الفصل الثامن والأربعون

وصية بلاوبارت

قالت زابينة غاضبة: «إنه لا يرد على الهاتف. لكنه في المنزل، لقد أشعل الضوء منذ قليل في الغرفة ذات الواجهة الزجاجية الكبيرة.»

«هل قلتُ شيئًا البتة عن الاتصال الهاتفي؟ ليس عليك سوى مراقبته فحسب.» تطلعت فاندا من نافذة القطار السريع، كان الشفق يهبط على طبيعة شتوية كئيبة ولسان حاله يقول العين بالعين. لم يكن شهر يناير قد انقضى بعدُ، لكنها شعرت أنها نالت كفايتها من هذا الشتاء. لم يذكرها ببرلين هذه المرة سوى ممرات مترو الأنفاق، وغرفة ضيقة في فندق، وصالة محاضرات مكيَّفة. بخلاف ذلك لم تَرَ شيئًا من المدينة. بعد حديثها مع شتورم توجَّهت إلى المحطة لتعود في أول قطار متجه إلى ماربورج؛ فعليها أن تتحدث معه اليوم، ففي الغد قد يكون الأوان قد فات. استأنف القطار رحلته ما بين هانوفر وجوتنجن. قرَّبت هاتفها المحمول من أُذُنها وزادت ضغطها عليه.

سألتها صديقتها متوسلة: «متى تصلين؟»

«ستستغرق الرحلة ساعتين، على شرط ألَّا يُطلِق أحدهم إنذارًا بوجود قنبلة، سأضطر لتغيير القطار مرة أخرى. هل وصلت يوهانيس أخبار عن تيد؟» كانت فاندا قد رجته أن يبحث أمر السيارة الثانية التي ذكرها تيد بعد لقائهما.

«لا فكرة لدي، لكني أبتهل من أجل ألَّا تضلي الطريق، لأني أكاد أتجمد من البرد هنا.» رأت فاندا بعين خيالها كيف تقف زابينة في البرد تراقب المنزل.

«ألا يستطيع يوهانيس أن يخلصك؟ على الأقل يأتيك بسيارة.»

«الآن لا شيء عندي أفضل من أن يأتيني أحدهم بدورة المياه!»

استقلت فاندا سيارة أجرة من محطة ماربورج. كانت الأخبار تنسال من المذياع، اتضح أن الحقيبة المشتبه في احتوائها على قنبلة بمطار فرانكفورت لم تكن سوى دمية. تحدَّث الساسة عن استفزاز مخادع، بينما تناقلت وسائل الإعلام أنها كانت تجربةً تحسُّبًا لوجود حالات حقيقية. أخبرت فاندا سائق سيارة الأجرة أن يتوقف عند روتينبيرج. ثم دفعت له النقود وقطعت المسافة المتبقية سيرًا على الأقدام. تعرَّفت على سيارة يوهانيس من طراز تويوتا واقفةً على جانب الطريق قُرْب المدخل. طرقت على نافذة السائق فانفتح زجاجها بلا صوت. صافحت وجهَها رائحةُ قهوة ساخنة، بينما لوحت زابينة من المقعد المجاور للسائق.

حيَّاها يوهانيس: «في الوقت بالضبط، أما مصاريف تدفئة السيارة فسنحاسبك عليها لاحقًا، هل تريدين حقًّا الذهاب بمفردك؟»

«إن لم أَعُدْ خلال ساعة، فاصعدوا لتروا ما الأمر، سأعلِّق شيئًا بباب المنزل.»

قال لها يوهانيس متحديًا وهو يبتسم: «يمكن لكثير من الأمور أن تحدث في غضون ساعة. هذه الحركة ستكلِّف كثيرًا.» كان الظلام حالكًا، فلم تستطع أن ترى التعبير على وجه زابينة. هل قالتْ شيئًا؟ دفعت فاندا حقيبة سفرها خلال نافذة السيارة حتى وقعت على حجر يوهانيس.

«هل عرفت شيئًا عن تلك السيارة؟»

«لقد ألححت عليه كثيرًا، لكن تيد هذا يتلفح بالصمت.»

توجهت إلى مدخل البيت، وفي الطريق التقطت حصاة من الأرض، هل من الممكن أن يكون توماس في انتظارها؟ شعور غريب، لكنها كانت متأكدة أنه سيسمح لها بالدخول. كانت سيارته من طراز بي إم دبليو مصفوفة في الجراج بجوار المنزل، وشقته في الطابق الثاني. تحرَّك ظِلٌّ وراء نافذة المطبخ، بعدها بمدة وجيزة سمعت صرير الباب وهو يُفتَح، وفي نفس اللحظة أُضِيئَ نور السلم.

انفتح الباب بمجرد أن دفعته فاندا، فوضعت الحصاة في إطار الباب وصعدت السلالم ببطء. ماذا إن كان مجنونًا؟ لكنها هزت رأسها لتطرد عنها هذه الفكرة، لو أن ثمة مجنونًا فلن يكون سواي. كانت زابينة تحب أن تشك في أفكارها، لكن فاندا على العكس كانت ترجو من داخلها رجاءً حارًّا أن تكون مخطئة، كانت لا تزال معجبة به.

كان باب شقته مواربًا، فدخلت، ومن الغرف سقط ضوء على الردهة الصغيرة.

سحبت الباب مغلِقة إياه، تاركة فرجة رفيعة. رأت معطفه الجلد معلَّقًا على المشجب، والتقطت أنفها ذات الرائحة المألوفة. استشعرت توترًا اعتراها فأخافها، لا يزال بإمكانها أن تعود أدراجها. وماذا لو كنت مخطئة؟ بحثت في المطبخ ثم في غرفة المعيشة. كان جالسًا إلى حاسوبه ويكتب، لم يزعجه دخولها بل ظل يثبت وجهه نحو الشاشة. جلست فاندا على الأريكة الجلدية الزرقاء، لم تنبس ببنت شفة وظلت تنظر إلى ظهره. كان يحك ذقنه من آنٍ لآخَر، لم يكن حليقًا. وكانت الغرفة معبَّأة بهواء فاسد. رأت الكاميرا الرقمية على الطاولة أمام الأريكة، ووقع بصرها على الصور ذات الأشكال الهندسية. تذكَّرَتْ الآن، كانت قد رأتها قبل أن تغادره بقليل في ليلة رأس السنة، وفي هذا المكان توقفَا عن الرقص معًا.

«ما الأمر بالغ الأهمية لدرجة أنكَ لا تحادثني؟» قالت لتكسر صمتًا دام عدة أسابيع. شد توماس ظهره وأخذ شهيقًا مسموعًا، ثم نظر بلا اكتراث وراء ظهره، ففردت تجاعيد رقبته.

«بدلة أنيقة!» أصابتها نبرته بالغصة، ثم تحول ببصره مرة أخرى إلى الشاشة وواصل النقر.

«كانت حماقة مني. أنا أيضًا لا أعرف لماذا ذهبتُ معه ليلة رأس السنة.»

«ماذا تريدين؟» غاصت رقبته بين كتفيه وهو ينظر إلى السقف.

«أن أكون مخطئة.»

«ولماذا تريدين أن تكوني مخطئة؟» كانت ضحكته باردة.

«هذا ما أريد.» قالتها ثم حدقت في يديها، ومرة واحدة هب واقفًا. كان ذيل بنطاله الجينز مُنسلًّا تنساب خيوطه على قدميه العاريتين، بينما أطل جزء من جسده الأبيض المغطَّى بشعيرات داكنة من الخرقة التي تعتلي فخذه، بدا قميصه معجونًا من كثرة ثنياته، علاوةً على أن أزراره كانت مفتوحةً، فبَدَتْ شعيراته الصغيرة الملتَفَّة المنتشرة على صدره العريض التي تمتد لأسفل، فوق الاستدارة اللطيفة لبطنه لتختفي في البنطال أسفل السرة بقليل. خرج إلى الطرقة، وبعدها بقليل سمعت صوت الباب وهو ينغلق، وحين عاد كان قد زرَّر القميص.

«هل تنوين أن يصطحبك أصدقاؤك ثانيةً؟» هذه المرة كانت ضحكته قذرة.

«لم تكن فكرتي.»

«هل كان أخوك الصغير يتابعك كالمجنون؟» أخي الصغير؟ من أين له بهذه الفكرة؟ لا تذكر أنها حدثته عن أندرياس قطُّ.

«اسمع يا توماس، أستطيع أن أتخيَّل أنك غاضب؛ لذلك …» توقفت عن الحديث لأنه قفز فجأةً من مكانه وخرج راكضًا من الغرفة. سمعته يطقطق الصحون في المطبخ. انطلق رنين هاتفها المحمول، إنها رسالة نصية من يوهانيس، نصها:

ردٌّ من ت. كانت السيارة بي إم دابليو داكنة، سنصعد الآن. ي.

وبطرف عينها لمحت شيئًا يتحرك على الشاشة، فنهضت فاندا وذهبت نحو المكتب حيث تعرفت على قائمةٍ ذات أرقام على الشاشة. كانت المدخلات مكتوبة بالدولار. وكانت ستقرأ الاسم المكتوب لكنه في تلك اللحظة أمسك بها من رقبتها، وسحبها بعيدًا عن المكتب ودفعها، فتعثرت ثم تمالكت نفسها على الأريكة.

«السيدة فضولية زيادة عن اللزوم.»

«صحيح.» شعرت فاندا بقواها تخور. أسندت نفسها إلى ظهر الأريكة وأخذت تحك رقبتها التي تؤلمها.

«إذن ماذا؟»

«إنه أنت الذي كنتَ في المعهد في وقت متأخر منذ مدة وجيزة. كنتَ تقف ورائي قريبًا مني. تمكنت من شم رائحة معطفك الجلدي، مثل الرائحة التي هنا في الطرقة. لماذا فعلتَ ذلك؟»

«لقد قلتُ فعلًا إنك فضولية زيادة عن اللزوم.» كان يقف أمامها فاتحًا ساقيه، على مسافة ليست بالقريبة بحيث تمسك به، لكنه كان من القرب بحيث اضطرت للتطلع إليه.

«إنك تتاجر في أسهم شركة بي آي تي.» لم تتمكن من السيطرة على نبرة صوتها، فخرج رفيعًا، الأمر الذي أغضبها لأنه يفضح خوفها.

قال وهو يتنهد: «كان عليَّ أن أتخلص منها في حينها. كنتُ بالفعل أنتوي ذلك قبل أن أعرف ما اكتشفَتْه صديقتك الغالية عن نانوسنيف، إلا أن شتورم واصل مسيرته وكأن شيئًا لم يكن، طار إلى أمريكا وعاد بالمشروع التالي، أما صديقتك زابينة فتسبَّب سلوكها المريب في طردها خارج المعهد. ولم يكن تسلُّلي خلف يوهانيس سوى محض مصادفة؛ ففي ذلك المساء كنت أتصفح الشبكة الداخلية للمعهد من البيت. ساعتها وجدت رسائله الإلكترونية لجماعة «والدن»، وحينها بدا لي جليًّا أن الأوان قد آنَ لمحو كل بيانات بي آي تي من الكمبيوتر المركزي، ومن بيتي أستطيع فقط أن أقرأ لكن لا يمكن لي أن أتدخل بشكل إيجابي، وللأسف اضطررت للعودة للمعهد، وهناك في الجراج وجدتُ سيارة يوهانيس من طراز تويوتا مصفوفة. كنت حذرًا للغاية، لكن كل شيء بالمعهد بدا هادئًا، وتحسُّبًا لأي طارئ أخذت سخان الماء الذي كان على المغسلة ومررت بغرفته، ثم جلست في غرفة الكمبيوتر خلف الباب. لم أضطر لانتظاره كثيرًا، لعبت معه لعبة خفيفة. لم يلاحظني قطُّ.»

«وماذا لو كان رآك؟»

«كان حظي وفيرًا، أو لنَقُلْ حظه هو، حسبما تنظرين للمسألة. بعدها بقليل حضرت أنتِ وقمت باللازم نيابةً عني، بل قمت بإدارة الرجل كما يفعل المسعفون المختصون وبعدها …» مط وجهه واستطرد: «يؤسفني، لكن لم يَعُدْ يمكنني التصرف بشكل مغاير. لقد كانت كلمة المرور لبيانات زابينة في جيب معطفك، وكان هذا كافيًا بالنسبة لي للكشف عن نواياكما. في البداية كنتُ لا أزال أظن أنكما متواطئان في الأمر.»

نظرتْ إليه وهي لا تعي ما يقصد.

«نعم، بعدها أطلعني رودي على الحكاية.» عَلَتْ وجهه ضحكة ساخرة.

«ماذا؟» ازدردت ريقها الجاف، «أنت تعرف …؟» آه أخوك الصغير، صحيح، لقد كشف عن نفسه، لقد عرف ذلك من خلال رودي. يا لي من حمقاء!

قال متباهيًا بالنصر: «نعم. ليس لكِ الآن سوى أن تحمري خجلًا. رودي مَنْجمٌ للثرثرة، لكنك نسيتِ أن تركبي لجامًا على فمه. حين يعرف شخص ما كيف يدخل على النظام ما أسهل أن يتلاعب به.»

«لقد كنتَ تتنصت عليه طوال الوقت. أنت تعرف …»

أكمل قائلًا: «أعرف كل شيء. لم أدخل إلا متأخرًا، وإلا فما كان الطرد الموجَّه إلى سنايدر قد وصل حتى فرانكفورت.» كانت نظرته تخترق إحساسها بذاتها وتدهس إحساسها المتنامي بالعار، ذلك الإحساس الذي تجاهِد لكي تقاومه.

«هذا ما تقوله أنت. لكني لا أصدق أي كلمة.» كانت تدافع عن نفسها رغم معرفتها تمامًا أنه يقول الحقيقة، لقد قام توماس ببرمجة رودي، وبلا أية فكرة أخذت هي بنصائحه في الوقت الذي كان توماس يلعب بها ويحركها مثل دمية ماريونت.

«على أية حال، لقد كان الأمر يستحق.» قالها متفاخرًا بنفسه.

«بدون المعلومات التي أمدَّك بها بيتر سنايدر، لم أكن لأفكر في الاستثمار في ديون الحكومة الأمريكية.» فكَّر قليلًا ثم أكمل قائلًا: «لكن مسألة نيو مكسيكو لا تزال مفتوحة، ربما لن تعرفي قط السبب في موت والد أندرياس. أما ما يخصك …»

صرخت في وجهه: «توقف. نحن نتحدث الآن عنك أنتَ، أنت الذي تحدَّث مع شتورم هاتفيًّا في الصباح، أنت الوحيد في القسم كله الذي يعرف كيف يدخل إلى بنوك المعلومات. لقد أسأتَ استخدام سلطتك الإدارية، سأبلغ عنك.»

«كنتُ أظنك أكثر ذكاءً من ذلك.» هذه المرة كانت ضحكته وقحة، «السيدة الدكتورة فالس، أنت الآن في عداد الأموات.» لماذا تلحُّ عليها الآن تحديدًا صورة القبر ذي الشاهد الذي يحمل اسمها التي جاءتها بالبريد الإلكتروني؟ جالت بخاطرها كلمة «ذخيرة ذاتية التحلل»، في هذه الأثناء صارت تثق أنه يستطيع أن يأتي بأي فعل شنيع.

حاولت فاندا السيطرة على صوتها ليخرج هادئًا: «لقد كنتَ في بيتي ليلة رأس السنة وشاهدتَ أسطوانة دي في دي»، رفع سبابته اليمنى محذِّرًا.

ثم قال: «لا تتحدثي إليَّ وكأني أعاني من اضطرابات عقلية.» خرج ركضًا من الغرفة، ثم عاد ومعه عدة أزواج من الجوارب في يده. «كان عليَّ أن أقتلك.» قالها موضِّحًا وهو يقفز على ساق، ثم على الأخرى ليرتدي الجوارب، وكأن كل ما يحدث مجرد لعبة بالنسبة له.

«لقد قمتَ بالفعل بدفني وأنا حية.»

«آه. ذاك الأمر، كنتُ أريد أن أرهبك فقط.»

«مثل الذخيرة ذاتية التحلل؟» لم يُحِرْ جوابًا، فقالت: «كيف وصلتَ لمادة كهذه؟»

«أنتِ تطرحين أسئلة كثيرة.» كان الموقف عبثيًّا، وشعرت فاندا بضغط عارم يتراكم على صدرها بينما تعلو وجهها ضحكة متوترة.

«أنت مجنون.»

مرة أخرى أسرع إلى خارج الغرفة، وحين عاد كان قد لبس حذاءً في قدميه وارتدى بلوفر، ثم توجَّه نحو الكمبيوتر وأغلقه، ثم سقط إلى جوارها على المقعد.

«لا، أنا لست مجنونًا، أنا فقط لا أحب الخسارة، علاوةً على ذلك لا أستطيع تحمل الأمر إذا زاد أحدهم من ضغطه عليَّ.» كانت تنظر إليه وهو يربط الحذاء.

«لست أفهم جيدًا. عن طريق رودي عرفتَ كل شيء عني. في الحقيقة كنتُ أقف في طريقك، لماذا إذن دعوتني في بيتك؟» صمت قليلًا وكأنه سيفكر، ثم قال أخيرًا:

«لقد كانت فكرة عفوية، لقد سحرتني.»

«لقد كانت تجربتي الأخيرة مع «م. إ. أ.».» تطلعت إليه فاندا متسائلة، فقال: «هذا اختصار أطلقه على ما أُسمِّيه أنا مادة إنسانية أصيلة على الأرجح»، بعدها هز رأسه وهو يستطرد: «المسألة لم تكن لتنجح، ربما الأفضل لو كنا اكتفينا بتبادل المراسلات الإلكترونية.» فجأةً رن جرس الباب، فخرج ركضًا إلى الردهة. وقفزت فاندا من مكانها وتبعته، وعلى عتبة غرفة المعيشة وجدته فجأةً واقفًا أمامها. دفعها نحو الغرفة ثانيةً، فتعثرت وسقطت. وجدت نفسها على الأرض ثانيةً، وللحظة شعرت وكأنها مخدرة، وسألته: «وماذا تكون أنت؟» سمعت قرعًا على الباب في الخارج.

سمعت يوهانيس يقول صائحًا: «افتح الباب. افتح وإلا اتصلنا بالشرطة.»

نظر إليها توماس نظرات عدائية وهو يقول: «لقد أفسدتِ عليَّ عملي. وفي الحقيقة يتعيَّن عليَّ أن أعاقبك على ذلك.» كان وجهه مبرقشًا ببقع حمراء، وأنفاسه متلاحقة.

«إن أبلغتِ عني فسأقضي عليكِ، هذا كلام نهائي، أنا أعرف كل شيء عنك.» ومرة أخرى أشار بسبباته محذِّرًا ثم خرج مرة أخرى إلى الردهة. ماذا يفعل هناك؟ رأت بعين خيالها الخزانة الصغيرة ذات المرآة، وسمعت خشخشة وصوت سوستة تُغلَق. حين عاد كان يرتدي المعطف الجلدي ويحمل حقيبة سفر صغيرة في يديه، وبعد ذلك سحب باب غرفة المعيشة ليغلقه وأوصده من الداخل. أما المفتاح فتركه معلقًا فيه، كانت فاندا لا تزال جالسة على الأرض تسند ظهرها على الأريكة. تجولت ببصرها داخل الحجرة. اللوحات، المكتب، شاشة الكمبيوتر المطفأة، وراءها الأريكة الجلدية الزرقاء. نظرت نحو النافذة.

«هل تريد أن تهرب؟» غضبت فاندا من صوتها الذي يشي بالقلق، «وتترك كل هذا هنا؟»

هز رأسه بالإيجاب مبديًا بعض الندم.

«أخ … فاندا إن فضولك سيجعلك تلاقين حتفك.»

«أخ … توماس لقد نسيت أمرًا.» استدار وفي نفس اللحظة كانت قد صوبت نحوه الكاميرا ملتقطة له صورة. ارتعد حين انعكس ضوء فلاش الكاميرا عليه، أما هي فأمسكت بها عاليًا.

«هذه ليست من والدك، لقد سرقتها منا.»

هز كتفيه لا مباليًا ثم فتح النافذة وقفز. كان لخطواته وَقْع من يمشي على الحصى، ثم ابتعدت سريعًا. طلبت فاندا رقم هاتف يوهانيس بينما كانت واقفة في النافذة تتابع توماس وهو يهرب. من الغرفة سقط ضوء على قطعة من سقف مسطح يبتعد نحو متر أسفل النافذة ويحد جدار المنزل.

قاطعت يوهانيس على الفور على الهاتف: «أنا بخير. بسرعة إلى أسفل، تحرَّكْ بسرعة إنه في الطريق إلى سيارته. لقد كنتُ أراقبه عبر النافذة.» قبل أن تنهض نظرت أولًا إلى شاشة عرض الكاميرا. كانت الإضاءة في الصورة زائدة.

لم يلحق زابينة ويوهانيس إلا بمشاهدة الأضواء الخلفية للسيارة طراز بي إم دبليو بعجلاتها التي أصدرت صريرًا وهي تتحرك مبتعدة من الحوش، حسبما عرفت فاندا منهما فيما بعدُ.

واكتشفوا السلم الذي تسلَّق منه توماس من السطح حتى وصل إلى العشب خلف المنزل. كان قد جهَّز لهروبه هذا، وفي طريق العودة حكت لهما فاندا ما حدث بإيجاز، فأمطراها بالأسئلة. رجتهما فاندا أن يمنحاها لحظة هدوء، لحظة واحدة فقط، وشعرت كيف أن شعورها الأوليَّ بالارتياح صار يتحول تدريجيًّا إلى إحباط لا تستطيع له دفعًا. أنزلها يوهانيس أمام باب منزلها، وأراد بعدها أن يوصل زابينة إلى بيتها، ثم يذهب لينال هو نفسه قسطًا من النوم. لقد كان اليوم طويلًا على الجميع.

•••

وعلى عتبة غرفة المعيشة وجدت كرتونة بيض عليها ورقة مثبتة داخل الشريط المطاطي الذي يغلف الكرتونة، وكُتِب على الورقة بخط غير منسَّق: «شكرًا، جارك.» احتوت الكرتونة على خمس بيضات ومفتاح، ألقت فاندا نظرة على باب الشقة المجاورة لها. كان المصباح فوق الباب مضاءً، رنت الجرس. سمعت صوت خطوات تقترب، ثم فتح الباب وانزلق وجه رفيع من فرجة الباب، وحين عرفها فتح الباب أوسع. انبعثت من الداخل روائح هواء مكتوم.

سأل بصوت متهدج: «هل حالك أفضل الآن؟» كان يرتدي بدلة ركض بينما توردت وجنتاه. أشارت فاندا إلى كرتونة البيض ونظرت إليه متسائلة.

«كان المفتاح لمؤجر الشقة قبلك، إنه لا يدخل الآن في الباب.» كان لسانه ثقيلًا بينما ينظر هو إلى الأرض خجلًا.

قال متلعثمًا: «البيض … لا أستطيع دائمًا الخروج من منزلي، تعرفين.» لكن فاندا لم تُرِدْ أن تعرف المزيد؛ لقد كانت متعبة فقالت: «لنتحدث لاحقًا.» ثم دخلت من باب شقتها، وفي الداخل وضعت حقيبة السفر وخلعت الحذاء غير المريح، ثم أخذت تقشر ملابسها عنها طبقة طبقة مثلما يُقشَّر البصل. كانت تترك ملابسها تسقط ببساطة مخلفة إياها ما بين الردهة والثلاجة، ثم الردهة والحمام، وأخيرًا في الطريق إلى المكتب. وهناك وضعت هاتفها المحمول. الآن أضحت عارية تمامًا. وعلى ألواح زجاج النافذة المقسومة وجدت انعكاس صورتها مقسومًا اثنين. الجزء العلوي يعكس رأسها حتى بداية نهديها، فمالت برأسها نحو الجانب. كان شحوبها ورقبتها يذكِّران بصور السيدات النبيلات، أما الجزء السفلي فظهرت عليه حلمتا ثدييها وكأنهما عينان تطلان من وجه آخر، بينما انتهت الصورة أسفل سرة بطنها بقليل. أزعجتها الصورة المقسومة، نظرت إلى نفسها وأزعجها مظهر جسدها. أغمضت عينيها ومسدت رقبتها بأناملها. شعرت بالراحة فواصلت المتعة حتى انطلق رنين الهاتف معلنًا وصول رسالة نصية.

كانت فاندا لا تزال مستغرقة في لذتها، واحتاجت بعض الوقت لتستوعب الأمر. كانت الرسالة من الزميل المختص بعلم الفيروسات. لم يجد بالعينة أثرًا لجزيئات النانو.

وهذا يعني أن العينات التي أخذوها من دماغ هيلبيرج نظيفة. صحيح أن هذه النتيجة لا تنقد مزاعم سنايدر؛ لأن الجزيئات يمكن أن تكون قد تحلَّلت بعد كل هذا الوقت، لكنها أيضًا لا تؤكدها. ربما لم يكن ثمة تلوث في نيو مكسيكو بالأساس.

في البداية شعرت به في أحشائها، ثم تصاعد شعورها بالسرور ليصل إلى صدرها ويعلن عن نفسه في صرخة سعادة مدوية فاجأتها هي نفسها. لقد ظهر لها الموقف برمته الآن من زاوية مغايرة تمامًا. توجَّهت فاندا إلى الحمام وتحممت بالماء الساخن طويلًا، بعدها انسلت إلى منامتها وذرعت بها الغرفة ذهابًا وجيئة لتطفئ الأنوار. رأت الصندوق الصغير الذي يحوي مقتنياتها، وكانت قد وضعته على المكتب ذي الأرفف الخاص بوالدها قبل سفرها إلى برلين. كان هذا منذ يومين فقط، لكن لأن ثمة أحداثًا كثيرة وقعت، بدا لها الأمر وكأن أسبوعًا بكامله قد انقضى.

رفعت غطاء الصندوق وأخذت ميدالية المفاتيح. حين كانت طفلة، كانت تحب أن تسمع حكاية الأميرة زوجة الدوق بلاوبارت، حكاية جميلة ومرعبة قليلًا تدور حول المفاتيح والأبواب المحرمة. كانت فاندا تتمنى دائمًا ألَّا تتمكن الشابة الفضولية من فتح الباب، بل الأفضل حتى ألَّا تجده على الإطلاق؛ وذلك لأن الرعب سيأتي أولًا إن استهانت بأوامر بلاوبارت واستعملت المفتاح الذي سيكشف عن الحقيقة المخيفة لزوجها، وفي أزمتها تلك كانت فاندا تجمع كل مفتاح تجده وتخفيه. صحيح أن معظم المفاتيح كانت تُؤخذ منها ثانيةً، ما عدا هذه المفاتيح الخمسة فقد ظلت معها منذ ذلك الحين. أخذت تجرِّبها بالترتيب في فتح الدرج الموصد.

فتح المفتاح الثالث.

فوجدت حزمة من الرسائل التي اصفرَّ لونها، وحين حلت الرباط الرمادي سقطت عدة صور. كانت كلها لذات المرأة، امرأة نحيفة شقراء ترفع شعرها عاليًا وترتدي فستانًا أنيقًا ضيقًا. فتاة حسنة الهندام وفق طراز ستينيات القرن الماضي، في العشرينيات من عمرها وواقعة في الغرام كما هو واضح للعيان. كانت الخطابات موجَّهة لأبيها، بها حياء ظاهر وتفيض بالرقة والمودة. لم تستطع فاندا أن تتذكر أن أباها تحدَّث قط عن هذه السيدة. مسَّتْها سطور الرسائل، لكنها لم تُعنَ بوجودها حقيقةً. كانت العلاقة ترجع لوقت لم يكن فيه والداها قد تزوجا بعدُ، وهي لم تكن قد وُلِدت. كانت الخطابات موجَّهة إلى عنوان في مدينة ماينز، حيث عاش والدها فترة. وعلى أرضية الدرج اكتشفت ورقة واحدة موضوعة أسفل حزمة الخطابات، ويعلوها نفس الخط المنمق. فتحتها فاندا ومرت ببصرها على السطور:

… أحترم قرارك حتى لو كان يمزقني من الداخل. تقول إن ذلك بسبب الطفل، وإن هذا لا يغيِّر شيئًا من مشاعرك نحوي. كيف بالله عليك ستقدر على تحمل ذلك؟ أنت تخادع نفسك وتخادعني وتخادع الجميع. لا أستطيع أن أعيش هكذا. أرجوك أن تطلق سراحي لأستطيع أن أعيش حرة وسعيدة مرة أخرى …

كان الخطاب مؤرَّخًا بالسنة التي وُلِدت هي فيها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١