سميحة

هي فتاة في الثانية والعشرين، تحاول الانتحار، وتكره حياتها، نشأتْ في أسرة تُفضِّل الذكور على الإناث في كل شيء، حتى الأكل. وتقول سميحة: كان أبي وأمي يطلبان مني دائمًا أن أخدم أخي، وأسقيه وهو راقد في السرير، وأمسح حذاءه، رغم أنني كنت في المدرسة أكثر تفوُّقًا من أخي، وكان أخي يضربني إذا لم أخدمه، وكنت أضربه كما يضربني، لكن أبي وأمي كانا يسمحان له بضربي ويمنعانني من ضربه.

وكنتُ أتمنى أن أكون ولدًا مثل أخي ليعاملني أبي وأمي كما يعاملانه، ولا أشعر بالمهانة التي أشعر بها كلما نهرتْني أمي أو نهرني أبي قائلًا: أنتِ بنتٌ! وكنتُ أبكي وأنا أصلي لله، وأسأله لماذا خلقني بنتًا، وكنت أوجِّه إليه اللوم لأنه لا يعدل بيني وبين أخي، ولا يجعل أبي وأمي يعدلان بيني وبين أخي، وقد انهارت كل آمالي حين رفض أبي أن أدخل الجامعة بعد حصولي على الثانوية، وفوجئت بهم في يوم يقولون إنني سأتزوج، وبكيتُ ورفضت، لكن أبي عقد قراني على رجل لا أعرفه ولا يعرفني، أبي هو الذي وقَّعَ على عقد قراني لأنه ولي أمري، حاولتُ الانتحار عدة مرات، فأخذتني أمي إلى طبيبٍ نفسيٍّ، قال الطبيب إنه سيعالجني في ثلاثة أشهر، وعليَّ أن أذهب إليه مرة كل أسبوع، وفعلًا كنت أذهب إليه، وفي كل مرة يجلس أمامي يسألني أسئلة غريبة، سألني مرة: لماذا أحسد أخي وأتمنى أن أكون ولدًا؟ فقلت له: لأن أهلي يفضِّلونه عليَّ. لكنه طلب مني أن أفكر قليلًا وأتذكر طفولتي، ولمَّا لم أتذكر شيئًا قال لي: هل لأنه يملك عضو الذكر وأنت لا تملكينه؟ وفوجئت بهذا السؤال الغريب، وقلت له إن ذلك لم يخطر ببالي أبدًا! لكنه سألني إذا ما كنت أحب أبي أكثر من أمي، فقلت له إنني أفضِّل أمي؛ لأنها تقف إلى جانبي أحيانًا، أمَّا أبي فهو الذي منعني من دخول الجامعة، وهو الذي عقد قراني رغم أنفي، لكنه لم يقتنع بكل ما قلته، وقال لي إن هذه هي الأسباب الظاهرية لحالتي النفسية، وإن الأسباب الحقيقية هي أنني أحسد أخي بسبب امتلاكه لعضو لا أملكه، وأعطاني الطبيب عدة جلسات كهربية، وسألني عما إذا كنت أريد أن أنجب أطفالًا، وقلت له إنني لا أريد أن أتزوج، لكنه أخذ يقنعني بأن أطيع أهلي وأتزوج؛ فالزواج هو الحياة الطبيعية لكل امرأة، وأن أفكر في إنجاب طفل يعوضني عن النقص الذي أشعر به كبنتٍ لا تملك ما يملكه أخي الذكر، وانتهت الأشهر الثلاثة، ولكن حالتي ازدادت سوءًا. وأخرجتْ لي سميحة من حقيبة يدها عددًا من الروشتات المسودة بعدد كبير من أسماء الأدوية والعقاقير: أقراص لإزالة الصداع، وأقراص منوِّمة لإزالة الأرق، وأقراص لفتح الشهية، وأقراص مهدِّئة، وقالت لي سميحة إنها تبتلع ما يقرب من اثني عشر قرصًا في اليوم الواحد من مختلف هذه الأدوية.

وذهبتُ إلى الطبيب النفسي الذي يعالج سميحة، وسألتُه عن اسم المرض الذي يعتقد أنه أصاب سميحة، فقال لي: اكتئاب. وسألته عن سبب ذلك الاكتئاب، فقال لأنها ترفض أنوثتها وتتمنى أن تكون ذكرًا، بسبب عقدة حسد عضو الذكر منذ طفولتها، وقال لي: إن سميحة بلغت الثانية والعشرين من عمرها، ولكنها لم تنضج نفسيًّا وتقبل أنوثتها، وإنها لا تزال في مرحلة الطفولة النفسية، ولم تتخلص من عقدة حسد عضو الذكر.

وقلت لهذا الطبيب النفسي: إن سميحة لا تعاني من أية عقدة، لكنها تعاني من أبيها الذي حرمها من التعليم، وأصر على أن يزوجها رجلًا غريبًا عنها لا تريده.

وردَّ عليَّ الطبيب قائلًا: ولكن سميحة لها ثلاث أخوات بنات أخريات، وقد حرمهن الأب نفسه من التعليم وزوَّجهن، وهن يعشن مع أزواجهن في هدوء، ولم تحاول واحدة منهن الانتحار كما حدث لسميحة.

قلت له: لأن سميحة أكثر طموحًا في الحياة من أخواتها. إن قبول أخواتها للقهر بسبب خوفهن من عصيان الأب، أو لسببٍ آخر، لا يعني على الإطلاق أن تكون سميحة مثلهن وتقبل القهر.

وقال الطبيب: إن الأب هو الذي يملك حق تقرير مصير ابنته، وليس هذا قهرًا، أنا شخصيًّا لا أوافق أن تتزوج ابنتي ضد إرادتي، وإلا فما فائدة الأب؟ إن دور الأب أن يختار لأولاده أحسن حياة، ويوجههم إلى ما هو في صالحهم.

قلت له: هناك فرقٌ كبير بين التوجيه وإبداء الرأي، وبين الفرض والإجبار.

وقال الطبيب: إن سميحة فتاة غير طبيعية، إنها عنيدة صلبة الرأي، وهي تحاول التشبه بالرجال.

وسألته: كيف ذلك؟

قال: إنها تكره الفساتين وأدوات الزينة، ولا تعتني بجمالها كما تفعل كل البنات في سنها.

قلت: ربما لها هواية أخرى غير الفساتين وأدوات الزينة، ربما هي ترى جمالها في شيءٍ آخر غير شكلها، لقد عرفتُ منها أنها تحب القراءة وأنها تفضِّل شراء الكتب على شراء الفساتين وأدوات الزينة.

وقال لي الطبيب: وهل تعتقدين أن هذا طبيعي لفتاة في مثل سن سميحة؟

قلت له: إنه شيءٌ طبيعي جِدًّا لأي فتاة في مثل سن سميحة أن تفضِّل شراء الكتب على شراء الفساتين وأدوات الزينة؛ إن سميحة تعتقد أنها إنسانة لها عقل يجب أن تغذيه وتنميه بالقراءة والمعرفة، وليست مجرد جسد أو أداة لجذب الذكر، إن سميحة تمثل الفتاة الذكية التي تنظر إلى نفسها نظرة إنسانية متكاملة، وليست تلك الفتاة الغبية التي تتصور أن النقود لم تُصنَع إلا لشراء الفساتين والأحذية واللحم والخضار، وأن شراء الكتب ليس من شأنها وإنما من شأن الرجال. وردَّ الطبيب بغيظ: إذا انهمكت المرأة في قراءة الكتب والعمل وخلافه، فمَن إذن سيرعى الأسرة والأطفال، ويُعِدُّ الطعام للزوج حين يعود من عمله مُرهَقًا؟! إن هذه الأفكار لا تقود أبدًا إلى تدعيم الأسرة، بل إلى تفكيك الأسرة، إنها لا تقود إلى سعادة الأسرة، بل إلى شقائها. لقد خُلِقَت المرأة للبيت والرضاعة ورعاية الأطفال وخدمة الزوج، أمَّا الرجل فقد خُلق للأعمال الأخرى.

ولم يكن هناك جدوى من المناقشة؛ واستأذنتُ من هذا الطبيب بعد أن أعطيته قائمة بأسماء الكتب الجديدة في علم النفس.

ولم يكن في إمكان الطبيب النفسي بطبيعة الحال أن يشفي سميحة من حالتها، رغم الأقراص العديدة التي كتبها لها، وقد صممتُ على أن أساعد سميحة وأنقذها من محاولاتها المتكررة للانتحار، والتي كان يمكن أن تفقد حياتها تمامًا في واحدة منها، وذهبتُ مع سميحة إلى أبيها وأمها، وتحدثتُ مع الأب والأم، واقتنع الأب والأم بأن بقاء سميحة على قيد الحياة أهم من زواجها بذلك الرجل (الذي اتضح أنه يملك عمارة كبيرة)، وصرف الأب والأم نظرهما عن هذا الزواج، كما أن العريس نفسه كان قد هرب بعد أن علم عن محاولات سميحة الانتحار، واستطعت في الزيارة الثانية أن أقنع الأب والأم بأن تنتسب سميحة إلى الجامعة من أجل استكمال دراستها، بدلًا من أن تبقى في البيت وتسبب لهم المشاكل، وفعلًا انتسبت سميحة إلى كلية الآداب.

وانقضت بضعة شهور، حين ذهبت إلى معرض الكتاب الدولي الأخير، وبينما أنا أقف في أحد الأجنحة رأيتُ سميحة، لكنها لم ترني، كانت تقف أمام صفوف الكتب وعيناها من خلف النظارة الطبية تنتقلان ببطء وهدوء فوق العناوين، فيهما لمعة الذكاء والثبات والاستغراق، بالرغم من أن شابًّا وقف بجوارها، بل شبابًا كثيرين من كل جانب، يدفعونها ويتزاحمون، لكنها لا تحس بهم … وعيناها لا تنفصلان عن صفوف الكتب، لا تنشغلان لحظة واحدة عن ذلك الاستغراق الشديد، كأنما العالم كله من حولها لم يعد له وجود إلا تلك الصفوف المتراصَّة من الكتب.

وهبطت عيناي تتأملان جسمها: جسمٌ ممشوق رياضي، وساقان قويتان داخل بنطلون، وقدمان ثابتتان فوق كعب سميك منخفض.

وامتدت يدها إلى كتاب وفتحتْه، ورأيت أصابع يدها، أصابع رفيعة قوية، أظافرها بغير طلاء، قرأت في الكتاب بضع صفحات، ثُمَّ أعادته إلى مكانه وانتقلت إلى كتاب آخر، إنها لا تكتفي بقراءة عنوان الكتاب أو اسم مؤلفه، ولكنها تحاول أن تتعرف أيضًا على شيء من مضمونه قبل أن تشتريه.

أدركتُ أن سميحة قد شُفيت، وأدركت أنها لم تُشف فحسب، ولكنها تمثل الفتاة المصرية الجديدة، وشتان بينها وبين تلك الفتاة القديمة التي كانت تظن أن المعارض لا تُقام إلا لعرض الأزياء والموديلات والبضائع ومستحضرات التجميل، وأن النقود لم تُصنَع إلا لشراء الفساتين والأحذية واللحوم والخضر، أمَّا أن يكون هناك معرض للكتب، فليس هذا من شأنها، وإنما من شأن الرجال، وليس كل الرجال أيضًا وإنما هؤلاء الرجال الذين تخصصوا في القراءة، وكأن القراءة تخصص مُعيَّن لا يقوم به إلا فئة قليلة من الرجال، والقراءة أيضًا كما قالت لها أمها أو جدَّتها تضعف البصر، ويجب على البنت أن تحافظ على جمال عينيها لتجذب الرجل بسهولة، ويرتفع ثمنها في سوق الزواج، والرجل لا يحب الفتاة التي تلبس نظارةً طبية، لماذا؟ إنها لا تدري، ولكن هذا ما قالتْه لها أمها وخالتها وعمتها.

وكم يبدو الفرق بين الفتاة الجديدة والفتاة القديمة، وبين العينين النظيفتين الذكيتين من خلف النظارة البيضاء، وبين العينين الغبيتين الغارقتين في سواد الكحل والرميل والظلال الخضراء!

كم يبدو الفرق كبيرًا بين الجسم الرياضي الممشوق وبين الجسم الكسول المرتخي، بين الساقين القويتين اللتين تتحركان بحرية داخل البنطلون، وبين الساقين السمينتين الملتصقتين داخل الميني جيب الضيق، بين القدمين الثابتتين فوق الكعب السميك المنخفض، وبين القدمين المقوستين المتأرجحتين على كعب رفيع عالٍ!

كم يبدو الفرق بين الأصابع الرفيعة القوية بأظافرها القصيرة بغير طلاء، تقلِّب صفحات الكتب في نَهَم، وبين الأصابع الطرية البضة ذات الأظافر الطويلة المدببة الحمراء كمخالب الحيوانات المفترسة تقلب في اللحوم والفساتين في نهم!

كم يبدو الفرق صارخًا بين الفتاة الجديدة التي تدفع بسخاء سبعة جنيهات لشراء كتاب تريده وتبخل بمثل هذا المبلغ على شراء فستان، وبين الفتاة القديمة التي تدفع سبعة جنيهات ثمن تفصيل الفستان الواحد وتعتقد أن الكتاب يصبح باهظ الثمن لو ارتفع سعره عن سبعين قرشًا! كم يبدو الفرق واضحًا بين الفتاة الجديدة التي يحوطها الشباب من كل جانب فلا تنشغل بهم عما تريد أن تقرأه، وبين الفتاة القديمة التي إذا لمحت شابًّا من نافذة أو من على بعد كيلومتر ساوت شعرها وحاجبيها وبربشت بعينيها!

هذه هي الفتاة المصرية الجديدة سميحة، بجمالها الطبيعي وبساطتها وحبها للكتب والقراءة، بنظارتها الطبية البيضاء، وبنطلونها البسيط العملي، وحذائها المنخفض المتين، بشخصيتها الواثقة بنفسها، المعتزة بقيمة عقلها ونفسها، المؤمنة بالمساواة الحقيقية بينها وبين الرجل.

ولم تكن الفتاة الجديدة واحدة فحسب، ولكنها كانت مئات من الفتيات الجديدات يملأن ممرات معرض الكتاب، وامتلأت عيناي بالدموع؛ دموع الفرح، وتذكرتُ كيف كنت منذ عشرين عامًا في مثل عمر هؤلاء الفتيات، وكيف كنت أُخفي الكتب تحت البطاطين وأمارس القراءة خلسة وكأنما هي عمل غير لائق بالبنت يستوجب الخفاء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠