الفصل الرابع والثلاثون

التجميع الذاتي

حين استيقظت في اليوم التالي لم تعرف في اللحظة الأولى أين هي. استغرق منها الأمر برهة إلى أن أدركت أنها نامت في وضع مقلوب، واضعةً قدميها مكان رأسها على الوسادة.

وبعد ساعة كانت قد استخرجت تقرير أخصائي الفيروسات من درج مكتبها. ألقت نظرة متعبة من النافذة، كان الثلج قد انقضى، لكن يبدو أن الأيام كانت حزينة عليه. سرعان ما سيحل عيد الميلاد، وهي لم تفكِّر بعدُ كيف تريد أن تمضي الوقت «ما بين السنين» كما يدعوه الكثيرون. في الحقيقة كانت تعجبها أجواء نهاية العام، فمنذ توقفت عن الاحتفال بعيد الميلاد وهي تستمتع أكثر بأيامها، فتغيير السنين كان يبدو لها مثل الوقفة القصيرة التي تلي الزفير، فقد كانت واحدة من اللحظات النادرة التي تهدأ فيها نفسها حقًّا. يمكنها أن تسافر جنوبًا، أو تستمتع بالنسمات القوية لبحر الشمال، أو ببساطة تظل هنا تعمل وتحصل على أقساط وفيرة من النوم. على الأرجح أن هذا ما سيحدث، وأخيرًا تنظيف الشقة مرة.

أما في القسم فكانت أجواء نهاية العام واضحة بالفعل؛ كان الجميع في حالة مزاجية جيدة، تكاد تقترب من الانفعال المبالغ فيه، مثل الأطفال الذين يعتقدون في وجود بابا نويل. لقد كان عيد الميلاد حالة استثنائية؛ إذ كانت الإدارة تغض الطرف عن إساءة استخدام غرف الخدمة، ربما كنوع من الاعتذار إلى العاملين الذين لم يُحسَب حسابهم في تخطيط المبنى بتوفير غُرَف لأنشطتهم الاجتماعية. لقد نسوا الأمر برمته إن شئنا الدقة. على أية حال، يوجد الآن في قاعة الاجتماعات طبق من البسكويت تتآمر عليه مجموعات صغيرة في وقت الراحة، في حين تتلألأ فوق رءوسهم سلسلة مصابيح ملونة، إذ كانت الشموع ممنوعة بطبيعة الحال. وفي الأيام التي كان يغيب فيها شتورم عن المبنى كانت الطرقة تعبق بروائح الشمع والنبيذ الساخن بالتوابل، بل إن السيدة بونتي نفسها كانت تجلب معها بعضًا مما قامت بخبزه بنفسها. كانت الأمور التي لم تنتهِ بعدُ إما يُفرَغ منها أو يجمد العمل عليها، أما المسائل التي لم تبدأ فيتم تأجيلها للعام الجديد.

وفجأة صارت الحياة الشخصية أهم من العمل؛ إذ حرص معظم الزملاء على العودة إلى منازلهم في الموعد. وكان هذا هو الوقت المثالي للأنشطة السرية، فإذا كانت فاندا وعصابتها ترغب في تحليل عينات شركة بي آي تي بنفسها، فالآن هو الوقت الأمثل.

وعلى غرار كل عام، سيقام احتفال عيد الميلاد الخاص بالقسم يوم الجمعة، وفي هذا العام لم يقم شتورم بالحجز في مطعم كما هي عادته، وإنما دعاهم للاحتفال في منزله، وهو أمر يحدث للمرة الأولى، فقابلوه جميعًا بمشاعر مختلطة. وبعد ذلك سيرحل كثير من الطلاب إلى عائلاتهم، وكذلك كثير من الزملاء، وخصوصًا غير الألمان، سيسافرون إلى بلادهم في إجازة عيد الميلاد. قررت فاندا أن تستغل هذه الفترة الهادئة في الإعداد لمشروعاتها في السنة الجديدة، فتكتب طلبات التمويل، وتنتهي من تقارير الإشراف التي كلَّفها شتورم بها. علاوةً على ذلك كان عليها أن تطلب حيوانات جديدة من أجل أن تعيد التجارب التي فشلت. كان مجرد التفكير في ذلك يجعل الدماء تتجمد في عروقها. سيتعين عليها أن تعيد كل شيء من جديد. لقد كلَّفتها العدوى التي انتشرت في الحظيرة على الأقل ثلاثة أشهر إن لم تكن أربعة. أجرت حساباتها وتوصلت للنتيجة أن هذا يمثل نحو عشرة بالمائة من مدة عقد عملها.

أخذت فاندا تقرير أخصائي الفيروسات في يدها وشرعت في القراءة. لم يُنْبِئها اسم الفيروس بشيء، قيل إنه فيروس فئران منتشر نسبيًّا. ليس جين مرض، لكن تنويعة جينية. ومن أجل تشخيص أدق يلزم عمل تحليلات إضافية لسلسلة الحمض النووي الوراثي. كما يلزم إجراء المزيد من الاختبارات لمعرفة إن كان التغيير في الجينوم له تأثير في قدرة العامل المسبب للمرض. قلبت فاندا الصفحة لتواصل القراءة، كادت أنفاسها تتوقف مما رأت. كانت صورة بالمجهر الفلوريسنتي، تعرَّفتْ على النقاط الخضراء المضيئة فورًا. لقد تمكَّن الأخصائي من جلب الدليل. ولم يكن ثمة شك بالأمر. كان البروتين المشبع بالفلوريسنت هو ما يومض باللون الأخضر، وهي العلامة المميزة للدراسة الخاصة بشركة بي آي تي. لا بد أن هناك خلطًا ما، فهذه لم تكن قط حيواناتها. يبدو أن بيترا أخذت العينات الخطأ، فتوقفت فاندا عن القراءة وجرت إلى المعمل، لكنها وجدتها بصحبة عدة زميلات حول طبق من البسكويت في غرفة الاجتماعات التي تُستخدَم هذه الأيام في غرض آخر. «… سلام وسعادة في كل مكان …» كان النداء المنبعث من سماعة الهاتف المحمول الموضوع إلى جوار صحن البسكويت. ظلت فاندا واقفة بالباب تعطيها إشارة أنها تريدها لأمر هام، ثم جرت عائدة إلى مكتبها وعاودت تصفُّح النتائج بنفاد صبر.

لم تتركها بيترا تنتظر كثيرًا، «ما الذي حدث؟ تبدين شاحبة مثل ملاك مصنوع من الشمع.»

«ليس عندي أخبار مفرحة لو أن المكتوب هنا صحيح.» ونقرت فاندا بإصبعها السبابة على التقرير.

كلا لم تَقُمْ بيترا بتبديل العينات، بل كانت غاضبة من شكِّ فاندا فيها أكثر من غضبها من النتائج المنذرة. أعادت فاندا مراجعة أرقام العينات مرارًا وتكرارًا، كانت تقرأها بصوت عالٍ في حين جلست بيترا إلى جوارها مزمجرة.

قالت فاندا لزميلتها الغاضبة: «هل تفهمين حقًّا خطورة الموقف هنا؟ هذا يعني أننا في الغالب مصابون بالمرض.» وأسوأ ما في الأمر هو أنهم ربما يكونون قد صنعوه بأنفسهم. هذه المرة كانت فاندا لتسعد لو أن بيترا قد أبدلت العينات.

لكنها كالعادة أجرت كل شيء على النحو الصحيح. في الواقع، كان على فاندا أن تعرف ذلك مباشرةً؛ فأخصائي الفيروسات كتب عن فيروس خاص بالفئران، أما في عينات زابينة فالأمر يدور حول جزيئات نانو كانت جديرة بلفت أنظار أخصائي الفيروسات تحت المجهر الإلكتروني. على الأقل كانت لتوجد إشارة إلى بِنى غريبة في تحليل البروتين. أما الاستنتاج الذي بقي فقد أخافها كثيرًا؛ إذ لم يكن مبشِّرًا بأي خير. إن كان فيروس الفئران المنتشر نسبيًّا قد اندمج حقًّا مع مركبات جزيئات النانو، فقد آن الأوان لمقاومة هذا الأمر، فبواسطة الحمض النووي وصلت معلومة إلى عضوٍ يستطيع أن يتكاثر، وأن يصنع الرسالة الغريبة أضعافًا مضاعفة. ومن حسن الحظ أن وحدة تجارب الحيوانات الخاصة بعلم السموم تقع في جناح مستقل، فإن كانت الحواجز المانعة لنقل العدوى تعمل بكفاءة، وإن كان القائمون على رعاية الحيوانات ملتزمين بالقواعد، فسيمكن تجنُّب انتقال المرض لكل الحيوانات بالمعهد، كما أنها لم تسمع بحالات مرضية لدى الوحدات المجاورة. لكن هذا قد لا يحدث بالضرورة، فمَنْ ذا الذي يعترف بأريحية بوجود ما يسيء في ثروته الحيوانية؟ كما أن شتورم لم يُرِدْ أن يسمع شيئًا حول الموت الغامض للفئران في الدراسة الخاصة بشركة بي آي تي. ظلت فاندا تقلِّب الأمر على كافة وجوهه، ولم يكن ثمة حل آخر، لقد كان لزامًا عليها إبلاغ الرئيس.

•••

«إنه الآن نائم بسلام في درجة رجال الأعمال، على ارتفاع عشرة آلاف متر فوق المحيط الهادي.» هكذا أخبرتها السيدة بونتي التي كان يكسو وجنتيها ظل من لون وردي، ثم ابتسمت قائلة: «السيدة الدكتورة فالس، إن كعكة المكسرات خاصتك لهي قصيدة من الشعر.» تحركت نظراتها وكأن كاميرا موجَّهة نحوها من سقف الغرفة، وقالت: «هلا أطلعتني على الوصفة؟» هل كان ما سمعت صوابًا؟ السيدة الدكتورة فالس؟ صحيح إن بمقدور روح عيد الميلاد أن تحرِّك جبال الثلج. لا بد أن لهذا علاقة بالتغير المناخي. هل عساي أن أخبرها أن قطعتي الفنية المخبوزة ما هي إلا نتاج ليالٍ جافاني فيها النوم؟ أجبرت فاندا نفسها على الابتسام وأومأت إليها موافقةً.

«طبعًا سأعطيها لك!» كان لديها الآن مشاكل من نوع آخر؛ فشتورم الآن على متن طائرة آتية من طوكيو، ولن يكون الاتصال به ممكنًا في الساعات القادمة. هل عساها أن تجلس هكذا لا تحرك ساكنًا؟ لا بد أن يفرض شخص ما حَجْرًا صحيًّا على حظيرة الحيوانات. يوهانيس اختفى ثانيةً. وزابينة لم تَعُدْ ذات صفة هنا. ماذا عساها أن تفعل؟ مرة أخرى قرأت سريعًا تقرير علم الفيروسات. لو قاموا بتحليل إضافي للسلسلة الوراثية كما اقترح التقرير من أجل الوقوف على مواصفات الفيروس بشكل أكثر دقة، فسيتم كشف كود المادة الخاصة بشركة بي آي تي على أنها مادة غير معروفة، وبهذا يمكن أن يوفروا على أنفسهم عملًا كثيرًا. علاوةً على ذلك فسيمكنهم أن يعرفوا إن كان الجين الغريب قد سبح حقًّا في مخ هيلبيرج.

فكرت: إنها فرصة فريدة، عليَّ أن أعرف.

استدعت بيترا لتحضر إليها وقامتا معًا بتحضير عينات الأنسجة. هذه المرة شملت العينات من كل بستان زهرة، من حيواناتها وحيوانات زابينة ومن مخ هيلبيرج، ووضعتا مفاتيح رقمية جديدة لا يمكن التعرُّف على العينات بغيرها. ووضعت فاندا الورقة التي تترجم المفاتيح الرقمية في درجها وأغلقته بالمفتاح، ثم طلبت الدكتور كانتيرات مباشرةً، هذا هو اسم أخصائي الفيروسات. طلبت منه فاندا تأكيدات إضافية هامة، وأن يشمل ذلك مراجعة البرنامج كله مرة أخرى بما فيه تحليل سلسلة الحمض الوراثي النووي للفيروس، فهذا أمر عاجل. وعدها أن يقدِّم لها نتائج التحاليل كهدية عيد الميلاد. وكانت تفهم أنه يقصد ذلك على نحوٍ لطيف، فمن أين له أن يعرف وقع الكلمات المروع على أذنيها؟

أشار عليها رودي أن تتراجع لتتدبر، ولا ينبغي لها أن تقفز فوق قدراتها. تعجبت فاندا من نبراته الجديدة. برنامج كمبيوتر يفقه في قواعد السلوك السليم! هي لم تعلِّمه ذلك.

وحينما سمعت طَرْقًا على الباب مسحت سريعًا آثار المكتوب على الشاشة.

بفضولٍ دسَّ توماس رأسه في الباب.

«كل شيء على ما يرام؟» وغمز بعينيه بمكر. ضحكت فاندا في ارتياح.

«إذن أنتَ لست غاضبًا؟» فتصرَّف وكأن لا علم له بشيء. تمنَّتْ فاندا فجأةً أن تجد شخصًا تفضي إليه بكل شيء، كانت في حاجة إلى نصيحة نافعة. هل من الممكن أن تخبره؟ صحيح أن توماس ينتمي للقسم، لكن الأمر لم يكن يمسه بشكل مباشر، كما أنها لم تسمعه يتحدث بسوء من قبلُ عن الرئيس أو الزملاء، وكانت تشعر دائمًا أنه وفيٌّ، ويستطيع دائمًا أن يظل هادئًا. علاوةً على ذلك، بدا أنها معجبة به. أنصت لها توماس بانتباه حين حكت له عن تجارب زابينة العلاجية باستخدام «إن بي ٢٧٠١».

كما أنها لم تغفل أمر الفئران النافقة التي لم يرغب شتورم في سماع كلمة بشأنها، وأخيرًا أبلغته باكتشافها الأخير: الانتقال الجيني غير المقصود من مركبة النانو إلى فيروس الفئران. كانت قلقة بشأن ثروة المعهد الحيوانية، تُرَى هل لاحظ اختلاج صوتها؟ لكنها ذكَّرت نفسها أن عليها أن تبقى موضوعية، فالذعر يقوض المصداقية، والانفعال يضر العمل. جلس توماس على الكرسي المعيب إلى جوار مكتبها، متأملًا الدوارة الخشبية التي تستخدمها كجهاز إنذار.

«الأمور تسير بصورة أبسط كثيرًا مما تتخيلين.»

«عمَّ تتحدث؟»

«أقصد المزاوجة بين إنسان آلي وكائن حقيقي، إن كان يحق لنا أن نَصِفَ الفيروسات بذلك، فالحدود تكاد تكون مفتوحة في عالم النانو بين التكنولوجيا وعلم الأحياء.»

«توماس، الأمر لا علاقة له بالفلسفة، أنا أواجه هنا مشكلة عملية.»

«أعرف، أنا فقط أتساءل إن كانت هذه الأجسام الآلية المصنوعة من النانو مثاليةً حقًّا، كما أن توالُد الفيروسات ليس أيضًا بالأمر المثالي، الأحرى أن نقول إن تعبئة جينات الفيروس في كبسولات عمليةٌ كبرى؛ ولذلك يظل الجزء الأكبر من الفيريونات خاليًا. إن ما يستثير الجهاز المناعي ويمهد الأرض لإخوتها من الطفيليات ليس سوى الكسوات الخارجية، وهي ليست حاملة للعدوى رغم كونها مساعدات هامة.»

«لا يوجد رد فعل في صورة التهاب لدى استخدام نانوسنيف، إن كان هذا ما تعني.»

«لا، أنا أفكر في أن العلاج اتَّخذ هذه النهاية المأساوية لأن الفئران كانت مصابة بالفيروس. إن كان هذا التحول من الجين إلى الفيروس قد تم كما تقولين، فلا بد أن تكون فئران زابينة قد أصيبت أيضًا.»

انتابت فاندا الشكوك. إلامَ يَرْمِي تحديدًا؟

«توماس لقد قمنا بتخليق جين مرضي، وهو آخِذٌ في الانتشار في حظيرة الحيوانات، ولا أفهم …»

«أريد أن أقول فحسب إنه ليس بالضرورة أن يكون نانوسنيف خطيرًا في حد ذاته، الأرجح أنها الظروف المحيطة، فهو لا يستطيع أن يتوالد بنفسه، أم ماذا؟»

«لا، ليس على حد علمي، أنا أخمن أن جزيئات النانو يتم تخليقها في المعمل، ربما بمساعدة البكتيريا أو مزارع الخلايا أو ربما أيضًا بشكل صناعي محض، ويكون في مقدور القشرة أن تنظم نفسها بنفسها كما الحال في الفيروسات.»

«التنظيم الذاتي أمر رائع.» كانت عيناه تلمعان. هل كان يسمعها حقًّا؟

أتى توماس بحركة تمثيلية وكأنه يطرق مسحوقًا ليخرج من أنبوبة صغيرة. «قليل من البروتين نضعه في أنبوب الاختبار. هذه هي المونة.» ثم بسط كفيه وطواهما وكأنه يشكِّل كرات، «هذه هي القوالب الصغيرة، إنها البروتينات التي تشكِّل وعاء البناء، ثم يأتي بعد ذلك الجين.» ثم التقط شعيرةً من البلوفر الذي يرتديه وتركها تسقط من بين أصابعه المدببة على الأرض. «أبراكادابرا. إن كنتِ لا تفهمين ذلك، فلا بد أن تفكري في السحر. لكن التنظيم الذاتي خدعة، إنه النتيجة البسيطة لعدد ضخم جدًّا من حركات المصادفات التي تقوم بها جزيئات متناهية الصغر في تجربة لا تكلُّ ولا تملُّ. لكن فقط، من أين لها أن تعرف مصيرها؟»

الأمر مثله مثل اللغز المصور، كان أحد المعلمين قد حاول أن يشرح لها الفكرة الرئيسة من قبلُ. تذكرت فاندا، فالمعلومات الخاصة بالصورة الجاهزة مخبوءة في الجزيئات نفسها.

«إنها مصيرها.» جاء ردها متأخرًا قليلًا. «أعني أن … النتيجة تكمن في طبيعة الجزيئات المفردة، فالأمر يشبه اللغز المصور، حيث إن كل قطعة لا يناسبها سوى مكان واحد فقط.»

«هذا التشبيه مغرٍ، لكن …» رفع توماس يده محذِّرًا واستأنف: «لكنه قد يقود لسوء الفهم. حين نتحدث عن قطعة لغز فنحن نرى الشكل أكثر، نتوءاته وانحناءاته، أنوفه وأفواهه. وهذا تفكير ميكانيكي محض، لكن هذا لا يلعب دورًا في عالم النانو إلا نادرًا. هنا تعمل قوى التجاذب والتنافر. تخيَّلِي أن سطح الجزيئات لزج نوعًا ما، لو أردت التشبيه فَلْنَقُلْ إنها تتلمس بعضها بأصابع التصق بها عسل نحل، فتعلق بعضها ببعض، ثم تنفلت من بعضها ثانية، وهكذا دواليك، إلى أن يتم إعداد كل شيء حتى يظهر شيء جديد للحظة، ومضة فكرة أو معلومة.»

«… للحظة؟» أعادت فاندا الكلام متدبرة «ماذا تعني؟ هل هناك فرصة أن يختفي الجين الغريب من فيروس الفئران ثانيةً؟»

«إنها ظاهرة معروفة، إن الأجسام متناهية الصغر تفقد بسهولة الشذرات الجينية المدسوسة، وأعتقد أن هذا يحمينا كل يوم من أن نواجه كارثة واحدة على الأقل. من ناحية أخرى …» تردَّد أن يكمل.

«من ناحية أخرى؟»

«هناك حركة براون الجزيئية التي تخلط كل شيء وتشوِّه مناطق الاتصال اللزجة على الجزيئات، ويتوقف نجاحها في ذلك على المادة التي تُبْقِيها متماسكةً أهي عسل النحل أم الصمغ؟»

تخيلت فاندا أمام ناظريها حوض سمك مليئًا بالفقاعات، به كائنات حية دقيقة تدور بعضها حول بعضٍ بسرعة كبيرة، تلتصق بعضها ببعض فتسقط إلى القاع حيث تغرق في كتلة غروية. «إنها مسألة توازن بين النظام والفوضى.» سمعت صوت توماس الرخيم ثانية يقول: «الأنظمة الفوضوية لا تحمل أي معلومات، هي غبية إن شئت القول، لكنها تغريك بالثرثرة. أما النظام المطلق فهو عبقري وعنيد ولا يُفصِح عن نفسه، فقط الطريق الأوسط هو الذي يجعل لهما معنًى. إن التنظيم الذاتي هو الحالة التي بين النظام والفوضى؛ ولهذا هي صاحبة اليد الطولى.»

تنهدت فاندا قائلة: «كم سيساعدني كثيرًا في وحدة الحيوانات لو أن التنظيم الذاتي عني بعدم ترك الأمور تحت سيطرة الفوضى؟»

«نعم، فقد سكب كوب الماء … هذا هو المبدأ الثاني في الديناميكا الحرارية …»

«أرجو أن تعفيني الآن من نظريات الكوارث الفيزيائية.» قاطعته فاندا بشكل مفاجئ «لن يساعدني على الهدوء الآن أن أتخيل أن فوضى الكون في تزايد مطرد.» هز توماس رأسه رافضًا.

«هذه تحديدًا هي المشكلة، إننا نفهم خطأ جملة حفظ الإنتروبيا (التدهور الحتمي) لأننا لا ننطلق من ملاحظة العمليات إحصائيًّا. إن الجزيئات التي في كوب الماء من الممكن أن تتخذ عددًا رهيبًا من الحالات المختلفة، من أجل أن تظهر لأعيننا في صورة المظهر المرتب لوعاء يملؤه الماء مقدَّم على المكتب.»

«ها قد وضعت يدك على الداء.» تحمست فاندا «الخطر يتهددنا خفية في حين نظن نحن أن كل شيء منظم وعلى ما يرام، لأننا نريد أن نرضى بالمظاهر التي نراها.»

«لا، هذا أمر فيه كثير من التبسيط. خذي مثلًا دولاب ملابسك.» ظل يواصل بلا هوادة. «البلوفرات في الأعلى، القمصان القطنية في الدرج الذي يليها، وفي وقت ما سنصل إلى درج الجوارب.» لاحظت فاندا أنه لم يذكر درج الملابس الداخلية. «وأثناء ترتيبك للدولاب قمتِ بتصنيف كل شيء حسب لونه، وفي وقت ما بحثت عن بلوفر، ولأنك لم تجديه مباشرةً قمتِ بتقليب أشيائك كلها، فاختفى الترتيب وفقًا للون، ثم تقومين بدس الملابس ببساطة ثانيةً في الدولاب وتغلقين الباب. زادت درجة الفوضى في الدولاب، ورغم ذلك أنتِ لا ترَينها؛ لأن الشكل الخارجي لم يتغير. فقط حينما تدسين المزيد والمزيد من الملابس في الداخل، لا تُقفل أبواب الدولاب …»

قاطعته فاندا: «وماذا لو أن عندي حشرات عُث بالدولاب قامت بقرض البلوفر؟»

«من ناحية المبدأ، نفس الشيء. أردت بهذا المثل أن أوضح فقط أن الأنظمة تتَّجه بشكل طبيعي إلى أن تتخذ أعلى شكل من أشكال الفوضى العارمة.»

«لكن هذا أيضًا ما كنت أعني.»

«بالطريقة التي صورت بها الأمر فإن كل شيء سوف يسقط في الفوضى، إنْ عاجلًا أو آجلًا، وهذا يسري على الأنظمة المعزولة التي لا وجود لها. أما جملة حفظ التدهور الحتمي، فتعني أكثر من ذلك بكثير! إنها واحدة من أهم قوانيننا في التعامل. الماء يصير صلبًا بتحوله إلى ثلج معطيًا الكثير من الدفء للبيئة المحيطة، وبهذا تتحرك جزيئات الهواء، وبهذا ينقص التدهور الحتمي في موضع على حساب الموضع الآخر. أما أنتِ حين تقومين بتنظيم دولابك، فأنتِ تستعملين معرفتك بالألوان والأنواع، وهذه المعرفة تقلِّل الفوضى.»

«ولهذا أيضًا أريد أن أعرف ما الذي قتل الفئران. أحتاج إلى هذه المعلومة من أجل أن يعود النظام إلى الحظيرة من جديد.» وإلى رأسي أنا، كما جال بخاطرها.

«بالتأكيد.» قال بهدوء، «عليك فقط أن تفكري أن لهذا أيضًا ثمنه.» نظرت له فاندا وهي لا تفهم ما يعني.

«زابينة لم تعمل بنظافة.» قالها وكأنه يقرِّر حقيقةً لا اتهامًا. «كانت تُجْرِي أبحاثها على حيواناتٍ مصابَة بالعدوى. شتورم ما كان ليقبل بذلك، وكذلك أيضًا شركة بي آي تي.»

«لا نستطيع أن نتهم بينة ﺑ …» ثم سكتت دون أن تكمل جملتها، واستطردت: «ماذا تقترح؟»

«لن نُقْحِم أنفسنا في شيء. سأخبر الرئيس، إذا أردتِ، بمجرد أن يعود.»

«لا أعرف.» لم تقتنع فاندا.

«هل تستطيعين أن تحافظي على هدوئك حين ينفجر ساخطًا متَّهِمًا زابينة؟» طقطق الكرسي منذرًا حين عاد بظهره للوراء. كان توماس على حق.

«لن أستطيع في الغالب، ما يعنيني الآن هو أن يعرف بالأمر.» أومأ توماس موافقًا.

«لن أستطيع أن أفعل هذا من أجلك إلا إذا وعدتِنِي أن تتركي المسألة تهدأ بعدها. لن تقومي بتحاليل إضافية. سوف أقنع الرئيس أنك اكتشفتِ الأمر بالصدفة، وسأقول إن الفلوريسنت الأخضر هو ما أهداك تلك الفكرة. لكن أي شيء بعد ذلك عليك أن تدعيه هو يتصرف فيه.»

ازدردت فاندا ريقها، وفكرت في مفاتيح الأرقام في درج مكتبها. هي لم تحكِ لتوماس عن هيلبيرج. هل يشك في شيء؟ كان يتفرس ملامحها بانتباه.

ثم قال مبتسمًا: «سأضع شرطًا إضافيًّا.»

«عليك أن تعديني بأن تحضري إلى حفل رأس السنة الذي أقيمه.»

شعرت فاندا بالارتياح؛ فلهذا السبب إذن حضر إليَّ. تحت ظروف أخرى كانت لتظهر فرحتها بهذه الدعوة بصورة أكثر وضوحًا.

«يسعدني الحضور.» ابتسمت قائلة «لكني فقط …»

«تختلط الأمور عليَّ.» أكمل توماس جملتها. «يؤسفني أني أزعجتك بكل هذه الثرثرة، فلقد أخذتني الحماسة. الموضوع يفتنني ببساطة، حتى لو كانت أمثلة اللغز الورقي ودولاب الملابس غير مناسبة لشرح العمليات إلا بشكل محدود، ونحن في هذا نغفل أن البِنى التي تستطيع أن تنظم نفسها بِنى رخوة. هذا يعني أنها تدور وتدور، ترتعش، تتأرجح أعلى وأسفل، تظل في حركة مستمرة ولا ترسو في أي مكان. بالأساس هي قوية جدًّا لأن لديها القدرة على إعادة إنتاج نفسها من جديد.» ثم رسم على وجهه علامات الإحساس بالذنب، وقال: «أترين، يبدو أني لا أستطيع أن أترك الموضوع.» ثم ضحك ضحكة قصيرة ونهض وتأملها بنظرات فيها شغف، تمنَّتْ فاندا أن تكون هي السبب فيها، بعدها وضع يده على كتفها مودِّعًا وقال: «أنا متأكد أنه من الممكن تقليل الخسائر.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١