضى، ومر من السنوات ضعف مدته على الأقل.»

فإذا بفاندا تقهقه فجأةً: «تخيلي لو أننا دسسناه في طعام الرئيس.»

«ماذا؟»

«هذه الأجهزة المقتفية للأثر. لعبة شتورم التي سنصلها بالإنترنت. ويا سلام لو اتصلت بصفحتنا الرئيسية كما يمكن الاتصال بها من أي مكان في العالم.»

أغلقت زابينة عينيها.

«الآن صرت سخيفة، ثم كيف ستحملين شتورم على تناول طعام الفئران؟»

«ندخله خلسة إلى كيس الحلوى الخاص به، وكأنه كريات زيادة لتنظيف الأسنان من آنٍ لآخَر.»

«انسي الأمر. لن يمكنك المرور من نقطة تفتيش السيدة بونتي، أضيفي إلى ذلك أن الرئيس متواجد بشكل مستمر في مجالات كهربية، ما يعني بوضوح أن الخط الأساسي لرسمه البياني سيكون أعلى من الطبيعي.»

«بالضبط. كل ما هو أعلى يثير الريبة.»

«وفيمَ يفيدنا أن نعرف متى ترتفع ذبذبات قلبه؟»

«كنت سألجأ إلى الإنترنت قبل أي اجتماع وأعرف ما الذي ينتظرني.»

ابتسمت زابينة بوقاحة وقالت: «أما أنا فأرى يوهانيس يتجول في الإنترنت كل ليلة ليراقب ويسجل نموذج النشاط الجنسي لشتورم.»

«… ثم نرسم منحنى خطي للعلاقة بين زوابع شتورم التي يثيرها وعدد الحلوى التي يبتلعها في اليوم بعد ذلك.»

تبادلتا الأنخاب. أما الكرة أسفل بلوفر زابينة فانزلقت نحو اليسار قليلًا.

«ونتائج التقييم الكمي لهذا النمط الاستهلاكي ستقع في نطاق اختصاص السيدة بونتي.» قالتها زابينة وهي تمسِّد النتوء على عظمة القص برِقَّةٍ. «أقولها لك، هذا الأمر لن ينجح أبدًا.»

ردت فاندا مداعبةً: «يا لك من هادمةٍ للَّذات!» ثم بحثت عن محفظة نقودها وقالت: «قبل أن أنسى، هل يمكن أن تتحدثي مع يوهانيس؟ فبطريقة ما أشعر أننا غير منضبطين على نفس الموجة. ربما استطعتِ أنت أن تعرفي منه أي شيء.»

هزت زابينة رأسها بتوجس، وقالت: «أستطيع أن أحاول.»

تثاءبت فاندا.

«عليَّ الآن أن أذهب للنوم. عندي في الغد أشياء مهمة يتعين إنجازها.»

ضاعف الهواء المنعش في الخارج من أثر الكحول الذي تناولته الصديقتان. كانتا تستمعان إلى العصافير تناديهما، طيور الكراكي وهي تطير نحو الجنوب. نظرتا إلى السماء وقد نال منهما التعب، وحاولتا تبيُّنَ أي شيء، إلا أن السماء كانت شديدة الظلمة وملبدة بالغيوم. خطر ببال فاندا أن البرودة تأتي الآن.

«هل تعرفين ما أكثر شيء أثار خوفي؟» طرحت زابينة السؤال فجأةً، إذ كانت الصديقتان تسيران صامتتين إحداهما بجوار الأخرى حتى تلك اللحظة.

«ماذا؟»

«إنها ترتعش بلا توقف. أقصد حيوانات التجارب. إنه مثل الزلزال الذي يسري في قطة تعوي. لكنه فقط لا يتوقف.»

وعند بيلجريمشتاين تفرق بهما السبيل لتمضي كل واحدة في طريق منزلها. مدت فاندا يدها بالسلام مودِّعة، وربتت على النتوء المستكين أعلى صدر صديقتها، وقالت: «من الأفضل أن ترفعي سوستة المعطف حتى لا تصاب جوسي بالبرد.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١