المسألة الدينية في مصر المعاصرة

(١) دعوة إلى الحوار

على عكس ما يعتقد الكثيرون، فإنني أومن بأن الحوار مع التيارات التي تطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية ضرورة حيوية في ظروفنا الراهنة. وأعتقد أن من واجب الصحافة المسئولة أن تفسح أوسع مجال لأطراف هذا الحوار؛ كي يدلوا بآرائهم بحرية تامة؛ حتى يستطيع الملايين من أبناء مصر الحائرين أن يتبينوا وجهات نظر الأطراف المختلفة بوضوح، ويقارنوا بين حجج أنصار هذا التطبيق ومعارضيه، ويستخلصوا بأنفسهم الاستنتاجات التي يسفر عنها هذا الحوار. ولهذه الدعوة إلى الحوار الصريح والمفتوح في رأيي مبررات كثيرة:

أول هذه المبررات: هو خطورة الموضوع نفسه، فتطبيق الشريعة الإسلامية ليس بالأمر الهين، وليس مجرد خطوة يخطوها مجلس الشعب المصري من أجل إرضاء قوًى تضغط بوعي وبخطة مرسومة في هذا الاتجاه، وقوًى أخرى أوسع نطاقًا بكثير، لديها فكرة غامضة ولكنها شديدة الإلحاح، هي أن مشكلاتها الخاصة ومشكلات مجتمعها العامة سوف تُحَل تلقائيًّا بمجرد أن يتحقق هذا التطبيق. بل إن هذا التطبيق يعني تغييرًا شاملًا في أسلوب حياة الفرد والمجتمع، يؤثر على كل منا في سلوكه الشخصي وحياته العائلية وروابطه الاجتماعية وفي نوع التعليم الذي يتلقاه، ونوع الثقافة التي يتزود بها ونوع الإعلام الذي يوجَّه إليه. كما يؤثر على المجتمع في أسلوب الحكم واتجاه التشريع وطريقة التصرف في موارد الدولة وشكل العلاقات الخارجية التي تربطها بالعالم. إنها دعوة قد تبدو في أول الأمر محدودة النطاق، ولكن تأثيرها سرعان ما يمتد ويتشعب حتى يصبح تغييرًا شاملًا في جميع جوانب الحياة، فكيف إذن ظل المثقفون طوال هذه السنين يتجاهلون موضوعًا له كل هذه الخطورة وكل هذا التأثير ويقفون منه موقف اللامبالاة، أو موقف المجاملة والتملق في كثير من الأحيان؟

والمبرر الثاني لمثل هذا الحوار: هو أن هناك بالفعل أعدادًا غفيرة من الناس تؤمن بصدق هذه الدعوة وتطالب بها بحماسة وإخلاص. والأهم من ذلك أن الغالبية الساحقة من هؤلاء المواطنين هم من ذوي النوايا الطيبة، الذين يسعَوْن سعيًا جادًّا إلى إصلاح أنفسهم ومجتمعهم. فالصورة المألوفة للإنسان المتحمس لتطبيق الشريعة الإسلامية هي صورة شاب مستقيم شديد التدين ينضم إلى جماعة دينية ما، ويواظب على حضور الخطب والجلسات في مسجد يتحدث فيه واحد من كبار الدعاة، وهذا الشاب لم يطلع في الغالب إلا على وجهة نظر واحدة في الموضوع؛ ولذا فإنه يؤمن بها دون مناقشة، كما أن نصيبه من الثقافة الحديثة هو في العادة ضئيل أو منعدم، وحتى لو كانت مهمته تستدعي معرفة بفرع من فروع العلم الحديث — كأن يكون طبيبًا أو مهندسًا — فإنه لا يترك للفرع الذي تخصص فيه أي مجال للتأثير في نظرته العامة إلى الحياة وإلى العالم، بل تخضع نظرته هذه لطريقته الخاصة في الإيمان خضوعًا مطلقًا. هذه كما قلت الصورة الفعلية المألوفة، وقد نجد لها استثناءات هنا أو هناك، ولكن الغالبية من هذا النوع.

هذه الجموع الكبيرة من الشبان والفتيات الذين تحركهم نوازع خيرة ونوايا طيبة يحتاجون إلى أسلوب خاص في التعامل من جانب أولئك الذين لا يشاطرونهم أفكارهم — ومنهم كاتب هذه السطور. فالكثير من معارضيهم يكتفون بوصفهم بأنهم رجعيون متزمِّتون يريدون إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء، ولا يقيمون وزنًا لحقائق العصر وظروفه المتجددة، ولكن حتى لو كانت بعض هذه الأوصاف صحيحة فإنها لا تكفي على الإطلاق للتعامل مع أناس يؤمنون بأنهم يريدون الإصلاح، بل يؤكدون لأنفسهم أنهم هم وحدهم الذين يملكون طريق الخلاص من جميع المشاكل الفردية والاجتماعية.

إن مشكلتهم الكبرى هي أنهم لم يطلعوا في أغلب الأحيان إلا على وجهة نظر واحدة تقدم إليهم بطريقة لا تدع لهم أي مجال للشك فيها، وهم في أمَسِّ الحاجة إلى سماع وجهات نظر مخالفة تُعرَض عليهم بهدوء وبلا تشنج، وتفتح أمامهم آفاقًا جديدة للتفكير. إن ما يفتقرون إليه حقًّا هو الحوار الذي يدور على أساس من احترام نواياهم الطيبة ورغبتهم في الإصلاح، وينبههم إلى الأخطاء القاتلة التي يقع فيها موجهوهم الفكريون ومرشدوهم الروحيون، وأي أسلوب آخر في التعامل لن يزيدهم إلا اقتناعًا بموقفهم، وانطواء على أنفسهم.

ومن هنا يأتي المبرر الثالث لهذا الحوار الذي أدعو إليه، فصميم الخلاف بين أنصار تطبيق الشريعة ومعارضي هذا التطبيق لا يكمن في تباين الأفكار التي يدعو إليها كل من الطرفين فحسب، بل ربما كان الأهم من ذلك هو التباين في أسلوب التفكير ذاته؛ ذلك لأن المنادين بالشريعة لا يعرضون حججهم على أساس من العقل أو المنطق، وإنما على أساس التصديق والإيمان المطلق، وحتى لو استخدم بعضهم نوعًا خاصًّا من التفكير العقلي فهو إنما يفعل ذلك من أجل الانتقال من قضية إيمانية إلى أخرى فحسب، وهم قد اعتادوا الإذعان والتصديق إلى حد أن أصبح لقادتهم عليهم سلطة لا تناقش. وهكذا يعتمد نقاشهم من أوله لآخره، على النصوص والاقتباسات والاستشهادات، لا من الأصول الراسخة فحسب، بل حتى من أصحاب الاجتهاد الخاص، بدءًا من ابن تيمية حتى سيد قطب، وتتحول لديهم آراء هؤلاء إلى تعاليم ثابتة تُحفَظ وتُردَّد ويُستَشهد بها في كل مناسبة وكأنها الكلمة الأخيرة والحاسمة في كل موضوع.

وهنا يفيد الحوار فائدة كبرى في إخراج هؤلاء الشبان ذوي النوايا الطيبة من سجن النصوص والاقتباسات والاستشهادات إلى رحابة الفكر العقلي وسماحته، فهو يفتح أمامهم آفاقًا جديدة لم يكن مسموحًا لهم داخل جماعاتهم بالاقتراب منها، ويعينهم على استخدام ملكة العقل التي صورها لهم البعض وكأنها رجس من عمل الشيطان، وليست أعظم ما أنعم به الله على البشر. ومن المؤكد أن اكتشاف عالم التفكير المنظم الذي يزن الأمور بميزان العقل والمنطق، كفيل بأن يخلص هؤلاء الشباب من أخطاء فادحة، أو على الأقل يفتح أمامهم باب التفكير المستقل في الأمور التي لم يحاولوا من قبل إخضاعها لأي نوع من المنطق.

أما المبرر الأخير لهذا الحوار فهو أنه ببساطة لم يحدث من قبل في أية مرحلة من المراحل. وتلك بالفعل ظاهرة تدعو إلى الدهشة؛ فطوال العقود الأربعة الأخيرة التي ازدادت فيها حدة الانقسام داخل المجتمع المصري بين جماعات علمانية وجماعات دينية، لم يحدث أي حوار حقيقي بين الطرفين، وإنما كان كل طرف يسير في طريقه مستقلًّا ويخاطب أنصاره وحدَهم خطابًا داخليًّا، وإذا انتقد خصمه فإنما ينتقده من وجهة نظره الخاصة وفي إطار جمهوره الخاص، دون أية محاولة للاقتراب منه وتفهم وجهة نظره بعمق، ودون أن يمنحه فرصة متكافئة للتعبير عن نفسه بحرية ووضوح.

ولهذه الأسباب كلها أعتقد أن أجهزة الإعلام ستكون قد أسدت إلى الأجيال الحاضرة والمقبلة خدمة جليلة لو فتحت أبوابها لحوار حقيقي أصيل يسوده العقل والمنطق الهادئ، وتحفزه الرغبة في الفهم المتبادل بين هذين الطرفين. وفي تصوري أن الوقت الراهن هو أنسب الأوقات لإجراء هذا الحوار؛ إذ ترتفع اليوم أصوات كثيرة منادية بالتطبيق الفوري للشريعة الإسلامية، وكأن هذا هو الحل الحاسم والنهائي لكل ما نعانيه من مشكلات. وفي هذا الوقت بالذات تظهر أمامنا تجارب لتطبيق الشريعة في أقطار عربية قريبة منا ينبغي أن نحللها لنرى إن كانت قد أسفرت عن نتائج إيجابية أم سلبية، ولنعرف إلى أي مدًى ستنعكس هذه النتائج على مجتمعنا لو طُبِّقت فيه.

إن القضية المتنازع عليها قضية مستقبل أمة بأسرها؛ ومن ثم فهي من القضايا التي لا تكفي فيها القرارات الإدارية أو الأحكام القضائية، بل إنها إذا لم تُحسَم داخلَ عقول الناس أولًا وقبل كل شيء فسوف تعود إلى الاشتعال مرة بعد مرة، وقد يصبح اشتعالها في المرات القادمة أخطر بكثير.

وهنا ينبغي علينا أن نطرح سؤالًا يحتاج إلى جواب صريح: لماذا لم يتم هذا الحوار حتى الآن؟ وما هي الأسباب التي أدت إلى أن يعيش الشعب المصري، في جانب عظيم الأهمية من جوانب حياته، منقسمًا على نفسه، يفكر كل فريق فيه بعقلية مختلفة، ويتجاهل الفريقَ الآخر أو يحتقره، ولا يرى أي جدوى من الدخول معه في نقاش؟ يبدو لي أن العامل الأساسي في هذا هو الخوف وعدم الثقة.

فهناك خوف حقيقي من مناقشة جوهر المسائل الدينية في مجتمعاتنا العربية بوجه عام، وفي مصر بوجه خاص. ولو تأملنا مستوى المناقشات التي كانت تدور حول هذا الموضوع في أوائل القرن الحالي وخلال الفترة الممتدة حتى أواسط هذا القرن لوجدناها أصرح وأشجع بكثير من كل ما يُكتب ويُقال حول هذا الموضوع في العقود الأخيرة، فقد أصبحت مناقشة المسائل الدينية تتسم بقدر كبير من الالتواء واللف والدوران حول المعاني التي يريد الكاتب أن ينقلها إلى قرائه. ولم يكن الخوف في هذه الحالة خوفًا من سلطة الدولة بقدر ما كان خوفًا من رأي عام شعبي يعتقد الكثيرون — صوابًا أو خطأ — أنه يضع خطًّا أحمر بين ما ينبغي، وما لا ينبغي مناقشته من المسائل الدينية، ويسخط أشد السخط على من يتجاوز هذا الخط.

ولعلنا قد لمسنا في كثير من المناقشات التي دارت خلال العقود الأخيرة كيف أن البعض قد استغل هذه الحساسية البالغة لدى الرأي العام فراح في كل مناسبة، وأحيانًا بلا مناسبة، ينعت خصومه الفكريين أو الأيديولوجيين بالكفر والزندقة، وكأن هناك سلطة بشرية تملك تكفير الناس وحرمانهم من الجنة، ثم اطمأن بعد ذلك إلى أنه لطخ هذا الخصم بما فيه الكفاية، وإلى أن الناس لن تستمع بعد ذلك إلى أية كلمة يقولها حتى لو كانت هذه الكلمة تنتمي إلى ميدان لا علاقة له بالمسائل الدينية من قريب أو بعيد. وبطبيعة الحال فلا بُدَّ أن ينعكس هذا الموقف على معارضي الاتجاه الفكري لهذه الجماعات؛ إذ تتسم مناقشاتهم للمسائل الدينية بقدر غير قليل من النفاق وعدم الأمانة، ويتبنَّوْن المنطق الخاص لهذه الجماعات — دون اقتناع بطبيعة الحال — على أمل أن يستخدموه ضدها في نهاية الأمر، أو أن يجذبوها دون وعي منها تجاههم.

غير أن هذه المحاولات كلها قد أخفقت إخفاقًا ذريعًا؛ ذلك لأن لدى أعضاء الحركات الدينية موقفًا شديد الاتساق، بحيث إنك لو سلَّمت بنقاط انطلاقهم كان من أصعب الأمور أن تصل إلى نتائج مخالفة لتلك التي يقولون بها، فنظرتهم متكاملة تترابط عناصرها وأجزاؤها بإحكام، ولا سبيل إلى انتقادها بطريقة فعالة إلا بمناقشة المنطلقات الأولى والمقدمات الأساسية التي يبدءون منها. أما أنصاف الحلول أو الحلول المنافقة فلا تنطلي عليهم ولا تؤثر كثيرًا في جمهورهم، بل تأتي في معظم الحالات بنتائج عكسية. إنهم يعرفون جيدًا من هم أنصارهم ومن هم خصومهم، ولو وضع هؤلاء الخصوم على وجهوهم قناع الحمل الوديع واندسوا وسط القطيع فسرعان ما يكشفهم الرعاة المتيقظون ويسقطون عنهم قناعهم المزيف.

ولكن ما الذي أدى إلى هذه المواقف المعقدة كلها، وإلى انعدام فرص الحوار الحقيقي؟ إنه الخوف قبل كل شيء، ولن يقدَّر النجاح لأي حوار حقيقي إلا إذا سقط جدار الخوف. ولست أعني بذلك أن تبدأ جولة من المواجهة العنيفة بين الطرفين، أو أن ينقلب الميزان فتطغى فرص الطرف المعارض على الطرف المؤيد، وإنما المقصود والمطلوب أن تصبح للطرفين معًا فرص شبه متكافئة، بحيث يتبين كل منهما رأي الآخر بوضوح ويحدد موقفه منه على أساس من المعرفة المستنيرة، لا من الترفع أو التعصب أو المجاملة والنفاق. وآمل أن تكون الموضوعات التي سأطرحها في هذه السلسلة من المقالات نقطة بدء لحوار خصب لا يرتكز على تبادل الاتهامات ولا على الابتسامات المزيفة، وإنما يقوم على الفكر الهادئ والمنطق السليم الذي هو ألزم الأمور لمجتمعنا في أزمته الراهنة.

(٢) ثورة يوليو … والجماعات الإسلامية

من أوسع المقولات انتشارًا في كتابات الجماعات الدينية المعاصرة، القول بأن تاريخ ثورة يوليو مع هذه الجماعات كان تاريخ اضطهاد، وأن التطرف الديني إنما نبع من فترات السجن والقمع الطويلة التي تعرض لها أفراد هذه الجماعات، سواء في عام ١٩٥٤م أو في عام ١٩٦٥م وما بعدهما. وتعد هذه المقولة، في أوساط تلك الجماعات، بديهية لا تناقَش. ولست أود في هذا المقام أن أنفي هذه المقولة نفيًا قاطعًا، وإنما أود أن أبدي عليها تحفظات هامة، وأقدم تفسيرًا خاصًّا لبعض أوجه سوء الفهم التي اقترنتْ بها.

إن أصحاب هذه المقولة يستنتجون، من وقوع صدامات حادة وعنيفة خلال الجزء الأكبر من تاريخ ثورة يوليو، بين السلطة وبين جماعات إسلامية متعددة، أن الثورة قد وقفت موقفًا معاديًا من الإسلام، فهم يوحدون بين جماعاتهم وبين الإسلام ذاته، ويرون في العنف الذي عوملت به هذه الجماعات دليلًا على موقف سلبي تجاه الإسلام نفسه.

وليس أبعد عن الصواب — في رأيي — من هذا الاستنتاج؛ فالإسلام لا يمكن أن ينحصر في هذه الجماعة أو تلك، ولا يرتبط مصيره بوجود فريق معين من الإسلاميين داخل السجن أو خارجه. ولا شك أن من أكبر الأخطاء التي يمكن أن ترتكبها جماعة معينة أن تتصور نفسها مسئولة وحدها عن الدين، وتوهم الناس بأن الهجوم عليها هجوم على الدين ذاته، فها هنا نجد توحيدًا باطلًا بين الجزء وبين الكل الذي هو أوسع منه بما لا يقاس.

•••

وفي رأيي أن الدليل الحاسم على بطلان هذا الاستنتاج هو أن صدامات ثورة يوليو مع التيارات الإسلامية كانت كلها سياسية، ولم تكن دينية أو عقائدية على الإطلاق. فلم يحدث صدام في أية مرحلة من المراحل إلا عندما كانت السلطة تعتقد أن جماعة دينية معينة أصبحت تشكل خطرًا على النظام، أو على الدولة، أو على الأمن والاستقرار العام. ومن الجائز أن هذا الاعتقاد لم يكن في كل الأحوال صائبًا، ومن الجائز أنه قد حدثت في هذا التقدير أخطاء مأساوية، ولكننا لسنا الآن بصدد تقويم ما حدث أو إصدار حكم عليه، وإنما تقتصر مهمتنا ها هنا على رصد الظاهرة ذاتها، والتدليل على الفكرة الأساسية التي نقول بها، وهي: أن الصدام بين ثورة يوليو وبين الجماعات الإسلامية كان في جوهره سياسيًّا لا عقائديًّا، وكان صراعًا للقوى لا صراعًا بين الأفكار.

والواقع أنه لم تنشب في أي وقت، طوال ثورة يوليو، معركة حول أي عنصر من عناصر العقيدة الإسلامية ذاتها. وفي هذا تختلف ثورة يوليو عن كثير من الثورات الأخرى التي أعلن بعضها اتجاهًا علمانيًّا صريحًا، وقام بتحجيم شديد للمؤسسات الدينية (ثورة أتاتورك مثلًا)، وأعلنت واحدة منها (الثورة الإيرانية) عكس ذلك، فقامت بتضخيم دور المؤسسات الدينية على حساب المؤسسات الأخرى كافة … لم تفعل ثورة يوليو شيئًا من ذلك، بل يمكن القول إن الاهتمام بالمسائل الدينية كان خلالها يفوق كل ما كان موجودًا طوال فترة حكم الأحزاب، الممتدة من ١٩١٩م إلى ١٩٥٢م. ويكفي دليلًا على ذلك، إنشاء مؤسسات كالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، الذي كان يصدر بانتظام عددًا كبيرًا من الكتب والمجلات الدورية، وكان له نشاط واسع في كافة المناطق التي تحتاج فيها الدعوة الإسلامية إلى رعاية، وخاصةً في إفريقيا والشرق الأقصى. كما اتسع نطاق الإعلام الديني، في مرافق الإعلام كافة، اتساعًا هائلًا بالقياس إلى ما كان موجودًا من قبل، وأُعطيتْ فرص كبيرة لوجهات النظر الدينية كيما تعبر عن نفسها بقدر من الحرية لم يكن مسموحًا به على الإطلاق لوجهات النظر العلمانية، التي كانت تدلي بآرائها بحرية في الفترة السابقة على قيام الثورة. كذلك ازدادت كثافة المقررات الدينية في مراحل التعليم العام والخاص، وحدث توسع كبير في حركة تشييد المساجد وتزويدها بوسائل الدعوة والإبلاغ.

والخلاصة أن الزعم بأن ثورة يوليو، وخاصةً في الخمسينيات والستينيات، قد اضطهدت الدين ذاته من خلال أسلوب تعاملها مع بعض الحركات الدينية، هو زعم باطل من أساسه؛ لأن التنافس لم يحدث إلا على الساحة السياسية وحدها.

•••

ولما كانت للسياسة مسالكها المتعرجة ودروبها الملتوية، فقد اتسمت العلاقة بين ثورة يوليو وبين الحركات الدينية بالتعقيد الشديد، ولم تكن أبدًا علاقة تسلك مسارًا واحدًا أو تسير في طريق مستقيم، فكثيرًا ما كانت المواجهة العنيفة الدامية تأتي في أعقاب تقارب شديد — كما حدث في عام ١٩٥٤م — أي في فترة المحاكمة الأولى للإخوان المسلمين بعد تقاربهم الشديد من الثورة الناشئة في سنتيها الأوليين، وكما حدث في عملية اقتحام الكلية الفنية العسكرية ومقتل الشيخ الذهبي في نفس الوقت الذي كانت فيه الدولة خلال السبعينيات تتعاطف بوضوح مع الاتجاه الديني وتشجعه. ويبدو أن النمط الذي كان يتكرر، مع اختلاف في التفاصيل، هو أن العلاقة بين ثورة يوليو وبين التيار الديني لم تعرف الوسط، ولم تشهد فترات تعايش سلمي هادئ، وإنما كانت تتخذ في كل الأحوال تقريبًا شكل موجات من التقارب الشديد يتلوها صراع دموي عنيف.

مثل هذه العلاقة تبدو، بأي مقياس موضوعي سليم، علاقة غير صحية شابتها أخطاء كثيرة من الطرفين، والسبيل الوحيد إلى الخروج من هذا المأزق الذي يؤدي إليه هذا التناوب بين التقارب والتضارب، هو أن نواجه الظاهرة مواجهة علمية، ونسعى إلى فهم جذورها بعمق، بدلًا من أن نكتفي بالمجاملات الزائفة والعبارات الملتوية.

ففي الفترات التي سادها التسلط الفردي المطلق، واختفت فيها مظاهر الديمقراطية، كان الأسلوب الذي يتبعه أنصار هذا النمط في الحكم قريبًا كل القرب من الأساليب التي تتبعها الجماعات الدينية المتطرفة في تفكيرها وتنظيمها: فقد كان القرار السياسي يصدر عن سلطة يستحيل الاعتراض عليها، سلطة متعالية يتعين على المستويات الدنيا إطاعتها بلا مناقشة، وكان كثير من المسيطرين على أجهزة الإعلام والمتحكمين في الرقابة ينظرون إلى المعارضة السياسية كما لو كانت كفرًا وإلحادًا. وكانت كثير من الخلافات السياسية تُحَل بالقوة والعنف، لا بالحوار والفهم والنقد المتبادل، وكانت الطاعة هي أعظم «الفضائل» التي يراد من المواطن، أو حتى من رجل الدولة القريب من القمة، أن يتحلى بها … كانت للحكم «حقيقته المطلقة» التي يُعَد كل موقف آخر، بالقياس إليها، كفرًا وتجديفًا.

ولكن، ألم تكن هذه هي بدورها سمات الحركات الدينية المتطرفة؟ وإذا تذكرنا أن أجيالًا كاملة قد تربت ونشأت في ظل هذه النظرة الخاصة إلى العلاقة بين الحاكم والمحكوم، تلك العلاقة التي لا ينقصها إلا أن تخلع على الحاكم صفات الألوهية، فهل يحق لنا أن نستغرب حين نجد أعدادًا كبيرة من شباب هذه الأجيال تلحق — زَرافات ووُحْدانًا — بركب الجماعات الدينية المتطرفة، بعد كل موجة قمع تتعرض لها هذه الجماعات؟ هل هناك ما يدعو إلى الدهشة حين نرى الشاب الذي تربى على أن هناك حقيقة واحدة ورأيًا واحدًا لا يناقش، وعلى أن مهمة المواطن الصالح هي أن يطيع الأوامر التي يصدرها الحاكم ويستجيب لتوجيهاته وينقاد لقراراته؛ أقول هل هناك ما يدعو إلى الدهشة حين نرى هذا الشاب يلتحق بجماعة دينية تقوم جميع ممارساتها على أسس مماثلة، مع فارق أساسي هو أن المطاع وصاحب الأمر عندها هو خالق الكون بأكمله؟

•••

هنا تبدو لنا المواجهة التي حدثت بين ثورة يوليو، حتى أول السبعينيات، وبين الحركات الدينية في ضوء جديد: فهذه المواجهة تجمع بين العنف الشديد والتقارب الشديد، وتشابُه النمطين الفكريين المتصارعين، وتقارُب أسلوب التعامل بين السلطة العليا والأفراد في كلتا الحالتين، هو الذي أدى إلى أن تتخذ المواجهة هذا الطابع العنيف. ومن جهة أخرى، فلو افترضنا أن جماعة دينية معينة كان قد قُدِّر لها الانتصار في مواجهة ١٩٥٤م أو ١٩٦٥م، لكانت معاملتها للطرف المهزوم أشد دموية، ولانتهى بها الأمر إلى حكم سلطوي مطلق أشد تنكيلًا بالمعارضة والرأي الآخر.

إن أحدًا لا ينكر، بالطبع، أن الفوارق بين برامج الفريقين كانت كبيرة، ولكنني أتحدث الآن عن أسلوب الممارسة ونمط العلاقة بين المستويات المختلفة للتنظيم، وطبيعة الصلة بين قمة الهرم وقاعدته. ففي كل هذه الجوانب كان الاتجاه اللاديمقراطي للخمسينيات والستينيات يشكل تربة خصبة تزدهر فيها كل ضروب الفكر السلطوي، وعلى رأسها التطرف الديني.

والخلاصة أن العنف المتبادل كان — خلال هذه الفترة — هو الوسيلة الوحيدة لحل الخلافات. وكان هذا، بغير شك، خطأ فادحًا، ترتبت عليه سلسلة من الأخطاء التي ما زلنا نعاني منها حتى اليوم، ولكن أهم ما في الأمر أن الخطأ كان متبادلًا: ففي مقابل تهمة الاضطهاد والقمع الصارم التي دأبت الحركات الدينية على توجيهها إلى فترة ما قبل السبعينيات، ينبغي الاعتراف بأن هذه الحركات بدورها قد قطعت شوطًا لا يُستهان به في طريق العنف، والشيء الوحيد الذي حال دون سيرها في هذا الطريق إلى نهايته هو أنها وُوجِهتْ بقوة أعتى منها. وحين تصبح لغة القوة هي السائدة، لا يعود من حق المغلوب أن يشكو من قسوة الغالب.

•••

والآن، نصل إلى مرحلة السبعينيات التي سبقتها فترة انتقالية هامة هي السنوات القلائل التي انقضت بعد الهزيمة العسكرية والاجتماعية والحضارية في ١٩٦٧م. وهناك ما يشبه الإجماع بين الباحثين على أن هزيمة ١٩٦٧م وما أعقبها من شعور عام بالانكسار، كانت هي العامل الرئيسي الذي أعطى الحركات الدينية في السبعينيات طابعها المميز. ومن هنا كانت الاتجاهات الدينية في هذه الفترة بالذات توصف بأنها رد فعل على الهزيمة، هو رد فعل اليائسين الذين سُدت في وجوههم الأبواب، فأخذوا يلتمسون العون من السماء، أو من التاريخ البعيد، وبدا لهم أن إحباط الحاضر وظلامه لن يتبدد إلا بيقظة أو صحوة تعيد أمجاد الإسلام في عصوره الأولى من جديد. ولا جدال في أن مما عزز هذا التفسير ظهور موجة قوية امتزج فيها الشعور الديني بالتخيلات الواهمة، تمثلت في تلك الأفواج التي ظلت ليالي طويلة، بعد هزيمة يونيو المفجعة، تنتظر ظهور صورة العذراء في إحدى كنائس القاهرة، ويعود معظم أفرادها، آخر الليل، واثقين من أنهم رأوها بالفعل.

والرأي الذي أود أن أدافع عنه هو الرفض القاطع لنظرية «رد الفعل على الهزيمة» هذه. ولهذا الرفض أسباب متعددة:

فمن الملاحظ أولًا أن رد الفعل المباشر لدى الشعب المصري، في السنوات القليلة التي أعقبت الهزيمة، لم يتخذ طابعًا دينيًّا (وقصة ظهور العذراء قصة وقتية جدًّا، شاركت في تلفيقها على الأرجح جهات كانت تسعى إلى تخفيف وقع الهزيمة على الناس)، فقد خرج الشعب المصري في مظاهرات تطالب بمحاسبة المسئولية عن الهزيمة في عام ١٩٦٨م، وتستعجل معركة الثأر في الأعوام ١٩٧٠–١٩٧٣م. وفي جميع الحالات كانت الديمقراطية وتحسين أحوال المعيشة من أهم المطالب التي تنادي بها الجماهير. ولم يكن للحركات الدينية دور كبير في هذه التحركات الشعبية، بل كانت هناك قوًى متعددة، تغلب عليها الصفة العلمانية، هي التي تسيطر على الشارع، وعلى طلبة الجامعات بوجه خاص. وهكذا فإن رد الفعل الأول، والتلقائي، على الهزيمة، لم يأتِ على يد الجماعات الدينية، ولم يكتسب طابعها الخاص. ولم يبدأ نفوذ هذه الجماعات في الانتشار على نطاق واسع، بين طلبة الجامعات، وفي أروقة المساجد، وعلى المستوى الشعبي العام، إلا بعد حرب ١٩٧٣م، التي استطاعت أن تمحوَ، بطريقة جزئية على الأقل، تأثير هزيمة ١٩٦٧م.

ومن جهة أخرى، فلو كان ظهور هذه الاتجاهات الدينية رد فعل، بأي معنًى، على الهزيمة، لارتبط به ظهور برامج وخطط، لدى هذه الجماعات، تساعد على تجاوز هذه الهزيمة، ولكن شيئًا من ذلك لم يحدث؛ لأن برامج الجماعات الدينية التي انتشرت على نطاق واسع كانت تركز على أمور شكلية لا علاقة لها بحياة الناس الفعلية أو بالمشاكل الحقيقية التي يعانيها المجتمع، كاللحية والحجاب ومنع الاختلاط ورفع أصوات المؤذنين إلى أقصى حد تسمح به تكنولوجيا لم يعرفها الإسلام الأصيل. وكانت الأمور المتعلقة بالجنس، وغيرة الرجل البشري على المرأة ورغبته في حجبها عن عيون الآخرين، وسوء ظنه الدائم بأخلاق الغير، بل بنظرات عيونهم، تلعب دورًا لا يتناسب على الإطلاق مع حجمها الحقيقي في حياة الناس، وتساعد على تجنيد الرجال عن طريق إثارة حَمِيَّتهم الشرقية على «حريمهم»، وعلى تجنيد النساء إذ تبشرهن برضاء الرجل عن احتشامهن وتعففهن. ولكن، هل سمع قارئ واحد عن برنامج لأية جماعة دينية اشتمل على خطط محددة لمواجهة الأزمة الاقتصادية، تعمل حسابًا لمواردنا ومصروفاتنا وميزان مدفوعاتنا والعلاقة بين القطاعين العام والخاص والتزاماتنا تجاه البنوك الدولية وأعباء القروض التي تثقل كاهلنا؟ هل تضمنت كتيبات الدعوة رأيًا واضح المعالم، قابلًا للتطبيق، في موضوع التنمية أو مشكلة الاستقلال والتبعية، أو مشاكل التعليم الجامعي والتعليم العام والخاص؟ والأهم من ذلك، هل وضعت أية جماعة دينية خططًا عملية محددة لمواجهة إسرائيل والقوى المساندة لها، ولتسليح الجيش وتعبئة الموارد القومية من أجل معركة الثأر التي كنا في السنوات التالية للهزيمة ننتظرها بصبر نافد — باستثناء بعض العبارات العامة التي تدور حول عداء اليهود للإسلام وضرورة حشد المسلمين لكل ما يملكون من قوة؟

إذا كانت برامج الجماعات الدينية، على اختلافها، قد خلت من أي برنامج عملي قابلة للتطبيق في عصر الأسلحة الالكترونية والتهديد بالحرب النووية، وإذا كان الذين نريد أن نثأر من انتصارهم علينا يستخدمون أحدث الأساليب العلمية والتكنولوجية في حروبهم وفي تنظيم مجتمعهم وإدارة شئون حياتهم اليومية، فكيف يقال بعد ذلك أن انتشار هذه الجماعات بعد عام ١٩٦٧م كان رد فعل على الهزيمة؟

•••

إن الرأي الذي أود أن أدافع عنه هو أن الانتشار الهائل لهذه الحركات — الذي حدث بعد الثلث الأول من السبعينيات، ولم يحدث أبدًا في السنوات التي تلت الهزيمة مباشرةً — هو تعبير صريح عن اكتمال الهزيمة، وعن تغلغلها في نفوس الناس وعقولهم، وليس رد فعل عليها أو محاولة لإزالة آثارها.

فنوع الفكر الذي عملتْ على نشره هذه الحركات يثبت بوضوح كامل أن الإنسان الذي ينقاد لها لا يفعل ذلك إلا لأنه مهزوم من الداخل. إنه بالطبع ليس واعيًا بهزيمته، ولكن كل جزئية من جزئيات فكره وسلوكه الذي يمارسه بعد انضمامه إلى جماعته، تشهد بذلك. فمثل هذا الإنسان لا يُجهد عقله ولا يشحذ فكره، وإنما يتلقى من قادته (أو أمرائه) إجابات سهلة مباشرة عن أي سؤال يطرأ له، ويتولى بدوره ترديد هذه الإجابات السهلة المباشرة لكل من يطرح عليه سؤالًا مماثلًا. ولا تعدو المسألة خلال هذا كله أن تكون تكرارًا لصيغ محفوظة، يؤمن بها إيمانًا مطلقًا لأنه يؤمن بأن من لقنوه إياها لا يخطئون. إنه إنسان لا يستخدم عقله الخاص إلا من أجل قياس حالة جديدة على حالة قديمة يعرف الإجابة عنها سلفًا، ولا يسعى إلى الابتكار أو يعاني مشقة التحليل والاستقلال في الرأي، وهو يعطل ملكة النقد لديه تعطيلًا تامًّا، ويكتفي بملكة التذكر والحفظ التي يستعين بها على ترديد الصيغ المألوفة والقوالب المحفوظة. أي إنه — بالاختصار — لا يستخدم تسعة أعشار تلك القدرة التي هي أعظم وأسمى ما أنعم به الله على البشر، وأعني بها قدرة العقل. فهل يمكن أن يقال عن إنسان يعطل عقله على هذا النحو إنه يسعى إلى الرد على الهزيمة، أم إنه إنسان يؤدي مسلكه إلى تأكيد الهزيمة وتثبيت دعائمها، ويبرهن على أن جميع مقومات الهزيمة قد اكتملتْ لديه، وتغلغلتْ في أعماقه؟

على أن من الواجب، لكي نكون منصفين، أن نشير إلى أن الاستعداد لاتخاذ الموقف السلبي قد بدأ قبل وقت طويل من الهزيمة نفسها، ففي العهود اللاديمقراطية اعتاد الناس، زمنًا طويلًا، أن يسمعوا ويطيعوا، وأن يتركوا غيرهم يفكر لهم، ويتخذ جميع القرارات الحاسمة نيابة عنهم. ومع استمرار هذا الوضع عبر السنين أصبحت عقول الناس تربة خصبة لمبدأ السمع والطاعة، وأصبح من طبائع الأشياء في نظرهم أن يكون هناك مصدر خارجي هو الذي تأتي منه الإجابات عن كافة الأسئلة والحلول لكل المشاكل. وليست هناك إلا خطوة واحدة بين هذا الموقف وبين موقف العضو المألوف في الجماعة الدينية؛ فإذا لم يكن مطلوبًا من الفرد أن يسهم، بفكره واجتهاده، في اتخاذ أي قرار حاسم، وإذا كان عليه أن يتلقى جميع الأوامر من مصدرٍ أعلى منه، أليس الأجدر به أن يتلقاها ممن ينسبونها إلى الوحي الإلهي، بدلًا من أن يتلقاها من حاكم هو في نهاية المطاف إنسان فانٍ؟

هكذا عملت سنوات طويلة من الحكم السلطوي اللاديمقراطي على تمهيد الأرض وتهيئتها، ثم جاءت الهزيمة فدفعت الشعور بالعجز وانعدام الحيلة إلى أقصى مداه، وأصبح في إمكان أبسط داعية أن يخطب في الناس بصوت حماسي وعبارات طنانة فارغة من المضمون؛ لكي يلتف حوله على الفور عشرات الألوف.

•••

على أن الحديث عن انتشار الحركات الدينية في السبعينيات لن يكتمل إلا إذا أضفنا إلى العوامل السابقة تأثير عمليات الدعم والتشجيع — المادي على وجه الخصوص — الذي كانت هذه الحركات تتلقاه خلال هذه الفترة من الداخل والخارج. فليس من شك في أن الدولة تغاضت في ذلك الحين عن نشاط الجماعات الدينية، بل إن البعض يذهب إلى حد القول إنها ساعدت على تدريب فئات منها. وكان هذا الموقف — سواء بالتغاضي المقصود أم بالدعم الإيجابي — هو الخطأ الرئيسي الثاني الذي وقعت فيه ثورة يوليو في تعاملها مع التيار الديني. فبعد عنف الستينيات جاءت مغازلة السبعينيات، وأصبح الأساس الذي ترتكز عليه سياسة الدولة تجاه الحركات الدينية هو أن انضمام الشباب إلى هذه الحركات أمر لا خطر منه، وهو على أية حال أهون بكثير من انضمامهم إلى التيارات اليسارية التي يبدو أن ساعدها قد اشتد خلال السنوات ١٩٦٨–١٩٧٣م. وبعبارة أخرى، كانت السياسة الرسمية هي الاستعانة بالحركات الدينية إلى المدى الذي تفيد فيه الدولة وتساعدها على تحقيق أهداف خاصة رسمتها لنفسها داخليًّا وخارجيًّا. وكان هذا خطأ قاتلًا؛ لأن التجرِبة أثبتت مرارًا وتكرارًا استحالة حصر هذه الجماعات في إطار محدد سلفًا، أو استخدامها وسيلة لخدمة أغراض الغير؛ إذ إنها سرعان ما تنتقل إلى العمل لحسابها الخاص، وتمزيق الإطار الذي يراد منها أن تعمل في داخله. وهذا ما حدث بالفعل مرات عديدة خلال السبعينيات، وظهرت عواقب خروجها هذا بصورة دامية في حادث الفنية العسكرية، وحادث الشيخ الذهبي، وفي أحداث الفتنة الطائفية، إلى أن انفجر الوضع في أول الثمانينات. كان خطأ السبعينيات إذن هو اللجوء إلى سياسة تجمع بين أضداد يستحيل التوفيق بينها؛ هي أن التيار الديني مفيد ولكنه خطر، وينبغي تشجيعه ولكن مع حصره في حدود لا يتعداها، ويجب أن تُترك له حرية العمل ولكن مع وضعه تحت الملاحظة والرقابة المستمرة. وكان الثمن الذي دُفع في هذا الخطأ، كما نعلم جميعًا، فادحًا بحق.

أما الوجه الآخر لهذا الدعم فكان هو الوجه الخارجي، فليس من المصادفة على الإطلاق أن الفترة التي بدأت فيها الجماعات الدينية تظهر بمظهر القوة، هي ذاتها الفترة التي اتسع فيها نطاق النفوذ النفطي في مصر، أعني الفترة الممتدة من أوائل السبعينيات حتى أواسطها. ولو تأملنا شكل الدعوة الإسلامية لدى المتطرفين من هذه الجماعات، لوجدناه متشابهًا إلى حد لافت للنظر مع شكل الدعوة المنتشر في بعض البلاد العربية التي ترفع راية الإسلام، حيث تبذل كل الجهود لتجنب الإشارة إلى تعاليم الإسلام المتعلقة بالعدل والمساواة والتنديد باكتناز الثروة والبر بالفقراء والضعفاء، وتركز الجهود كلها على جوانب شكلية لا تغير في حياة الإنسان شيئًا، كالمظهر الخارجي ونوع الملبس وتضخيم البُعد الجنسي في علاقة الرجل بالمرأة. ومن اللافت للنظر أن كثيرًا من الجماعات الإسلامية المتطرفة، بقدر ما تهاجم «جاهلية» المجتمعات الإسلامية التي لا تطبق شرع الله، تمتنع تمامًا عن إبداء أي نقد للطريقة التي تطبَّق بها الشريعة في بعض البلاد البترولية، ولا تشير من قريب أو بعيد إلى التعارض بين تعاليم الإسلام وبين تبديد الثروات الطائلة في ترف استهلاكي مفرط. ومن جهة أخرى فإن تدفق الأموال في أيدي هذه الجماعات، وقدرتها على تقديم خدمات تزيد من شعبيتها، وخاصةً بين طلبة الجامعات. كل ذلك يدل بوضوح على أن مصادر تمويلها لا بُدَّ أن تكون واسعة الثراء.

•••

كانت هناك إذن أخطاء أساسية في معالجة الدولة لمشكلة الجماعات الدينية، تراوحت بين العنف المفرط، الذي لا يؤدي على المدى الطويل إلا إلى زيادة المشكلة تعقيدًا، وبين التشجيع والتدليل الزائد، الذي يغري هذه الجماعات بتجاوز الحدود ويضاعف إحساسها بالقوة. وكان تراكم هذه الأخطاء هو الذي أدى إلى ما أُطلق عليه اسم الفتنة الطائفية (بعد أن تولد عنه ردُّ فعل مساوٍ له في القوة لدى الطائفة الأخرى من المجتمع المصري)، وبلغ ذروته في حادث المنصة وأحداث أسيوط، وكان الامتداد الطبيعي له هو حركة المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية، التي ازداد الإلحاح عليها في أيامنا هذه.

(٣) تطبيق الشريعة الإسلامية

محاولة للفهم

أفضتْ بنا مجموعةٌ من الأخطاء التراكمية، بعضها ارتكبته الحركة الإسلامية ذاتها، وبعضها الآخر أدت إليه الأساليب التي اتبعت طوال الأعوام الثلاثين الماضية لمواجهة هذه الحركة؛ أفضت هذه الأخطاء إلى الوضع الراهن، الذي تعلن فيه جماعات إسلامية نشيطة أن الحل الوحيد لمعالجة أزماتنا هو التطبيق الفوري للشريعة، وتحاول أن تنقل نشاطها من مرحلة الدعوة الفكرية إلى مرحلة العمل الإيجابي.

ولقد تراوحت ردود الفعل في أيامنا هذه بين محاولات للاستهانة بهذا الحدث وتصويره كما لو كان قد بولغ فيه عمدًا من أجل التغطية على مشاكل أخرى، وبين تضخيم الأمور والتحذير من خطر مرعب يوشك أن ينقضَّ علينا. وفي كلتا الحالتين لم تكن هناك أية مناقشة علمية لجذور المشكلة، وفي رأيي أن الخطر وارد، وأن المبالغة في التخفيف منه هي التي تؤدي إلى تلهية الناس وخداعهم. والقول بأن طبيعة الشعب المصري لا تعرف العنف والإرهاب في الدين، لا يشكل حجة يُعتَدُّ بها، بل إنه قد يكون تخديرًا متعمدًا، فقد ظل الشعب الإيراني يعاني من وحشية السافاك سنين طويلة، وتركت هذه المعاناة آثارها على أجساد الألوف من شبابه وعلى شواهد قبور ألوف غيرهم، فلما حدثت الثورة الدينية عادت فرق الإعدام والمحاكمات الفورية، وفُرِض على الشعب — الذي خرج لتوِّه من استبداد ملك طاغية — ستارٌ كالح من الكآبة والعبوس والتزمُّت. ومن جهة أخرى، فلا أظن أن من طبيعة الشعب السوداني أن يتجمع في الميادين العامة لكي «يستمتع» بمشهد الأيدي وهي تُقطَع أو الظهور وهي تُجلَد. ومع ذلك فإن هذا قد حدث، لا على يد ثورة إسلامية كاملة، بل بعد تحول مفاجئ نحو الإسلام لم يكن سوى آخر حلقة في سلسلة التقلبات التي تنقل بينها الحكم السوداني السابق.

إنها إذن مسألة لا ينبغي الاستخفاف بها، ولكن ردود الفعل العفوية السريعة، أو التي تركب موجة الهجوم على دعاة تطبيق الشريعة دون أن تقدم فكرًا أو تحليلًا مدروسًا، لن تفيد في شيء. ومن هنا كان الأمر في حاجة إلى مناقشة عقلانية هادئة تدور حول أبعاد هذه الدعوة وإمكان تطبيقها والنتائج التي يمكن أن تترتب عليها.

وأمامنا، في هذا البحث التحليلي الذي نعتزم القيام به، سؤالان رئيسيان، أولهما: لماذا؟ وثانيهما: كيف؟

السؤال الأول: لماذا الدعوة إلى تطبيق الشريعة؟

إن الرد الجاهز الذي يجيب به كل من يتحمس لهذه الدعوة عن هذا السؤال، هو أن تطبيق الشريعة ضروري لأن الشريعة آتية من عند الله، بينما القوانين الوضعية التي نعمل بها من صنع البشر. والمنطق البسيط والمباشر الذي تتغلغل به هذه الدعوة إلى قلوب الملايين من البشر وعقولهم هو أنه لا وجه للمقارنة بين قانونٍ يأتي من عند الله وقانونٍ يضعه البشر. إن الإنسان كائن هش ضعيف، لا يمتد عمره إلا لحظة خاطفة في زمن الكون الأزلي، ولا يشغل كيانه إلا ذرة ضئيلة في كون شاسع تقاس أبعاده بملايين السنين الضوئية، فإذا كانت لدينا شريعة أوحى لنا بها خالق هذا الكون، وقانون وضعه هذا الإنسان الضئيل المحدود، فهل يصح أن نتردد لحظة في الاختيار بين الاثنين؟

إنه، كما قلت، منطق واضح مباشر يبدو في نظر الإنسان العادي أمرًا يستحيل الاعتراض عليه، بل إن قدرته الإقناعية أعظم من قدرة أشد البديهيات الرياضية وضوحًا. ومما يزيد من قدرة هذا المنطق على الإقناع، حالة التردي والتأزم التي يعيشها الناس، فكلما أحكمتِ الأزماتُ الاقتصاديةُ والاجتماعية والسياسية قبضتَها على رقابهم، ازدادوا استعدادًا لقبول الحجة التي تخاطبهم بكل ثقة فتقول: أرأيتم إلى أين يؤدي بكم حكم البشر؟ إن كل مصائبكم ترجع إلى ابتعادكم عن طريق الله، فلماذا لا تسيرون في هذا الطريق، إن كنتم تريدون حقًّا أن تنتشلوا أنفسكم من هذه الهاوية؟

•••

وبطبيعة الحال، فلو كان الاختيار حقًّا بين حكم إلهي وحكم بشري، لأصبحت المسألة محسومة على الفور. ولكن السؤال الأساسي هو: هل نحن حقًّا إزاء اختيار بين شرع الله وقانون الإنسان؟ في رأيي أن الأمر على حقيقته أبعد ما يكون عن ذلك، وأن البديلين اللذين يطرحهما علينا دعاة تطبيق الشريعة لا وجود لهما إلا في ذهن يتأمل الأمور بغير تعمق. ويرتكز هذا الرأي الذي أقول به على أساسين جوهريين:

الأول هو أن أحكام الشريعة، باعتراف الجميع، تمثل في أغلبها مبادئ شديدة العمومية، يتعين بذل جهد كبير من أجل ملء تفاصيلها بمضمون صالح للتطبيق في ظروف كل عصر بعينه … وكلما تعقدت أوضاع الحياة ازداد الدور الذي تلعبه هذه التفاصيل أهمية. ومن المؤكد أن مجتمعنا المعاصر يمثل قمة التعقيد الذي بلغته البشرية طوال تاريخها، نتيجة للتقدم العلمي والتكنولوجي المذهل وما يترتب عليه من تغييرات متلاحقة في ظروف حياة البشر، وهي التغييرات التي واجهتنا بمواقف جديدة لم يكن لها نظير في أية فترة سابقة. ومن هنا كان لزامًا على أي مجتمع يريد لنفسه الحياة وسط عالم متغير متجدد يتعين عليه أن يتعامل معه، أن يبذل جهدًا بشريًّا هائلًا لكي يترجم المبادئ الدينية العامة إلى واقع يمكن تحقيقه في عالم كهذا.

•••

ولنضرب لذلك مثلين: فمبدأ الإحسان مبدأ معترف به في الإسلام، تنص عليه آيات كثيرة تهدف كلها إلى إشعار الأغنياء بأن للمحرومين في أموالهم حقًّا، أي إلى ضمان حدٍّ أدنى من المعيشة للفقير، أي إن الإحسان صيغة أساسية تستهدف تحقيق شكل من أشكال العدالة الاجتماعية. غير أن تعقد المجتمعات الحديثة، وعدم وجود اتصال وثيق أو تعارف مباشر بين الغني والفقير في مجتمع المدينة الضخم المزدحم، يحتم علينا أن نأخذ من مبدأ الإحسان روحه العامة، وهي السعي إلى تضييق الفجوة بين الغني والفقير، ثم نبذل جهودًا هائلة من أجل تحديد الوسائل التي تكفل تحقيق شكل من أشكال العدالة الاجتماعية في هذا المجتمع المعقد. وتتفاوت الصيغة التي يمكننا تطبيقها، بين قيام الغني بتقديم صدقة مباشرة إلى الفقير (وهي صيغة لم تعد مجدية في معظم المجتمعات المعاصرة) وبين منع الأغنياء من أن يمتلكوا الوسائل التي تمكنهم من استغلال الفقراء والضعفاء. في الطرف الآخر من سُلَّم الحلول الممكنة، وفيما بين هذين الطرفين تدور خلافاتٌ لا أول لها ولا آخر، كلها خلافات بشرية خالصة، وإن كانت كلها قابلة لأن تندرج تحت المبدأ الديني العام؛ مبدأ الإحسان.

أما المثل الآخر فهو مفهوم الشورى، فكما نعلم جميعًا، ما زال الخلاف محتدمًا حول طبيعة الشورى، وهل هي اختيارية أم ملزمة للحاكم. ولكن الأهم من ذلك أن مبدأ الشورى يحتمل تفسيرات شديدة التباين: ما بين همس الحاكم في أذن وزرائه وأمرائه المقربين «للتشاور»، وما بين إجراء انتخابات نيابية نزيهة تؤدي إلى اختيار ممثلين حقيقيين للشعب يكونون سلطة تراقب جميع تصرفات الحاكم وتضع لها ضوابط لا يستطيع أن يتعداها، فالمبدأ الإلهي واحد، ولكن التفسيرات متعددة ومختلفة، وكلها تفسيرات تتم بجهود بشرية.

وفي هذا الصدد أود أن أشير إلى التفسير أو الاجتهاد الذي تقدم به الأستاذ خالد محمد خالد في مقال أخير ظهر في «الأهرام» (عدد ٢٤ / ٦ / ١٩٨٥م). في هذا المقال قام الكاتب الإسلامي الكبير بتعريف الشورى على النحو الآتي:
إنها الديمقراطية التي نراها اليوم في بلاد الديمقراطيات، وأركانها وعناصرها هي:
  • (أ)

    الأمة مصدر السلطات.

  • (ب)

    حتمية الفصل بين السلطات.

  • (جـ)

    الأمة صاحبة الحق المطلق في اختيار رئيسها.

  • (د)

    وصاحبة الحق المطلق في اختيار ممثليها ونوابها.

  • (هـ)

    قيام معارضة برلمانية حرة وشجاعة تستطيع إسقاط الحكومة حين انحرافها.

  • (و)

    تعدد الأحزاب.

  • (ز)

    الصحافة الحرة … لا بُدَّ من إعلاء شأنها.

هذا — يا أخي — هو نظام الحكم في الإسلام بلا تحريف فيه ولا انتقاصٍ منه.

ولا أجدني في حاجة إلى القول بأن السطر الأخير من كلام الأستاذ خالد يمكن أن يلقى اعتراضات لا أول لها ولا آخر من جماعات إسلامية كثيرة، ومن جانب أنظمة حكم تؤكد أنها تسير وفقًا للشريعة الإسلامية. فتعريف الأستاذ خالد يمثل التفسير الديمقراطي في أقصى مداه، على حين أن مبدأ الشورى يحتمل، من الناحية النظرية، تأويلات أضيق نطاقًا من هذا بكثير. وهكذا فإن ما يعتقد الأستاذ خالد أنه نظام الحكم في الإسلام بلا تحريف أو انتقاص، هو في الواقع رؤيته الخاصة لهذا النظام، وهي رؤية ينبغي أن نحمد لها استنارتها واتساع أفقها، ولكن ينبغي أيضًا أن نعترف بأنها ليست الرؤية الوحيدة التي تحتملها النصوص.

على أن السؤال الأهم، في هذا الصدد، هو: هل كان خالد محمد خالد يستطيع أن يصل إلى تعريف كهذا لو أعمل فكره في المبادئ العامة الواردة في النصوص وحدها؟

هل كان يستطيع أن يحدد الشورى بأنها الفصل بين السلطات، والتمثيل النيابي الحر، وقيام معارضة تسقط الحكومة، وتعدد الأحزاب وحرية الصحافة، لو لم يكن قد تأثر بأفكار بعض البشر الفانين الضعفاء، من أمثال جون لوك ومنتسكيو وروسو وتوماس جيفرسون، ولو لم تكن تجارب الدول الحديثة التي سبقتنا في مضمار الديمقراطية قد دعمت أفكار هؤلاء الفلاسفة من خلال الممارسة؟ هل كان خالد محمد خالد يستطيع أن يفسر الشورى على هذا النحو لو لم يكن هو ذاته إنسانًا اكتسب ميولًا ديمقراطية من خلال قراءاته وثقافته واطلاعه على تجارب الشعوب الحديثة؟ ولو قيل إنه كان يستطيع أن يصل إلى مثل هذا التعريف من متابعة التراث وحده، فكيف حدث أن هذه المبادئ لم تُستخلَص، ولم تُطَبَّق، طوال تاريخ هذا التراث؟

هنا أيضًا نجد أن المبدأ العام، الذي يقبل تفسيرات متعددة ومتباينة، يحتاج إلى جهد بشري لا غناء عنه لكي يترجَم إلى واقع يعيشه الإنسان. وكلما تعقدت ظروف الحياة، ازدادت أهمية الدور الذي يقوم به هذا الجهد البشري، وأصبحت قدرة المبدأ العام على التأثير متوقفة عليه إلى حد بعيد.

•••

أما السبب الثاني الذي أقول من أجله إننا لسنا إزاء اختيار بين حكم إلهي وحكم بشري، فهو أن النص الإلهي لا يفسر نفسه بنفسه، ولا يطبق نفسه بنفسه، وإنما يفسره البشر ويطبقونه. وفي عملية التفسير والتطبيق البشري هذه، تتدخل كل أهواء البشر ومصالحهم وتحيزاتهم. ففي عصر الرسول وصحابته فقط، كان التشريع إلهيًّا وكان التفسير والتطبيق بدوره إلهيًّا؛ لأن المكلف بالتفسير والتطبيق كان مبعوثًا من عند الله. في مثل هذا العصر فقط يحق للناس أن يقارنوا بين الحكم الإلهي والحكم البشري، أما في جميع العصور اللاحقة، فقد تدخل البشر، بكل ما يتصفون به من ضعف وهوًى، ولم يعد النص الشرعي الإلهي يتحول إلى واقع متحقق إلا من خلالهم. وهذا هو التعليل الوحيد للتباين الشديد بين أنظمة متعددة يقسم كل منها بأغلظ الأيمان أنه هو الذي يطبق الشريعة كما ينبغي أن يكون التطبيق.

ماذا نستنتج من هذا كله؟ النتيجة الواضحة، التي تفرض نفسها على كل من يملك حدًّا أدنى من القدرة على التفكير، هي أن الهدف الأصلي الذي تسعى إلى تحقيقه دعوة تطبيق الشريعة، هو هدف يستحيل بلوغه. فأصحاب هذه الدعوة، الذين تتملكهم رغبة حقيقية في الإصلاح، يريدون أن يتخلصوا من ضعف البشر وتخبطهم بالالتجاء إلى حكم إلهي يسمو على كل ما يصل إليه البشر الفانون. ولكن المشكلة الكبرى هي أن ضعف البشر وتحيزهم، بل وفسادهم وانحلالهم، سيظل ملازمًا لنا حتى عندما نحتكم إلى الشرع الإلهي، وبمجرد أن نطرد الهوى والتحيز البشري من الباب، نجده يقفز عائدًا إلينا من النافذة.

إن عملية الحكم عملية بشرية، أولًا وأخيرًا، وما دام الذين يمارسونها بشرًا فسوف يقحمون مشاعرهم وميولهم في أي نص يحكمون بمقتضاه، حتى لو كان نصًّا إلهيًّا. وعلى كل من يشك في ذلك أن يتأمل جميع تجارب تطبيق الشريعة، لا في العالم الإسلامي المعاصر فحسب، بل طوال التاريخ الإسلامي بعد عصر الرسول؛ لكي يتأكد من أن البشر، مهما فعلوا، لن يستطيعوا أن يهربوا من طبيعتهم أو يتخلصوا من تحيزاتهم.

•••

كانت الإجابة التي قدمتها الجماعات الإسلامية عن سؤالنا الأول: لماذا الدعوة إلى تطبيق الشريعة؟ هي أن تطبيق الشريعة معناه الرجوع إلى الحكم الإلهي (الذي أطلق عليه بعض مفكريهم اسم «الحاكمية»)، ولا وجه للمقارنة بين الحكم الإلهي والحكم البشري، ولكن التحليل الذي قدمناه أفضى إلى نتيجة أساسية، هي أنه لا توجد في عالم البشر مفاضلة بين حكم إلهي وحكم بشري؛ لأن كل حكم يتولاه الإنسان، حتى لو كان يرتكز على شريعة إلهية، سيصبح بالضرورة بشريًّا، تنعكس عليه أهواء البشر وتحيزاتهم وأطماعهم وكل جوانب ضعفهم. وهذا معناه أن الاختيار الحقيقي ليس بين حكم الله وحكم الإنسان، وإنما بين حكم بشري يزعم أنه ناطق بلسان الوحي الإلهي، وحكم بشري يعترف بأصله الإنساني. وخطورة النوع الأول، الذي تظل تلازمه — كما قلنا — كل أخطاء البشر، تكمن في أنه يضفي على هذه الأخطاء والأهواء صبغة القداسة، ويخلط عامدًا بين الأصل الإلهي للأحكام وبين التفسيرات البشرية المغرضة لها، فيقدم إلى الناس نزوات الحاكم وسوءاته كما لو كانت امتثالًا للوحي الإلهي، ويخلع على ضعفه البشري عصمة لا يستحقها من قريب أو بعيد. أما النوع الثاني الذي يعترف ببشريته، فإن الخطأ والتحيز فيه أقل خطرًا؛ لأننا نعلم مسبقًا أنه من صنع بشر فانين، غير معصومين من الهوى والغرض.

إن البشرية كلها تخطئ مرارًا وتكرارًا في تجارب الحكم المختلفة التي تمارسها، وتتعلم كل يوم من أخطائها، ولكن أفدح أنواع الخطأ هو ما يرتكبه حاكم يتصور أن أهواءه ومصالحه الضيقة إنما هي تجسيد للإرادة الإلهية، ويوهم الناس بأن كل ما يفعله مستلهَم من وحي الشرع الإلهي الذي يحكم بمقتضاه. وقد أثبتت التجارب المريرة التي خاضها عالمنا الإسلامي، في تاريخه القريب والبعيد، أن أمثال هؤلاء الحكام كانوا، في معظم الأحيان، هم الأكثر دموية، والأشد استخفافًا بمصائر البشر.

السؤال الثاني: كيف نطبق الشريعة؟

يدور جدل كثير في هذه الأيام حول طريقة تطبيق الشريعة … فهل يكفي لكي يقال إن الشريعة أصبحت مطبقة، أن نفرض الحدود، أي أن نطبق حد السرقة فنقطع يد السارق، وحد الخمر فنجلد السكير، وحد الزنا فنرجم مرتكب الخطيئة؟ إن الكثيرين من العقلاء، في صميم الحركة الإسلامية ذاتها، يؤكدون أن تطبيق الشريعة أوسع مدًى بكثير من موضوع الحدود. فالعقوبات ليست إلا الوجه السلبي للشريعة، إنها هي الجزاء الذي ينبغي أن يناله الآثم والعاصي. ولكن هل معنى ذلك أن الناس الأسوياء، الذين لا يسرقون ولا يسكرون ولا يزنون (وأنا أفترض أن هؤلاء هم الأغلبية)، لن تمسهم الشريعة ولن تنظم حياتهم؟ لا جدال في أن الشريعة ينبغي أن تنطبق على الجوانب الإيجابية من حياة الناس، لا على الجوانب السلبية أو غير السوية فحسب. ومن هنا فإن تطبيق الشريعة لا بُدَّ أن يكون أوسع نطاقًا من فرض الحدود والعقوبات.

ومن جهة أخرى، فهل تنحصر مشكلات أي مجتمع في هذه الآثام وحدها؟ لنفرض أننا أقمنا الحد على السارق وشارب الخمر والزاني، ولنفرض أننا استطعنا بذلك أن نستأصل هذه الآفات من المجتمع، فهل يكفي ذلك لكي تنصلح أحوال المجتمع وتنتهي مشاكله؟ إن المشكلة الاقتصادية لا تُحَل بمنع السرقة فحسب، بل بزيادة الإنتاج وعدالة التوزيع وترشيد الاستهلاك. وقُلْ مثل هذا عن المشكلات الاجتماعية والأخلاقية في علاقتها بالحدود الأخرى كحد الخمر والزنا. وهنا أيضًا يكفينا أن ننظر حولنا إلى مجتمعات أخرى طُبِّقت فيها هذه الحدود بكل همة ونشاط، كالسودان في عهده السابق، وباكستان؛ لكي ندرك أن تطبيق الحدود لم يكن كافيًا على الإطلاق لحل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية.

ولقد أدرك الكثيرون هذه الحقيقة، فطالبوا بألا تقتصر الجهود على تطبيق الحدود وحدها. وسايرهم في ذلك كثير من المطالبين بالتطبيق العاجل للشريعة؛ حتى يتخلصوا من الاعتراض الصحيح القائل إن الشريعة أوسع وأكثر إيجابية بكثير من تطبيق الحدود. ومع ذلك فإني أشك في أن يكون هذا هو موقفهم الحقيقي، وأعتقد أن جهدهم الفعلي يتركز في تطبيق الحدود وحدها.

ذلك أولًا أن التطبيق الشامل يحتاج إلى وقت طويل وتدرج شديد، ولا معنى للإلحاح عليه في لحظة معينة، أو لتنظيم جلسات ومسيرات تدعو إلى تنفيذه على الفور، والشيء الوحيد الذي يمكن تنفيذه بين يوم وليلة هو أن يصدر قرار بتطبيق الحدود الشرعية.

وأغلب الظن أن هؤلاء الدعاة يؤمنون بأن الخطوة الأولى والحاسمة في طريق التطبيق الشامل للشريعة هي فرض الحدود، وكل شيء يمكن أن يأتي بعدها سهلًا ميسورًا. ولكن، ليس هناك في رأيي ما هو أبعد عن الصواب من هذا الرأي؛ لأن أي نظام يستطيع أن يلهي الناس، سنوات وسنوات، بمنظر الأيدي المقطوعة والظهور الملتهبة بالسياط، بل والحجارة التي ترجم الآثمين حتى الموت، دون أن يتجاوز هذا المدى خطوة واحدة في طريق الإصلاح الشامل. وهذا ما حدث بالفعل في جميع التجارب المعاصرة لتطبيق الشريعة.

والدليل الثاني على أن الدعوة السائدة في هذه الأيام تتجه في حقيقتها إلى المطالبة بتحقيق الحدود دون غيرها من جوانب الشريعة، هو أن أقطاب هذه الدعوة صفقوا بكل حماسة للرئيس السوداني السابق عندما أصدر قوانينه المشهورة التي اقتصرت على قطع الأيدي والجلد والرجم وغيرها من الحدود، وانهالت بيانات التأييد والاستحسان لما حدث في السودان في كافة الصحف التي تصدرها الجماعات الإسلامية في مختلف أرجاء العالم العربي، دون أن يكترث أحد من مفكريها بتأمل الأمور على حقيقتها، ودون أن يسأل نفسه هل ما يحدث في هذا المجتمع مطابق حقيقة لشرع الله؟ بل إن بعض الصحف الإسلامية أصابها حرج شديد عندما سقط نظام الرئيس نميري بعد أن كانت تكيل له المدح منذ أيام قلائل، فلم تجد مفرًّا من أن تهاجم طريقة تطبيقه للشريعة بعد سقوطه، وهي تعلم جيدًا أنها كانت في أعدادها السابقة تؤكد أنه خطا الخطوة المطلوبة في كل مجتمع إسلامي!

وهكذا أصبحنا الآن نجد، ضمن التيار الإسلامي، مدرستين فكريتين: إحداهما تنادي بالتطبيق الفوري للشريعة، وتعني بها — واقعيًّا — الحدود، وتؤكد أن هذه هي الخطوة الأساسية التي ستترتب عليها جميع الخطوات التالية، والأخرى ترى أن تطبيق الحدود هو الخطوة الأخيرة، لا الأولى، وأن من الواجب أن يسبقه إقرار حد أدنى من العدل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي بين الناس، حتى يستطيع المجتمع أن يفرض العقوبات الرادعة التي تنص عليها الحدود وهو مطمئن إلى أنه لن يظلم أحدًا.

ومن المؤكد أن موقف المدرسة الأخيرة ينطوي على منطق قوي يصعب الاعتراض عليه؛ ذلك لأن التسرع في تطبيق الحدود، دون تهيئة الجو الاجتماعي الصالح للبشر، يمكن أن يؤدي إلى نتائج مأساوية. فكيف تقبل ضمائرنا أن نقطع يد إنسان يسرق في زمن يسوده العسر والفاقة، وينهب فيه الأغنياء قوت الفقراء؟ إن اليد التي تُقطع يستحيل أن تعود، أي إن هذه عقوبة يستحيل تعويضها أو إصلاحها، فماذا يكون الأمر لو قطعنا يد إنسان سرق في أوقات عصيبة ليسد رمقه، ثم ندم فيما بعد وتاب، والله يقبل التوبة من الجميع؟ ستظل الوصمة، التي تتخذ شكل علامة واضحة يراها الجميع، تلاحقه وتلاحق أبناءه وأحفاده من بعده.

وهل تقبل ضمائرنا أن نساوي بين المال الذي سُرق بدافع الحاجة الشديدة، والذي هو في نهاية الأمر متاع زائل يذهب ويجيء، وبين جزء أساسي في كيان الإنسان وعنصر جوهري من عناصر كرامته وآدميته؟ لمثل هذه الأسباب كان أنصار التروي في تطبيق مثل هذه العقوبة على حق حين يقولون: اضمنوا للناس أولًا حدًّا أدنى من العدل، ومن المعيشة الآدمية، وبعد ذلك طبقوا عليهم حد السرقة.

•••

ولنتأمل مثلًا آخر: فجريمة الزنا، كما نعلم جميعًا، أمر يصعب إثباته إلى أبعد حد، وقد نصت الشريعة على أدلة حاسمة شديدة التعقيد من أجل إثباتها؛ وذلك نظرًا إلى قسوة عقوبة الرجم.

ولكن هل يستطيع أحد أن يساوي بين ارتكاب الزنا في مجتمع تستفحل فيه أزمة الإسكان، ولا تجد فيه الغالبية العظمى من الشباب سبيلًا إلى الزواج الحلال لأنها تعجِز عن الحصول على مسكن مناسب، وبين ارتكاب هذه الجريمة ذاتها في مجتمع مترَفٍ تتوافر لدى أفراده جميع وسائل العيش المرَفَّه؟ صحيح أن الزنا يظل جريمة في كل الأحوال، ولكن هل يلام الرجل الذي اضطرته أزمات الغلاء والإسكان إلى أن يظل أعزب عشرات السنين، بنفس القدر الذي يُلام به من يرتكب الزنا عامدًا وهو يمتلك كل شيء؟

من الواضح أن الجرائم والآثام التي يراد تطبيق الحدود الشرعية عليها ليست شرورًا مجردة، معزولة عن سياقها الاجتماعي، وتظل تحمل نفس المدلول مهما اختلفت الظروف، بل إن معناها، ودرجة خطورتها، تتفاوت وفقًا لتغير أوضاع المجتمع وشروط حياة الناس فيه. وهنا أيضًا يكون دعاة التروي على حق، ويكون من الواجب ضمان حد أدنى من العدالة الاجتماعية قبل أن نفكر في تطبيق هذه الحدود.

هكذا تدل الدلائل كلها على أن التطبيق الفوري للحدود، قبل أن يصل المجتمع إلى حد معقول من الاكتفاء، يمكن أن يُلحِق ظلمًا فادحًا بالبشر. وأظن أن متحف الأيدي المقطوعة في السودان، الذي لا يزال يعاني من المجاعة، هو خير شاهد هذا الظلم.

ولكن السؤال الذي يبدو أن هؤلاء العقلاء، من دعاة التمهل وتوفير الحد الأدنى من المستوى الآدمي للمعيشة قبل توقيع العقوبة، لم يطرحوه على أنفسهم، هو: ماذا يعني توفير مثل هذا الحد الأدنى في بلد كمصر؟ إنه يعني حل مشكلة التنمية، ومشكلات البطالة والفقر والجوع والإسكان والتعليم، ومعظم المشكلات التي نكافح منذ عشرات السنين من أجل مواجهتها. وفي ضوء الزيادة السكانية المستمرة، والأزمات العالمية والمحلية المتلاحقة، لا تبدو في الوقت الراهن شواهد واضحة على أن مثل هذا الحل يمكن أن يأتي في المستقبل القريب.

وهكذا تتضح معالم المأزق الذي تقع فيه الدعوة المتعجلة إلى تطبيق الشريعة: فلو بادرنا إلى هذا التطبيق في ظل الأوضاع الراهنة، ودون تهيئة الظروف الاجتماعية الملائمة، لارتكبنا في حق الناس مظالم فادحة. أما لو انتظرنا إلى أن تتهيأ هذه الظروف، لكان معنى ذلك أن مشاكلنا الرئيسية قد تم حلها من قبل بوسائل أخرى؛ وبذلك تختفي الأسباب التي كانت تستوجب تطبيق الشريعة.

إن هذا التحليل، وغيره مما عرضتُه من قبل في هذه المجموعة من المقالات، ليست دعوة إلى اليأس، وإنما هو دعوة إلى التفكير. فما أردت أن أثبته هو أن الشعارات التي تتردد على الألسن حول هذا الموضوع ليست بالسهولة التي تبدو عليها للوهلة الأولى، ولا تؤدي إلى حل آلي وفوري لمشكلاتنا المعقدة. والرسالة التي أود أن أنقلها، في ختام حديثي الطويل، إلى عشرات الألوف من الشبان ذي النوايا الطيبة، الذين لا يريدون لأنفسهم ومجتمعهم إلا إصلاحًا، هي: لا تأخذوا كل ما يقال لكم بلا تفكير، فلو أعملتم عقولكم لأدركتكم، كما أدرك الناس بعد تجارب مريرة في السودان والخليج وباكستان وغيرها، أن الدعوة القائلة بأن كل شيء سينصلح فور تطبيق الشريعة هي دعوى مفرطة في الوهم، لا في التفاؤل فحسب، وأن الإنسان الذي يتولى تطبيق الشريعة الإلهية سيظل إنسانًا متحيزًا، مغرضًا، ظلومًا جهولًا، شأنه شأن أي إنسان آخر (واسألوا عن ذلك التاريخ كله). وستدركون أن الحل الذي تحلمون به، ونحلم به جميعًا، لن يأتي من خلال مجموعة من القرارات العاجلة، وإنما يأتي بعد كفاح طويل ضد الفقر والجهل والمرض ونقص الإنتاج والتبعية للغير، وقبل هذا كله، كفاح طويل مع النفس، التي ترتاح إلى الحلول السهلة والصيغ المبسطة والشعارات الرنانة.

أما الرسالة التي أود أن أنقلها إلى أصحاب القرار فهي أن مواجهة التيار الديني لا يجدي فيها العنف الظالم، ولا التدليل المفرط، إنها أولًا وأخيرًا مواجهة قوامها الحوار الديمقراطي الطويل النفس، وليست مسألة يُترك حلها لوزارات الداخلية ويمكن أن تحسمها أجهزة الأمن.

وكل ما آمله هو أن تكون الأفكار التي طرحتها في هذه المقالات موضوعًا لتفكير عاقل هادئ، يرتكز على لغة المنطق لا على لغة السيف؛ لأن اللجوء إلى السيف في مثل هذه الأمور هو دائمًا حيلة العاجز.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢