الفصل السابع

العلم والعالم

منذ اكتشاف المواهب الثلاث وأنا في المدرسة الثانوية، ثم سفري إلى فرنسا تراجعتْ موهبة الرسم وبقيت موهبتا الفلسفة والموسيقى، أي العلم والفن، وكنت أشعر وأنا بالجامعة أن هناك أفكارًا في رأسي يجب متابعتها ومعرفتها وتحويلها إلى علمٍ دقيق، وكانت تأتيني في الأحلام؛ لذلك كنت أضع قلمًا وورقة بجواري لأكتب الحلم لعله يفيدني في يوم من الأيام وأنا أستكمل الدارسة في الجامعة وما بعدها، وكانت أهم الألفاظ المتكررة: الفكر، الواقع، الوعي، والشعور، العواطف والانفعالات، الدنيا والآخرة، الله والعالم، الخير والشر، الجبر والاختيار، اليأس والأمل. وملأت العديد من الأوراق بتواريخها حتى امتلأت حقيبة بأكملها عند السفر إلى فرنسا. وبالفعل أخذتها معي، خاصةً وأن ليس عندي ملابس أو كتب باستثناء كتب السُّنة الخمسة التي وفرها لي أخي، والقرآن الكريم بطبيعة الحال.

وفي باريس كنت أنتقل بها من منزلٍ لآخر حتى استقرَّ بي المقام في المنزل الألماني بالمدينة الجامعية، وضعتها في غرفة الحقائب. ولما بدأت في كتابة خطة الرسالة بعنوان «المنهاج الإسلامي العام»، وكانت الخريطة تتكون من جانبين: جانب ساكن وآخر متحرك؛ الساكن يتضمن التصور والنظام، والمتحرك يتضمن الطاقة والحركة، قدمت لخطة الرسالة بحديث عن الحركات الإصلاحية وربما أكون أحد ممثليها، بل وخاتمها. قدمتها للأستاذ هنري لاوست أحد المستشرقين المعروفين بتخصصه في الحركات الإصلاحية منذ ابن تيمية، فأُعجب من هذه الخطة وقال: الجزء الأول منها الذي يتكلم عن الحركة الإصلاحية جيد بالرغم مما ينقصه من بعض ممثليها، أما القسم الثاني، وهو فلسفتي الخاصة عن التصور والنظام والطاقة والحركة، فهو أقرب إلى الفلسفة العامة ولا يدخل في نطاق الاستشراق الذي يدخل فيه الجزء الأول.

فذهبت إلى أحد الفلاسفة وهو «بول ريكور» وقدمت له الخطة وقرأها بعناية قائلًا: «الجزء التاريخي الأول معلوماتٌ مفيدة لمن لا يعرف الحركة الإصلاحية، والجزء الثاني أقرب إلى برجسون، فلماذا لا تدرس برجسون وتعرف فلسفته في هذه الموضوعات الأربعة وتطورها وتنتهي إلى فلسفتك الخاصة؟» وقرأها مستشرقٌ آخر وهو عميد المستشرقين في باريس وهو لويس ماسينيون وقال: «هل درست علم أصول الفقه؟» قلت: «لا.» قال: «إن وضع منهاجٍ إسلاميٍّ عام جدير بالاهتمام، فلماذا لا تربط ذلك المنهاج المقترح بمناهج علم أصول الفقه وتطوره حتى تنتهي إلى منهجك الخاص؟ ألم ينبه مصطفى عبد الرازق إلى أهمية علم أصول الفقه بأنه أهم العلوم الإسلامية؟ فلماذا لا تأتي عندي كل يوم وتقرأ في علم أصول الفقه؟» وأنزل لي كتاب «المستصفى في أصول الفقه» للغزالي من مكتبته الخاصة، و«المقاصد في أصول الشريعة» للشاطبي، طلب أن أقدم إليه كل يوم صباحًا من التاسعة حتى الثانية عشر، وكان اكتشافًا بالنسبة لي.

ولما كنتُ قد اتصلت بأستاذٍ آخر في مدرسة الدراسات العليا التطبيقية في السوربون، وكان متخصصًا في الإسماعيلية والتأويل الباطني، قرأ خطتي الأولى عن الطاقة والحركة، قال لي: «لماذا لا تدرس التأويل عند الإسماعيلية؛ فهم أقرب إلى تحليل الشعور كما تفعل؟» وكانت هذه المدرسة تُعطي العلم للعلم مثل الكوليج دي فرانس دون شهادات أو درجات علمية.

واحترت بين الموقفين؛ الأستاذ الأول الذي يريدني أن أدرس علم أصول الفقه وأطوره كي أقترب منه ويقترب مني، والموقف الثاني الأستاذ الذي طلب دراسة التأويل عند الإسماعيلية أو الباطنية؟ فمقولاتي عن الطاقة والحركة والتصور والشعور أقرب إلى التأويل الباطني.

وظللت في حيرة من الأمر، أعجبني تحليل علم أصول الفقه للنص، والمصلحة العامة، وطرق الاستدلال، والتعليل. وأعجبني في نفس الوقت التأويل الباطني وتحليل الشعور وتحويل النص إلى تجربةٍ حية كما تفعل الظاهريات «الفينومينولوجيا». وكان الأستاذ كوربان قد ترجم أجزاء من كتاب «الوجود والزمان» لهيدجر تلميذ هوسرل مؤسس الظاهريات.

وقرأ خطتي الأولى فيلسوف ظاهرياتي ومن اليسار المسيحي وهو بول ريكور مع مونييه، وقال لي: «يبدو أنك ظاهرياتي بالطبيعة؛ لأن منهجك يقوم على تحليل الوعي والبحث عن الدلالات، فلماذا لا تدرس الظاهريات وتؤولها كما تشاء وتطبقها على الظاهرة الدينية؟» وظللت حائرًا. فكل النصائح أشعر بجدِّيتها وإمكان اتباعها. ولكن أين لي بالمستشرق الفيلسوف وليس المؤرخ؟ وأين لي بالفيلسوف المستشرق دون الفيلسوف الخالص؟

وقال لي أحد الأساتذة الذي قرأ الخطة لا يُشرف عليك إلا فيلسوف مستشرق، أو مستشرق فيلسوف وهو ما لا وجود له إلا عند رينان والذي كان مستشرقًا هيجليًّا، وهيجليًّا مستشرقًا، وكان السؤال: وأين لي برينان الآن وقد توفي في القرن الماضي؟

وأخيرا سجلت الرسالة الأولى عن «مناهج التفسير في علم أصول الفقه» مع مستشرقٍ متخصص في الفقه وأصوله، وسجلت الرسالة الثانية عن الظاهريات وتطبيقها على الظاهرة الدينية بعنوان «من تأويل الظاهريات إلى ظاهريات التأويل، دراسة في المنهج الظاهرياتي وتطبيقه على الظاهرة الدينية». وكنت قد اقترحت قبل ذلك عنوان «الدين العقلي والدين الوجودي عند كانط وكيركيجارد». ثم لم يعجبني العنوان، خاصة بعد أن سجلته في الدراسات العليا بالجامعة وفضَّلت العنوان الأول «من تأويل الظاهريات إلى ظاهريات التأويل».

وقد استفدت كثيرًا من محاضرات أستاذ في تاريخ الفلسفة وهو جان جيتون أشبه بعثمان أمين في مصر، يحاضر في تاريخ الفلسفة مع التحليل الشعوري مثل برجسون. ومتخصص في المسيحية أي الكاثوليكية وفلسفة الدين، واعتقل في الحرب العالمية الثانية منذ بدايتها. ولما عرف الحكم النازي أنه فيلسوف قدموه إلى هيدجر تلميذ هوسرل في جامعة فرايبورج في الغابة السوداء، وكتب دون مراجع وهو في المعتقل اثني عشر جزءًا سماها «الفكر الحديث والكاثوليكية». وهو يعيد بناء العقائد المسيحية بناءً حديثًا طبقا للفلسفة المعاصرة. وكانت رسالته في الدكتوراه عن «الزمان والخلود عند القديس أوغسطين».

وكان بعد محاضراته العامة يجلس في مكتبٍ صغيرٍ ملحق بالقاعة الكبيرة مع طلبة الدكتوراه لمدة ساعة، يتحدث فيها الطلاب وهو يراجعهم. فكنت أستمع إلى محاضراته العامة في القاعة الكبرى، وأحضر في المكتب الصغير الملحق بجواره مع طلاب الدراسات العليا، ومرة طلب مني أن أتكلم عن برجسون بجانبه على المنصة أمام الطلاب؛ فقمتُ وشرحتُ برجسون في إطار تاريخ الفلسفة الغربية نهايةً به وبدايةً بديكارت والتقاءً بالعقلانية والتجريبية عند هيجل؛ فأُعجب بتلك الرؤية العامة التي تضع الجزء في الكل وهو ما قمت به بعد ذلك عند العودة إلى مصر في «مقدمة في علم الاستغراب».

ومن حبي وإعجابي ببرجسون مثل هذا الأستاذ؛ ألفت كتابًا عن برجسون بالعربية بعد عودتي إلى مصر. لم يلتفت إليه أحد لأنه ليس كتابًا مقررًا على الطلاب.

وأولت خطتي الأولى عن الطاقة والحركة من خلال كتاب برجسون «الطاقة الروحية» وعن التصور والنظام في كتابه «منبعا الأخلاق والدين».

وقد تكون هذه الذكريات تعبيرًا عن كتابه «المادة والذاكرة». وقد يكون تحليلي للشعور من آثار رسالته للدكتوراه «المعطيات البديهية للوجدان». وقد تكون أفكاري عن الحركة مثل كتاب «الفكر والمحرك». وأخيرًا قد تكون عزلتي عن أجهزة الإعلام أثرًا مما فعل برجسون الذي كان لا يخاطب الإعلام أو يعطي حديثًا صحفيًّا خشية من أن يأخذ الناس كلامه الإعلامي ولا يقرءون كتبه.

وقبل المناقشة، أحسست بعيوب الرسالتين وأوجه النقص فيهما وبالرغبة في إعادة كتابتهما، وقد يحتاج ذلك إلى عشر سنواتٍ أخرى، وصممت على المناقشة بالحالة الراهنة للرسالتين، وبعد العودة إلى مصر أقوم بإعادة كتابتهما بطريقة أفضل. فليس في حياتي عشر سنواتٍ أخرى أقضيها بالخارج، وأنا أريد العودة إلى وطني، وتأسيس جماعةٍ علمية في الجامعة، تنقل الرسالة إلى جيلٍ آخر، كما أنقل رسالتي إليهم الآن، وكما أخذت الرسالة من أساتذتي في مصر لأنقلها إلى جيلي هذا.

وكان لي صديق هو رشدي راشد، خرج معي من مصر إلى فرنسا في نفس العام، اهتم بفلسفة العلم ثم بفلسفة الرياضيات، وأصبح باحثًا في المركز الوطني للبحث العلمي في فرنسا. تجادلنا أنا وهو؛ أريد الرجوع إلى مصر ولو نصف عالِم وأكمل النصف الآخر في وطني، كي أبدأ الزرع وأرى الحصاد في حياتي، وهو يرى ألا يعود إلى مصر قبل أن يكون عالمًا كاملًا وليس نصف عالم. قلت له: «قد يستغرق ذلك العمر كله كي يكون الإنسان عالمًا كاملًا، والعلم لا نهاية له، في حين أن العمر له نهاية، فلنبدأ الزرع معًا حتى يأتي الحصاد.» وأصرَّ على البقاء في فرنسا. وما زال فيها، وأصبح من كبار العلماء في تاريخ الرياضيات، وحاول أن يقيم معهدًا لتاريخ العلوم في مكتبة الإسكندرية في إدارتها السابقة، ولكن شيئًا لم يتم؛ فالسفينة لا تسير دون ربان، ونحن الآن في نهاية العمر وقد تجاوزنا الثمانين، ولا أدري إذا كان سيرجع يومًا أم سيبقى حصاده في فرنسا والعالم.

وبعد العودة إلى مصر أعطيتُ درسًا في الفلسفة المسيحية للسنة الثانية. وكان لا يريدها أحد من الزملاء، وهو العام الذي صدرت لي فيه نماذج من الفلسفة المسيحية «المعلم لأورسطين»، «أومن كي أعقل» لأنسيلم، «الوجود والماهية» ﻟ «توما الأكويني». وصدر في الإسكندرية بمساعدة علي سامي النشار، وكان أهم شيء في الدرس هو قراءة النصوص ومعرفة اتجاهات الفلسفة المسيحية وفلسفة الدين بوجهٍ عام. وعندما أرادوا دفع مكافأتي آخر العام طلبوا موافقة جهة العمل، وأنا لا أعمل! وطلبوا مفردات المرتب، وأنا لا مرتب لي، لم يعرفوا كيفية تحديد مكافأة العام. وأخيرا أعطوني مكافأة المدرس عندما تم التعيين مدرسًا بالكلية.

وفي العام الذي يليه درَّست علم الكلام للسنة الثانية مع الفلسفة المسيحية والفلسفة الحديثة للسنة الثالثة، مركزًا على اسبينوزا للسنة الثالثة، وفلسفة التاريخ والفكر العربي المعاصر للسنة الرابعة. وهما مادتان جديدتان في القسم، أدخلتهما لإكمال مواد السنة الرابعة، واستمر الأمر كذلك منذ سنة ١٩٦٧–١٩٧١م وهو عام السفر لأمريكا أستاذًا زائرًا.

وأنا في مصر قبل سفري الأخير أحسست بالغيرة والحسد من هذا الأستاذ الشاب الجديد الذي يستطيع تدريس عدة مواد في تخصصاتٍ متعددة. وكنت أملأ الدرس بربط الفكر بالوطن بعد الهزيمة، فعُرفت محاضراتي. وكان يأتي الطلاب لسماعها من كليات الحقوق والتجارة والعلوم والهندسة الذين أصبحوا فيما بعدُ أساتذة وعمداء ورؤساء جامعات.

وفي أمريكا عبَّرتُ عن مواقفي الفكرية الوطنية في علم الكلام الجديد الذي يربط الله بالأرض والحرية والناس؛ فأتاني طلابٌ كثيرون؛ مسلمون أمريكيون، أفارقة، يستمعون إلى هذا الإسلام الجديد. وكنت أقوم بنفس الشيء خارج الجامعة عندما أُدعى إلى ندواتٍ أو مؤتمراتٍ علمية؛ فانزعج المحافظون واعتبروني علمانيًّا ملحدًا، بل وكافرًا، في حين اعتبرني الطلبة المسلمون الأمريكيون الأفارقة أنني مسلمٌ وطني أدافع عن مصالح المسلمين. كانت جامعة تمبل على حافة الحي الأمريكي الأفريقي، وعرف الطلبة المسلمون الأمريكيون الأفارقة مكاني، وكان منهم أنصار «الإسلام الأسود» و«القوة السوداء». وعرفوا أن العنف ليس هو الطريق الوحيد لنيل الحقوق، بل يمكن ذلك عن طريق الحوار والجدل والبرهان. ونشأ أنصار مالكولم إكس الذي خرج عن جماعة «الإسلام الأسود» يُنادي بحقوق المسلمين الأمريكيين الأفارقة مثلي، فكثر أنصاره عندي. وعقدت حوارًا بين هذه الجماعات الثلاث في مركز النشاط الطلابي للجامعة، وحدث التفاهم واللقاء، وغابت شبهات العلمانية والكفر والإلحاد، وعرفوا أن الإسلام قوة في ذاته بالعقل الصريح دون استعمال القوة والعنف.

كنت أصلي معهم في مساجدهم، وكانوا يُصلون معنا في مركز الخدمات الطلابية، وحين جاءت ساعة الفراق والعودة إلى مصر عام ١٩٧٥م صاحبوني إلى المطار بعرباتهم وهم يبكون.

وكان زميلي في الجامعة؛ الفلسطيني إسماعيل الفاروقية — محافظ يافا سابقًا — يشجعهم على التيار المحافظ، والذي يعطي الأولوية للدين على السياسة، وللعبادات على المعاملات، فقلَّ أنصاره؛ لأنه لا يتحدث بلغة العصر، ولا يحقق مطالب المسلمين الأفارقة السود في المساواة بالمسيحيين البيض، والعدالة الاجتماعية، والحصول على العمل والسكن الملائم، وسمعتُ فيما بعدُ، بعد عشر سنوات تقريبًا أنه قد تم اغتياله هو وزوجته الأمريكية على يد مسلمٍ أسود كان يعتبره لا يتكلم في الإسلام الحقيقي، واختبأت ابنته في الدولاب، وفيما بعدُ تم اغتيال ابنه بعد انضمامه إلى الجيش، وقد كان الذي اغتاله أمريكي الجنسية تُفرض عليه الجندية. حزنتُ كثيرًا عليه وعلى إخلاصه للإسلام، ولخدمة المسلمين. حتى ولو كان بطريقته الخاصة المحافظة كما يفعل علماء الأزهر عندنا، وكان من تواضعه يحضر محاضراتي في الجامعة، ويتأثر بها، ويتغير بينه وبين نفسه.

وفي ندوةٍ عامة بوسط المدينة سمعني أتكلم يومًا وعرف أن الإسلام التقدمي ليس به أي شبهات كما يُقال عنه، فاحتضنني وقال للحاضرين: «أرأيتم كيف يكون المفكر المسلم الحق؟»

وبعد عودتي إلى مصر بدأتُ التدريس من جديد في علم الكلام للسنة الثانية، والفلسفة الحديثة للسنة الثالثة، وفلسفة التاريخ والفكر العربي المعاصر للسنة الرابعة.

وكان القسم قد هدأت حرارته بالرغم من نصر أكتوبر ١٩٧٣م، وعبور القناة، وتحطيم خط بارليف المنيع، لم يشجع أحدًا «تطوير فكره»، الربط بين العلم والوطن كما كنت أفعل؛ فدبَّت روح الفلسفة من جديد في القسم بعودتي، وربما تحولت الغيرة والحسد إلى كراهية وحقد البعض، فما كان أجدرهم أن يستمروا في الكتاب المقرر دون أن يراني الطلاب ويروا إمكانية وجود اكتشاف طريق ثانٍ؛ «هموم الفكر والوطن»!

وجاء الانقلاب على الناصرية في عام ١٩٧٤م والتحول من الاشتراكية إلى الرأسمالية؛ فالرأسمالية لم تعد جريمة، ومن القطاع العام إلى القطاع الخاص، ومن التحالف مع الاتحاد السوفيتي إلى التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية، ومن القومية العربية إلى القُطرية الانعزالية، ولو أن أزمة الحرية في النظامَين الناصري وما بعده ظلَّت قائمة.

خرج الإسلاميون من السجون والمعتقلات لإزاحة الناصريين والماركسيين بعيدًا عن جهاز الدولة والحياة العامة، واشتركتُ في مظاهرات يناير ١٩٧٧م ضد غلاء الأسعار، ثم عارضت اتفاقية كامب ديفيد في ١٩٧٨م، ومعاهدة السلام مع إسرائيل في ١٩٧٩م. وأصبح نشاطي العلمي مقرونًا بالنشاط السياسي، ولما حان الوقت للتقدم بالترقية من أستاذ مساعد إلى أستاذ في هذا الجو المشحون، وافقت اللجنة العامة للترقية على ترقيتي وعادت الألاعيب الإدارية في معارضة الترقية من القسم ومجلس الكلية ومجلس الجامعة تبعًا لتوجيهات أجهزة الأمن. ومع ذلك عندما عاد تقرير الترقية إلى اللجنة العامة المختصة بالترقيات ثم أعادته بدورها إلى الكلية من جديد، عارض القسم ومجلس الكلية للمرة الثانية الترقية لأنني من المشاغبين، وذهب التقرير إلى مجلس الجامعة اللجنة العامة للترقيات، فقررت أن ترقيني لأنى أستحق الترقية بجدارة. وكانت المجالس الإدارية ترفض لأنني من المشاغبين بجدارة؛ فاستدعاني رئيس الجامعة وأخبرني أنه لا يجب أن يخرج هذا الموضوع إلى الصحافة والإعلام وإلى الرأي العام قائلًا: «ستمر الأمور بسلام، وأخشى إن ثارت زوبعةٌ إعلامية أن يؤثر ذلك في ترقيات الأساتذة التقدميين الذين حانت ترقياتهم بعدك.» فسمعتُ الكلام، وطلب رئيس الجامعة من جديد التصويت على ترقيتي. فرُقِّيت بالإجماع، فقد بدأ الأساتذة يتضجَّرون من تفريط النظام السياسي القائم، الذي عقد اتفاقية سلام مع إسرائيل قبل أن تنسحب من الأراضي المحتلة.

وبعد أن فُصلتُ من الجامعة بعد قرارات سبتمبر عام ١٩٨١م وعُدت إلى الجامعة من جديد في أبريل عام ١٩٨٢م، أردت الاستراحة قليلًا من العمل في مصر، فتأتني دعوة من المغرب كي أكون أستاذًا زائرًا هناك بفضل صديقي حبيب الشارونية الذي كان يُدرس بالجامعة أستاذًا زائرًا ويريد العودة إلى مصر.

فذهبت إلى المغرب مصاحبًا زوجتي الحبيبة وأولادي الثلاثة، ودخلوا المدارس هناك، وأعطيت لهم دروسًا خاصة في الفرنسية. مكثتُ سنتين حتى أصدر الملك قرارات بمغادرتي البلاد نظرًا لأنني أشرت في محاضرة إلى النظام السياسي في الإسلام وآية: قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ.

فأرسلتُ أولادي الثلاثة بالطائرة إلى مصر، ورجعتُ أنا وزوجتي برًّا عبر جبل طارق وجنوب إسبانيا وجنوب فرنسا وشمال إيطاليا ويوغسلافيا حتى أثينا بسيارتي الخاصة، ثم بحرًا من أثينا إلى الإسكندرية.

وقبل أن أستلم عملي بقسم الفلسفة بكلية الآداب، جاءتني دعوة لأكون أستاذًا زائرًا بجامعة طوكيو باليابان؛ فذهبت لأكون أستاذًا زائرًا، فذهبت وزوجتي وأولادي، وسكنَّا بمنزل الجامعة، وعملتْ زوجتي أستاذًا بقسم اللغة العربية بالجامعة.

وكنت لأول مرة أُدرِّس لطلبةٍ يابانيين الذين كانوا يسمعون ولا يتكلمون، يأخذون ولا يعطون، رأسهم في الأرض، ولا ينظرون إلى الأستاذ، وكانوا يكتبون ولا يعرف الأستاذ ماذا يكتبون؟ كلامه أم نقد لكلامه؟ كنت أود أن أسمع آراءهم فيما أقول في مادة الفلسفة بين الشرق والغرب والتي كنت أدرسها لهم، ولم أسمع شيئًا. وكأنني أغني وأردُّ على نفسي، فلما اشتكيت إلى رئيس القسم الياباني ما يحدث في قاعة الدرس ضحك، وقال: «هذه عادة اليابانيين، يأخذون منك ما يستطيعون، وإذا كانت لهم آراء أو تعليقات أو نقد أو اقتراحات فإنهم لا يبلغونها لك بل لرؤسائهم في الشركات التي يعملون بها؛ فولاؤهم لهذه الشركات التي يضعون شاراتها على صدرهم تعبيرًا عن ولائهم؛ فالفائدة لهم، وليست لك.» فحزنتُ بأن يتحول العلم إلى تجارة، والولاء للجامعة إلى ولاء للشركة، ولم أستطع البقاء طويلًا في هذا الجو التجاري، فجاءتني دعوة إلى أن أكون مشرفًا على الأبحاث الإنسانية في جامعة الأمم المتحدة في طوكيو ما دمت هناك. وهي جامعة أنشأها يوتاند من بورما في آسيا لتنشيط البحث العلمي في القارات الثلاث؛ أفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية، تشجيعًا للبحث في العالم الثالث بدلًا من أن يتركز في العالم الأول؛ أوروبا وأمريكا. فقبلتُ الدعوة، وقرأت أبحاث الجامعة في العلوم الإنسانية، وكان لها عدة مشروعات عن الثقافة والإبداع في أمريكا اللاتينية، يديرها د. أنور عبد الملك؛ المصري الذي ترك البلاد في ١٩٥٨م خوفًا من اضطهاد الشيوعيين في مصر، وكان هناك مشروعٌ آخر «المستقبلات العربية البديلة» يديرها إسماعيل صبري عبد الله وأبو سيف يوسف في مصر، ومشروع ثالث بعنوان «التطور اللامتكافئ» يديره رمسيس نجيب من داكار عاصمة السنغال.

وكانت ثلاثة أبحاثٍ منفصلة عن بعضها البعض؛ فاقترحتُ على نائب رئيس الجامعة «موشي كوجي» الذي كان يُشرف عليها، الربط بينهما لمعرفة ما إذا كانت هناك رؤيةٌ واحدة تجمع بين القارات الثلاث أم رؤًى متعددة؟ ففرح بالاقتراح وطلب مني تنفيذه؛ فقمت بإجراء دراسة على المشاريع الثلاثة وما الذي يجمع بينها، وتبيُّن فيم تتفق كرؤيةٍ عامة، وفيم تختلف كرؤًى خاصة، ونشرتُها في كتابي باللغة الإنجليزية «الحوار الديني والثورة».

كانت هناك مشكلة رئيسية في الجامعة حاولت أن أساعد في حلها، وهي لمن القيادة في الجامعة، للعلماء أم للإداريين؟ وكانت بعض قرارات العلماء يوقفها الإداريون، فلم يشعر العلماء بأنهم في جامعةٍ حرة. ولما كان الإداريون بيدهم المال فكانوا هم الذين يسيطرون على نشاط الجامعة طبقًا لتكاليف المشاريع المادية. وظلت المشكلة قائمة حتى غادرتُ طوكيو عام ١٩٨٧م.

وكان رئيس الجامعة في عهدي إندونيسيًّا، يهمه المنصب والرمز أكثر مما يهمه حل المشكلات بين العلماء والإداريين، فقد كان هو القادر على الجمع بينهما ولكنه لم يفعل شيئًا.

وبعد سنتَين عدتُ إلى القاهرة لأستمر في إلقاء المحاضرات في مواد فلسفة التاريخ والفكر العربي المعاصر، واستمر ذلك إلى ما بعد سن المعاش حتى عام ١٩٩٥م. واستمررت في الدراسات العليا بالإشراف على حلقات البحث حول علم الكلام والفكر العربي المعاصر وفلسفة التاريخ. وأشرفت على رسائلَ كثيرة في الماجستير والدكتوراه، حتى بدأتُ أضعف جسديًّا. كان الطلبة والعمال يحملون الكرسي المتحرك إلى قاعة الدرس أو مجلس الكلية، ولما ضعف نظري وأصبحتُ شبه ضرير، توقفتُ عن الذهاب إلى الكلية، وكان الطلبة الذين يريدون أن أُشرف على رسائلهم يأتون منزلي، أقرأ خططهم، وأصححها لهم قبل عرضها على مجلس القسم ثم لجنة الدراسات العليا ثم موافقة مجلس الكلية ووكيل الجامعة للدراسات العليا.

وكنت أساهم في مناقشات الرسائل في الجامعة، وفي جامعاتٍ أخرى حتى يستعد الجيل الجديد للعمل والكفاح كما فعلتُ، ولم أتوانَ عن الحضور والمشاركة في الندوات والمؤتمرات العلمية داخل مصر وخارجها، والتعرف على زملائي الفلاسفة في الجامعات الأخرى، وتقديم عدة أوراق بحثية أجمعها فيما بعدُ في كتبٍ لي، ومن تأليفي، واستمررت في ذلك أكثر من عشرين عامًا حتى ضعف جسدي وأصبحتُ ضريرًا، فامتنعتُ عن الحركة قدر استطاعتي، يكفيني ما قدمت، وبعد الإصرار أن أقدِّم من الحين إلى الآخر تسجيلاتٍ بصوتي وصورتي في افتتاحيات المؤتمرات عبر «الفيديو كونفرنس» أوافق على ذلك.

ولما أحسست أن الجامعة مشغولة بالمحاضرات والدرجات والامتحانات والشهادات أكثر من العلم لذاته، أسست الجمعية الفلسفية المصرية وأشهرتها سنة ١٩٧٦م. وكانت المحاولة الأولى من منصور فهمي باشا عام ١٩٤٤م، وتوقفتْ أثناء الحرب، ثم عادت بعد ذلك في الستينيات برئاسة علي عبد الواحد وافي أستاذ علم الاجتماع والفلسفة. نشرت الجمعية عدة مؤلفات لمحمود قاسم وعثمان أمين وعلي عبد الواحد وافي وعثمان نجاتي وغيرهم في مكتبة الأنجلو المصرية. ثم توقف نشاط الجمعية. ولما حاولت إحياءها ذهبتُ إلى محمود قاسم رئيس قسم الفلسفة وعميد كلية دار العلوم فقال لي: «إن الزمن قد تغير.» فذهبتُ إلى عبد الرحمن بدوي رئيس قسم الفلسفة بجامعة عين شمس فقال لي: «لماذا جمعية فلسفية تضم أساتذة الفلسفة في مصر؟ أنا بمفردي جمعية ولا أحتاج إلى جمعية بجواري أعمل من خلالها!»

وذهبتُ إلى إبراهيم بيومي مدكور رئيس مجمع اللغة العربية والفيلسوف، فقال لي: «اذهب إلى سليمان حُزين رئيس الجمعية الجغرافية الملكية فهو خير من يعينك فيما أنت فيه.»

فذهبت إليه في الجمعية بمدخل شارع قصر العيني بميدان التحرير، بجوار المجمع العلمي الذي أنشأه نابليون أثناء الحملة الفرنسية على مصر، قال سليمان حُزين لي: «سأقول لك كلمةً واحدة، ضعها حلقة في أذنك، الجمعيات العلمية في مصر لا تقوم إلا على أكتاف رجلٍ واحد، وكما تراني في الجمعية الجغرافية الملكية، فلولا أنا لما قامت.» فحزنتُ. وذهبت بعدها إلى عثمان أمين لكي أطلب منه رئاسة الجمعية وكانت الثورة قد قامت في ١٩٥٢م، فقال ضاحكًا: «هل يمكن إقامة جمعياتٍ علمية في مصر في هذا العصر؟» فأصررتُ على إقامتها، وفعلًا قمت بذلك وأسستها في عام ١٩٧٦م وجعلت إبراهيم بيومي مدكور رئيسًا لها.

لم يكن لي مقر إلا بقسم الفلسفة بجامعة القاهرة، وهو دولابٌ صغير في المقر يُحفظ فيه الملفات، وكنا نضع لافتة «الجمعية الفلسفية المصرية» على باب الدولاب، وكنا نقوم بنشاط الجمعية في الكلية بإلقاء المحاضرات في المدرج الكبير، وكان دخلنا من اشتراكات الأعضاء لا يزيد على الأربعين جنيهًا، نصعها في دفتر توفير بالبريد وكان قيمة الاشتراك خمسة جنيهات.

وفى إحدى المرات استدعاني عميد الكلية وقال: «لا يجوز أن يكون مقر الجمعية داخل كلية الآداب، وتمارس نشاطها داخل أسوار الجامعة؛ لأن كلية الآداب مؤسسةٌ حكومية في حين أن الجمعية مؤسسةٌ أهليةٌ مدنية لا يجوز أن تعمل من خلال مباني الحكومة.» وطلب أن أبحث عن مقرٍّ آخر.

هذا كان مجرد عذر لإخراج الجمعية ووقف نشاطها؛ لأن جميع الجمعيات الأخرى كان لها نشاطٌ داخل أسوار الجامعة مثل: جامعات فيينا، وأكسفورد، وكمبريدج، وفرايبورج. وكان السبب الحقيقي لطلب العميد هو نشاطي السياسي في مناهضة الانقلاب على الناصرية ومعارضة اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام مع إسرائيل.

فأخذت أبحث عن مقرٍّ قريب من الجامعة حتى وجدتُ شقة في مساكن هيئة التدريس وراء الجامعة، كان يعرضها صاحبها للبيع، وكان أستاذًا بكلية الهندسة، كان ثمنها تسعين ألف جنيه. وكان كل ما لدينا في صندوق البريد حوالي مائة جنيه، طلبنا من صاحب الشقة أن يقسط لنا المبلغ على ثلاثة أشهر كل شهر ثلاثين ألفًا؛ فقبل الأستاذ، وكان رئيس الجمعية في ذلك الوقت الدكتور زقزوق قد أصبح وزيرًا للأوقاف؛ فعرض الأمر على وزير الثقافة، فطمأنه بأنه مستعد أن يُعطي الجمعية ثلاثين ألفًا سنويًّا؛ فاعترض أمين صندوق الجمعية على أن نصرف التسعين ألفًا في شراء شقة ونترك الصندوق شبه فارغ. فقلنا: وما العمل؟ وليس لدينا مقر، وإن لم نحصل سريعًا عليه تعرضنا لإلغاء الجمعية من قِبل وزارة الشئون الاجتماعية، وأن قانون الجمعيات يشترط أن يكون لكل جمعية مقر؛ فأصرَّ أمين الصندوق على رأيه، وقلنا له إننا لا نستطيع أن نكون في الشارع بلا مقر، فقدم استقالته لأنه لا يتحمل وزر صرف كل ميزانية الجمعية في بندٍ واحد هو شراء شقة لكي تكون مقرًّا للجمعية.

كانت الشقة مكونة من ثلاث غرف بمنافعها؛ المطبخ والحمام. ففتحنا غرفتَين بهدم الحائط بينهما؛ فأصبحت قاعةً كبيرة للمحاضرات، وجعلنا الغرفة الثالثة لإدارة الجمعية التي بها الآلات الحاسبة، والدفاتر، والملفات والرسائل الإلكترونية، وغير ذلك من أوراق الجمعية.

صممت لها دواليب للكتب برفوفٍ وأبوابٍ زجاجية من أعلى وأخرى صغيرة من الخشب من أسفل، وضعنا فيها الكتب الخاصة بالجمعية والتي كانت تصلنا كهبة من الأساتذة، وصممت لها منضدةٌ واسعة وكراسيَّ عربية، ومنصة يجلس عليها المحاضرون لإلقاء المحاضرات، وكذلك ابتعت جهاز تكبير للصوت بسماعاتٍ ضخمة، ركَّبنا مرواح للسقف، وزدنا عدد المصابيح الكهربائية، ثم ركبنا لافتةً كبيرة علَّقناها على مدخل المبنى، ذات إضاءةٍ قوية، تسقط عليها مكتوب: «الجمعية الفلسفية المصرية، اتحاد الجمعيات الفلسفية العربية».

وبعد عشر سنوات تقريبًا من الاستقرار فكَّرت في جمع جميع الجمعيات الفلسفية العربية بكل الأقطار العربية في اتحادٍ واحد يكون نشاطه على الأقل مؤتمرًا سنويًّا في الجمعية الفلسفية المصرية، وكانت هناك جمعياتٌ فلسفية في المغرب، وموريتانيا، وتونس، والأردن، ولبنان، واليمن والسودان. ثم تكونت الجمعية الفلسفية الجزائرية فيما بعدُ، بعد حضور عدد كبير من أساتذة الفلسفة الجزائريين المؤتمر السنوي في مصر. ورجوت عمرو موسى أمين الجامعة العربية وقتها أن يعطينا عشر بطاقات للسفر لرؤساء الجمعيات لحضور المؤتمر بمصر؛ ففعل. واجتمعنا لأول مرة في مصر، وكما هي العادة اختلفنا على من هو الرئيس؟ ومن هو نائب الرئيس؟ ومن هو السكرتير العام؟ ومن هو أمين الصندوق؟ ومن هم مجلس الإدارة؟ اختلفنا على الشكليات دون المضمون.

وفى السنة التالية انتقل عمرو موسى إلى مكانٍ آخر، ولم نستطع إرسال بطاقات السفر لرؤساء الجمعيات الفلسفية العربية ولم يأتِ أحد، ثم نام الاتحاد، ونشطت الجمعية الفلسفية المصرية، وكان يحضر أعضاء من الجمعيات الفلسفية من الدول العربية التي ذكرتها سابقًا، وكان الأكثر حضورًا أعضاء الجمعية الفلسفية الجزائرية، وكان جميع العرب يلتقون في مصر. ولعلنا نستطيع في القريب العاجل أن نُنشِّط اتحاد الجمعيات الفلسفية العربية من جديد، حتى يجتمع العرب على شيء بدلًا من الاقتتال بين بعضهم والبعض في معظم الأقطار العربية الآن مثل سوريا، والعراق، واليمن، وليبيا.

وأصبح للجمعية الفلسفية المصرية مجلة تصدر كل عام، ومجلد يحوي أعمال المؤتمر السنوي في ديسمبر من كل عام، كما تم إقرار الجلسات نصف السنوية لمناقشة أهم الكتب التي صدرت أثناء العام، وما زالت الجمعية تقيم ندواتٍ شهرية كل ثاني أحد من كل شهر، ولقد تبرعتُ لها بجزء من عائد الجوائز التي حصلتُ عليها؛ جائزة الدولة التقديرية، وجائزة النيل الكبرى. حتى بلغت ودائع الجمعية ربع مليون جنيه. نعيش على عائدها الشهري، وندفع مرتبات موظفيها، وتكاليف خدماتها والاتصالات. وفي المؤتمر السنوي نعتمد على عائد الوديعة التي وضعتُها باسم النشاط العلمي لكلية الآداب بمبلغ مليون جنيه.

وكان لي صديقٌ مستشارٌ ثقافي في وزارة الخارجية السويدية، متخصص في الفكر العربي المعاصر، عرفني من خلال مؤلفاتي قبل أن يعرفني شخصيًّا، ولما علم أنني أدير الجمعية الفلسفية المصرية بالقاهرة كمركز للتفلسف في مصر والوطن العربي، دعاني لإكمال النقاش الفلسفي لمدة يومَين بالمعهد السويدي بالإسكندرية، وكان لقاءً ناجحًا للغاية، خاصة بالنسبة للمدعوين العرب والذين كان يضايقهم بعد رحلاتٍ طويلة قضاء ثلاثة أيام فقط في القاهرة.

ولما انتهت مدة عمل الصديق السويدي غادر إلى السويد، وأتى غيره وكانت امرأةً سويدية متزوجة من عراقي وتعرف بعض العربية، واستمرت اللقاءات الفلسفية بالمعهد لمدة ثلاث سنوات هي مدة إقامتها بمصر، ثم جاء ثالث مع كلبه، يهمه قضاء آخر سنتَين له بالخارجية السويدية قبل أن يُحال إلى المعاش، وكان لا شأن له بالثقافة، وهمُّه إدخال السعادة على قلب الكلب وسياحته في مصر، قضي سنتَين مديرًا للمعهد دون أن يفعل شيئًا إلا رعاية صحة الكلب كما عُرض في فيلم «غزل البنات» والموظف الخاص لرعاية كلب الباشا حين ظنه نجيب الريحاني أنه الباشا. وبدأ اهتمام السويد بمعهدها يقلُّ لعدم اهتمام مديري المركز بعملهم. فقررتْ إغلاقه واقتصاد تكاليفه ومرتبات موظفيه المصريين، فقررت مصر وضعه الصوري والفعلي تحت سلطة مكتبة الإسكندرية والتي اعتذرت عن استضافة الجمعية الفلسفية المصرية؛ نظرًا لارتفاع تكاليف إقامة الأعضاء؛ حيث كانوا أكثر من ثلاثين عضوًا، في حين كانت المكتبة تستضيف المئات من الشباب والمثقفين في موضوعات تقررها السلطة السياسية في مصر، فقد فقدت مكتبة الإسكندرية استقلالها الفكري في عهد إدارتها الجديدة بعد الإدارة القديمة.

وبعد أن كبرتُ في السن وضعفتْ صحتي وأصبحتُ شبه ضرير أرجو للجمعية أن تستمر من بعدي بمجلس إدارة جديد ورئيسها المتعافي في خدمتها. كانت معظم المؤتمرات الثانوية تقام في مبنى جامعة القاهرة، والقليل منها بجامعات الإسكندرية وبني سويف وقناة السويس والمنيا؛ من أجل تنشيط أقسام الفلسفة في هذه الجامعات. وتظل المؤتمرات السنوية تُقام في جامعة القاهرة؛ نظرًا لأن ودائع الجمعية في كلية الآداب والتي لا تُصرف إلا في النشاط العلمي الخاص بها.

أما علاقتي بالعالم، فمنذ صغرى وأنا أحاول اكتشاف ما حولي في الحارة والدرب والعطفة؛ أدور حول العطفة حيث كان آخرها من جهة اليمين ميدانًا مسدودًا، وآخرها من جهة اليسار من بعيد يبدو ميدانًا آخر مفتوحًا على نهاية الطريق.

كانت البيوت الداخلية المطلَّة على الدرب في ألوان واجهاتها نظيفة، وراقية بسكانها، أما مدخل العطفة الذي كان به الفرن، والفرَّان جالسًا على مكتبه، تأتيه عربة القمامة يوميًّا لتمدَّه بما يحتاجه لإشعال الفرن وتسوية الخبز.

وكان الفتوات يجلسون على باب المنازل تتصاعد أصواتهم بلا حدود، وكأنهم يستعدون لمنافسة على المصارعة، وأحيانًا يخرجون من درب الشرفا لمصارعة فتوات الحسينية أو العطوف، ويرجعون إلى الدرب مضرجين بالدماء وهم يتوعَّدون الخصوم بالنيل منهم قريبًا، ينادون بالانتصار عليهم. وأحيانًا أخرى يأتي فتوات الحسينية أو العطوف للهجوم على الدرب فيتصدى لهم الفتوات فيقع من يقع، وأنا أشاهد ذلك من النافذة وأتساءل: لماذا ما يحدث؟ هل هم أعداء أم أصدقاء؟ وكنت أسير في شارع المعز لدين الله والذي يخرج من باب الفتوح متجهًا لسوق الليمون والزيتون حتى أصل الجمالية والصاغة وشارع الأزهر، وأرى سور صلاح الدين وهو يمتد حول القاهرة القديمة بأبراجه للدفاع عنها، وأحيانًا أسير إلى باب النصر المجاور لباب الفتوح، وكان أقل ازدحامًا، وتظهر بعده المقابر، وعلى يساره معامل صناعة حلوى المولد النبوي؛ العرائس والأحصنة الملونة. ويمتد شارع الحسينية المزدحم حتى ميدان عبده باشا.

فلما كبرنا قليلًا ذهبنا إلى ميدان الظاهر، ودخلنا جامع الظاهر بيبرس حيث الآثار الإسلامية المتناثرة حوله، فإذا ما سرنا في شارع الفجالة وجدنا ميدانًا به قصر المرعشلى المهجور، وكنا نتساءل: لماذا لا يُستخدم هذا القصر الأثري المملوكي كمتحفٍ يزوره الناس؟

وأول مرة أزور فيها الإسكندرية وأنا طالب في الثانوي لاستقبال النحاس باشا على رصيف الميناء، ثم أعود للقاهرة في نفس اليوم، وكان القطار مجانًا لأننا طلبةٌ ثوار، ورأيت أمواج البحر وهي تصعد إلى السماء، وينطبق عليها عند الأفق البعيد. وكنت أعود لأزور قصر النحاس باشا في ميدان الدوبارة أهنئه بسلامة الوصول، ويبدو أنه تضايق من كثرة الوفود التي تأتي مهنئة، فسمعتُه مرة يقول من شرفة القصر: «ارجعوا إلى بيوتكم.» فحزنتُ؛ لأنه كان بطلًا شعبيًّا بالنسبة لي يقف ضد الإنجليز.

وفى المرة الثانية لاكتشافي مصر، كانت رحلةٌ مدرسية قيمة الاشتراك بها خمسون قرشًا، ذهبتُ لزيارة الأقصر وأسوان، وزيارة معابدها الفرعونية. حضرنا عروض الصوت والضوء، وأُعجبنا بهذه الآثار القديمة والمعابد والأعمدة التي شيَّدها المصريون القدماء.

وكان هناك زياراتٌ قصيرة لا تزيد على فصلٍ دراسيٍّ واحد لكل من جامعات فرانكفورت وبريمن في ألمانيا، والخرطوم في السودان، وكيب تاون في جنوب أفريقيا.

كنت أعرف الشخصية الألمانية، وازدادت معرفتي بعد هذه الزيارات بالشخصية السودانية وطرقها الصوفية، أما في جنوب أفريقيا فقد تعلمتُ الرقص الأفريقي الإيقاعي؛ يرقصون فرحًا بالتحرر الوطني، ويصدرون أصواتًا أثناء الرقص تخيف الرجل الأبيض، وكان معي زملاء أفريقيون من أصولٍ هندية أو ماليزية، وكانوا من أنصار «لاهوت التحرير» مثل: عبد الله موسى، وعبد القادر الطيب، والحاج عمر، وفريد إسحاق. وكان يُنظر إليهم على أنهم مسلمون يغردون خارج السرب، يتفقون معهم في الغاية، وهي تحرر جنوب أفريقيا من الحكم العنصري، ويختلفون في الوسيلة مع أغلبية المسلمين الأمريكيين الأفارقة؛ يختلفون لأن الزملاء ينتسبون إلى اليسار الإسلامي بينما تنتسب الغالبية الأمريكية الأفريقية لليمين الإسلامي وهم أنصار «القوة السوداء» و«المسلمون السود» والذين لا يتورعون عن ممارسة العنف. يركز الفريق الأول على النضال السياسي، بينما يركز الفريق الثاني على الهوية الإسلامية، يركز الفريق الأول على المعاملات، بينما يركز الفريق الثاني على العبادات؛ فالعبادات تُعطى الهوية الإسلامية. غادر عبد الله موسى جنوب أفريقيا، بعد محاولة الاعتداء عليه، إلى الولايات المتحدة الأمريكية بينما بقي الآخرون، والحاج عمر يركز على العبادات فهو إمام مسجد. أما عبد القادر الطيب وفريد إسحاق فهما مثقفان مستنيران، كان الفكر الإسلامي لديهما له الأولوية على العبادات.

وقد زرت في مدة أقل لحضور مؤتمرات كثيرًا من الجامعات في ألمانيا مثل: دوسلدورف وبون وكولونيا وهامبورج وهايدلبرج ومالبورج. كما زرت جامعاتٍ أوروبيةً أخرى لفترةٍ قصيرة في كامبريدج وأكسفورد ووارسو وقرطبة وفيينا وموسكو.

وقد كوَّن هانز كينج جماعة للحوار الديني برئاسة رئيس جمهورية ألمانيا السابق هيلمولت شميت، وكنت عضوًا فيها، وجاءت الجماعة إلى مصر لعرض نشاطها على الرئيس المصري، فلما وجدت الرئاسة اسمي ضمن المجموعة شطبت اسمي من الدعوة للعشاء مع أعضاء المجموعة، فلما سألوهم عني، ولماذا لا أحضر معهم، لا أدري بماذا أجابوا!

وعندما زرتُ وارسو، أقام رئيس جمهورية بولندا حفل عشاء للوفد الذي كنت عضوًا فيه لمشاركة الحوار الديني كموضوع للندوة، وألقى الرئيس البولندي خطاب ترحيب باللغة الإنجليزية. وطُلب مني أن أرد عليه بخطاب شكر، فقمت واقفًا وألقيت خطاب الشكر، وبإعجابي بأهل السياسة عندما يصبحون من أهل الثقافة طبقًا لمبدأ «الفيلسوف الملك» أو «الملك الفيلسوف» عند أفلاطون في الفلسفة اليونانية، والفارابي في الفلسفة الإسلامية.

وأحيانًا أجد بعض تلاميذي وقد أصبحوا يعملون كملحقين ثقافيين في السفارات المصرية بالخارج، فيخاطبون سفراء بلادهم ويعلمونهم بوجودي في بلادهم؛ فيدعونني لإلقاء محاضرة بالقاعة الكبرى لسفاراتهم. حدث ذلك في فنلندا وكندا وأستراليا؛ فأجد التقدير خارج وطني ولا أجده في وطني لأن «زمَّار الحي لا يطرب».

وفى العالم الإسلامي زرت جامعات إسطنبول وأنقرة، وطهران وقُم، وكوالالمبور في ماليزيا، وجاكارتا في إندونيسيا، وفي أواسط آسيا زرت طشقند في أوزبكستان، وباكو في طاجكستان، وسمرقند، وغيرها من الجامعات في أواسط آسيا، وفي الهند زرت جامعات بومباي ونيودلهي وحيدر آباد.

وزرت إندونيسيا عدة مرات، آخرها عندما كان عبد الرحمن وحيد رئيس جمعية نهضة العلماء رئيسًا للجمهورية. فدعاني إلى القصر مع رجالات الدولة، وألقى محاضرة عن أفكاري واتجاهي الإصلاحي، فكان الرجال ينظرون إلىَّ ويبتسمون تقديرًا لدوري وامتنانًا لما قاله رئيسهم في حقي، وقد كان طالبًا عندي في مصر، يستمع ويدرس محاضراتي قبل انتقاله إلى بغداد.

وفى كوالالمبور تعرفت على جماعة «آليران» وهي أشبه باليسار الإسلامي والذي أسسته في مصر. كما تعرفتُ هناك على «قاسم أحمد» المفكر الإصلاحي والذي كتب «العودة إلى القرآن». كما تعرفت على «سيد حسين علي» المفكر الماركسي الماليزي الذي أراد أن يطوِّر الحركة الإسلامية من الإصلاح إلى الثورة، وكما حاولتُ أنا في مصر. كما تعرفت على «أنور إبراهيم» الزعيم الطلابي وزميل «محمد محاضر» الذي أصبح رئيس وزراء ماليزيا ووضع برنامج «عشرين عشرين» للتنمية الماليزية.

وفى زيارتي لتركيا تعرفت على جماعة «ريح الشرق» التي كانت ترى رسالة تركيا تمتد شرقًا في آسيا بعد رفض الاتحاد الأوروبي عضويتها فشعرت تركيا بالإهانة، وقد كانت إمبراطورية قديمًا تسيطر على شرق أوروبا، ووصلت حتى أبواب فيينا. وكان من أعضاء هذه الجماعة الحكومة الحالية برئاسة «أردوغان» و«داود أوغلو» الذي كان وزيرًا للخارجية. ولما قدموا إلى مصر لمقابلة الرئيس وضعوا اسمي مع من سيلتقي الوفد بهم، وحضور العشاء الذي سيقام على شرفهم، وكان وزير الخارجية قد زارني سابقًا في مصر للتعرف على أفكاري الإصلاحية، وكان يعرفني جيدًا فطلب أن يجلس بجواري على مائدة العشاء، وعندما جاء الرئيس وبطانته من حوله أخذوني إلى مائدةٍ أخرى صغيرة بصحبة الموظفين الصغار في السفارة التركية؛ فغضب «داود أوغلو» وترك مائدة الشرف وجاء بجواري على المائدة الصغيرة، وأدركت بعد مثل هذه الحوادث بأنه لا كرامة لنبي في وطنه، وأن الخارج يحترمني ويعرفني ويقدِّرني أكثر من أبناء وطني؛ فحزنت لذلك. وقد كان باستطاعتي بسهولة أن أكون هنا من بطانة السلطان ذوي النفوذ ولكني لا أفعل ذلك؛ فأنا لست من علماء بلاط السلطان ولا من بطانته.

وفي زيارتي السريعة لطهران وكان ذلك بعد الثورة الإسلامية قابلت الخميني في منزله في «قُم». وجلستُ معه على الأرض مربعًا ساقيَّ. كنت أتكلم عن الإسلام والثورة، وكان هو ينصت، ولا يتكلم. طلبت أن أنشر كتاب «الحكومة الإسلامية» في مصر فأعطاني الكتاب مترجمًا إلى اللغة العربية وكذلك كتاب «جهاد النفس، أو الجهاد الأكبر». سألته عن حقوق النشر، قال: «لا حقوق، انشر الكتاب على أوسع نطاق ويكفيني هذا حقًّا لي.» وتعرفت في «قُم» على الإمام «تسخيري» الذي أنشأ مجلة «تقريب» للحوار والتقارب بين السُّنة والشيعة. وقابلت الإمام أحمد بن الخميني، والإمام طالقاني، والإمام طباطبائي، والإمام جلبيجائي. وحضرت بعض ندوات الحوزات العلمية، وتعرفت على «عبد الجبار الرفاعي» الفيلسوف العراقي الهارب من حكم صدام والذي بدأ في نشر مجلة «قضايا إسلامية معاصرة» وأعطيته حديثًا بعنوان «قُم تسأل والقاهرة تجيب» مما أغضب علماء الشيعة عندهم. فكيف من يسأل هي «قُم» والقاهرة هي التي تجيب؟ فهم يرون «قُم» مدينة العلم ولديها المعرفة، فالأصح هو «القاهرة تسأل وقُم تجيب». فالقاهرة لديها السؤال، وقُم لديها الإجابة. وزرت مدينتَي «مشهد» و«تبريز»، ورأيت الآثار الإسلامية.

وفي سنغافورة تعرفت على زين العابدين رئيس الجامعة الإسلامية في سنغافورة بوجهه الصبوح وعقله المستنير، فحسدته على شخصه وصفاته وقيادته للمسلمين في الجزيرة.

أما في الوطن العربي فقد أعطيتُ فصولًا دراسية كاملة في جامعة العين بدولة الإمارات العربية المتحدة، بالإضافة إلى معظم الجامعات العربية لفتراتٍ قصيرة في المملكة العربية السعودية، وتطوان والرباط والدار البيضاء بالمغرب، ونواكشوط في موريتانيا، والجزائر، وتونس، وصفاقس بتونس، وليبيا، واليمن، وعُمان، والكويت، وقطر، والبحرين، وبغداد، وعَمان، ودمشق، وبيروت. وكان أكثر الطلاب وعيًا بالثقافة العربية الطالب المغربي.

وفى ليبيا جلست مع القذافي في خيمته عدة مرات عندما كان يستضيف المؤتمرات القومية وأعضاءها من المثقفين العرب، ولم أكن أحب الكلام والمشاركة في هذه الجلسات؛ لأنه كان يستعلي ويستكبر على المثقفين معتبرًا نفسه نبيًّا لهذا العصر.

وفي بغداد قابلتُ الرئيس صدام حسين في الاحتفال بمرور سنتين على وفاة ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث العراقي، وفي هذه الفترة كان في صراعٍ علني مع أمريكا قد بدأ وعلى أشدِّه بالتراشق اللفظي بينه وبين «بوش». وكان صدام يمشي على المسرح متبخترًا أيضًا رافعًا رأسه إلى أعلى في ثقة مُحييًا جمهور الحاضرين. واقتربت مني أجهزة الإعلام لمعرفة رأيي في رئيسهم فرفضتُ التعليق لأنني لا أمدح ولا أذمُّ الرؤساء العرب.

ودعاني الملك عبد الله مع بعض المثقفين المصريين الماركسيين لزيارة المملكة العربية السعودية وأداء فريضة الحج؛ فذهبت وأعطونا ملابس الإحرام وأقمنا في الخيام. ودُعينا مرة للقصر للغداء، رأيت الخراف واقفة على الموائد بكاملها؛ فخفتُ من المشهد أكثر مما استمتعت به؛ فقد كان مشهد الخراف واقفةً مشوية مهيبًا.

وفى زيارتي للملكة العربية السعودية لم يطلب مني الملك الكلام، ولم يتكلم هو كذلك، بل كان الأمر مجرد أداء واجب، وكانت المحاضرات التي ألقيناها في جامعة الملك عبد العزيز في مكة، وزرنا المدينة المنورة وقبر النبي، ومنازل الصحابة. وكان الحجاج يطوفون حول الكعبة في مكة ويتقاتلون للمس الحجر السود. يومها لم أستطع الطواف ولا السعي ولا الصعود إلى جبل عرفات لكبر سني، ورأيت الناس يقذفون الحجارة الصغيرة ويرجمون بها؛ فأدركت أهمية ما قاله الصوفية بأن هذه كلها ما هي إلا مشاهد رمزية للحج القلبي الخالص. وتمنيت لو أن هذه الملايين ذهبت إلى القدس، وطافت بالمسجد الأقصى. كما أدركت أهمية خطاب العيد في الفضاء وليس في مسجد مُغلق لشرح وضع المسلمين اليوم. ورأيت عمال النظافة وهم يسحبون الشباشب والقباقيب والصنادل والأحذية من على الأرض كي يضعوها في صناديق القمامة، وتساءلت: فإذا خرج المصلون فأين سيجدون أحذيتهم؟ وكان الحجاج الأفارقة والأسيويون أكثر من الحجاج العرب، كلها كانت مشاهد للرؤية حتى لو لم تكن شعائر للحج.

وفى المملكة الهاشمية الأردنية، زرت عَمان ورأيت الملك عبد الله عدة مرات، وكان يكرم أعضاء مؤسسة «آل البيت» للفكر الإسلامي، وأنا عضوٌ بها؛ المرة الأولى بمناسبة الدعوة على الغداء والسلام على أعضاء المؤسسة، والثانية لمجرد المقابلة فانتهزتها فرصة لأقول له: «متى تتم الوحدة العربية؟» فقال: «عن قريب إن شاء الله.»

وفى زيارتي للبنان دعاني رئيس الجمهورية ووفدًا نسائيًّا مشتركًا، وقد كنت عضوًا في هذا الوفد، للحديث عن حقوق المرأة، وشرحتْ معظم نساء الوفد آراءهن في هذه الحقوق، وكانت تطالب بحقوقٍ أوسع؛ فردَّ الرئيس بأنه موافق تمامًا على ما سمع من آراء مهمة، وقال: «إن المهم هو قبول المجتمعات بأكملها لهذه الحقوق وإلا انقسم المجتمع إلى طوائف.»

وفى البحرين، كان معظم الثوار من الشيعة ضد الحكم السُّني العربي. فكنت في حيرة بين خيارَين: أن أكون ثوريًّا؛ لأن الثورة هي خياري الأول حتى لو كنت أمارس الثورة مع الأغلبية الشيعية. والثاني أن أكون رجعيًّا عربيًّا أحافظ على العروبة وأضحي بالثورة. وكان من الصعب خلق تيارٍ ثوري في الحكم العروبي؛ لأنهم أهل السلطة والمال. كما كان من الصعب أن أكون ثوريًّا عربيًّا مع الجماعة الشيعية؛ فالولاء في الجماعة للتشيع أولًا ثم للثورة ثانيًا، وكان ولائي للثورة أولًا والعروبة ثانيًا. وبعد أن كنت صديقًا للثوريين الشيعة في البحرين وزرتهم بعد ذلك للمرة الثانية ترددوا في استقبالي لأنهم لم يريدوا خلق تيارٍ ثوريٍّ عروبي يزاحم التيار الثوري الشيعي. ولما كانت العروبة تقوم على السلطة وأموال النفط فإنها كانت تخشى من الثورة باسم العروبة. وكان الشيعة الثوريون يريدون الثورة في البحرين خاصةً؛ لأنهم الأغلبية ويكونون امتدادًا للثورة الإيرانية، وبالتالي تضيع العروبة. والأمل في المستقبل في وطنية البحرينيين في الجمع بين الثورة والعروبة بدلًا من الخيارَين السابقَين، الثورة مع التشيُّع أو الرجعية مع العروبة.

وفى مرةٍ ثالثة وأنا أركب الباخرة مغادرًا الإسكندرية إلى فرنسا، بعد أن قضيت يومَين في حي المغاربة عند جامع الشيخ بالإسكندرية حيث يعيش أقرباء لوالدتي ووالدي. وهو أخ جدي الحاج حسنين، توقفت الباخرة في ميناء بيريه بجوار أثينا. نزلنا لمدة يومٍ واحد؛ فقد كان البحارة من اليونان، يحتاجون ليلة لقضائها مع أهليهم. زرتُ يومها الأكروبلوس الذي كنتُ قد قرأتُ عنه، ومعبد ديلفي. وزرتُ أثينا والميدان الكبير الذي به قصور الحكومة، ووجدت حيًّا مصريًّا بأثينا. وكانوا يتكلمون العربية على المقاهي وكأنني في الإسكندرية. ويقابل هذا الحي المصري الحي اليوناني بالإسكندرية؛ فالأجنبي في الأفلام المصرية يوناني مثل شخصية الخواجة بيجو، يتكلم العربية بلهجةٍ يونانية، وفرحت لهذا التقارب بين مصر واليونان منذ أقدم العصور حتى الآن؛ فالإسكندر الأكبر في مصر يبني الإسكندرية، وأفلاطون يتعلم في جامعة منف بالشرقية.

وغادرت الباخرة بعد يوم وليلة عبر مضيق «مسيينا» وجزيرة مالطة التي أتى منها جوهر الصقلي إلى مصر، ووصلنا مارسيليا بعد ستة أيام قضيناها في البحر، وأخذت القطار إلى باريس، ورأيت الحي اللاتيني، والبانثيون، وشارع سان ميشيل، وجامعة السوربون، وكوليدج دي فرانس، وحديقة لوكسمبورج، وكاتدرائية نوتردام، وكان الحمام أمامها يلقي له الفرنسيون والأجانب بالبذور والطعام.

وزرت متحف اللوفر، وسرت في شارع الشانزليزية حتى قوس النصر، فعلت كل ذلك وأنا أبكي؛ لأن العدوان الثلاثي على مصر كان قد بدأ بعد تأميم عبد الناصر لقناة السويس، وقلت لعلِّي أرى باريس لأول وآخر مرة قبل العودة إلى مصر، وقد وصلت لتوِّي إليها، ورأيت الكنيسة المعلقة في شمال باريس، وزرت شارع القديس أونوريه وعلى جانبيه السيدات واقفات أمام أبواب منازلهن، أو مطلات من النوافذ والشرفات، ينادين على الرجال، وكنت في مرحلة انتمائي للإخوان المسلمين، ورأيت المكتبة الوطنية، والمقاهي المتناثرة أمامها، والملاهي الليلية في آخر الشارع، والطاحونة الحمراء «مولان روج» التي تقف على واجهة الملهى. ولم أستطع السياحة خارج باريس، لمشاهدة قصور الملوك أو عبر رجوعي لفرنسا إلا مع صديقتي الألمانية التي كان لديها سيارةٌ صغيرة تبلغ قوتها حصانَين، كنا نسيح في فرنسا في الصيف شرقًا إلى جبال الألب، لتسلقها حتى القمة وركوب التلفريك كي نرى الجبال من أعلى، ونحن ننتقل من قمة جبلٍ إلى قمة أخرى، ورأيت مدن تولوز ومونبيلييه، وسرنا على الساحل الجنوبي لفرنسا فرأينا طولون، وكان، ومارسيليا، وليون، وكالييه في الشمال، وكنا نقتسم المصاريف مناصفةً.

وزرتُ انجلترا ولندن وأُكسفورد وكمبريدج. وركبت القطار الذي يسير أسفل بحر المانش من دوفر إلى كالييه لكي أعرف إلى أي حد وصلت التكنولوجيا الغربية، وكنت أخشى من ثقلِ ضغط مياه بحر المانش على سقف النفق فينهار، فأغرق، لكني خرجت سالمًا.

وكان عندي دراجة اشتريتها من ألمانيا، ركبت القطار حتى سالزبورج وهي المدينة التي كان يتصارع عليها كلٌّ من فرنسا وألمانيا، وهي الآن تابعة لفرنسا. كنتُ آخذ الدراجة، وأُنزلها من القطار، أسير بها في جميع ربوع ألمانيا بحثًا عن منازل الشعراء والموسيقيين والفلاسفة. تجوَّلتُ بها من دوسولدورف في كولونيا وبون على نهر الراين حتى فرايبورج في الجنوب. وقطعتُ كل جنوب ألمانيا ووسطها حتى وصلت فرانكفورت وهايدلبرج ومالبورج، وصعدت إلى هامبورج في الشمال، وأردت الذهاب إلى برلين، وكانت مقسمة إلى قسمين؛ شرقية وغربية، فتركت الدراجة في آخر مدينة في ألمانيا الغربية. وقمت برحلة مستخدمًا طريقة الأوتوستوب لبرلين الغربية، وكانت معظم الآثار في برلين الشرقية؛ المتحف والآثار المصرية القديمة، ومتحف دالم في برلين الغربية لرؤية تمثال رأس نفرتيتي آية الجمال. كنت أسكن في منازل الشباب وكانت على قمم الجبال، كان الصعود إليها بالدراجة صعبًا، والنزول سهلًا. وفي البيت حيث نسكن كنت أرى شبابًا من كل أنحاء العالم، وكان الطعام زهيد الثمن، وكانت الأسرَّة مزدوجة ونظيفة.

وعبرتُ إلى برلين الشرقية عبر شارع فريدريش، ورأيت شارع ستالين الطويل العريض، والمنازل كلها في طولٍ واحد وشكلٍ واحد متشابهة، واشتريت كتب الفلسفة. وكان المارك الألماني الغربي يساوي ستة ماركاتٍ شرقية، فكانت الكتب رخيصة. وأستعمل طريقة الأتوستوب رجوعًا إلى دراجتي التي كنت أركنها عند الحاجز بين ألمانيا الشرقية والغربية، واضعًا كتبي خلفي في ربطتها.

وكنت أعود إلى ستراسبورج في وسط ألمانيا، وآخذ القطار عائدًا إلى باريس، وكنا نأكل ما يفيض من الموائد في بيوت الشباب، حيث كان بعض الطلبة لا يحبون البيض المسلوق، أو اللانشون، أو الجبن، أو الخبز؛ فكنا نأكل كل ذلك وما يفيض نأخذه في حقيبة نأكله ساعة الغداء، عشنا تقريبًا بلا مصاريف وبلا تكاليف في ألمانيا إلا أجرة ليلة الشباب كل نهاية أسبوع، وكانت لا تزيد على ماركٍ واحد.

وبعد عودتي إلى مصر كان انشغالي بعد هزيمة ١٩٦٧م بكيفية درء الاحتلال ورفع إهانة الهزيمة؛ فكان همي في الكتابة عن الأنا والآخر الذي جُمع فيما بعدُ في جزأين «قضايا معاصرة».

وذهبت إلى مرسى مطروح في رحلة مع الجامعة، ورأيت ساحل عجيبة وغيرها من السواحل، وأُعجبتُ بالمناظر الطبيعية والجبال المتناثرة بطول الساحل، وسمعتُ أن الجيش استولى على ساحل عجيبة لإقامة استراحاتٍ خاصة به، وكان لجامعة القاهرة استراحةٌ صغيرة، تطلُّ مبانيها على البحر مباشرةً، وكنا نسبح في المياه الضحلة أمام الاستراحة.

وكنت أسمع عن الواحات الخارجة والداخلة وسيوة في علم الجغرافيا، ولم أكن أتصور كيف تكون بقعٌ خضراء في مساحاتٍ واسعةٍ صفراءَ جرداء هي الصحراء الغربية! ولما أعلنت الكلية عن رحلة إلى واحة سيوة انضممنا إليها فرحين، أخذنا القطار من القاهرة إلى أسيوط، ثم أخذنا الحافلة إلى واحة سيوة. رأيت شجرات نخيلٍ باسقات، والجو مريح، والمنظر بديع، ودخلنا مصنع تغليف البلح، ورأينا هناك فتياتٍ بدويات يغلفن البلح في علبٍ كرتونية صغيرة باليد، وربما الآن دخلت الآلة، كن واقفات ولسن جالسات، والبلح أكوام وأكوام يملأ المناضد أمامهن، وكان معنا في الرحلة نصر حامد أبو زيد. وكنا نغني الأغاني الشعبية البدوية وغيرها.

كان أولادي ينقدونني بأنني لا أُروِّح عنهم في نهاية الأسبوع، ولا أصاحبهم في التنزه بالحدائق والمتنزهات مثلما يفعل الوالدان مع باقي الصبية من سنهم، فكنت آخذهم لأريهم آثار مصر في القاهرة القديمة: الأزهر والحسين، والقلعة، والسيدة زينب، والسيدة نفيسة، وجامعي السلطان حسن والرفاعي، وليعلموا آثار مصر وتاريخها؛ فالنزهة في العلم، والتنزه في التاريخ، ولم يعترضوا بل استحسنوا ما نفعل في نهاية الأسبوع.

وفى الولايات المتحدة الأمريكية وأنا أستاذٌ زائر بجامعة تمبل في مدينة فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا، وبعد أن أرسلنا طفلنا الأول إلى مصر خوفًا عليه من الرحلات الطويلة المتكررة، كان هناك دفتر للسفر في حافلة جرايهاوند، كان بها عشر ورقات وثمنها تسعة وتسعون دولارًا، نستخدمها في أي وقتٍ وأي مكانٍ في ربوع القارة الأمريكية، وكان هناك نظام في مركز الخدمات الطلابية بالجامعة بأن نبلغه بخط السير، ويعرفنا بدوره على عائلاتٍ أمريكية نقضي عندهم الليلة، نتعرف عليهم، ويتعرفون علينا، تحقيقًا لمبدأ التضامن بين الشعوب. أعطينا أنا وزوجتي لمركز الخدمات خطة السير والسفر من الشرق إلى الغرب، وأسماء المدن التي سنتوقف فيها، وأعطونا دفترًا به عناوين وأسماء العائلات التي سنقيم معها، وبالفعل كنا ننزل من الحافلة في المدينة المعلومة، فنجد العائلة الأمريكية في انتظارنا ومعهم أولادهم، يرحبون بنا، ويلعب أطفالهم معنا. ويصطحبوننا إلى منزلهم للعشاء والإقامة ليلةً واحدة أو أكثر إذا رغبنا، وفي صباح اليوم التالي نزور المدينة بالسيارة وهم معنا، ثم نصل إلى الحافلة، نستقلُّها إلى المدينة التالية، فنجد أسرةً أمريكيةً أخرى في انتظارنا. ويتكرر الموقف حتى وصلنا إلى لوس أنجلوس في كاليفورنيا، وكانت بعض الهدايا التي أحضرناها من مصر مثل التماثيل الفرعونية الصغيرة لرمسيس أو أخناتون أو أبي الهول والأهرامات، أو كتابًا عن مصر الفرعونية، كنا نترك عادة ذكرى واحدة منها عند الأسرة التي نقيم معها؛ فكانوا يزدادون إعجابًا بنا.

ذهبنا من لوس أنجلوس لسان فرانسيسكو، وعدنا إلى فيلادلفيا من طريقٍ آخر غير الطريق الأول، وقد استغرقت الرحلة شهرًا، وكنا قد استهلكنا خلاله جميع دفاتر السفر بالحافلة.

وفي الصيف الذي يليه سافرنا بنفس النظام من الشرق إلى الجنوب، من بنسلفانيا إلى فلوريدا مارِّين بأهم المدن، وصلنا إلى المكسيك، ورأينا المدينة المشهورة، وعدنا إلى فيلادلفيا من طريقٍ آخر، واستغرقت الرحلة شهرًا كاملًا ذهابًا وإيابًا.

وفي الصيف الذي يليه قمنا بالسفر من الشرق إلى أقصى الشمال الغربي، من فيلادلفيا إلى سياتل، وعدنا من طريق كندا لنرى شلالات نياجرا في تورينتو، وتعلمنا كثيرًا خلال هذه الرحلات، وتعرَّفنا على كثيرٍ من العائلات الأمريكية، ولمسنا عن قرب تلك الشخصيات وكرمها ومحبتها للطبيعة، وكان ذلك بالنسبة لنا غَيَّر فكرتنا عن السياسة الأمريكية المحتلة العنصرية، ورأينا الفرق بين الأمريكي البسيط الكريم الضاحك وبين أمريكا الكريهة الاستعمارية العدوانية.

ومنذ ذلك الوقت قررت أن أكتب كتاب «أمريكا، الأسطورة والحقيقة»، وهو ما تم بالفعل وصدر عام ٢٠٢٠م. وكنت من قبلُ وأنا في جامعة تمبل اشتريت معظم الكتب عن أمريكا الموجودة بقسم المكتبة، والذي كان باسم دراسات أمريكية. وعن طريق موسوعة الكتب المطبوعة في باب الدراسات الأمريكية، والتي كنت أطلبها من المكتبة على أنها كتبٌ دراسية حتى أحصل على تخفيض يعادل عشرين بالمائة من ثمن الكتاب، وكذلك اشتريت كتبي عن العالم الثالث: أفريقيا وآسيا، أمريكا اللاتينية استعدادًا لإصدار كتاب بنفس الاسم عن الفكر الوطني في هذه القارات الثلاث وهو ما حدث بالفعل، وصدر في ٢٠٢١م.

وفى المغرب كان معي أولادي الثلاثة، تجولنا في ربوعها إلى الشمال حتى طنجة، وإلى الجنوب حتى العيون، وشاهدنا جمال الطبيعة في المغرب، وطيبة شعبها وحبه للمصريين، ونحن في الطريق إلى الجنوب وقع علينا حجرٌ كبير من أعلى جبل، كان بعمل جنديٍّ مغربي، وقع الحجر تحت السيارة؛ فأبطلها. أتت حافلة لجر السيارة إلى الورشة لإصلاحها، خاف الجندي وأخذنا إلى منزله لتناول الغداء، وأصرَّ قائد الفرقة أن يتم إصلاح السيارة على نفقة الجيش المغربي، بالرغم من التأمين عليها، كانت سيارتي جديدة ماركة «سيات» وهي النسخة الإسبانية من «فيات» الإيطالية.

وفى رحلةٍ أخرى مع الأولاد، عبرنا جبل طارق بالسيارة، حيث شحنَّاها على سطح الباخرة ومنه شاهدنا الأندلس ومدنه الثلاث؛ غرناطة وإشبيلية وقرطبة، وشاهدنا قصر الحمراء بغرناطة، ومسجد قرطبة، ومئذنة إشبيلية «الخيرالدا». وذهبنا إلى طليطلة، ومدينة الزهراء بجوارها. وكانت تقع قبل مدريد بسبعين كيلومترًا فقط، وذهبنا إلى مدريد، ورأينا شوارعها الفسيحة وأبنيتها الشاهقة، والمعمار الذي يجمع بين الشرق والغرب.

ومرة دُعيت إلى مؤتمر بتونس؛ فقررنا الذهاب بالسيارة، قطعنا شمال المغرب حتى وصلنا وجدة، ودخلنا الجزائر حتى تلمسان، وعبرنا المغرب كله من الغرب إلى الشرق عبر مدينة الأصنام، وكان الطريق ممهدًا.

وفى الحدود بين المغرب والجزائر وقفنا طويلًا؛ فقد كانت العلاقات بين البلدين شبه مقطوعة لخلاف بينهما على واحة تندوف في الجنوب، وبعد أن وصلنا إلى تونس وانتهى المؤتمر، أردت العودة إلى المغرب عن طريق الساحل، وكان طريقًا جبليًّا فخافت زوجتي، وأرادت أن نسلك نفس الطريق الذي جئنا منه؛ لأنه آمن، فحزنت لعدم اكتشاف الطريق الساحلي على ساحل البحر الأبيض المتوسط.

وفى اليابان لم يكن لدينا سيارة، وكنا نسمع عن هيروشيما ونجازاكي بعد إلقاء القنبلة الذرية وتدميرهما بالكامل، وقتل ما يقرب من سبعين ألف ياباني في هيروشيما وحدها، أخذنا الطائرة إلى هيروشيما، كانت قد بُنيتْ من جديد مع استبقاء جزء منها مدمَّرًا للذكرى، ثم أخذنا القطار السريع إلى نجازاكي، ورأينا نفس الشيء مدينةً حديثة باستثناء جزءٍ مدمَّرٍ صغير من أثر القنبلة الذرية.

وفى طوكيو زرنا المدينة وحدائقها الحديثة، وزرنا قصر الإمبراطور، وزرنا ميناءها، ورأينا كباريها، وضواحيها. وأعجبنا بمنازل اليابان التقليدية الصغيرة وعلى أسطحها مرايات براقة لتوليد الطاقة الكهربائية من الشمس. وزرنا المعابد البوذية، رأينا كيف يشعلون الشموع حول تماثيل بوذا. وعجبنا من هذا التناقض بين اليابان الحديثة المتقدمة في العلم والصناعة، واليابان التقليدية في السحر والخرافة، وزرت أحد المعابد البوذية، فسجدت زوجة الراهب على الأرض تحيةً لي، وكادت أن تقبل قدمي؛ فانزعجتُ. وأدركت الصلة بين الدين والطاعة، بين الإيمان والخضوع، وكان هذا شائعًا في الشركات وأماكن العمل في اليابان، حيث سلطة الرئيس على العاملين، وتبعية العاملين للرئيس، ورأيت الألوان الزاهية للباس المرأة اليابانية وهي تذهب إلى المعبد وكأنه قطعة من الألوان المتحركة، أساسها أبيض ونقوشها بالأحمر والأخضر والأزرق والأصفر، ألوانٌ الطبيعة.

ورأيت الرقص الياباني الإيقاعي، والمصارعة اليابانية الحرة، وفي نفس الوقت كانت الفرق الموسيقية تعزف موسيقى بيتهوفين والسيمفونيات الألمانية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٣