الفصل السادس عشر

ريدي سَعِيدٌ حَقًّا

إِنَّ صَنِيعَكَ مَعَ الْآخَرِينَ، لَا صَنِيعَهُمْ مَعَكَ،
هُوَ مَا يَجْلِبُ السَّعَادَةَ دَائِمًا إِلَيْكَ.
الْجَدَّةُ ثعلبة الْعَجُوزُ

جَرَى الثَّعْلَبُ ريدي طَوَالِ الطَّرِيقِ مِنَ النَّهْرِ الْكَبِيرِ إِلَى الْمَنْزِلِ بِأَقْصَى سُرْعَةٍ مُمْكِنَةٍ. حَمَلَ فِي فَمِهِ السَّمَكَةَ الَّتِي وَجَدَهَا، وَالَّتِي أَخَذَ قَضْمَتَيْنِ فَقَطْ مِنْهَا. كَمَا تَذْكُرُونَ، لَقَدْ خَاضَ مَعْرَكَةً مَعَ نَفْسِهِ بِسَبَبِ تِلْكَ السَّمَكَةِ، وَالْآنَ هُوَ هَارِبٌ مِنْ نَفْسِهِ. يَبْدُو ذَلِكَ غَرِيبًا، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ وَلَكِنَّهُ حَقِيقِيٌّ. أَجَلْ يَا عَزِيزِي، كَانَ ريدي هَارِبًا مِنْ نَفْسِهِ. كَانَ يَخْشَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى الْمَنْزِلِ لِلْجَدَّةِ الْعَجُوزِ بِتِلْكَ السَّمَكَةِ سَرِيعًا، فَسَيَأْكُلُ هُوَ كُلَّ قِطْعَةٍ مِنْهَا؛ لِذَا كَانَ يَجْرِي بِأَقْصَى سُرْعَتِهِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى هُنَاكَ قَبْلَ أَنْ يَحْدُثَ هَذَا. إِذَنْ، كَانَ حَقًّا يَهْرُبُ مِنْ نَفْسِهِ؛ نَفْسِهِ الْأَنَانِيَّةِ.

كَانَتِ الْجَدَّةُ ثعلبة الْعَجُوزُ فِي انْتِظَارِهِ عَلَى عَتَبَةِ الْبَابِ، وَقَدْ رَأَى كَمْ لَمَعَتْ عَيْنَاهَا حِينَ رَأَتْهُ وَرَأَتْ مَا كَانَ مَعَهُ.

لَهَثَ وَهُوَ يَضَعُ السَّمَكَةَ عِنْدَ قَدَمِهَا قَائِلًا: «أَحْضَرْتُ لَكِ شَيْئًا لِتَأْكُلِيهِ يَا جَدَّتِي.» كَانَ نَفَسُهُ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ الْجَرْيِ. وَأَضَافَ: «لَيْسَ كَثِيرًا، وَلَكِنَّهُ طَعَامٌ. هَذَا كُلُّ مَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَجِدَهُ لَكِ.»

نَظَرَتِ الْجَدَّةُ إِلَى السَّمَكَةِ ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَى ريدي بِحِدَّةٍ، وَتَسَلَّلَتْ إِلَى عَيْنَيْهَا الصَّفْرَاوَيْنِ نَظْرَةٌ رَقِيقَةٌ حَانِيَةٌ، هِيَ نَظْرَةٌ لَمْ تَكُنْ لِتُصَدِّقَ أَنَّهُمَا سَيَحْمِلَانِهَا.

سَأَلْتِ الْجَدَّةُ بِرِفْقٍ: «مَاذَا أَكَلْتَ أَنْتَ؟»

أَشَاحَ ريدي بِرَأْسِهِ حَتَّى لَا تَسْتَطِيعَ الْجَدَّةُ أَنْ تَرَى وَجْهَهُ. قَالَ وَهُوَ يُحَاوِلُ أَلَّا يَتَكَلَّمَ كَثِيرًا: «أُوهْ، لَقَدْ أَكَلْتُ شَيْئًا.» كَانَ هَذَا صَحِيحًا؛ كَانَ قَدْ أَكَلَ قَضْمَتَيْنِ مِنْ تِلْكَ السَّمَكَةِ. الْآنَ تَعْلَمُونَ مَدَى ذَكَاءِ وَبَرَاعَةِ الْجَدَّةِ ثعلبة. لَمْ يَخْدَعْهَا ريدي وَلَوْ قَلِيلًا. أَخَذَتْ قَضْمَتَيْنِ صَغِيرَتَيْنِ مِنَ السَّمَكَةِ.

قَالَتِ: «الْآنَ لِنَقْتَسِمْهَا.» ثُمَّ قَطَعَتِ الْبَاقِيَ نِصْفَيْنِ. ابْتَلَعَتْ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ الْجُزْءَ الْأَصْغَرَ؛ لِأَنَّهَا كَمَا تَعْلَمُونَ كَانَتْ فِي شِدَّةِ الْجُوعِ. قَالَتْ وَهِيَ تَدْفَعُ بِالْجُزْءِ الْمُتَبَقِّي إِلَى ريدي: «هَذَا هُوَ نَصِيبُكَ.»

حَاوَلَ ريدي أَنْ يَرْفُضَ، وَقَالَ: «لَقَدْ جَلَبْتُهَا مِنْ أَجْلِكِ.»

قَالَتِ الْجَدَّةُ: «أَعْلَمُ ذَلِكَ يَا ريدي.» وَقَدْ بَدَا لِريدي أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ صَوْتَهَا مِنْ قَبْلُ رَقِيقًا هَكَذَا. قَالَتْ لَهُ: «لَقَدْ جَلَبْتَهَا لِي فِي حِينِ أَنَّ كُلَّ مَا أَكَلْتَهُ أَنْتَ هُوَ قَضْمَتَانِ صَغِيرَتَانِ جِدًّا مِنْهَا. لَا يُمْكِنُكَ أَنْ تَخْدَعَنِي أَيُّهَا الثَّعْلَبُ ريدي. لَمْ تَكُنْ تِلْكَ السَّمَكَةُ بِوَجْبَةٍ جَيِّدَةٍ لِأَحَدٍ مِنَّا، وَلَكِنْ كَانَتْ كَافِيَةً لِتُعْطِيَ كِلَيْنَا أَمَلًا صَغِيرًا، وَتَحْفَظَنَا مِنَ الْمَوْتِ جُوعًا. وَالْآنَ انْتَبِهْ لِمَا أَقُولُهُ لَكَ وَكُلْ نَصِيبَكَ.» وَقَالَتِ الْجُمْلَةَ الْأَخِيرَةَ بِصَرَامَةٍ.

نَظَرَ ريدي إِلَى الْجَدَّةِ ثُمَّ الْتَهَمَ هَذِهِ الْقِطْعَةَ الصَّغِيرَةَ مِنَ السَّمَكَةِ دُونَ كَلِمَةٍ أُخْرَى.

قَالَتِ الْجَدَّةُ: «هَذَا أَفْضَلُ. سَوْفَ نَشْعُرُ بِتَحَسُّنٍ. وَالْآنَ بَعْدَ أَنْ أَكَلْتُ شَيْئًا أَشْعُرُ كَأَنَّنِي أَصْغَرُ بِعَامَيْنِ. قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ لَمْ أَشْعُرْ أَنَّنِي قَادِرَةٌ عَلَى الذَّهَابِ لِلصَّيْدِ مَرَّةً ثَانِيَةً. لَوْ لَمْ تَأْتِ بِشَيْءٍ لَمَا كُنْتُ لِأَصْمُدَ بَعْدُ، لَمَا كَانَ لَدَيْكَ جَدَّةٌ عَجُوزٌ لِتُفَكِّرَ بِهَا بَعْدَ الْيَوْمِ. رُبَّمَا لَا تُدْرِكُ ذَلِكَ، وَلَكِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ أَنْقَذْتَ حَيَاتِي يَا ريدي. كُنْتُ قَدْ وَصَلْتُ إِلَى مَرْحَلَةٍ يَجِبُ عَلَيَّ مَعَهَا أَنْ أَتَنَاوَلَ وَلَوْ قَلِيلًا مِنَ الطَّعَامِ. تُوجَدُ أَوْقَاتٌ يَكُونُ فِيهَا الْقَلِيلُ مِنَ الطَّعَامِ أَفْضَلَ كَثِيرًا مِنَ الْكَثِيرِ مِنَ الطَّعَامِ؛ تِلْكَ كَانَتْ إِحْدَى هَذِهِ الْمَرَّاتِ.»

لَمْ يَشْعُرِ الثَّعْلَبُ ريدي بِمِثْلِ هَذِهِ السَّعَادَةِ الْحَقِيقِيَّةِ مِنْ قَبْلُ قَطُّ. كَانَ لَا يَزَالُ جَائِعًا؛ جَائِعًا جِدًّا. وَلَكِنَّهُ لَمْ يُبَالِ. لَقَدْ أَنْقَذَ الْجَدَّةَ ثعلبة، الْجَدَّةَ ثعلبة الْعَجُوزَ الطَّيِّبَةَ، الَّتِي عَلَّمَتْهُ كُلَّ مَا يَعْرِفُهُ. وَأَدْرَكَ أَنَّ الْجَدَّةَ كَانَتْ تَعْرِفُ أَنَّهُ خَاضَ مَعْرَكَةً مَعَ نَفْسِهِ لِيَقُومَ بِذَلِكَ. كَانَ ريدي سَعِيدًا بِكُلِّ مَعْنَى الْكَلِمَةِ؛ لِأَنَّ السَّعَادَةَ الْكَبِيرَةَ تَأْتِي عِنْدَمَا تَقُومُ بِشَيْءٍ مِنْ أَجْلِ الْآخَرِينَ.

تَمْتَمَ قَائِلًا: «لَمْ أَفْعَلْ شَيْئًا.»

أَجَابَتِ الْجَدَّةُ: «بَلْ كَانَ أَمْرًا عَظِيمًا.» ثُمَّ غَيَّرَتِ الْمَوْضُوعَ وَسَأَلَتْهُ: «مَا رَأْيُكَ فِي أَنْ تَأْكُلَ عَشَاءً مِنْ عِنْدِ كَلْبِ الصَّيْدِ باوزر؟»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠