الفصل التاسع عشر

تأثير اللوتس

عملت فاندا طيلة عطلة نهاية الأسبوع على تجهيز المحاضرة التي سيُلقِيها شتورم. بدوره اتصل هو بها صباح يوم الاثنين نحو الساعة الثامنة والنصف كي يخبرها أن عليها تسليم العمل كله في السكرتارية؛ إذ لم يَعُدْ لديه مزيد من الوقت ليقابلها قبل رحلته إلى بوسطن في الظهيرة. ورغم هذا عليها ألَّا تغلق وسائل الاتصال بها تحسبًا أن لو كان لديه أسئلة أخرى. كانت قد عقدت عزمها على أن تسأله عن حيوانات التجارب. أرادت أن تقوم بهذا الأمر بشكل لا يثير الشك، فقط كي ترى رد فعله، ولكنه لم يُعْطِها فرصةً لذلك. قامت فاندا بتحميل المحاضرة على سي دي وسلمته للسيدة بونتي. عليها أن تعثر على طريقة أخرى لمواجهة شتورم.

وقفت مساء يوم الاثنين مترددة أمام مرآة الدولاب الكبيرة في حجرة نومها. هذا كله فقط لحضور سلسلة من المحاضرات كانت قد اتفقت مع أندرياس أن يحضراها معًا. في الأحوال العادية تختار ملابسها وفقًا لمعايير عملية، كلها مناسبة لاحتياجات حياتها في المعمل، تغلب عليها الألوانُ الداكنة لتُغسَل دفعة واحدة، ناهيك عن قدرتها على مواءمة الاحتمالات المتنوعة التي يجلبها روتينها الوظيفي، وبهذا اقتصرت ثيابها على قِطَعٍ يسهل العناية بها، هي غالبًا بنطالات وقمصان قطنية يمكن المزاوجة بينها وتبديل أحدها بالآخر بلا مشاكل. ها هي الآن تبحث دون جدوى عن شيء آخَر، لكن لماذا؟

كان من الواضح أن طالب الفلسفة المحب للشجار هذا أصغر منها، بل إنه حتى أصغر من أخيها الصغير، إلا أن شيئًا ما جعلها اليوم تنظر لكومة ثيابها بعين ناقدة لتطلق عليها حُكْمًا بأنها «مملة». وقعت بين يديها البلوزة القديمة المصنوعة من الحرير الهندي، تبدو صيفية أكثر مما ينبغي؛ فكرت وهي لا تزال مترددة وحملتها أمام صدرها بطبعة الأزهار التي تزينها. اللون الأخضر الرقيق واللون الأحمر جعلا بشرتها الفاتحة تشرق قليلًا، ربما سيتحتم عليها أن ترتدي شيئًا يكسبها الدفء فوق هذه البلوزة.

دخلت فاندا إلى قاعة المحاضرات الكبرى من الباب السفلي ورأت أندرياس على الفور، كان يمد عنقه ويتطلع بنظره مرتبكًا في كل الجوانب. استمتعت بتركه متخبطًا هكذا. كانت قاعة المحاضرات الكبيرة أشبه بصندوق مربع، باردة وعملية، هواؤها ثقيل ومكتوم. في الخارج وقفت مجموعة من الطلاب تتناقش باحتدام. كانوا قد خضعوا توًّا لامتحان، بينما لم يعمل جهاز التكييف؛ مما شكَّل اختبارًا لقوة التحمل عن أفضل نتيجة يمكن تحصيلها تحت وطأة نقص الأكسجين. توجهت فاندا نحو المنصة وظلت واقفة على منبر المحاضِر، ثم التفتت بكل هدوء إلى القاعة. كانت تستمتع بهذه اللحظة مجدَّدًا مثل كل مرة؛ إذ كانت تلك اللحظة — لحظة دخولها أمام الجمهور — هي أفضل ما يمكن لأية محاضرة أن تمنحها إياه، إنها تلك الثواني القليلة في البداية التي لا يقول فيها أحد شيئًا، لتهدأ هي فيها هدوءًا تامًّا، ليظل كسر الصمت أمرًا خاضعًا لسطوتها، والصنعة في ذلك تقتضي تأخير إطلاق سهام الكلمات الأولى لأطول مدة ممكنة دون أن يُشَدَّ قوس الصمت مدة أطول من اللازم. ارتسمت ابتسامة على شفتيها.

•••

شجاعة بحق، فكر أندرياس حين رأى فاندا في المقدمة، فمجرد تصور أن يظهر أمام جمع من الناس كان يصيبه بعدم الارتياح؛ ولهذا السبب جاء من أعلى، واختار الدخول من الباب الخلفي لقاعة المحاضرات، وجلس أقصى اليسار في الثلث الأول من مقاعد المنتصف. مكان ليس في الصفوف الأولى، لكنه قريب بما يكفي لرؤية تعبيرات وجه المتحدث جيدًا. كان يسهل عليه متابعة المحاضرة بشكل أفضل حين تصله جوانب من الإنسان نفسه، وليس مجرد صوت المحاضر المقوى بالأجهزة التقنية. شغل المقعد المجاور له بكوفيته، وكانت السعادة قد غمرته طيلة اليوم بسبب هذا اللقاء، إلا أنه لم يكن متأكدًا ما إذا كانت فاندا ستأتي حقًّا، رغم أنها هي مَن اقترحت هذا المكان.

«حسنًا، أراك مساء الاثنين حيث ستُلقى سلسلة المحاضرات في مبنى الدراسة العامة.» كان لا يزال يسمع نبرة صوتها الدافئة العميقة، ثم أضافت بشيء من الاستهتار: «سيتحدث أحدهم عن تأثير اللوتس، بالتأكيد هذا نوع من إسهام فيزياء النانو لتحسين الإنسان.»

حين كان يبحث قبل بضعة أسابيع على الصفحة الرسمية لعلم السموم عن شخص يتواصل معه، لفتت انتباهه على الفور. كانت هي السيدة التي صادفها في القطار حين كان عائدًا لتوِّه من جنازة والده بميونيخ، وهو ذات اليوم الذي رحلت فيه لاريسا إلى نيكاراجوا. كان هذا قبل ما يزيد عن ستة أشهر. منذ ذلك الحين والأحداث تمر مرور الكرام، هذا إن وقعت أحداث أصلًا. كان لا يزال محبوسًا في زقاق لوم الذات المظلم منتظرًا أن يُفتَح بابٌ من مكان ما.

حين تأملها في وقفتها تلك بدت هيئتها منكمشة على نحوٍ ما، رغم أنه لا يذكر أنها ضئيلة البنية. جذبه جسدها المدملج، لكن موضة الشتاء التي تميل إلى الانتفاخ أزعجت إحساسه بالنِّسَب الجمالية. في مخيلته حاول أن يستبدل بحشو بطانة سترتها الثقيل قماشًا آخَر أخف وأكثر انسيابية، وبحسب نجاحه في ذلك كانت تظهر له فاندا إما في صورة تمثال ربة خصوبة أنيقة، أو لاعبة هوكي ضخمة البنية. رأى كيف جالت ببصرها بانتظام باحثة بين صفوف المقاعد، وعندما نظرت تجاهه رفع يده. انعكست على وجهها تعبيرات سعادة لرؤيته، لكنه استشفَّ أيضًا أمارات إرهاق وشحوب تخفيها، ولم يتبدد هذا الإحساس إلا عندما رأى عينَيْ فاندا الباحثتين عنه وهي تصعد درجات السلم وصولًا إليه، وحين وقفت أمامه، لفتت انتباهه تلك التجزعات البُنِّيَّة في قزحية عينها الخضراء مثل شجر الزيزفون. فكَّر حينها في الصيف وفي قطع الشوكولاتة المنثورة فوق آيس كريم الفستق. أما بياض عينيها فكان يلمع ببريق معدني فوق خط الكحل الداكن على جفنها السفلي، وعلا شفتيها بريقٌ خفيف. لقد تزيَّنت.

«هل المكان مناسب؟» سألها أندرياس وهو يسرع بسحب الكوفية من فوق المقعد المجاور، ثم خرج من الصف كي يسمح لها بالدخول.

«إنه الأفضل» أجابته باسمةً ثم سحبت المقعد للأسفل كي تجلس، ثم أضافت: «لا بد من إبقاء طريق الهروب مفتوحًا دومًا في حال صار الأمر مملًّا.» كانت تفوح منها روائح حدائق الليمون حين تمر بها الرياح المعبقة بعبير النعناع. رأى كيف أخرجت كراسًا وقلمًا من حقيبتها، وكيف تحررت أخيرًا بمهارة من البالون الذي كانت ترتديه.

•••

حين وقفت فاندا أمامه أدركت على الفور ما الذي دفع بها إلى أزمة قلة الملابس تلك، لقد كان أندرياس يقدسها، وهي أرادت لهذا الوضع أن يستمر. بالنسبة لشاب في مثل عمره كان أندرياس يبدو حسن الهندام، وكانت ملابسه المنتقاة بعناية قد لفتت انتباهها في المعهد مؤخرًا. لم يكن يرتدي قطعًا باهظة الثمن للمصممين المعروفين، لا، وإنما كان يضفي لمساته الخاصة بمهارة، فتخرج طلته في صورة متفردة، بل تكاد تكون متمردة. لم تكن بثيابه مسحة الإهمال تلك التي تميِّز شاب أواسط العشرينيات، ورغم ذلك فقد بدا لها أنه ببساطة فتح علبة ألوانه ليغرق المعطف الذي يرتديه في اللون البرتقالي المشرق مثل قرع العسل، ليتناغم بروعة مع لون بشرته الداكنة وليجعله يبدو أكثر نضجًا. لم تفكر فاندا يومًا أن الألوان الزاهية يمكن أن تضفي رجولةً على مَن يرتديها. رأت الخاتم في يده اليمنى فانتابها شعور عابر أنها قد عايشت كل هذا مرة من قبلُ. تفرَّست نظراتُه في رقبتها العارية، ثم انزلقت على ذراعيها، حتى وصلت إلى يديها، ثم رفع بعدها رأسه ببطء ونظر أمامه.

حيَّا منظم الندوة الحاضرين، ثم قدَّم المحاضِر الذي شكره بدوره، وسرعان ما انساب صوته عبر مكبرات الصوت كما لو كان سيروي للحاضرين حكايةً خرافيةً. بدأ محاضرته قائلًا إنه منذ أكثر من ألفي عام ونبتة اللوتس المقدَّسة — المعروفة في اللاتينية باسم نيلومبو نوسيفيرا — التي يتم تبجيلها في آسيا باعتبارها رمزًا للنقاء، لا تُعَدُّ زهرة مائية، وإنما نبات ذو فصيلة قريبة من نبات الخشخاش، وعلى الأرجح فإن لثمرتها المليئة بعصارة حليبية مشبعة بمورفين شبه قلوي تأثيرًا مخدِّرًا. بالمناسبة النبتة بكاملها صالحة للأكل، وتُعَدُّ مكسبًا لذيذًا للمطبخين الهندي والصيني. ما زالت فاندا تتذكر جيدًا كيف ساءت حالتها عندما ضعفت مرة ثانية وتركت زابينة تقنعها بزيارة المطعم الصيني، فبعد تلك الليلة المريعة في سانتا فيه كانت قد اقتنعت بأنها لا تحتمل طعام المطبخ الصيني، فقد كرهت العصي، بل وكرهت نفسها لأنها لم تتمكن من التعامل معها. لقد كانت ببساطة نافدة الصبر، وكانت هذه الطريقة الغريبة في تناول الطعام تحطم أعصابها وتثير نفورها من خصوصية تلك الثقافة في الطعام. كانت تواسي نفسها بفكرة أن تلك الحصص الضئيلة تظل بلا تبعات مزعجة تؤثر على وزن الجسم. أما زابينة فقد تسلت على حساب فاندا، وروَّجت لما أسمته «رجيم مشهيات النانو» «كل لقمة فريدة من نوعها» كان هذا هو الشعار الذي صاغه برنامجها المكتوب وفق المعارف اللغوية-العصبية. لقد انشغلت زابينة في وقت ما بهذا الموضوع. طريقة توصيل الطعام إلى الفم هو الحدث المُرضِي الأهم والذي ينبغي تكراره بصورة أكبر أو أقل بحسب نمط الإنسان في الإدراك، ولا يُخشى من التبعات السلبية على الأنماط عالية التكرار في عملية توصيل الطعام إلى الفم، والتي تؤدي إلى سرعة اختفاء اللقيمات من الصحن، على العكس قد يؤدي ذلك إلى توليد إحساس مبكر بالشبع. كانت هذه هي فرضيتها. زابينة كانت ترى أيضًا أن العلماء، كون معظمهم من الأنماط التي تعتمد على حاسة السمع بشكل كبير، سيُسمح لهم أيضًا أن يتكتكوا بهذه العصي، خصوصًا لو استُبْدِلَت العصي الخشبية بأخرى معدنية، وهو أمر قابل للتحقيق بلا أية مشاكل. وفي النهاية فقد نسيتَا أن تحصلا على براءة اختراع لهذه الفكرة.

سرعان ما اضطرت فاندا للاعتراف بأن زهرة اللوتس لم تكن مجرد نبتة تؤكل أو تخدِّر، لكنها كانت مقدسة بحق. أظهر العرض صورة زهرة ذات برعم وردي رقيق على خلفية من الأوراق ذات اللون الأخضر الداكن، فبدت وكأن نورًا ينبثق من بين فوضى وقذارة. كان هذا على الأقل هو رأي البوذيين الذين اتخذوا من زهرة اللوتس واحدًا من مقدساتهم الثمانية، إلا أن «البيونك» أفشى السر المقدس كما قال المحاضر الذي كان حريصًا على إضافة لمحة من السخرية على خطابه، وهو يعرِّف «البيونك» بأنه الاندماج بين علم الأحياء والتقنية، وهو لا يزيد عن كونه مجاراة للطبيعة. فالعلماء المنشغلون بهذا المجال لا يزيدون عن كونهم مقلدين ينقصهم الخيال، يقومون بدراسة الأوراق ليستخرجوا منها اكتشافاتهم، ثم ينقلون الظواهر التي قاموا بملاحظتها إلى مواد تقنية مثل المعادن والأقمشة الصناعية. وورقة اللوتس على وجه الخصوص أسدت لهم صنيعًا جليلًا؛ إذ إن جزأها العلوي الشمعي مغطًّى بنتوءات هي عبارة عن أنوف شمعية صغيرة لا تُرَى إلا تحت الميكروسكوب، وهي تتكون — إن شِئْنَا الدخول أكثر في التفاصيل — من أنابيب متناهية الصغر من الجزيئات التي يصل قطرها إلى مائة وعشرة نانومترات، والمفترض أن سر النظافة يكمن خلف هذه الأشكال.

كان الهيكل النحيف الذي يرتفع وراء منصة المحاضرين معبِّرًا عن فصيلة حديثة من الباحثين تثير التعاطف، إذ كان يتحدث عن التطور في تقليد النماذج الحيوية، وكان يقصد بذلك الأسطح ذاتية التنظيف التي تعمل وفق مبدأ تأثير اللوتس. «من تأثير لوتس لتأثير لوتس يا قلبي لا تحزن»، تفكرت فاندا ساخرة. لن تضطر إلى تنظيف المرحاض ثانيةً، وستنعم بنهاية عمليات حك القشرة المتكلسة على صاج الخبيز التي صارت تتكوم في المطبخ في الآونة الأخيرة. لم تكن تحب التنظيف، وكان منظر شقتها المهملة وحده كافيًا لدفعها للخروج إلى الشارع، إلى العمل، إلى الحياة. فهل تنجح الأسطح الطاردة للقذارة في تحويلها إلى إنسانة بيتوتية؟

لا، لن يمكن لتأثير اللوتس أن يحدث الكثير في مجال النظافة، هذا ما يقوله المحاضر الآن كما لو كان بإمكانه أن يقرأ أفكارها، فذلك المجال يعمل وفق مبدأ «سهل التنظيف»، وعلى عكس المبدأ المذكور سلفًا فإنه يعتمد على الأسطح فائقة النعومة. كما أن الصابون يوقف تأثير اللوتس مؤقتًا. وللحظة رأت فاندا وجه أمها المحتقن غضبًا أمام عينيها، وهي واقفة على الدرج المصنوع من حجر رملي أمام باب المنزل تضرب فقاعات الصابون بفرشاة دعك البلاط. قال المحاضر: «رُهاب المياه المفرط ليس اضطرابًا نفسيًّا ناجمًا عن الخوف الزائد من المياه.» ثم ترجم المصطلح قائلًا: «عدم القابلية للبلل بدرجة فائقة هو المفتاح لما قد يكون أهم وظيفة تقوم بها هذه الأسطح الطبيعية، ألا وهي التنظيف الذاتي.»

لم تكن فاندا منتبهة. تخيَّلت كيف أن شتورم، بفصاحته المعهودة، تمكَّن من بيع بيانات زابينة كمنتج تم تلميعه بعناية، فزال عنه كل شك تمامًا كما تتساقط قطرات الندى من ورقة اللوتس؛ وبسرعة أدخلت يدها في جيب سترتها. ألم يكن يتعيَّن عليها أن تكون مستعدة للمساعدة في أي وقت؟ ولحسن الطالع كان هاتفها المحمول مفتوحًا، فتنهدت فاندا بصوت خفيض. لقد خرج الأمر من يدها. في النهاية هي تعرف أن ما سيقدمه شتورم في بوسطن ما هو إلا نصف الحقيقة؛ إذ ظلت معلومات ضرورية ناقصة، الأمر الذي يضعف من بيانات زابينة على نحو حاسم مهما كانت واعدة، وكل ما سجلته عن اضطراب سلوك الحيوانات من شأنه أن يلقي ضوءًا جديدًا على تأثير العلاج. لكن شتورم أصر ألا يعرف شيئًا عن ذلك، ليتمكن دائمًا من الادعاء بأنه لم يُخبَر بالموضوع. تُرَى ألهذا لم يشأ أن يتحدث معها مرة أخرى قبل سفره؟

الحال واحدة في كل مكان؛ فالرؤساء يريدون عادةً رؤية نتائج جاهزة؛ أي أرقامًا يشيدون بها لأنفسهم مباني من الأفكار ثم يهدمونها، فهم لا يهتمون بالثابت. وكم من معماريين بينهم ضلوا الطريق بحق، والماكرون منهم ينهون التجارب في اللحظة المناسبة التي تبدأ فيها النتائج تزعجهم بانحرافها عن المسار المرجو. إن هذه الأبنية ذوات الأعمدة لَمُقَامَة على أساسات من خشب هشٍّ، حتى من قبل أن تُرفَع قواعدها. يساعد على ذلك تلك العملية المألوفة لدى العلماء، ألا وهي عملية قراءة البيانات، ففيها لا تبدو كل نقطة قياسية ذات قيمة ليتم اعتبارها في الحسابات؛ إذ يتم استخراج البيانات المشكوك فيها من سلة البيانات بنِيَّةٍ طيبةٍ ليس إلا، وهي إرضاء الرئيس، هي نفسها أزاحت بضع نقاط قياسية من قاعدة بياناتها آنذاك في روتشيستر ليتضح الفارق أكثر بين مجموعات التجارب، فحين تكون البيانات متجانسة لا يترك ذلك ثمة مجالًا لنقد البحث، ويضحى نشره أسهل. وفي النهاية لا ينبغي إهمال تسويق المنتج. كثيرون فعلوها على ذلك النحو. على الأقل كان ذلك هو الحل المتداول من الجميع، والذي بدا أنه يُضفِي شرعية على طقوس التطهير تلك. «عبِّرْ عن نفسك بكلام موجز» هذه واحدة من تعليمات النشر في الدوريات العلمية، والتي تؤدي غالبًا إلى غض الطرف عن المعلومات المزعجة.

«الطبيعة مُهْملَة.» سمعتها فاندا الآن من المحاضر، في حين عرضت الشاشة فوقه صورة أبيض وأسود لتحليلٍ مجهري إلكتروني يُظهِر الجانب العلوي لورقة نبات اللوتس. ثمة أنماط مختلفة بعدد الأنوف في هذا العالم؛ فهناك الأنوف الصغيرة مرتفعة الأرنبة، والأنوف الدائرية البدينة المصنوعة من الورق المقوى، والأنوف الضخمة المدبَّبة، والأنوف الشبيهة بأنف الفأر مدبب البوز، فضلًا عن الأنوف التي تشبه مقدمة الطائرة. وحده الأنف الشبيه بخرطوم الفيل لم تتمكن فاندا من العثور عليه. كانت بعض الأنوف مائلة، بينما وقفت الأخرى مستقيمة، بحيث يرقد أي جزيء قذارة فوقها كما يرقد الناسك على لوح المسامير، حتى قطرات الماء لم تكن لتجد لنفسها سوى نقاط احتكاك ضئيلة جدًّا على هذا السطح المدبَّب، فتتجمع بعضها مع بعضٍ مبتعدةً عنه، غاسلةً في طريقها أي وسخ. هذا هو سر عدم القابلية للابتلال كما أوضح المحاضر؛ إذ إن ابتلال أي جسم صلب بالماء يتعلق أساسًا بالتوتر السطحي بين الماء والهواء، فهو الذي يحدِّد أي زاوية من زوايا قطرة الماء هي التي ستتصل بالسطح، فإن انفرجت الزاوية إلى ١٤٠ درجة فأكثر صرنا نتعامل مع ظاهرة سطحٍ يتسم برُهاب المياه المفرط. وأدرج العلماء هذا الاكتشاف في كتاب براءات الاختراع الكبير تحت اسم تأثير اللوتس.

«حين عرضنا ظاهرة تأثير اللوتس في نهاية التسعينيات لم يصدقنا في البداية أحد إطلاقًا.» قال المحاضر متباهيًا ومط جملته مستمتعًا بضحكته الصفراء: «كتب أحد المحكمين في مجلة «ساينس» أن الادِّعَاء بوجود تأثير اللوتس لا يتحقق إلا في خيال المؤلف، ورفض نشر البحث.» ثم ابتسم المحاضر؛ فنجاح بحثه ساعده على نسيان هذه التجربة المهينة منذ وقت طويل. فكرت فاندا أنه ربما تكون الاستعارة مزعجة بالنسبة للمحكمين، ربما مزيد من تأثير اللوتس في أدمغة المختصين كان من شأنه أن يغسل العديد من المنتجات الموجودة حديثًا في مجال الخلايا الجذعية، لتلقي بها في التو إلى البالوعة. أيضًا ربما كان ينقصه وقتها أن ينال حمايةً كافية من المجتمع العلمي. كان يستطيع أن يحاضر بكفاءة، ورغم ذلك بدا وكأنه يختبئ في ظل بحثه، ودائمًا ما يلفت أسماع الحاضرين لموضوع محاضرته. إنه يختلف تمامًا عن تلك الأنماط اللامعة من زملائها، والتي يسهل تصوُّر أنهم ينتمون لمهنة أخرى. والموضة الآن أن يبدو العلماء مثل بائعي المكانس الكهربية.

انتقلت فاندا بنظرها إلى أندرياس. كان ينصت بإمعان إلى شرح المحاضر الذي كان يضرب الآن أمثلة على التطبيقات العملية التي يتيحها تأثير اللوتس. كيف يمكن لأندرياس أن يتحمس لربطة عنق تطرد الأوساخ؟ فسواء كانت عليها بقعة كاتشب أو لا، ما كانت ربطة العنق لتناسب الطراز الذي ينتقيه لملابسه. إن قَصْر دُبَي والبوابة الشمالية للمدينة المحرمة في بكين مطليَّان بدهان ذي بنية نانوية، قالها المحاضر في ختام حديثه. وماذا عن محطة قطار ماربورج؟ كان ينبغي توجيه دعوة إلى العمدة لحضور المحاضرة.

سأل أندرياس في أثناء مغادرتهما القاعة بعد المحاضرة: «هل تصاحبينني لشرب البيرة؟» وأكمل: «على حسابي.»

رغم ازدحام الحانة الصغيرة وَجَدَا هناك مكانين شاغرين. قال أندرياس متحمسًا: «ملعقة النانو هذه رائعة. ياه! ولا عراك بعد اليوم حول غسيل الصحون. هل لديكم شيء مماثل في المعمل؟»

هزت فاندا رأسها نافيةً: «ممم لا، للأسف لا يوجد شيء من هذا بعدُ، ولكن على الجانب الآخر»، ثم أضافت متدبرة: «لن يعود من الممكن لعق ملاعق العسل فقط لأنه لن يظل شيء عالقًا عليها.»

أومأ أندرياس برأسه متفهمًا: «بالمناسبة، زميلك هذا، يُدعَى توماس فايلاند على ما أظن، ماذا يعمل بالضبط؟»

«متخصص في مجال المعلومات. إنه رجل صالح.»

رفع أندرياس حاجبيه: «إنه متشدد حقيقي.»

«ماذا تعني؟»

«ممم حسنًا، إنه يمثل نوعًا من التفاؤل التكنولوجي، يذكرني بفرانسيس بيكون. «المعرفة قوة». منطلقاته جديدة نوعًا ما، لكنها قديمة أيضًا.»

مثلت فاندا أنها تفكر؛ لم تحب أن تعترف بأنها ليس لديها أدنى فكرة عما تحدث عنه أندرياس توًّا، وشعرت بالارتياح عندما تابع حديثه ببساطة: «إن الإنسان يسيطر على الطبيعة بغرض التقدم. في الواقع هذا هو «موضوع بحثي» إلا أنني أتناوله من منظور آخَر. إن الأمر ليشبه رحلةً عبر الزمن إلى العصور الماضية والمستقبلية، حيث أقابل أشخاصًا يختلفون بعضهم عن بعضٍ تمام الاختلاف، وأرى أي تأثير يلعبه فهمهم لذواتهم على تفكيرهم وسلوكهم العلمي.»

«ومَن عساه ينتفع بذلك؟»

هز أندرياس كتفيه: «نحن؟» ثم نظر إليها متسائلًا: «لقد كان هناك زمن نظر فيه معظم الناس للعمر المديد باعتباره هدية من الله، ولكننا اليوم نتعامل مع الشيخوخة بوصفها مرضًا. أَلَا ترين أن هذا هو الوقت المناسب لإمعان التفكير في هذه المسألة؟»

نظرت إليه فاندا مرتابة وقالت: «لعلك لا تريد أن تبيعني نسخةً من الكتاب المقدس؟»

«أخشى أن يُلْقَى اللؤلؤ أمام الخنازير. لا أظنكِ قادرةً على فهم الاستعارات الموجودة في الكتاب المقدس، فهي لم تَعُدْ تطابق صورة الإنسان التي جُبِلْتِ أنتِ عليها. أم تراك تستطيعين تصوُّر أنك تسلمين أمرك لإله بخضوع غير مشروط؟»

أجابت فاندا: «الأمر يتوقف على ما إذا كان الإله سيكبلني بقيود كثيرة.»

«بالضبط. الأمر بالنسبة إليك متعلِّق بالحرية وبتحقيق ذاتك، فهذه هي روح هذا العصر، ووفقًا لمفهوم تسامي الإنسانية، الذي يمثله توماس هذا بالمناسبة، فإن هذه الذات سيتم التخلي عنها في سبيل الأفضل. لن يبقى سوى التصعيد، والنمو، والتحسين. نحن نقف على العتبة وقد عبرها البعض فعلًا.»

أومأت فاندا. ثم قالت: «أعتقد أن توماس عبقري.»

تغيَّر وجه أندرياس كما لو كان قد أصيب بمغص، وفي رد فعل تلقائي أخرج محفظته وفتحها، فاسترقت فاندا نظرةً خاطفة على بطاقته الشخصية.

قالت فاندا مداعبة: «صورة لطيفة. أهي صورة التعميد الإنجيلي أم اللاديني؟» وحين أعاد دس محفظته في جيب بنطاله كان لا يزال بإمكانها أن تقرأ اسم عائلته، «هيلبيرج»؛ فكرت فاندا، إذ بدا الاسم مألوفًا لها.

«من أين أنت؟»

«من ميونيخ.»

«مضبوط، الآن عرفت من أين أعرف اسمك. يوجد هناك بروفيسور في طب الجهاز العصبي، أظن أنه يُدعَى … جونتر هيلبيرج.»

سحب أندرياس نفسًا عميقًا وقال باقتضاب: «كان يدعى.»

«كيف ذلك؟»

مط أندرياس شفتيه: «إنه أبي. مات منذ فترة قصيرة.»

على الطاولة المجاورة علت أصوات مجموعة من الطالبات، ثم صمتن عندما شعرن بأنظار الزبائن الآخرين موجَّهة إليهن. حرق دخان السجائر عيني فاندا.

«يؤسفني ذلك.» قالتها بصوت خفيض. رأت كيف أخذت طبقة الرغوة الموجودة في كأس البيرة الخاصة بها تنخفض وتذوب ببطء. ضغطت خفقات مكتومة على صدغيها، ولم تستطع أن تحدِّد ما إذا كانت هذه الخفقات آتية من الداخل أم من الخارج. ودت لو بإمكانها أن تنهض وترحل.

«لم تكن علاقتنا مثالية» تلجلج أندرياس «كل شيء حدث بسرعة فائقة.» لم تعرف فاندا ماذا عساها تقول. فرضت اللحظة عليها أن تفكر في والديها الراحلَيْن، وأنها لم تتصل بأخيها بعدُ. سيتعين عليها هي هذه المرة أن تتخذ الخطوة الأولى.

«من أين عرفتِه؟» قطع بسؤاله الصمت.

«تعرَّفنا سريعًا بورشة عمل في نيو مكسيكو. مضى على هذا الأمر عامان على الأقل. كانت علاقة عمل فقط.» تنحنحت فاندا ثم قالت: «أظن أنه يُعتبَر، أعني أنه كان يُعتبَر جِد متميز في تخصصه.» أومأ أندرياس برأسه. لم تحب فاندا حالة عدم الكلام التي أخذت تنسج خيوطها بينهما مثل شبكة حرجة تتعقد فيها خطوط السكك الحديدية؛ إذ لم يكن لديها أي فكرة عن الكيفية التي سيواصلان بها اللقاء الآن.

«هل تريد أن تتحدث عن هذا الأمر؟» سمعت نفسها أخيرًا تطرح عليه السؤال.

«في وقت لاحق»، أجاب أندرياس مدافعًا. في حقيقة الأمر كانت فاندا سعيدة بذلك رغم أنها كانت تتمنى أن تعرف المزيد عن مصير جونتر هيلبيرج. من ناحية أخرى كان التأجيل هو الأفضل بالتأكيد، ففي وقت ما سيتوجب عليها هي أيضًا أن تحكي، لكنها ببساطة لم تكن في مزاج يسمح لها أن تقص لأندرياس النسخة المثالية لتاريخ أسرتها التي فبركتها في أثناء إقامتها بأمريكا. كانت قد اخترعت بعض القصص المضحكة، في الحقيقة كان بعضها مسروقًا، بينما الآخر أضفت عليه لمسات تجميلية. كانت ببساطة أظرف من الحقيقة، كما أن الأمريكيين أعاروها أسماعهم. ذات مرة أراد أحدهم أن يعرف إن كانت ثمة قرابة بينها وبين العالم الفيزيائي فان دير فالس. لم يكن قد أدرك أن فاندا هو اسمها الأول، فألهمها هذا الأمر حدوتة صغيرة عن جدها الأكبر المتوَهَّم البروفيسور يوهان من لايدن الذي كان يربي أبا بريص كحيوان أليف. قصت فاندا كيف أن جدها كان مفتونًا بقدرة هذه الحيوانات الصغيرة على الجري فوق الأسقف والحوائط ورأسها مُدلًّى إلى أسفل. حكت أنه نجح ذات مرة في الإمساك بواحد من حيوانات أبي بريص، وحين أراد أن يسحبه من على الحائط قال: «وراءه تختبئ فيزياء!» فعلَّق مُحدِّثها غير مصدق: «حيوانات أبي بريص؟» «كنت دائمًا أظنه يبحث في الغازات فالسوائل فقط لا غير.» كان الأمر مجرد هواية وحسب. بهذا كانت تحاول فاندا أن تخرج من الموضوع، علاوةً على ذلك فقد اكتشف أحدهم قبل عدة سنوات أن «قوى فان دير فالس» هي فعلًا التي تسمح لحيوانات أبي بريص بالجري ورأسها مقلوب، باستخدام كعوب أرجلها الصغيرة المزوَّدة بشعيرات لاصقة بحجم النانو. لكم كان جدي الأكبر سيطرب لهذا الأمر! يسهل عليها الكذب باللغة الإنجليزية، ولكنها تنقصها الشجاعة كي تُسرِّي عن أندرياس بقص النسخة الألمانية من مجموعة نوادرها.

ضاع المزاج الجيد وانتهى المساء بشكل أو بآخَر، وعندما دخلت فاندا الشقة راودها شعور غير مؤكَّد بأنها لا تخصها وحدها، فمنذ أسبوع وهي تضع قصاصة ورق بين الباب وحلقه، لكنها نسيت هذه المرة أن تستعمل جهاز إنذارها الخاص. بحثت في كل الحجرات لكنها لم تجد إشارةً ملموسة يمكن أن تؤكِّد شكوكها. هزت رأسها تعجبًا من حالها، وحين اضَّجعت في السرير وأغمضت عينيها، تذكرت الراحل هيلبيرج. لقد مسها الخبر الحزين بعمق بأكثر مما قد ترغب هي في الاعتراف به. تخيلت قبره والأكاليل عليه، وفجأة تحوَّل إلى بركة يغطيها بساط من زهور اللوتس الوردية، ثم خلدت إلى النوم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١