الفصل العاشر

العواطف والانفعالات

بالرغم من أن الفلاسفة العقليين مثل ديكارت كتب رسالة في الانفعالات، وكذلك كتب الوجوديون في نفس الموضوع مثل جان بول سارتر كتب رسالة في الانفعالات، فإن التفرقة بين العواطف والانفعالات تفرقةٌ دقيقة، وترجماتها إلى اللغة العربية صعبة، تتداخل فيما بينها؛ ففي اللغتين الفرنسية والإنجليزية هناك لفظ مشترك مثل passions عواطف. وتعني انفعالات، وهناك بالفرنسية كلمة عواطف sentiments، وهي بالإنجليزية نفس اللفظ ونفس المعنى. وتزيد الإنجليزية لفظ feelings فيعني مشاعر. ولا يوجد لها مقابل في الفرنسية.

وتشير كل هذه الألفاظ للجانب الوجداني للإنسان مقابل الجانب العقلي. ويُلاحظ أن العواطف إيجابية أكثر منها كونها سلبية مثل: السماحة والاحترام والتقدير والتعاطف والمشاركة الوجدانية.

أما الانفعالات فهي سلبية أكثر منها إيجابية مثل: الغضب والكراهية والحسد والغيرة والضيق والصراخ وربما أيضًا الفرح والحزن اللذين يقعان بين العواطف والانفعالات.

ويمكن القول بأن العواطف تدوم أكثر من الانفعالات؛ فالعواطف تبقى في الشعور مدةً طويلة، في حين أن الانفعال وقتي، يأتي بسرعة، وينتهي بسرعة.

فالحب مثلًا إذا كان دائمًا فهو عاطفةٌ نبيلة، وإذا كان انفعالًا وقتيًّا فهو عاطفةٌ هوجاء.

ولا تتعلق العواطف بالأشخاص المتعاطَف معهم، كما لا تتعلق الانفعالات بالأشخاص المُنفعَل تجاههم؛ فالأشخاص لهم كل التقدير والاحترام سواء أكانوا من المُتعاطَف معهم أم من المُنفعَل ضدهم.

وتتعلق العواطف والانفعالات بالجانب الذاتي فقط؛ أي بإحساس الإنسان، وبتجربته الحية تجاه بعض الأشخاص. وقد يكون مصيبًا أو مخطئًا في هذا الإحساس.

فالعواطف والانفعالات إذن تقع خارج نطاق الأحكام العقلية أو الخُلقية، ولا تستحق الغضب منها؛ لأنها ذاتيةٌ خالصة ولا شأن لها بالأشخاص الموضوعين بين قوسين. إنما هو الوعي الذي يحلل نفسه تجاه ما يحدث فيه من ذكريات؛ فالذكرى ذاتيةٌ خالصة، وهي تجربةٌ حية مضت كموقف ولكنها بقيت منغمسة في الوعي، كما هو الحال في شعر أحمد رامي في قصيدة ذكريات:

كيف أنسى ذكرياتي
وهي أحلام حياتي
إنها صورة أيامي
على مرآة ذاتي

ويعيش الإنسان بين دائرتَين صغيرتَين؛ الأولى دائرة الوالدين، والثانية دائرة الأبناء والأحفاد. ففي الدائرة الأولى الصغرى وهي دائرة الأسرة، الوالدان والأشقاء والشقيقات قبل الزواج والانفصال عنهما. فالأب كان طيب القلب، يحافظ على أسرته وأبنائه وأحفاده، يلتقي بهم في المناسبات عندما يكبرون ويتعاطف الأبناء معه طبقًا للآية وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا. وهو موضع احترام وتقدير الجميع. كنت أزورهم مرة أسبوعيًّا هو والوالدة بعد الزواج وتكوين أسرتي الصغيرة؛ الزوجة والأولاد ثم الأحفاد. رأيته وهو في اللحظة الأخيرة وكان زوج شقيقتي موجودًا والروح تصعد إلى بارئها، وعلامات الألم بادية على وجهه وفمه المفتوح.

أما الوالدة فقد توفيت بعده بعشر سنوات، وكنت أزورها وهي مريضة على الأقل مرتين في الأسبوع، وفي آخر مرة رأيت ظهرها وقد آلمها من قرحة الفراش، وفي اليوم التالي كنت أحضر عزاء أحد الأقرباء ولم أستطع زيارتها لتأخر الوقت. حزنت كثيرًا وندمت لأنها توفيت ذلك اليوم ولم أرها للمرة الأخيرة، ولم أسامح نفسي كيف لم أصعد لزيارتها حتى لو كنت متعبًا؟

وتوفي أخي من دائرتي الأولى الصغيرة. كنت بجانبه أنا وابنته في غرفة الإنعاش بمستشفى القصر العيني الفرنسي، وأخذنا عزاءه في مسجد المدينة الجامعية.

أخشى من النفَس الأخير الذي ينقطع بعده دخول الهواء إلى الرئتين. كنت بجوار أبي وبجواري زوج شقيقتي الكبرى وهو في النزع الأخير، رأيت فمه مفتوحًا على آخره، ووجهه متألمٌ. وبعد ذلك انتهى تعبير قسمات الوجه، وانفضَّ الصدر، وتوقف التنفس، قرأ زوج أختي الفاتحة عليه، ووضع الغطاء على وجهه، وخرجنا من الغرفة، ورجونا من أمي ألا تصرخ؛ فقد قام أبي بواجبه خير قيام، وربَّى سبعة من أولاده؛ ولدين وخمس شقيقات. وكان فخورًا بتلك البنايات السبع التي بناها. صحيح أنه من المحافظين، وكنا إذا زرناه أنا وزوجتي الحبيبة لمساعدته في بعض الأعمال المنزلية؛ لأن والدتي كانت في بني سويف، كان يجلس أمامنا، وكنا نشاهد في «التليفزيون» جنازة عبد الناصر عنده، وكانت زوجتي ترتدي «جونلة» قصيرة فرمى لها بغطاء التلفزيون قائلًا: «استري نفسك.»

كان تقليديًّا، وكانت زوجتي تعدُّ له الطعام أثناء غياب والدتي، ومرة كانت تطبخ فاصوليا خضراء، وتقطعها بالعرض، ولما انتهت من الطبخ وأكل منها رأينا عدم الرضا على وجهه. فسألناه: «ما الخبر؟» فقال: «إن زوجتك قطعت الفاصوليا بالعرض، أما أمك فكانت تقطعها بالطول؛ ولذلك ففاصوليا والدتك ألذ من فاصوليا زوجتك.» فقبلنا النقد عن رضا مع أنه لا فرق بين تقطيع الفاصوليا بالطول أو بالعرض.

وكانت والدتي تطبخ لنا الكشك الصعيدي، وكنت أكتب على وجه الطبق بالصلصة الحمراء اسم زوجتي؛ فيضحكان الوالدة والوالد رحمهما الله.

وكان عندما يقرأ الجريدة الصباحية يعيد قراءة الأخبار لوالدتي التي كانت أمية، وهو يُمثل ما يقرأ كي تفهم ما يحدث في السياسة خاصة أنني وأخي كنا من المسيَّسين.

وقبل أن أغادر إلى فرنسا سألت والدي: «أين هي كتيبات الإخوان؟ والمجلة التي كانوا يصدرونها؟» قال: «أخفيتها داخل ماسورة حائط في السطح فلا يستطيع أحد رؤيتها.» خشية عليَّ من ملاحقات الأمن أو الشرطة.

كان مخلصًا لأسرته، ونحن في الإسكندرية والأسرة تودعني قبل ركوبي الباخرة، أعطاني أخي عشرين جنيهًا مكافأة الباحث التي كان يأخذها في الشهر، ولما رأى الوالد ذلك أخرج ما في جيبه وكانوا خمسة جنيهات. فأعطاها لي، وفرحت. وحزنت في الوقت نفسه، فرحت لهذه العاطفة النبيلة في الأسرة. وحزنت؛ لأنني أخذت كل ما معها وكل مصروفها في هذا الشهر.

ومرةً أخرى يبدو أنه تعارك مع والدتي فجاء يسكن عندي، وكنتُ قد أغلقتُ نصف الشرفة حتى أصبحت كغرفةٍ صغيرةٍ إضافية. عاش فيها والدي عدة أيام، وهو شارد الذهن؛ لأن شريط الذكريات يمرُّ أمامه، وكنا نحاول أن نُصلح بينه وبين والدتي ولكنه كان يرفض. أما هي فأقل منه رفضًا، وجاء زوج شقيقتي الكبرى إلى منزل والدتي فأقنعها بأنه يجب عليها أن تبادر وتصالحه؛ لأنها المرأة وهو الرجل، فأطاعته. وقدمتْ إلى منزلي، وأخذت معها والدي إلى بيته، وانتهى الأمر. وكان والدي يُحضر لنا معه الطحينة من السرجة بشارع «الحسينية». وكان يركب الحافلة ذهابًا وإيابًا. وكنا ندعوه أنا وزوجتي للغداء قبل أن يرحل، فكان يرفض. فنسأله: «ما الخبر؟» فيقول لي: إن طبيخ زوجته أحسن من طبيخ زوجتي؛ فأعتذر له بأن زوجتي ما زالت حديثة العهد بالزواج لا تحسن الطبيخ، أما والدتي فهي أكثر خبرة منها، فتنبسط أسارير وجهه بهذا الاعتراف.

كان يحب أسرته، ولا يحب البقاء خارج المنزل، وكانت قوانين الجيش تحتم عليه أن يبقى «نبطشية» مع فرقة الموسيقى في المعسكر مرة كل شهر حتى الصباح، فكان يأتينا في المساء ويخرج في الصباح الباكر بعد الفجر ويصل المعسكر مبكرًا وكأنه قضى الليلة فيه.

ومرة أراد أن يستقلَّ أول مترو عند بداية العمل، حتى يصل مبكرًا وقبل أن يستيقظ زملاؤه. كان الترام قد بدأ في التحرك، فجرى والدي خلفه، وسقط على الأرض قبل أن يدركه، وسند على أصابع يده عند سقوطه فانكسرت لثقل جسمه عليها، فلفَّها بمنديله، وأسرع إلى العمل في المعسكر. وقال لزملائه الموسيقيين بأنه وقع في الحمام، فأرسلوه إلى المستشفى العسكري حيث قاموا بخياطة الجروح، ولكن أصابعه ظلت ملتوية مدةً طويلة. ومن حسن الحظ أن ذلك لم يمنعه من العزف على «الترمبون» الذي كان بحاجة إلى اليد والأصابع وليس الأصابع وحدها كالكمان.

وكان والدي غيورًا جدًّا على والدتي لشدة حبه لها، فلا يتحمل زائرًا رجلًا يتباسط مع أمي في الحديث، فيخلق والدي سببًا لتعكير الجو حتى يخرج الضيف، ويترك والدتي في سلام، رأيت ذلك لأول مرة عندما زارنا عم إسماعيل والد «علي» الموسيقي و«جمال» الممثل. وكان يأتي أنيقًا، وكان شعره مصففًا بقدرٍ كبير من الكريمات والذي كان يلمع في الضوء، يتكلم وهو يضحك، وكان قريبًا لوالدتي؛ فتدخَّل الوالد لتعكير الجو، فقال له عم إسماعيل: «صلِّ على النبي يا عم حنفي» حتى يهدئ من روعه، ويخبره أنه لا نية عنده في مغازلة والدتي وقد تجاوز الستين ووالدتي الخمسين، وكانت ترنُّ في أذني أغنية الفتيات صاحبات ليلى مراد في فيلم «غزل البنات»: «أبجد هوز حطي كلمن. شكل الأستاذ بقى منسجمن». وفي كل مرة يزورنا حمو شقيقتي يتكرر نفس الشيء؛ فقد كان متكلمًا ثرثارًا ضاحكًا، ولا يترك لغيره فرصة للكلام. وبالرغم من أنه كان قصيرًا بين السمار والسواد، عجوزًا، وأسنانه بين كل سنٍّ وسن فجوة، ودون أن يكون فيه أي نوعٍ من أنواع جمال الرجال، كان والدي يغار منه لقدرته على الكلام بينما والدي أقرب إلى الصمت. فكان والدي يتهرب دائمًا من زيارة عم إسماعيل لنا دفاعًا عن أمي وغيرةً منه.

ولما مرضت والدتي ولم يكن عندنا من يُمرِّضها، أحضرنا سيدتَين تتناوبان العمل، اثنتي عشرة ساعة في اليوم، تذهب إحداهما فتأتي الأخرى، كانتا تساعدانها في تنظيف ظهرها بالقطن والشاش من جروح قرح الفراش، وكنت أزورها مرةً كل أسبوع، وأنا عائد من الجامعة. وفي يوم الزيارة عدت من الجامعة وكنت متعبًا لأنني كنت في واجب عزاء فقررت أن أزورها في اليوم التالي. وعرفت أنها قد توفيتْ؛ فحزنتُ، وندمتُ على أنني لم أزرها في الموعد المحدد حتى لو كنتُ متعبًا، وحضرتُ عزاءها، وكان صوان العزاء بميدان الحسينية، وكان كبيرًا.

وكان أبي قبل أن يتوفى قد ساعدناه في شراء مقبرة للأسرة بمنطقة البساتين بجوار عين الصيرة، وكتبنا عليها لافتة باسمه. وكان هو أول من دُفن فيها، وكانت خالتي هي الثانية، وأمي هي الثالثة؛ لأن مقابر أسرة أمي في بني سويف في الضفة الأخرى لنهر النيل، وحماتي فيما بعدُ. وظلَّت تلك مقابر الأسرة حتى الآن، بها أخي وشقيقاتي، وأزواجهن.

ويعيش الإنسان مع دائرة الأسرة الأولى؛ الزوجة والأبناء، ذكورًا وإناثًا. فأول عاطفة تركتها الزوجة الحبيبة في شعوري هي الوفاء، حاضرًا أم غائبًا، مستريحًا أم غاضبًا، عاشقًا أم معشوقًا، صحيحًا أم سقيمًا، حرًّا أم سجينًا، سعيدًا أم شقيًّا.

فالوفاء عاطفةٌ نبيلة لا تتغير، تعيش في الذكريات، ويسعد الإنسان برؤية شروطها، فلا خوف مما يُسمى الخيانة للزوجة أو تعدد الزوجات أو الطلاق أو الهجر.

تدمع العيون في حالة التأثر إذا ما شعر صوابًا أم خطأً أن الوفاء لا يقابله وفاءٌ آخر؛ فالوفاء علاقةٌ متبادلة بين زوجَين، خاصةً إذا كانا حبيبَين، وبوجهٍ أخص إذا كانا عاشقين. أمدُّ لها العون فيما تحتاج، وتمد لي العون فيما أحتاج، تغنيني عن العالم، وأغنيها عن العالم، كما هو الحال في شعر نزار قباني في قصيدة قارئة الفنجان: «قد تغدو امرأة يا ولدي يهواها القلب هي الدنيا». وبعد أن اكتشفتْ زوجتي الحبيبة موهبتها في النقد السينمائي انضمت إلى معهد السينما بأكاديمية الفنون للدراسة به حتى حصلت على البكالوريوس في السينما، وكوَّنت مكتبةً سينمائيةً كاملة عن تاريخ السينما المصرية والعربية، وحضرتْ معظم مهرجانات السينما في مصر والوطن العربي، وأسستْ مركزًا لتاريخ السينما يقع في الطابق الثاني من منزلنا الجديد. ونشطت في عقد ندواتٍ شهرية عن نقاد السينما المصريين قبل أن يرحلوا، وكانت الندوات مسجلة. ونشرت عدة مجلدات عن تاريخ السينما المصرية مثل أعمال حسن جمعة. وهي بصدد جمع مقالاتها في النقد السينمائي والتي تصدر عن قريب، ولولا اعتلال صحتها لكان نشاطها أوسع، ومع ذلك أصبح مركزها السينمائي مكانًا للباحثين في تاريخ السينما المصرية يقدم خدماته مجانًا وحبًّا في العلم ونشر الثقافة السينمائية.

وُلد الابن البكر بعد عام تقريبًا من زواجي، وأخذناه معنا إلى الولايات المتحدة الأمريكية عندما كنت أستاذًا زائرًا في جامعة تمبل بولاية بنسلفانيا، وكان طفلًا صغيرًا ما زال يحبو. وما إن اشتد عوده حتى أخذ يسير في الشقة ذات الأرضية الخشبية، ويدخل المطبخ ويحضر الأواني يقرع بها الأرض؛ حتى انزعج الساكن الجار بالدور الأرضي، وبعد أن استطاع أن يمشي دخل المطبخ وكانت زوجتي الحبيبة قد أشعلت الفرن لطهي الطعام، فلما وضع يده على زجاج باب الفرن لسعه؛ فجرى مسرعًا بعيدًا عنه. وكان كلما رآني أو رأى والدته حذرنا من لسعة الفرن قائلًا: «يح!» كان يقلدني في كل شيء وأنا أقرأ الكتب مقلِّبًا الصفحات، كان هو يأخذ أقرب كتاب من على الرف ويجلس على الأرض مقلبًا صفحات الكتاب مثلي، ليعرف لماذا أقلب صفحات الكتاب وكأني أبحث عن شيء بداخله، وعندما لا يجد شيئًا بين صفحاته يأخذ غيره ويقلب بين صفحاته فلا يجد شيئًا فيرميه هو الآخر مستغربًا عن ماذا أبحث! وكنت إذا دخلت الحمام يريد أن يعرف لماذا أغلق الحمام خلفي فيدفع بيده وأصابعه الصغيرة تحت عقب الباب فأرى أصابعه الصغيرة. فلما لا يستطيع فتح الباب أو الدخول ورائي يغادر، كانت واجهة غرفة الجلوس زجاجية، وكان يأتي بكرسي يصعد عليه؛ ليرى الفناء الأخضر. ولما كان يراني عائدًا من الجامعة يخبط بيده على الزجاج ويهلل فرحًا، ويأتي لانتظاري وراء باب الشقة ينتظر لأفتح الباب، ثم يتغير الفرح إلى بكاء؛ فأحمله وأربت على كتفَيه محتضنًا إياه، وأقول له أعلم أن أمك ضربتك فلا تحزن، فكان يفرح من جديد، كنت ألاعبه كثيرًا، يجري فوق السرير وأنا أحاول اللحاق به. وكلما فرَّ من قبضة يدي فرح وضحك على أنه انتصر عليَّ. وتتكرر هذه اللعبة كل يوم؛ يصعد إلى السرير وكأنه يدعوني أن وقت اللعب قد أتى وهو يراني على المكتب طيلة النهار. كانت السعادة في هذا المنزل؛ سكن أساتذة الجامعة، كل سبت بعد الظهر أن يأتي ببرميل البيرة، وكان بالفناء شواية، ويحضر كل ساكن قطع اللحم ليشويها، ونشرب البيرة ونتعرف نحن الأساتذة الجيران بعضنا على البعض، وأحيانًا طلاب الدراسات العليا. ويحدث أن تستلقي فتاة على العشب الأخضر وهي تشرب البيرة، وكنت لا أدري ماذا كان قصدها! وكان ابني قد بلغ السنتَين، كانت تدعوه ليلعب معها فيستجيب ويجد شعرها الناعم المنسدِل على الكتفَين يبرق في الشمس فيتحسَّسه بيده، وكان يضع إصبعه في كوب البيرة الزجاجي الخاص بها ثم يضع إصبعه في فمها وهي تتذوقه معجبة ومبتسمة بهذه الشقاوة. ويرفض أن يغادر بعد نهاية الجلسة لكي نصعد إلى شقتنا، وتعرَّفتُ على معظم الطالبات عن طريقه، فقد كان حلقة الوصل بيني وبينهن. وكنت أرى مدير المنزل الشاب يأخذ طالبةً كندية بعد أن شربا البيرة إلى حجرته. لم أفهم كل ذلك لأنني كنت قد حضرت توًّا من مصر متأثرًا بمقولات العيب والحرام. ولما أرادت زوجتي إكمال دراستها والحصول على الماجستير، ويصعب ذلك وابننا ما زال طفلًا صغيرًا يحتاج إلى رعايةٍ مستمرة وقضاء وقتٍ طويل معه، قررنا إرساله إلى مصر ليبقى مع جدته وشقيقة أمه، ولما ذهبنا إلى المطار لتسليمه للمضيفة بكى؛ فنصحونا في الطائرة بأن تأتي والدته معه إلى القاهرة ثم تتركه مع الأقرباء وتجلس معه شهرًا أو أقل أو أكثر حتى يتعوَّد على غيابها والعيش مع أقربائه الجدد، وبدلًا من أن ندفع ببطاقة السفر للمضيفة التي ستصحبه ندفعها لأمه وكان هو يسافر مجانًا؛ لأنه لم يبلغ السنتين. فعادت به إلى المنزل لمدة ستة أشهر إضافية لأننا كنا بمنتصف العام الدراسي ولا تستطيع ترك الدراسة والسفر شهرًا للقاهرة. وفي هذه الشهور الستة أظهر الطفل الصغير كل إبداعاته في اللعب والضحك والجري وملاعبة الفتيات وبداية الكلام والنطق باللغة العربية، لدرجة أننا أنا ووالدته نحزن لأننا كنا سنفترق عنه وهو لا يعلم ماذا ينتظره في نهاية العام الدراسي. وبالفعل أخذته أمه إلى القاهرة ودرَّبته كيف يعيش مع الأسرة الجديدة، وكانت تختفي عن أنظاره بين الحين والآخر لتدربه على عدم وجودها، حتى تعوَّد على خالته وأولادها، ثم عادت زوجتي إلى أمريكا وكأننا في حدادٍ لغياب الطفل من وجوده معنا ولعبنا معه. ولكننا أدركنا أن العلم في حاجة إلى تضحية. وكنا نأتي إلى القاهرة سنويًّا في الصيف في رحلاتٍ جماعية «شارتر» كي نرى طفلنا. شعر أول مرة بالغربة نحونا، ورفض أن يبيت معنا في شقتنا، وظل يعيش في منزل جدته وخالته كما تعوَّد خلال العام. وتدريجيًّا بدأ يتعود علينا من جديد، وأخذناه إلى الإسكندرية فقام في الليل قائلًا إياكم أن تظنوا أنني نسيت خالتي وأولادها، وبكى؛ فقد كان لا يود أن يعيش في غربة مرتين. ونحن نغادر القاهرة عائدين إلى فيلادلفيا قلنا له إننا سنشتري له اللعب وسنعود إليه عن قريب كاذبين عليه. وفي كل صيف كنا نأتي للقاهرة لنراه حتى تعوَّد على غيابنا وأن له أسرتين: أمه وخالته، أبوه وأولاد خالته، يلعب مع كليهما. وبعد أن انتهت زوجتي من دراسة الماجستير والحصول على الدرجة وكان قد تبقى لي سنةٌ واحدة للعودة إلى مصر، وكنا نريد أن نكتشف أمريكا كما فعلت في كتابي الذي صدر أخيرًا «أمريكا، الأسطورة والحقيقة»، خفنا عليه من الأسفار الطويلة التي قمنا بها ثلاث مرات، من الشرق إلى الغرب، ومن الشرق إلى الشمال عبر كندا، ومن الشرق إلى الجنوب وصولًا لفلوريدا. وكنا نخاف أن يمرض ولا يتحمل هذه الأسفار الطويلة فقررنا أن يبقى في القاهرة دون أن نراه في الصيف كما اعتدنا. وزرنا في الصيف الولايات المتحدة، ولاية ولاية قبل أن نعود نهائيًّا إلى القاهرة. ومنذ ذلك الوقت لا يفارقنا الأولاد الثلاثة إذا سافرنا طويلًا، سنتين في المغرب وثلاث سنوات في اليابان. وذهب ابني البكر بعد ذلك إلى الولايات المتحدة الأمريكية وهو طالب في الجامعة الأمريكية بالقاهرة؛ ليقضي فصلَين دراسيَّين بجامعة بولدر في ولاية أوهايو، وسنةً أخرى في انجلترا للحصول على درجة الماجستير في النظام الفيدرالي؛ إذ كان خريج العلوم السياسية. وبعد عودته وقبوله في وزارة الخارجية المصرية عُين في السلك الدبلوماسي، وتدرج في المناصب في الوزارة حتى أصبح وزيرًا مفوضًا، وربما يصبح بعد عام سفيرًا لمصر. وكانت رسالته للماجستير في انجلترا عن النظام الفيدرالي، وسجَّل رسالته للدكتوراه في موضوعٍ مُشابه في جامعة القاهرة إلا أن الخارجية استهلكته ولم يعد لديه وقت لاستكمال الدكتوراه. وبعد أكثر من خمس سنوات تنازل عن السلك الأكاديمي.

جوهر نجلي البكر الأكبر هو الإخلاص؛ الإخلاص في العمل؛ يخرج من الصباح الباكر ويعود في المساء، متعبًا في حاجة إلى الراحة بعد عناء. يُعطي نموذجًا للإخلاص لزملائه الذين يعملون معه، أعلى منه رتبةً أو أقل، وكأنه كان يدور في وعيه اللاشعوري حديث الرسول «إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملًا أن يتقنه.» أصبح العمل هو بؤرة حياته، وربما لم يعد يبقى لباقي الدوائر الأخرى في حياته أي مكان، ومع ذلك هو حسن العشرة، مخلص للأصدقاء، صاحب «نكتة»، يلعب مع الأطفال وكأنه طفل مثلهم، وتلعب الأطفال معه، يُخلص لأسرته، ويؤدي معظم خدماتها بالرغم من ضيق وقته، لم يُلهه الإخلاص في العمل عن التمتع بالموسيقى والمسرح.

وهو متخصص في النظام الفيدرالي الذي قد يطبق في الوطن العربي أسوة بالاتحاد السوفيتي، والولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السويسري، والمملكة المتحدة، وألمانيا الاتحادية، والاتحاد الأوروبي؛ يجمع الدول المتحدة مع جيرانها في منظماتٍ إقليمية. وأول مظاهر هذه الاتحادات، المرور الحر من وطن إلى آخر دون تأشيرة دخول، والاقتصاد الحر لكل دولة، ويكون الاتحاد أساسًا في السياسة الخارجية وفي الدفاع.

والابن الأوسط تدور حياته وحياة زوجته وأولاده الثلاثة حول محور الإيمان؛ فالجميع متدين، يؤدون الصلوات، ويحترمون الشعائر، ويخلصون للجد والجدة، والأعمام والأخوال.

وهو مخلص لعمله في علم الاتصالات، ولديه خبرةٌ واسعة في مجال عمله بتركيا وكندا، ولولا صعوبة عودته إلى الوطن وإيجاد عمل يليق بمستواه الفني بعد أن كان مهندسًا كبيرًا في شركة للاتصالات يملكها نجيب ساويرس والتي تم بيعها لشركةٍ أخرى استغنت عن معظم مهندسيها الكبار. وينتظر أن تسمح الظروف للعودة إلى الوطن، وإذا وجد عملًا جديرًا بمستواه التقني كمهندس للاتصالات.

أما الابنة الصغرى فيمكن تلخيص شخصيتها، كما أشعر بها، في كلمةٍ واحدة هي «التمرد»؛ التمرد على بقايا المحافظة في الأسرة الأولى، والتمرد في حياتها الأدبية والنقدية، وعلى أوضاع المجتمع السياسية والاقتصادية. شاركت في الكثير من الندوات الأدبية، ولها اجتهاداتٌ أولى في كتابة القصة القصيرة، ولها محاولات في النقد الأدبي، ولها مشاركات في الحركات الوطنية، والأحزاب التقدمية. تعدُّ الآن رسالتها للدكتوراه بألمانيا في النقد الأدبي من مرحلة ما بعد التحرر من الاستعمار، تنقد نظريات النقد الأدبي الصورية والاجتماعية لتقيم نقدًا أدبيًّا يجمع بين الأشكال الأدبية والبنيات الاجتماعية والحركات الوطنية، لها ابنة هي حفيدتي، يبدو أنها ستكون مثل أمها وجدِّها، تنتقل من التمرد إلى الثورة، كما انتقل جيل الإصلاح والنهضة إلى جيل الثورات العسكرية، ثم انتقال الثورات العسكرية والنخب الدينية إلى الثورات الشعبية الجماهيرية، ومنظمات المجتمع المدني، وجيل الشباب الذي عانى من التهميش وغياب القيادات الثورية، ومثل الانتقال إلى ثورة ٢٠١١م.

وبعتابٍ رقيق لأولادي الثلاثة في طريقة اختيار أسمائهم، هناك طريقتان؛ الأولى مركزية، وهي الطريقة القبلية التي ما زالت سائدة في الصعيد وفي بعض المناطق من الوجه البحري وفي عديد من الأقطار العربية؛ فلكل إنسان اسم ولكن الاسم الثاني اسم القبيلة. والطريقة الثانية هي الطريقة الطولية الممتدة بلا مركز؛ فهناك الاسم واسم الأب واسم الجد، الاسم الثلاثي، ونادرًا ما يُطلب الاسم الرباعي، فإذا طُلب فإنه يكون أبا الجد. فمثلًا اسمي بالكامل حسن حنفي حسنين أحمد، حسن اسمي، حنفي اسم الوالد، حسنين اسم الجد، وأحمد أبو الجد. وألاحظ ليس فقط في عائلتي بل في عائلات غيرى بأنه يتبعون الطريقة المركزية في تسمياتهم بانتسابهم لاسم القبيلة أو العائلة، ربما طلبًا لأوراقٍ رسمية في الغرب فيضطر الشخص إلى اختيار اسمٍ مركزي لا أدري كيف! هل هو اسم الأب أم الجد أم أبو الجد … إلخ. ويسقط الاسم الرباعي في حالة الأحفاد؛ فمثلًا حفيدي «أنس» اسمه «أنس حاتم حسن» ويسقط الاسم الرباعي حنفي، فإذا تزوج وكان له ابن وسُمي «محمود» يكون اسمه «محمود أنس حاتم» ويسقط الاسم الرابع وهو حسن. وما آخذه على أولادي الثلاثة هو إسقاط اسم الأب والاكتفاء باسم الجد وكأنه اسم العائلة؛ فيكون أسماء أولادي الثلاثة: حازم حنفي دون حسن الأب، حاتم حنفي دون حسن الأب، حنين حنفي دون حسن الأب. وحنفي هو ليس اسم العائلة بل هو اسم أبي؛ فأشعر بأن اسمي قد سقط وأنا الأب من تسمية الأولاد لأنفسهم، فأحزن؛ فأنا لم أسقط اسم أبي من تسميتي فأنا «حسن حنفي حسنين» وليس «حسن حسنين».

أما الدائرة الأوسع وهي الدائرة الثانية في أسرتي، فمعظمها من البنات باستثناء أخ لي. يتخللها تياران: التيار المحافظ، والتيار التقدمي. ويضم الاتجاه المحافظ معظم شقيقاتي البنات لأنهن لم يعملن بالسياسة كثيرًا، إنما التفتن إلى حياتهن العملية في الوظائف وتكوين الأُسر والحصول على الأبناء. وأما جيل الأحفاد هم الذين تأثروا بالجانب التقدمي في الأسرة الأولى وعاشوا مرحلة انكماش مصر وتخليها عن مركزها؛ قلب الوطن العربي. وقد تتستر إحداهن بغطاء الدين ولكن قلبها مع رعاية المصالح لأولادها وتدعيمهم أسرهم الصغيرة.

وكان أخي نموذجًا للرجل الطيب، صافي القلب، يحب الخير للجميع. قَبِلَ أن يكون باحثًا بقسم اللغة العربية قبل تعيينه معيدًا بمرتبٍ بسيط، ومع ذلك استطاع أن يساهم في إعالة أسرته وتزويج شقيقاته وإرسال الوالدين للحج مرتين، وكان تلميذًا لأحد تلامذة طه حسين؛ فكان يحب العلم وفي نفس الوقت كان ضابطًا احتياطيًّا في الجيش. وكان يهوى لعبة المصارعة، وكنت أشاهده وهو يصارع أحد الطلبة في مدرسة خليل أغا وكان قوي البنية، فكنت أخشى عليه من أن يصيبه مكروه. كان طويلًا مثلي يلعب كرة السلة وأحيانًا العقلة والمتوازيين، ويحب التمثيل؛ فانضم لفريق التمثيل بالمدرسة، وكان يدخل في مسابقات وزارة المعارف لفرق التمثيل المدرسية. وكان المنافس الأكبر في مدرسة خليل أغا لفريق تمثيل مدرسة الخديوية التي كان جمال إسماعيل قريبنا طالبًا بها، صاحبني إلى الإسكندرية هو والوالد عند سفري لفرنسا بالباخرة فأعطاني عشرين جنيهًا وكانت مرتبه الشهري كله كباحث لدى الجامعة. كما أعطاني الوالد الخمسة جنيهات التي كانت كل ما معه قبل السفر، وظللت أحفظ له هذا الجميل حتى عودتي، وقمت بإعانة والدي ووالدتي وشقيقتي الصغرى بعد الرجوع من فرنسا بدلًا عنه، وعُين وكيلًا لكلية الآداب بجامعة القاهرة، وكان يخدم الطلبة ويساعدهم لأقصى حد، لدرجة أنه سمح لأحد الطلاب السوريين باستمرار تحضيره للدكتوراه وكانت عن هيجل لمدة عشر سنوات، وكان القانون لا يسمح بأكثر من خمس سنوات. وهو الذي أنشأ كلية الآداب بجامعة بني سويف، وكان عميدًا للكلية ورئيسًا لقسم اللغة العربية، ثم كبرت الجامعة بإنشاء كلياتٍ أخرى مثل الحقوق، والآن هي جامعةٌ كبيرة تضم كلياتها العديدة ومبانيها الجديدة. وكان كثير التدخين؛ مما أصاب رئتَيه بمرضٍ خطير، وكنت معه ليلة الوفاة في المستشفى وبغرفة الإنعاش أنا وابنته الكبرى وهي تقول: «نحن نحبك يا أبى!» وقرر قبل أن يتوفى أن يهدي مكتبته إلى كلية الآداب بجامعة بني سويف؛ فهو عميدها الأول ورئيس قسم اللغة العربية الأول بها، وسُمي أكبر مدرج بالكلية باسمه.

وكانت علاقة شقيقتي الكبرى بزوجها القريب من والدتي علاقةً مثالية للعلاقات الزوجية من حيث التضحية والمحبة والفداء، وكانت أخت الزوج عانسًا وصلت إلى ما فوق الخمسين ولا أمل لها في الزواج، وكانت في اللاشعور تحسد شقيقتي لحب زوجها لها وحب شقيقتي له. لم تفعل شيئًا كريهًا ولكنها لم تكن تحسن المعاملة، وتعوض نقصها باستعلاء على أسرتها وربما في عملها، تسير بحذاءٍ ذي كعبٍ عالٍ يخطف الأبصار، ولكن لا أحد ينظر إليها، وكانت شقيقتي من الحكمة بحيث لم تصطدم بها على الإطلاق بالرغم من وجود ثلاث نساء في منزل شقيقتي؛ هي وحماتها وشقيقة زوجها العانس. فإذا أخطأت شقيقتي في شأن من شئون المنزل هاجت وماجت، ولم ترد شقيقتي عليها، ولم تترك لها المجال لتعكير الصفو مع زوجها أو حماتها. ولما توفيت شقيقتي وحضرتُ بطبيعة الحال مراسم الدفن في مقبرة اشتراها زوجها انتظارًا لهذا اليوم الكئيب، وجلستُ بجوار زوج شقيقتي وهو صامتٌ لا يتكلم؛ مهمومٌ لفقدان رفيقة حياته، وعيناه تنظر إلى المقبرة بعد الدفن وكأنه يقول: «لماذا تتركينني بمفردي وتغادرينني؟» وبعد شهرٍ واحد لم يحتمل زوج شقيقتي ألم الفراق وخلو المنزل من الحبيبة شقيقتي؛ ففارق الحياة بعد شهرٍ واحد من وفاة شقيقتي كي يلحق بها إلى نفس المكان.

وكانت إحداهن طيبة القلب للغاية، خيِّرة، لا تعرف الشر، وكذلك أبناؤها. وكانت أخرى في حالةٍ متوسطة بين الطيبة وبين ما تدفعه إليها الحاجات الاجتماعية، لها ابنة لم تتزوج حتى الآن وقد قاربت على الخمسين نتيجة لظروف الضغط عليها من الاتجاه المحافظ في أسرتها، ولي شقيقةٌ أخرى طموحة في العلم، تجاوزت مدرسة المعلمات إلى كلية الآداب بعد الثانوية العامة، وأصبحت رئيسًا لأحد أقسامها، وهي الآن ما زالت وفيَّة لقسمها وتخصصها بعد أن قاومت الاتجاهات المحافظة في أسرتها القائلة بأن البنات يكفيها التعليم المتوسط ثم الزواج. وأحد أبنائها وتقريبًا الوحيد الذي يمثل الاتجاه التقدمي في الدائرة الثانية للأسرة، يُناقش، ويحاور، وينقد، ويرفض.

أما الدائرة الثالثة في الأسرة وهم أبناء أولاد شقيقاتي فهم ذكورًا وإناثًا أقرب إلى المحافظة الدينية والاجتماعية، باستثناء واحدٍ منهم، هو الغاضب دائما من عدم تحقيق هدفه في التمثيل في السينما أو المسلسلات التليفزيونية، وكانت تلك هوايته الأولى خاصةً بعد أن ظهر في البعض من المسلسلات وأثبت جدارة دون واسطة في الصعود إلى درجاتٍ أعلى.

والجميع يرتبط فيما بينهم بأواصر القرابة والمحبة والصداقة، يلتقون في المناسبات، ويتهافتون بين الحين والآخر، ولهم شبكة اتصال فيما بينهم بعنوان «آل حنفي».

وإذا كانت العواطف تتم داخل الأسرة الواحدة بأبنائها وأحفادها، فإن الانفعالات غالبًا ما تظهر في جهة العمل، فعادة ما تتم الانفعالات بين الموظفين تطلعًا إلى منصبٍ أعلى.

وتتوالد الانفعالات بعضها عن البعض الآخر مثل الغيرة التي تولد الحسد الذي يولد الحقد الذي يولد الكراهية الذي يولد العدوان؛ فالغيرة شيءٌ طبيعي يمكن القضاء عليها بالمنافسة الشريفة، فلا يتولد منها حقدٌ أو كراهية.

وقد بدأ رئيس القسم يشعر بالغيرة مني بعدما عُدت من فرنسا وعُينت مدرسًا للفلسفة، وقد كنت أعجب به في أول سنة لي كطالب بالقسم، وهو في آخر سنة، وكان له قسطٌ من الجمال التركي، وينزل سلم الكلية ضاحكًا مبتسمًا، وكأنه يقول «انظروا لي.»١ ونسي الآية الكريمة وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا.

فلما أصبحنا زملاء وأراد رئيس القسم أحمد فؤاد الأهواني أن يُعينني بلا إعلان، بدأت الغيرة تصب في قلب رئيس القسم التالي. ولما كنت أملأ مدرجات الجامعة فكرًا ووطنية بعد هزيمة ١٩٦٧م امتلأت القاعات بالطلبة والمدرسين الشبان. ولم يخفَ ذلك على أجهزة الأمن، وكنت أخبئ الشيخ إمام في شنطة سيارتي وأدخله للجامعة؛ لأنه كان من الممنوعات. وكان أحمد فؤاد نجم يدخل مخبئًا عود إمام تحت قدمَيه فلم يكن يوقفه أحدًا. ثم يبدأ الغناء في مدرج الآداب والحقوق الكبير حتى الظهر، وتشتعل الجامعة فكرًا ووطنية.

فلما جاء موعد ترقيتي إلى أستاذ مساعد، رقَّتني اللجنة العلمية العامة بالإجماع، وكان لا بد بعد ذلك من الحصول على موافقة الأقسام الإدارية بالجامعة. لم يكن بالقسم إلا أستاذٌ واحد هو رئيس القسم الذي اتصلت به أجهزة الأمن، وطُلب منه عدم الموافقة على الترقية. وذهب إلى مجلس الكلية فاتصلت أجهزة الأمن بالعميد لمطالبته بعدم الموافقة على الترقية. وذهب الموضوع إلى مجلس الجامعة فلم يعرف ماذا يفعل؟ فأرسل التقرير بالترقية إلى مجلس الكلية فأرسله العميد ثانية إلى اللجنة العامة بدعوى الفحص لأنني كافر. وردَّ رئيس اللجنة العلمية على الجامعة بالموافقة على الترقية بدعوى أن ناقل الكفر ليس بكافر. وكانوا يقصدون ترجمتي لرسالة اسبينوزا «رسالة اللاهوت والسياسة». وفي مجلس الجامعة أصرَّ رئيس الجامعة بتطبيق قواعد الترقيات العامة وهو أن محكَّ الترقية قرار اللجنة العلمية وليس المجالس الإدارية، ومرَّت الترقية بسلام.

هذا أحد مصادر الغيرة والحسد والحقد من هذا الشاب الآتي حديثًا من فرنسا وله أعمالٌ علمية يُرقَّى بها في لجان الترقية وبسرعة وعكس ما تطالب به أجهزة الأمن بإيقاف ترقيتي.

ولم يكن الانفعال فقط تجاه زملائي في القسم، بل أيضًا خارج القسم وفي نطاق الكلية؛ فالنماذج مكررة داخل القسم وخارجه. وفي مرةٍ دعوت أستاذًا كبيرًا ووزيرًا سابقًا للأوقاف لإلقاء محاضرة عن «منهج الفلسفات المقارنة» ومثال ذلك المقارنة بين شك الغزالي وشك ديكارت الذي كان موضوعًا لرسالته في ألمانيا منذ عدة عقود. وعُقدت المحاضرة في مدرجٍ كبير بالكلية، وبينما كان المحاضر على وشك الانتهاء، فتح علينا أستاذٌ الباب وكلَّمه — وأنا رئيس الجلسة — بأن موعد المحاضرة قد انتهى وأنه سيشغل المدرج مع طلبته الآن؛ فأُحرج المحاضر لهذا الطرد من المدرج، وكان يمكن لهذا الأستاذ الذي لا يعرف الطرق اللائقة في التعامل مع الزملاء أن يهمس لرئيس الجلسة — وهو أنا — في أذني بالموضوع، وكان يمكن أيضًا أن يكتب ورقةً يعطيها لي يخبرني فيها أن الموعد قد فات، فقمنا نحن الاثنان؛ المحاضر وأنا، ونحن نشعر بالخجل من عدم الاحترام. وبعد أن خرجنا من المدرج دون أن ينهي المحاضر محاضرته بعبارةٍ أخيرة جاءنا هذا الأستاذ، وله لحيةٌ، لكي يعتذر لنا عما فعل، فلم نقبل اعتذاره. وربما أعطته هذه اللحية الحق في التكلم وكأنه صاحب سلطة على الناس.

ولاحظتُ عدة مرات عندما أُدعى لمناقشة رسالة في أحد أقسام الفلسفة بكليات الآداب بعد أن يجلس أعضاء اللجنة الثلاثية وأنا في وسطها باعتباري أقدم الأساتذة، لاحظت أن رئيس القسم يأتي ويجلس بجانب أحد الأعضاء، ويأخذ مكبر الصوت، ويتكلم بدعوى أنه يقدمني ويقدم أعضاء لجنة المناقشة للجمهور، ثم يعود مرةً ثانية بعد انتهاء المناقشة وإعلان النتيجة ليلقي الكلمة الختامية بدعوى شكر أعضاء اللجنة ورئيسها؛ وعلى هذا النحو يكون هو الرئيس الذي يتكلم قبل رئيس اللجنة الفعلي، فهو الرئيس على الرئيس. وتكرر ذلك في جامعة الإسكندرية وجامعة عين شمس وجامعة بني سويف، ولما أدركتُ أن هذا ضد الأعراف الجامعية. فليس من حق رئيس القسم أن يتكلم واللجنة منعقدة ولها رئيس يستطيع أن يقدم أعضاء اللجنة للجمهور، وبدأتُ أغضب، وفي المرة الرابعة في جامعة بني سويف بدأ رئيس القسم يعتلي المنصة لكي يتكلم، فطلبتُ منه أن يعود إلى مكانه في القاعة، وعاود ذلك في نهاية المناقشة؛ فطلبت منه للمرة الثانية أن يعود لمكانه في القاعة، وعرفت أن الرئاسة ما زالت قيمة حتى لو كانت على رئيس، وأحيانًا أخرى في تنظيم لجنة المناقشة على المنصة يضعون صديق رئيس القسم أو العميد في الوسط وأنا في الطرف، ويكون رئيسًا للجنة وهو أصغر مني، إن لم يكن أحد تلاميذي! فغضبت، وهددت بمغادرة اللجنة إن لم يعد النظام العرفي؛ رئيس اللجنة في الوسط، وهو أقدم الأساتذة، وعلى يمينه ويساره العضوان الآخران. وعرفت أن التقاليد الجامعية لا مكان لها داخل الجامعة، وأن قيم الصداقة أو الرغبة في الظهور هي التي تسود.

ثم تتحول الغيرة والحقد والحسد إلى كراهية، والكراهية إلى عدوان، ويمتد هذا الانفعال الجديد إلى بعض أساتذة القسم المساعدين، كراهية لصاحب رؤيةٍ جديدة للعلم، سواء كان في الفلسفة الإسلامية أو في الفلسفة الغربية.

ولما كنا نضع أسماء الأساتذة المتفرغين في قائمة المشاركين في الامتحانات لنيل مكافأةٍ بسيطة، كانوا يرفضون استلامها؛ فنضعها في صندوق القسم للصرف على المناسبات الخاصة المختلفة كالأفراح والأحزان. وظهرت الغيرة لحد العدوان عندما ذهب أحد الأساتذة إلى صراف الكلية واستلم مكافأة أحد الأساتذة المتفرغين بعد أن ترك جزءًا منها للصراف كي يوافق على تسليمه هذه المكافأة وهو غير مخوَّل لذلك، لا كسكرتير للقسم، ولا رئيس له، وأبلغه بأن يكتب اسمي في قائمة المصححين للامتحانات وأني أخذت مكافأة التصحيح لنفسي، فلما علمت ذهبت إلى الأستاذ المتفرغ وشرحت له الأمر فاستعجب من هذه الكراهية التي يشعر بها زميل تجاه زميلٍ آخر.

وتمثلت الكراهية في أنه كان يشرف على أكبر عدد من الرسائل في الجامعات الإقليمية، ويوافق عليها في أسرع وقت بشرط أن يستخدم المدرس الجديد مؤلفات الأستاذ ككتبٍ مُقررة، وانتشر هذا المستوى من الرسائل في معظم الجامعات الإقليمية شمالًا وجنوبًا. وكان يقبل أي انتداب لجامعة للتدريس بها لأنه سيقوم بتوزيع كتبه، وكان يفخر بأن كتبه لها الآن أكثر من عشر طبعات ليوحي للناس بأن بها علمًا للقراءة والاطلاع وليس للامتحان والنجاح.

وانفعالٌ آخر كان يغمرني عندما كنت أشعر بأن المصلحة هي الدافع الرئيسي لأي أستاذ بأن يفعل شيئًا يدرُّ عليه مصلحةً خاصة، وشعرت بأهمية كتاب هبرماس «المعرفة والمصلحة». كانت المصلحة هي الموجِّه العام للسلوك مع التضحية بقيمة العلم ورسالة العلماء، وقد يصل حد المصلحة إلى السرقات العلمية حين الترقية. وحين ضبط المخالف يقدم للمحاكمة وتوجَّه التهم له، ويُمنع من التقدم للترقية قبل عامَين عقابًا له. وهذا النوع من الأساتذة تكثر اتصالاته وإصداراته، وهي جميعًا تعتبر إعادة طبع لمقالاتٍ سابقة وليست مؤلفاتٍ جديدة.

ولما كانت الغيرة والحسد والكراهية والعدوان يتوالد بعضها من البعض الآخر، ولم يكن للجماعة العلمية أي هدفٍ جماعي يُذكر، لا مشروع بحث، ولا المساهمة في أي مشروع في الكلية أو خارجها مثل عندنا في الجمعية الفلسفية المصرية أو في اتحاد الجمعيات الفلسفية العربية بالقاهرة أو المجمع الفلسفي العربي في بغداد، ولا سمعة لهم ولا أثر، وكانت شهرتي قد امتدت خارج مصر إلى الوطن العربي والعالم الإسلامي؛ بدأت هذه الانفعالات الأربعة تُكشر عن أنيابها. وكنت قد انتُخبت أمينًا للجنة الفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة، ووضعتُ مشروعًا لدراسة الفلسفة في مصر من خلال أقسام الفلسفة بالجامعات المصرية ومشاريع للبحث العلمي يجمع أساتذة الفلسفة للقيام بعملٍ مشترك مثل الجمعية الفلسفية المصرية، ولما كان كل شيء في مصر يمر عن طريق الاتصالات والعلاقات (التربيطات) وجدت نفسي وقد أُزحت عن أمانة لجنة الفلسفة وتعيين آخرَ أصغر سنًّا أمينًا جديدًا، فاستغربت. وكان أمين المجلس في ذلك الوقت هو من أعتبره أحد تلاميذي. ولما لم يحضر الأمين الجديد لرئاسة اللجنة واعتذار لمرضه، فعُين آخر أصغر منه أمينًا بالنيابة، وكان عضوًا بلجنة الفلسفة، ولم يستطع التقدم لانتخاب أمين للجنة، وتنازل عن ترشيح نفسه احترامًا لي، ولأنه كان يرى أنني الأجدر. ولما أصبحت له السلطة في رئاسة المجلس أزاحني وعيَّن أحد أصدقائه أمينًا للجنة. وانتُخبتُ أنا أمينًا للجنة بالإجماع، وتم تعيينه هو أمينًا عامًّا للمجلس الأعلى للثقافة الذي تندرج تحته جميع اللجان، وتساءلتُ لم الحزن ورئيس الجامعة بالتعيين، وعميد الكلية بانتخاب ثلاثة، مُعين أحدهما، انتخاب في الظاهر وتعيين في الباطن؟ ولِمَ أحزن وكان يتم تجديد دوراتٍ متتالية لحكم الرئيس بانتخاباتٍ مزورة؟ كما يتم انتخاب أعضاء مجالس الشعب والشورى في الظاهر ويكون التعيين في الباطن نظرًا لغياب المنافسة. فانقطعتُ عن حضور اجتماعات لجنة الفلسفة ونشاط المجلس الأعلى للثقافة على العموم، ثم تم تعيين صحفيٍّ خريج قسم فلسفة في الأربعينيات من عمره شغلته الصحافة عن الفلسفة، وأصبح كاتب عامودٍ صحفي في إحدى الجرائد اليومية أو كُتَّاب وثائق خلفاء الرئيس الأول لجمهورية مصر العربية، فحزنت وأعضاء اللجنة من الأساتذة الكبار. وفي إحدى الجلسات سأل يومًا هل تعرفون أحد الفلاسفة؟ ونحن قد أشرفنا على عدة رسائلَ علمية حول هذا الفيلسوف تحديدًا فكيف لا نعرفه؟ يسألنا وكأننا تلاميذ. وكان يفتخر بأن التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد قد تم بقلمه هذا وأخرج القلم يرينا إياه، سكتُّ أُفرغ ما في جوفي اشمئزازًا. ودعانا ذات يوم إلى الغداء في مطعم بإحدى البواخر النيلية الراسية على شاطئ النيل رشوةً كي نقبل رئاسته للجنة. ومن يومها غادرتُ اللجنة وقاطعتُها ولم أنضم إليها مرةً أخرى وحتى الآن، ولم تدم رئاسته طويلًا؛ لقضاء نحبه، وقبل أن تناقش اللجنة كتابي «فيشته، فيلسوف المقاومة». وكان من مطبوعات المجلس، حيث قذف به أحد الأعضاء أرضًا بعد أن وُزِّع مجانًا على الأعضاء جميعًا، استخفافًا بالكتاب، وإهانةً لمؤلفه. وإلى الآن وأنا أتساءل: «لماذا لم يُرشح قسم الفلسفة أحد أعضائه لنيل إحدى الجوائز التشجيعية أو التقديرية، في حين رشحتني هيئاتٌ علميةٌ أخرى وأقسامٌ أخرى بالكلية لنيل جائزة الدولة التقديرية ثم جائزة النيل الكبرى والتي نال مثلها نجيب محفوظ وآخرون؟» وعندما رشح القسم أحد الأساتذة الكبار في السن لم يأخذ إلا صوتين من مجلس الكلية، وعندما رشح القسم أستاذًا آخر أخذ صوتًا واحدًا من مجلس الكلية. لم يهتم القسم إلا بإعطاء الأساتذة أكبر قدر من ساعات المحاضرات لتوزيع كتبهم المقررة من خلال عُمال القسم (فراشين) أو الاهتمام بالإعارات لدول الخليج؛ فانقسم القسم إلى «شِلل» وجماعات مصالح متضاربة. ولتنشيط القسم من جديد دعوت بعض الأساتذة الزائرين يقيم شهرًا ويعطي محاضرات بالجامعة لكلٍّ منهم مثل: أنور عبد الملك والذي ذاع صيته في العلوم الاجتماعية، ورشدي راشد الذي أصبح العالم الأول في تاريخ الرياضيات العربية. لم يحضر كثيرٌ من الأساتذة أو طلاب الدراسات العليا لسماع المحاضرات. كما دعوت حسام الدين الألوسي أستاذ الفلسفة بالعراق ليعطينا تصوره عن تاريخ الفلسفة ولم يحضر الكثير أيضًا. وفي محاضرة لرشدي راشد في المجلس الأعلى للثقافة عندما كنت مقررًا للجنة الفلسفة فأعطانا درسًا مهمًّا عن لغة الرياضيات وأعطى نموذجًا لتحويل العبارة الفلسفية للطوسي إلى معادلةٍ رياضية فغضب مقرر اللجنة التالي وغادر القاعة ظانًّا أن المحاضر أعطى عِلمه لنفسه؛ لأن المحاضرين لم يفهموا شيئًا. وعندما حضر أحد الفلاسفة اليونان ورئيس جامعة أثينا والموسيقي الشهير إلى مصر عن طريق تلميذته التي أصبحت زميلة لنا بالقسم، وأعطى محاضرةً للمجلس الأعلى للثقافة، كان من عادة رئيس القسم أو أحد الأساتذة الأكبر سنًّا دعوة المحاضر الزائر للعشاء في بيته، هذا ما رأيته في الولايات المتحدة الأمريكية. فأعددت وجبة عشاء له ولزوجته ودعوت الأساتذة ليتحدثوا ويتناقشوا في مسائلَ فلسفيةٍ عامة أو في الفلسفة اليونانية خاصةً. ولم يحضر أحد من زملائي في القسم، ولم تحضر إلا تلميذته المصرية والزميلة في القسم ومعها طبق من الحلوى الشرقية، فحزنتُ على مدى تفكك القسم بحيث أصبح لا رابط علميًّا بين الأساتذة والأساتذة الزائرين. وعندما طلب الأستاذ اليوناني رئيس جامعة أثينا والفيلسوف أن يتناول وجبة عشاء شعبيةً مصرية؛ أخذته هو وزوجته إلى مطعم «أبو طارق» للكشري في شارع مشهور بالقرب من ميدان التحرير، وتحادثنا نحن الثلاثة عن العلاقات المصرية-اليونانية وعن الحي المصري في أثينا والحي اليوناني في الإسكندرية ودور اليونان في السينما المصرية.

ولا حرج أن يتعامل بالعلم ظاهرًا وبالمصلحة دافعًا، ويحول المصلحة العامة إلى مصلحةٍ خاصة؛ فالمصلحة هي البداية والدافع والنهاية. وترتبط بالمصلحة الوصولية أو الانتهازية فيتصل المعيد بالأستاذ ويظل معه صديقًا مخلصًا وتلميذًا راغبًا في العلم حتى ينال الدرجتَين العلميتَين بعد التخرج ثم ينتهي الأمر، ويسير في طريقه الخاص إما بحثًا عن انتداب في الداخل ليزيد دخله، أو يوزع كتابه المقرر، أو إعارة إلى الخارج، خاصة لجامعات الخليج؛ لينال قسطًا أوفر من المال ليكون ما يساعده على الزواج والاستقرار؛ من شبكة ومهر وجهاز وسكن وسيارة، فينتقل من طبقةٍ اجتماعية إلى طبقةٍ أعلى، ويهجر أستاذه وكأنه لا يعرفه، ويلتصق بدائرة أستاذٍ آخر أقدر على تحقيق المصلحة.

وقد تكون الوصولية إدارية لا علمية فهي أسرع لتحقيق المناصب، ويعتمد أستاذٌ آخر على التظاهر بالإخلاص إلى الأستاذ القديم الذي عمل معه علميًّا، ولكنه في الباطن يسعى وراء لقمة العيش. يأخذ أفكاره من الأستاذ، يضعها في بالونة بلون أستاذٍ آخر، وبدلًا من أن يحفر البئر بنفسه ليصل للماء، فإنه يشرب من بئر غيرها، ينقد أستاذه من وراء ظهره، يُبلغ الناس بأن أستاذه يمنعه من العلم والانتشار خوفًا منه؛ فالتلميذ قد أصبح أعلم وأقدر وأكثر شهرة من الأستاذ، فيتحول إلى منافق لأستاذه ثم يطعنه في الظهر ظانًّا أنه يزحزحه من مكانه ليجلس هو عليه.

وآخر يبغي الشهرة، يتخلى عن تخصصه، ويتنقل بين الأدب والموسيقى والشعر، ويستشهد بهيجل وبيتهوفن وجوته، يقنع الناس بأنه واسع الثقافة، ومبدع الفلسفة، ويترك تخصصه الأول دون أن يبدع فيه شيئًا. كنت قد حاولتُ إرسال اثنين منهم إلى الخارج لمزيد من العلم، فذهب واحدٌ وهو يتكلم في علم لا يعرفه الأساتذة الأجانب، وعاد بعلم لا يعرفه الأساتذة المصريون، فرفع نفسه فوق الحضارتَين الغربية والإسلامية وما زال يتفاخر بذلك.

ولم يستطع الثاني المغادرة إلى ألمانيا لأنه لا يعرف التعامل مع الحاسب الآلي «الكمبيوتر» ورسب في هذه المادة مرتين، لم يعرف كيف يصوغ جملةً اسمية بها مبتدأ وخبر، أو فعلية بها فعل وفاعل. وكانت الجملة عنده يبلغ طولها صفحة بأكملها، لا يعرف كيفية التنقيط والتقطيع لها بالفاصلة والنقطة، يقرأ كثيرًا، ويفكر قليلًا على غير ما كان يقرأ قليلًا ويفكر كثيرًا على أفكار أستاذه.

وقد أرسلت آخر إلى ألمانيا كي يحضر حلقات بحث في فلسفة الدين. وبعد شهرَين أراد الرجوع لأنه لا يفهم شيئًا، ليس فقط لأنه لا يعرف اللغة ولكنه أيضًا لأنه لا يفهم موضوع البحث. وأكمل العام الدراسي دون أن يُنتج شيئًا، يكفيه التعرف على زميلاته في السكن الجامعي.

لم يكتب أحد منهم مقالًا فلسفيًّا في تخصصه أو في الفلسفة العامة، بعد أن قارب أحدهما سن المعاش. وظلَّا مدرسَين دون ترقية إلى أساتذة مساعدين، لم يتصل هؤلاء الوصوليون بي ولا مرة بعد الحصول على شهاداتهم العليا؛ فمهمتي بالنسبة إليهم قد انتهت، ويلتصقون بأستاذٍ آخر وبدائرةٍ أخرى لعلهم ينالون منهم أكثر مما نالوا مني.

لم أندم على شيء فقد قمت بواجبي تجاه العلم والوطن، ويبدو أن هذا النوع من المعيدين هو الذي يقدمه العصر. فلماذا أبكي على الجامعة وحدها، والوطن أحق بالبكاء عليه؟

ولما أقمتُ الجمعية الفلسفية المصرية لتنشيط الفكر الفلسفي في مصر، بعيدًا عن الجامعات، لم يشارك واحدٌ منهم في نشاط الجمعية، سواء بحضور الندوة الشهرية، أو المشاركة في المؤتمر السنوي، أو ينشر كتابًا علميًّا خارج الكتاب المقرر.

وأخيرًا انعزل البعض، وانكمش على نفسه، واكتفى بوظيفته التي يعيش منها؛ فالعزلة أحب إليهم من المشاركة. العزلة بها أمان حتى ولو كان زائفًا، والمشاركة مغامرة غير محسوبة العواقب.

ويكوِّن أحد الأساتذة جماعة حوله من تلاميذه، ومن يستطيعون تحقيق مصالحهم الشخصية من خلاله؛ فتحولت الجماعة العلمية الكبيرة إلى مجموعاتٍ أو «شللٍ» صغيرة، يتعاونون معًا في الخير والشر، وإن كان في الشر أكثر. وتكبر هذه الجماعات الصغيرة أو تصغر بناءً على تحقيق المصالح أو عدم تحقيقها، ويظل الباب مفتوحًا لمن يشاء الانضمام، فتتفتت الجماعة العلمية الكبيرة كما تتفتت الأوطان إلى أجزاء بالحروب الأهلية، وكما هو الحال في سوريا والعراق واليمن وليبيا، ومن لا يستطيع الدخول في مثل هذه المجموعات الصغيرة علنًا فإنه يدخل سرًّا، ويشترك في التآمر المفضوح، وإن ظهرت البراءة على الوجه؛ فقد حدث أن تآمرت مجموعةٌ صغيرة أو «شلة» على اختطاف الجمعية الفلسفية المصرية من مؤسسها. وفي اجتماع الجمعية العمومية أحضرتْ هذه «الشلة» أكبر عدد من المعيدين وطلاب الدراسات العليا وانضموا إلى الجمعية قبل الانتخاب بساعةٍ واحدة. واختاروا بطبيعة الحال لرئاسة الجمعية ونائبها وأعضاء مجلس إدارتها من تآمر عليها علنًا أو سرًّا. وانطلقت «الزغاريد» لنجاح هذا التآمر الجديد، وإخراج العضو المؤسس وأعضاء مجلس إدارتها منها. واختاروا رئيسًا ونائبًا ومجلس إدارة جددًا ممن اتفقوا عليهم سلفًا. ولما رأت وزارة الشئون الاجتماعية والمشرف على الجمعية أن كل من صوَّتوا في انتخاباتها الأخيرة، أصواتهم باطلة؛ لأن الذي له حق التصويت هو من مرَّ على عضويته سنتان على الأقل. فرجعت الجمعية إلى رئيسها ومجلس إدارتها الأول، وخرج المتآمرون.

أليست ترشيح الجماعة العلمية لأحد أعضاء «الشلل» ومنها شلة الغيرة والحقد والحسد والكراهية والعدوان، ويأخذ الترشيح بالإجماع ثم لا يأخذ في مجلس الكلية إلا صوتًا واحدًا جريمةً خُلقية؟ ولو أن أحدًا من هذه «الشلل» جلس وكتب شيئًا ينفع الفكر والوطن لكان خيرًا له من التآمر والغيرة والحسد والحقد والكراهية والعدوان. إن محاولة أستاذٍ تجميع أكبر قدرٍ ممكن من المعيدين والطلاب للدراسة معه، وإعطاءهم الدرجات العلمية في موضوعاتٍ متكررة، واستخدام الجيل الجديد لصالح الجيل القديم عندما ينتشرون في الجامعات الإقليمية يسبحون بحمده ويفرضون كتبه في طبعاتها العاشرة؛ هي جريمةٌ كبيرة وانخفاض بمستوى التعليم جيلًا وراء جيل، ورغبةً في المنفعة وجمع المال، دون أن يرثه أحد لأنه لا ذرية له.

إن تكوين «شللٍ» صغيرة داخل الجماعات العلمية الكبيرة، تحقيقًا لمنفعة، أو تطلعًا إلى سلطة، لهو قضاء على الجماعات العلمية نفسها، وعدم إيجاد بديل عنها في «الشلة التسلطية» التي تكبر يومًا وراء يوم، بديلًا عن الجماعة العلمية الكبيرة؛ وتصبح «الشلة التسلطية» وسيلة للوصول إلى المناصب الإدارية لرئيسها بعد أن أظهر شعبيته ومدى انتشاره وولاء الجماعة العلمية الكبيرة. ويبقى التمركز حول الذات جريمةً كبرى في الجماعة العلمية الكبيرة التي تقوم على البرهان وليس على الادعاء، والانتقال بين الشرق والغرب لبيان أنه يعرف الثقافتَين، وحين يكتب لا يوجد موضوعٌ محدد أو منهجٌ ملائم أو الوصول إلى نتيجة بعد افتراضٍ علمي يكون البحث تحقيقًا له. ويزداد صراخًا في المناقشات العلمية لإقناع السامعين برأيه. ويستعمل أكبر قدرٍ ممكن من المصطلحات المعرَّبة ليبين أنه من أصحاب الثقافتَين، كما يستعمل بعض المفاهيم الغربية الحديثة ليُبين أنه يعرف الحداثة. في حين أن الثقافة الإسلامية والثقافة الغربية تمرَّان بمرحلتَين مختلفتَين، الأولى في بداية عصر النهضة، والثانية في نهاية العصر الحديث. ويدَّعي أنه من أنصار علم «الاستغراب» الذي يقوم على التمييز بين الحضارتين، وتحويل الحضارة الغربية إلى موضوع للدراسة بدلًا من أن تكون دائمًا ذاتًا دارسة، وتحويل الحضارة الإسلامية إلى ذاتٍ دارسة بدلًا من أن تكون دائمًا موضوعًا للدراسة، فهو يقول ما لا يفعل، ويفعل ما لا يقول. ومن علامات الربط بين الغيرة والحسد والكراهية والعدوان انتخبتني لجنة الفلسفة بالمركز الأعلى للثقافة الذي كان يُسمى سابقًا المركز الأعلى للآداب والفنون والعلوم الاجتماعية مقررًا للجنة. وكان أحد أعضائها قد صرَّح بأنه لن يرشح نفسه طالما أني سأرشح نفسي، ولما تغيرت طبيعة العلاقات الاجتماعية في المجلس، وتغير الأمين العام له تم استبعادي من أمانة اللجنة وعُيِّن آخر أصغر مني سنًّا. ولما كان مريضًا فلم يكن يحضر إلا نادرًا وحضر من هو أصغر منه سنًّا بالنيابة، فحزنت لهذا العدوان وقاطعت المجلس حتى الآن، والذي كانت قراراته ينقصها الاحترام والتقدير. ولما مرَّ رئيس المجلس الجديد ليفتش على اللجان وأمنائها قال للأمين إن حمامات المجلس ليست نظيفة، وكأنه يُقارن بين نظافة الحمام وعدم نظافة أعمال اللجان. وكنت قد قدمت مشروعًا مكوَّنًا من عدة أجزاء؛ أولًا: دور أقسام الفلسفة في مصر، ثانيًا: رسالة أقسام الفلسفة في مصر، ثالثًا: دور لجان الفلسفة في المجلس الأعلى للثقافة، رابعًا: رسالة الفلسفة في مصر، وخامسًا: رسالة الفلسفة في الوطن العربي. وربما خَشِي المجلس من هذا المشروع الذي قد يتعرض إلى الأوضاع السياسية في مصر والوطن العربي والربط بين الفلسفة والمجتمع، أو يُخرج الفلسفة من القاعات الجامعية إلى الشوارع والميادين العامة فيتحقق ما قاله الفلاسفة مثل أورتيجا إيجاسيه «ثورة الجماهير» أو ما قاله لينين في «الفلسفة والثورة» و«الدولة والثورة». ودخلت الفلسفة من جديد محجوزة بين الجدران الأربعة لقاعات الدراسة.

وقد يكون التمركز على الذات فارغًا بلا نتيجة، في بحثٍ أو مقالٍ أو مشاركة في ندوةٍ شهرية أو في مؤتمرٍ سنوي. يكفي أنه تعامل مع الغرب دراسيًّا واجتماعيًّا حتى يكون له الفضل على الآخرين، ويدل ذلك على الرغبة في التحول من عقدة النقص إلى عقدة العظمة؛ فالتعامل مع الأجنبي وتفوق علمه خيرٌ من التعامل مع المصري ونقص علمه. وهو أيضًا كثير الصياح ليغطي بصياحه على رؤيته بشكلٍ سلبي، وهو ما يسمى في الثقافة الشعبية «عقدة الخواجة».

ومن الانفعالات التي اختبرتها، إحساس البعض بالتمركز حول الذات، وأنه لا يوجد في العالم إلا هو؛ فهو الأعلم الأحكم، والأدق، والأشجع، والأصح في آرائه. وهو ما يحدث أيضًا على المستوى السياسي عند الرؤساء الذين يعتبرون أنفسهم هكذا «الأسد إلى الأبد». يصعُب الحوار معه أو إبراز رأيٍ آخر بجوار رأيه؛ فالتمركز حول الذات يصل إلى مستوًى مُطلق، كما في آية مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي. وهناك صيغةٌ أخرى للتمركز حول الذات دون إفصاح ودون دليل، إنما يكون الدليل في الدراسة بالخارج والحياة هناك مع الأجانب. فيؤدي ذلك إلى الإحساس بالعظمة، والسمو فوق الآخرين، والتعالي عليهم، وهم المكونون محليًّا. وقد ظهر ذلك منذ أن كان طالبًا يأتي متأخرًا لقاعة الدرس في أبهى صورة حتى ينظر إليه الجميع؛ لأنه يظن أن الأناقة والجمال تأتي منه وحده.

وقد تتضح الغيرة في رغبة أحد الأساتذة بعد عودته من الخارج ونسيان الناس أنه كان موجودًا، يكتب في الصحيفة الأولى في مصر، وبعد كتابة عدة مقالات، اثنين أو ثلاثة، لم يتحقق الهدف. وفي كل اجتماع يتم في «مركز الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية» السابق على «المجلس الأعلى للثقافة» مع وزير الثقافة في حوار مع المثقفين، يرفع يده ليكون أول المتكلمين حتى يعرفه الناس أكثر وحتى يلفت نظر الوزير إليه، ويكون خطابه حتى يجذب أنظار المثقفين إليه، وعندما لم يتحقق الغرض من كل ذلك يكتب مقالًا يتهمني فيه بأنني من أنصار الثورة الإسلامية في إيران، وأنني ممثل الخميني في مصر، في وقت كان رئيس الدولة يهاجم فيه الثورة الإسلامية وقائدها، فقاطعته، وسميته صديق نصف العمر. ولما حاول أحد الأصدقاء المشتركين جمعنا على العشاء في منزله، أدخلنا الصديق إلى الشرفة لكي نتصافى، فانتظرت أن يبدأ هو بالاعتذار ومناقشة الموضوع، وانتظر هو أن أكون البادئ بالكلام معاتبًا إياه، فلم أشأ لأنني المظلوم وهو الظالم. فخرجنا من الشرفة دون أن نحقق شيئًا. ومع ذلك عندما هاجمتْه الجماعة الإسلامية المتشددة وحاولتْ الاعتداء عليه كما حاولتْ ذلك من قبلُ معي، هنأته بالنجاة، وقابلته مرة في تأبين أحد الزملاء، وكان يسير شبه أعرج ولم نتحادث يومها.

ولما غادر الأستاذ الكبير بالقسم معارًا إلى الخارج بإحدى الجامعات العربية، أخذ هو رئاسة القسم بدلًا عنه. ولما ترك الأستاذ الكبير مكانه في الجامعة المُعار إليها، خلفه الأستاذ الآخر. ودعا معه معظم أساتذة القسم حتى فرَّغه ولم يعد به أحدٌ تقريبًا، فعل ذلك تقربًا إلى الجامعة الخليجية. ومنذ ذلك الوقت الذي بنى فيه الأستاذ قسم الفلسفة بالجامعة الخليجية هدم القسم في جامعته الوطنية، ولم يعد للقسم قائمة بعد ذلك حتى الآن.

ووقع من تبقى فيه في الخلاف والقضايا حتى وصل الأمر إلى المحاكم، وبقي أستاذٌ وحيد ما زال يحمل الشعلة في القسم، اتهمته الجامعة، ولامته على أنه كان سببًا في عدم ترقية رئيسة القسم الحالية.

وحدث نفس الشيء في جامعةٍ أخرى عندما غادر رئيس القسم إلى إحدى جامعات الخليج وبقي حوالي عشرين عامًا حتى تحطم قسمه في وطنه. وحاول أعضاء القسم الحاليين إعادة بنائه قدر الإمكان.

وفى جامعتي كنت رئيسًا في لجنة المناقشة باعتباري أقدم الأساتذة، وأعطتني إدارة الدراسات العليا الظرف الذي به أسماء المناقشين، واستمارات مكافآتهم كي يملئوها وأُوقِّع عليها، فأخذته طالبةٌ قديمة لي أصبحت وكيلة للكلية، وأعطت الظرف الذي به أوراق المناقشة إلى أحد الأعضاء. وفي المداولة بعد المناقشة أخذ مني العضو باللجنة الأوراق طالبًا مني وأنا رئيس اللجنة أن يقرأ هو النتيجة بنجاح الطالب والإعلان عن درجته. كنت في حيرة هل أقبل ذلك ضد المتعارف عليه والقاعدة بأن يُعلن رئيس اللجنة النتيجة بنفسه؟ أم أترك العضو يقوم بذلك دون استئذان مني؟ وقررت أن أتركه يأخذ شرف الإعلان عن النتيجة، وألا أمنعه من ذلك؛ فهو يريد مزيدًا من الشرف في إعلان النتائج.

ولما تمرد أحد الأساتذة الشبان على الأستاذ المنتشر في الجامعات الإقليمية، وأراد أن يقيم لنفسه «شلة» في جامعته يكون هو رئيسها، صعد الشبان على أكتافه وهو سعيدٌ بهذه الرئاسة الجديدة، ولما أراد أن يكون رئيسًا بالفعل وفي مناقشة الرسائل الجامعية أراد أن يتكلم أولًا قبل رئيس اللجنة العلمية بدعوى تقديمه رئيس اللجنة وأعضائها لجمهور المستمعين. فلما قبلت ذلك على مضض في أول جلسة، لم أقبله بعد ذلك في جلسةٍ أخرى للمناقشة، كي لا يكون رئيسًا على رئيس، ومنعته من الكلام من أول الجلسة لآخرها؛ فخاصمني حتى الآن وقد منعت عنه أن يكون رئيسًا على الرئيس.

وتكرر ذلك في جامعةٍ أخرى يبدو فيها رئيس القسم وهو يريد أن يبين لجمهور الحاضرين بأنه رئيس على الرئيس. وقد كان قد قدم لرئاسة اللجنة من هو أصغر مني سنًّا، وجعله يجلس في وسط المائدة رئيسًا، وأنا على الطرف عضوًا، فرفضتُ ذلك قبل المناقشة؛ وأرجعوا ذلك إلى العميد، فنزل العميد مادًّا يده بالسلام عليَّ دون أن يعتذر عما حدث ولكني اعتبرت ذلك اعتذارًا غير مباشر.

وفي جامعاتٍ أخرى تكرر نفس الشيء وأراد رئيس الجامعة أن يقدمني للجمهور باعتباري رئيس اللجنة، وأن يختم المناقشة حتى يكون هو الأول والأخير.

وفى جامعةٍ أخرى كان الذي قدمني لا رئيس القسم بل عضو أقل مني في الدرجة العلمية، وكان يتكلم باعتباره رئيسًا على الرئيس. فحزنت، وهل من المناسب تقديم أستاذٍ مساعد بالقسم أشرف على رسالة الطالب أن يقوم بتقديم من هو أكبر منه سنًّا وأعلى درجة؟

يبدو أن الرئاسة ما زالت مطلبًا في ثقافتنا، وأن الوصول إليها يكون بأي ثمن؛ مما جعلني أتذكر إزاحة نجيب عن السلطة وهو أقدم ضباط الجيش، ورئيس جماعة الضباط الأحرار لصالح شابٍّ أقلَّ منه سنًّا ورتبة!

وفى إحدى جلسات مناقشة إحدى رسائل الدكتوراه لم يستطع رئيسٌ إداري ولو كان رئيس الجامعة نفسها أن يرأس الجلسة. وكانت طالبة لي قد وصلت إلى منصبٍ إداري بالكلية. وكانت تحمل خطابًا من لجنة الدراسات العليا يحتوي على أوراقٍ إدارية مثل أسماء أعضاء لجنة المناقشة، واسم الطالب، وموضوع المناقشة، وتحديد اسم رئيس اللجنة وأسماء الأعضاء. وكان الظرف باسمي باعتباري رئيس اللجنة، لم تسلمني الطالبة الظرف بل سلَّمته لأحد أعضاء اللجنة الذي كان يعمل بمنصبٍ إداريٍّ رفيع، وبعد انتهاء المناقشة طلب مني هذا العضو أن يُعلن هو نتيجة المناقشة للحاضرين ثم انتزع المظروف والأوراق دون أن ينتظر إجابتي لأنه عرف أن الإجابة ستكون بالرفض. تعجبت من صاحب المقام الرفيع والذي لا يهمه سوى أن يزداد رفعة على حساب أي شيء، حتى لو كان بإعلان النتيجة ليحظى بتصفيق الجمهور له. كنت قد احترت في الأمر، هل أوافق على ما حدث أم لا؟ ولأن إعلان النتيجة يكون من اختصاص رئيس اللجنة؛ تركته يفعل ما يشاء؛ فلن أصارع في قضايا غير علمية أراها لا تستحق. فليأخذ التصفيق كما يشاء، ورنَّت في أذني الآية: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى.

وكنت قد قدَّمت استقالتي من القسم والكلية والجامعة لرفضهم دفع تكاليف دار الضيافة العامة في المؤتمر السنوي الذي كان يقيمه القسم بالاشتراك مع الجمعية الفلسفية المصرية، مع أن الجامعة لن تدفع شيئًا. والطلب كان سيتم دفعه من عائد الوديعة التي وضعتها باسم الكلية للصرف منها على النشاط العلمي، لم يتم قبول الاستقالة ورفضها صاحب المقام الرفيع.

وعندما كنتُ رئيسًا للقسم، أتت سكرتيرةٌ جديدة. وكانت ذات قامةٍ طويلة، وممتلئة الجسم، ترتدي حذاءً ذا كعبٍ عالٍ، ولكنها جميلة من تقاطيع وجهها، وكانت العادة إذا كانت لديَّ بعض المكافآت عند صراف الكلية أن أرسل سكرتيرة القسم لتتسلمها نيابةً عني وهي شخصيةٌ رسمية في القسم، والتعامل مع الصراف جزء من وظائفها. فأرسلتها إلى الصراف لتسلم مكافأة الامتحانات ورئاسة القسم الخاصة بي ونيابة عني، وكان مقدارها خمسة آلاف جنيه. ولما كنت لا أحضر إلى الكلية كل يوم وحسب روايتها وضعت المبلغ في درج المكتب الخاص بها وأغلقته بالمفتاح وخرجت وأغلقت باب غرفتها والمضاف لحجرة السكرتارية وكان بالألمونيوم والزجاج. ولما أتيت في اليوم التالي وجدتها تبكي وتقول إن لصًّا كسر الباب، وكسر درج المكتب، وسرق المبلغ، والكلية تحقق معها. وكانت عروسًا مُقدمة على الزواج وتجهز سكنها لهذا الغرض. وانتهى تحقيق الكلية بعد رفع بصماتها أنها هي التي كسرت الباب وكسرت قفل الدرج وأخذت المبلغ. فطلبوا مني أن أكتب طلبًا للعميد لكي يرسلها إلى النيابة العامة لتأخذ جزاءها بعد المحاكمة، فلم أفعل؛ فجزاء السرقة السجن وهي «على وش جواز». واكتفت الكلية بإخراجها من القسم وتحويلها إلى وظيفةٍ إداريةٍ بعيدة عن علاقة الأساتذة بالصرَّاف.

١  طبقًا للمثل القائل: «يا أرض اتهدي ما عليكى قدي.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٣