الفصل الثاني والأربعون

عد القطط في زنجبار

في ذات المساء ذهبوا إلى شقة فاندا وبعثوا بصورة مايك عن طريق البريد الإلكتروني إلى جماعة «والدن أربعة». كان يوهانيس يأمل أن يكون هذا دافعًا لإخراج الجماعة من مخبئها، وهذا ما حدث فعلًا؛ إذ وصلهم بالبريد العادي عرضًا باللقاء في اليوم التالي مباشرةً في ماربورج، وقد طالب المرسل — شخص ما يُدعَى تيد — بتوخي الحيطة. مكان قَصِيٌّ لا جمهور فيه، يفضل في الغابة. على فاندا أن تحضر بمفردها، وأكد أنه سيعود فورًا لو لم تلتزم بالشروط.

نال الإحباط من بيترا؛ فقد كانت تظن أن مايك هو مَن سيحضر. ظلوا في شقة فاندا حتى منتصف الليل يدبِّرون الخطة لليوم التالي، سيبقى يوهانيس وزابينة بالقرب من فاندا. كانت بيترا تريد الاحتفاظ بوظيفتها في المعمل، وبعد أن اتضح أن مايك لن يحضر قررت أن تلتزم بواجباتها الوظيفية، فالموظفون لا يحظون بمواعيد عمل مرنة. اقترحت زابينة أن يتم تزويد فاندا برابط بينها من خلال الهاتف المحمول وبين محطة عمليات رئيسة. ستجلس زابينة في مقهى البرج وتتصل بيوهانيس مباشرة إن احتاجت فاندا للمساعدة. سعدوا جميعًا بفكرتها، وتواعدوا على اللقاء في ظهيرة اليوم التالي في مقهى البرج ليتدربوا على العملية، ثم حل الموعد في تمام الساعة الثانية بعد ظهيرة يوم الثلاثاء. ووقفت فاندا على منصة العرض الخاصة ببرج القيصر فيلهلم.

وكعادة أيام العمل كان اليوم هادئًا أيضًا، فانتظرت فاندا. أحاطت غلالة رقيقة من الضباب بالمدينة، وكانت فاندا قد اعتادت على أن الشمس لا تنجح في إزاحتها إلا فيما ندر. أحيانًا كانت تحضر إلى هنا ظهرًا لتقرأ مقالًا علميًّا دون أن يزعجها أحد، أو حتى تعثر على الأسلوب القاطع في صياغة أحد الأبحاث. ضغط ركاب سماعات الرأس على رقبتها، فسحبته إلى الخلف بحذر حتى لا ينزلق الميكروفون المخبَّأ وراء الرقبة العالية لمعطفها السميك. كان السلك يمتد منه إلى الهاتف المحمول في الجيب الداخلي، أما الهاتف فيخص فولفجانج صديق زابينة وكان مفتوحًا. في هذه الأثناء جلست زابينة في مقهى البرج المجاور، في نهاية الطرف الثاني للوصلة، سارت الأمور على ما يرام في البروفة التي أجروها، إلا أن فاندا لم يعجبها عدم تمكنها من سماع زابينة، في حين أن الأخيرة تسمعها. في الأحوال العادية كانت فاندا لتستمتع كثيرًا بقدرتها على الثرثرة بالهراء في أذن صديقتها، لكن الآن ودون أي إشارة مسموعة منها شعرت وكأنها تنظر إلى مرآة خاوية مما زاد من توترها، لكنها حاولت أن تهدئ من نفسها بأن هذا الوضع أفضل من لا شيء. وفي حال قطع الاتصال ستقوم زابينة بالاتصال بها على هاتفها، سترن مرتين، بعدها على فاندا أن تحاول إنهاء المقابلة أو أن تتمها في مكان أكثر حيوية. وماذا لو دخلت إلى منطقة ليست بها تغطية للهاتف المحمول؟ أرادت فاندا أن تعرف. هم أيضًا فكروا في هذا الاحتمال، إن فشلت التقنية في تتبعها يبقى الاعتماد على المراقبة الحركية التي ستكون على أتم استعداد: لقد كانت مهمة يوهانيس هي حماية ظهر فاندا، وعن طريق محمول آخر ستستطيع زابينة أن تصل إليه طول الوقت.

صار له عشر دقائق وهو يمارس الركض البطيء حول أورتينبورج محاولًا إبقاء فاندا في مجال بصره. ورغم أنها شكت في مصداقية تَخَفِّيه، فقد سعدت أنها لم تكن وحدها. في الواقع كان الجو أبرد من أن يصلح للركض. لقد كان يوهانيس يتباهى بطبقات الملابس الثلاث التي يرتديها وتخفي بنيته الضعيفة. هذا الامتلاء بالحشو المنفوش، مع سمرة البشرة التي تشبه الجلد المدبوغ، من شأنهما أن يزيلا أيَّ شك في انتماء هذا الكائن إلى الفصيلة المنقرضة من مرتدي حمالات البنطال المرنة، والتي تعتبر كلمة «الهواء الطلق» كلمة أجنبية، والتي تقودها روحها الوثَّابة نحو الريادة إلى أن تخلف عطرها النفاذ في محطات البنزين، والسوبر ماركت، وأمام أكشاك بيع البطاطس المقلية، لكنك لا تقابل هؤلاء في الغابة إلا نادرًا.

كانت فاندا تنظر إلى الأشجار وتعبث متوترة بالزر البلاستيكي في جيب معطفها، سيتعرفون بعضهم على بعضٍ من الشارة الحمراء. كان الجراج بالغابة خاويًا إلا من سيارة واحدة.

هناك ينتهي الطريق المسفلت بين المستشفى والبرج الذي يشق الغابة في خط مستقيم، بخلاف ذلك توجد طرقات التجول. تركت فاندا بصرها يتجول مرة أخرى فوق المدينة، كانت جلستها في البرج وكأنها على كف تمد منها أناملها المعوجة لتلتقط الطبيعة كثيرة التلال. كانت المرتفعات البعيدة هاجعة في حضن الضباب، وكل ما وراءها بدا جد بعيد، وحين استدارت وجدت خلفها هيئة داكنة تنظر تجاهها، لكنها لا تأتي بخطوة لتقترب منها.

همست في ياقة المعطف: «بدأنا.»

كان الشخص طويلًا يرتدي معطفًا أسودَ وحذاءً عاليَ الرقبةِ ثقيلًا، حين لاحظ وجودها ورأى أنها تأتي نحوه أدار رأسه ونظر يمينًا ويسارًا. ذكَّرها أنفه الطويل والتجعدات حول العينين اللتين لا تفارقانها أبدًا بغراب جائع. كان يعبث بزر أحمر بين أصابعه، وحين اقتربت رأت نظراته الطاردة التي يخفيها جزئيًّا تحت غرته الكثيفة. أظهرت فاندا شارتها وذكرت اسمها.

وبحركة سريعة أزاح شعره من على وجهه، فبدا وجهه شاحبًا بدرجة لا تناسب شبابه. كان في وجهه شيء مألوف، إلا أن الانطباع لم يمكث طويلًا؛ لأنه استدار في نفس اللحظة. لمع شعر أبيض يتخلل الخصلات الأخرى في مؤخرة رأسه، فيما تناثرت قشرة الشعر على ياقته وأكتافه. خطا خطوات واسعة إلى داخل الغابة، لاقت فاندا صعوبة في متابعته.

وقف على الممشى العريض.

«ماذا تريدين؟» تحشرج صوته وكأنه ينعق.

«مَن هو مايك؟»

«ماذا تريدين منه؟»

«سأصفعه لطمة على وجهه.» قالت فاندا مراهنة، إلا أن تيد كان يسيطر على أعصابه.

«هل هذا كل شيء؟»

«لم يكن حذرًا. لقد شُوهِدَ.»

لم ينطبق هذا الكلام مع الحقيقة تمامًا لكنه أتي بمفعول؛ إذ بدا تيد مرتبكًا لبعض الوقت.

مط وجهه وهو يقول: «لم يكن كذلك.» الآن أحكمت عليك الخناق، قالت فاندا لنفسها في انتصار، ومشت ببساطة على ممشى الغابة.

«هل تريد أن تتجمد هنا؟»

قال هامسًا: «أولًا، لا بد أن تختفي الصورة»، ثم تبعها على غير رضًا.

«انسَ أمر الصورة، هنالك شاهدة لها ذاكرة قوية، سأعرض عليك اقتراحًا آخَر: احكِ لي ما الذي حدث في قسمنا يوم السابع من نوفمبر. إنْ أقنعني كلامك فسنلزم نحن الصمت وستنسى الشاهدة كل ما رأت. فقدان ذاكرة مؤقت.» من الجيد أن بيترا لم تكن تسمعها.

ضربت فاندا بيدها على مؤخرة رأسها وقالت: «لا بد أن هذا مألوف لك.» نظر إليها نظرات سوداء.

«مَن تعنين ﺑ «نحن»؟»

«يوهانيس ليبكنيشت، بيتر سنايدر، هل يكفي هذا؟ للأسف لم يكن من السهل إبعاد الشرطة عن المسألة تمامًا.» شد تيد غرَّته وتقوست شفته السفلى، والتزم الصمت. ومرة واحدة انفجرت هي في الكلام.

«لا أستطيع تحمل أن يهاجمني أحد.»

ظل على عبوسه وهو يقول: «هذا ليس أسلوبنا.»

«لكنك تعرف عمَّ أتحدث.»

لم يُحِرْ جوابًا.

«ماذا إذن؟» بدا لها إظهار الغضب أمرًا سهلًا؛ ألأنها تشعر بالتفوق؟ بدا الشخص غير مؤذٍ، ما زال فتًى صغيرًا. إن كل التعب الذي بذلوه في المراقبة والوصلة الإلكترونية كان لا لزوم له، لقد بالغوا في المسألة كثيرًا. كان تيد لا يزال صامتًا، فواصلت فاندا الكلام: «أعرف ماذا تفعلون. أنتم تبحثون عن المعلومات المريبة من أجل أن تعاقبوا العلماء والباحثين بسببها، أعطاكم يوهانيس هذه المهمة، أن تحصلوا على بيانات خاصة بدراسة شركة بي آي تي، وهو الآن يريد أن يعرف إن كنتم حصلتم عليها.» رأت كيف أنَّ ظهر تيد يتصلب وكيف تغوص يداه في جيوب معطفه، بينما تحملق عيناه على الطريق.

احتدَّ صوتها وهي تقول: «سأحكي لك كيف كان الوضع. شعر مايك أننا نزعجه لذلك ضرب يوهانيس أولًا ثم ضربني، بعدها أخذ البيانات من على الكمبيوتر ثم مسح كل شيء، لحساب مَن تعملون حقيقة؟» بينما كانت تتكلم لم ترفع عينيها من عليه. فهز تيد رأسه.

«ماذا إذن؟»

تهدج صوته قليلًا وهو يقول: «نحن لا نبيع ضمائرنا.» فتساءلت في أعماقها هل كان غاضبًا؟ «نحن نتصرف من واقع قناعاتنا، نحن نريد أن نزلزل الأساس العلمي والتقني لمجتمع اليوم. هذا الهدف لا يتحقق بمجرد الإصلاح، ونحن لا نسعى وراء سلطة، العكس تمامًا، نحن نرفض أي سيطرة تفرضها المنظمات الكبيرة لأنها تسلبنا حريتنا.» أشار بيديه وكأنه يلقي بشيء «من الأفضل التخلص من النظام الفاسد والبدء من جديد.»

«بمساعدة شخصيات مثل مايك؟»

«لماذا لا نضرب النظام بنفس سلاحه؟»

«لماذا تحميه إذن؟»

«سنتضرر كثيرًا لو تخلصنا منه، علاوةً على ذلك لم يكن الأمر كما تعتقدين.» تردَّد قليلًا قبل أن يكمل: «حين دخل إلى غرفة الكمبيوتر وجد شخصين على الأرض، رجل وامرأة كلاهما على قيد الحياة، ولم يَرَ أي جروح بهما. ووجد جهاز كمبيوتر مفتوحًا. وجد مايك بسرعة مدخلًا إلى النظام، لكن حساب بيانات الشخص المقصود كان فارغًا، وكذلك تم مسح محتويات سلة المهملات. وضع الزر الأحمر إلى جوار الكمبيوتر وغادر. ربما كان غبيًّا، لكن هذا يبرهن على براءته، وإلا فهل كان ليخلف أثرًا كهذا؟» نظر إليها نظرات متسائلة توحي بالأمل ثم أكمل: «انتظر قليلًا بالطرقة إلى أن سمعكما تتحدثان ثم اختفى.»

«وتركنا هكذا ببساطة ملقين على الأرض؟»

قال تيد ناعقًا: «هل كان عليه مثلًا أن يفتح الباب لطبيب الطوارئ؟ ألم أَقُلْ إنه انتظر أن تُظْهِرا علامة أنكما ما زلتما على قيد الحياة قبل أن يمضي إلى سبيله؟ كان ينبغي ألَّا يراه أحدٌ، وكان لا بد أن يذهب ويختفي. لقد تصرَّف تصرفًا سليمًا، علاوةً على أنه انطلق من كونكما غادرتما المعهد قبله.»

«ماذا؟»

«لقد تحرك المصعد وهو لا يزال في الممر.»

«متأكد؟»

«هذا ما ورد في تقريره.»

أخذت فاندا تفكر؛ هي ويوهانيس لم يستعملا المصعد حين غادرا المعهد تلك الليلة، كان ذلك بعد الثانية عشرة والنصف.

«هل رأى أحدًا؟»

«لقد قلتُ سلفًا، لقد انتظر حتى غادرتما، لم يكن بالخارج سوى سيارة تويوتا، السيارة الأخرى لم تكن موجودة، بعدها اختفى هو أيضًا.»

صاحت غاضبة: «انتظر لحظةً، عن أي سيارة تتحدث؟» في هذه اللحظة رن هاتفها المحمول. دست فاندا رأسها داخل ياقة معطفها. كان الهاتف يرن في معطفها بصوت مكتوم مثل منبه قديم يختنق أسفل وسادة، وبعد الرنة الثانية ساد صمت بشكل لا يصدق. مباشرةً شعرت أنها ممسوكة من ياقتها، ثم سمعت السوستة تئز وشعرت بالهواء البارد على رقبتها، وقفت متصلبةً إذ انفتح معطفها تمامًا. ضحك تيد ضحكة قصيرة وهو يصطاد الهاتف المحمول من الجيب الداخلي، تركها ثانية وأخذ يتفرس في شاشة المحمول.

«هل أعاود الاتصال بزابينة كي تعرف كل شيء؟» لا بد أنه قرأ الاسم على قائمة المتصلين. مَن هو؟ وعمَّ كان يتحدث؟ ثمة شيء فيه مألوف بالنسبة إليها، وكأنها رأته من قبلُ على شاشة عرض سينمائي، ورغم أنها بحثت في ذاكرتها عميقًا، لكنها لم تصل إلى شيء. سمعت ضحكته المنتصرة وهو يقول: «أنت لا تعرفينني. أما أنا فأعرف عنك أكثر مما تودِّين أن تسمعي.» مسَّ بإبهامه لوحة مفاتيح المحمول وهو يقول: «هل لدى زابينة خبر عن روتشيستر؟» تجمدت فرائص فاندا. أغلقت سوستة معطفها.

«أنا لا أعرفك.» ردت وعيناها لا تفارقان أصابعه التي تتحرك على المحمول. هل ضغط على زر الاتصال؟

«كذبة بيضاء.» قالها وهو ينظر إليها بانتباه «ألَمْ يلاحظ ريك شيئًا بعدُ؟» كانت فاندا تفكر بسرعة: مَن هذا الشخص القميء؟

بدأ يصيح فيها قائلًا: «أنتِ لستِ أفضل من الآخرين. لا تقولي لي شيئًا عن الفضول العلمي، ولا عن الفائدة التي ستعم على البشرية، أنتم لا تعبئون بمثل هذه الأمور.»

«ماذا يعنينا إذن؟» حاولت فاندا كسب بعض الوقت، وأخذت تمعن التفكير لكن دون أن تصل لشيء. خاطرت بإلقاء نظرة من خلال الأشجار. أين يوهانيس؟ هل يسمعها؟

«ماذا؟» كانت نبرة تيد تشي بالغضب. «أَلَا تعرفين دوافعك الحقيقة؟ نمطية مثل أي عالمة.» أخذ نفسًا عميقًا وأكمل: «طموحة وتهوين السيطرة مثل معظم زملائك. كلها تصرفات تعويضية. أهداف اصطناعية. لا شيء منها يمكن أن يحقق الرضا لشخص. أنت تنتمين إلى الحيارى إلى الأبد الذي يعلمون أكثر ويملكون أكثر، مفروض عليهم الفعل، تقودهم في ذلك حاجات شخصية نفسية لأن إشباع الدوافع البيولوجية الحقيقية أصبح أمرًا تافهًا بالنسبة لهم.»

«وأنتَ ما دوافعك؟» حاولت أن تلهيه عنها، وتمنَّتْ من داخلها أَلَّا تكون زابينة تسمع هذا الحديث.

واصل كلامه بحماسة: «ربما يكمن تصرفك التعويضي في السعي إلى كشف سر شخصي.»

شعرت فاندا من فورها بغضب عارم: «ما المقصود من كل هذا؟ دورة تدريبية مكثفة في الوعي خاصة؟ ماذا تريد أصلًا؟»

قال بهدوء: «أمر في غاية البساطة: تعملين على التخلص من الصورة، وأنا سألتزم الصمت.»

جفل كلاهما حين سمعا طقطقة فرع شجرة جاف. أمسكها تيد وسحبها خلف شجرة. كانت أصابعه تضغط بشدة على ساعدها، في حين أمسك الهاتف المحمول في اليد الأخرى. كان يوهانيس يركض على الممشى الموجود بالغابة، فتنفست فاندا الصعداء.

«وماذا يا تُرَى تريد تعويضه بهذا السلوك الأحمق؟ هل هي حماستك لمعتقداتك تدفعك للتبشير بها؟ هل تريدني أن أبدل معتقداتي لأعتنق البحث في الحقول والغابات والمروج؟»

«أنتِ لا ترين سوى ذاتك، مثلك مثل أولئك الأمريكيين الذين ينفقون مبالغ ضخمة لبحث جزيئات ضئيلة، ولهذا أيضًا أنت لا تفهمين أي شيء.» صمَتَ قليلًا واسترق السمع، وحين لم يسمعا صوت خطوات أخرى واصل حديثه قائلًا: «ليس الهدف أننا نريد أن نعد القطط في زنجبار كما في تلك الرواية، وإنما الهدف هو إعادة التحكم في الأمور الوجودية، في الشروط الأساسية التي تحدِّد الموت والحياة.»

ظلت فاندا تحدق في إبهامه، لكنها لم تجرؤ أن تهز يده، لم تكن تثق تمامًا في التغير الفجائي للموضوع. عن أي أمريكيين يتحدث؟

«لا بد أن نعرض أنفسنا لقوى الطبيعة. لا أعني بذلك الجولات المتطرفة على الأنهار المتجمدة، أو عبر عوالم الصحاري أو الأدغال بهدف زيادة نسبة ضخ الإندروفينات، إنما أعني الحياة البسيطة. كوخ في غابة بمنأى عن المدنية. لقد قدَّم ثورو مثالًا على ذلك.»

«مَن؟»

«هنري ديفيد ثورو، وهو كاتب أمريكي ونحن نرجع إلى كتاباته. كتابنا الملهِم اسمه «والدن»، لكننا لم نكن أول مَن يستلهم من أفكاره، لذلك نسمي أنفسنا «والدن أربعة».»

واصلت صياحها: «لستم إلا مجموعة من الفوضويين. أنتم حتى لم توفَّقوا في العثور على عنواني الحالي. الصدفة وحدها هي التي أوصلتني للقائمة التي كان سنايدر ينوي أن يرسلها لي أنا أيضًا. كيف تريدون إصلاح العالم بهذه الاستعدادات المنقوصة؟»

«رغم كل شيء ما زلنا على دراية بكل ما يحدث.»

«هكذا إذن؟»

قال: «الأمريكيون يحومون حول المكان، يطلقون الرصاص على نحو أعمى، يتبعون منهج المحاولة والخطأ، لكن سرعان ما سيتمكنون من الإيقاع بالفريسة. إنها مسألة وقت ليس إلا وستعرف الحكومة الأمريكية أنكم تفحصون مادة إن بي ٢٧٠١، تلك المادة التي أعلنت الحكومة أنها سر من أسرار الدولة، والحكومة تجمع الحجج الضرورية من أجل استعادة المادة التي وزَّعتها مصانع الأسلحة مؤخرًا بسخاءٍ بالغ.» ضحك ثم أكمل قوله: «وهي مسألة بسيطة للغاية بالنظر لحجم الجزيئات، لكن عليهم أن يسارعوا قبل أن يستحوذ الاقتصاد الخاص على براءات اختراعهم. فقط أتساءل: أي حكومة بوسعها أن تعترف علنًا أن الإمكانية الحربية الكامنة في مادةٍ ما أحب إليها ممَّا تحوي من نفع للبشرية؟»

أدركت فاندا أن هذا هو السبب الذي دفع بيتر سنايدر لأن يكتب لها من عنوان متخفٍ، لقد كان يريد أن يحميها. جاء صوت تيد الصبياني يخترق أذنها ثانيةً: «نحن لم نأخذ البيانات. وإن كانت لدينا لم نكن لنخبر بها أحدًا، فالأمر جد خطير.» ارتعدت فرائص فاندا، كانت أصابع تيد ما زالت تضغط على ساعدها بقوة، لدرجة أن الخدر بدأ ينتشر في يدها اليسرى. ضيقت عينيها وتفرست في ملامحه سريعًا، فنظر إلى الناحية الأخرى.

سألته بحذر: «هل علينا أن نعرف بعضنا؟» هز رأسه نافيًا وقال: «الأفضل لا.» تركها وأمسك بالهاتف المحمول على أذنه ثم ناولها إياه، أتاها صوت زابينة المألوف وكأنه يخترق طبقات من الحشو ليصل إليها. تُرَى ماذا سمعت صديقتها؟ حين تلفتت فاندا حولها رأت ذيل معطف يختفي وهو ينحدر مع المنحنى الهابط. لقد ولَّى تيد هاربًا. كان باستطاعتها أن ترسل يوهانيس وراءه، لكنها تساءلت: وما جدوى ذلك؟ كانت قد اقتنعت في غضون ذلك أن مايك لم يكن الرجل الذي يبحثون عنه، لكن تُرَى لمَن كانت السيارة التي رآها في الجراج الكائن أمام المعهد؟ صعدت إلى البرج على طريق الغابة خائرة القوى متجمدة الأوصال، لاقتها زابينة ولم تطرح أية أسئلة. استراحت فاندا عندما سمعت أن تيد لم يُعِدْ الاتصال بينهما فعلًا إلا في نهاية لقائه بها، وأمام المدفأة المتقدة في مقهى البرج أخذت الصديقة تدلك يدها إلى أن عاد فيها الإحساس، لكن ظلت خمس بقع زرقاء تبرقش ساعدها، كما ظل ضغط أصابعه يزعجها حتى اليوم التالي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١