درية

هي زوجة لمهندسٍ ناجح، وأم لثلاثة أولاد، وقد تركت الجامعة بسبب الزواج، قالت لي إنها تبحث عن معنًى لحياتها، وتحس بالفراغ الهائل، وإنها لا تستفيد بعقلها وذكائها، حين قال لها الطبيب النفسي: ألا تكفيكِ أسرتك؟! أي زوجك الناجح وأولادك الثلاثة الناجحين، قالت: لا، إنني أُهيئ لهم جميعًا كل أسباب الراحة والسعادة، ولكن ماذا عن نفسي أنا؟ أليس لي حق في السعادة أنا أيضًا؟ أليس لي حق في التفكير والنجاح في عمل أحبه وأتفوق فيه؟ إنني لا أستطيع التوقف عن التفكير في مستقبلي الذي ضاع حين قطعتُ دراستي الجامعية لأتزوج، ومما يزيد تعاستي أن زوجي وأولادي لا يستطيعون فهم مشكلتي، وأيضًا أبي وأمي وأهلي لا يفهمون سبب تعاستي، ويظنون أنني طماعة وأكفر بالنعمة التي أعطاها لي الله، وهي الزوج الناجح الذي يحبُّني، والأولاد الناجحون الذين ليس لهم مشاكل. وطبيبي النفسي أيضًا لا يفهم مشكلتي، إنني أطيعه وأبلع الأقراص التي يكتبها لي، ولكن هل تصنع الأقراص لي مستقبلًا؟ هل تعيدني الأقراص إلى الجامعة فأكمل تعليمي وأُثبت للناس جميعًا أنني إنسانة ذكية وأستطيع أن أقدم كثيرًا من الأفكار المفيدة للمجتمع الكبير والإنسانية؟

في يوم من الأيام فتحتْ درية الجريدة الصباحية، فرأت صورة إحدى زميلاتها اللائي كن معها في الجامعة، وقرأت أن هذه الزميلة نجحت في إثبات ذاتها كإنسانة مفكرة، وأشادت الجريدة بنجاح هذه الزميلة وأفكارها العظيمة.

ودون أن تدري بدأت درية تتصور أنها كان يمكن أن تكون مثلها لو أنها لم تقطع دراستها. وانتابتها حالة اكتئاب حادة، وخرجت إلى الشارع تبحث عن عمل؛ أيِّ عمل تثبت من خلاله ذاتها، وبالطبع لم تعثر على أي عمل، ووجدت نفسها عند الطبيب النفسي الذي أعطاها مزيدًا من الأقراص المهدئة والمنومة، لكنها لم تعد تنام الليل، وظلت تفكر، وصورة زميلتها أمام عينيها ليل نهار، وظلت الفكرة تطاردها، حتى أصبحتْ كلَّ يوم ترتدي ملابسها وتخرج تلف في الشوارع كالتائهة تبحث عن شيء لا تجده؛ عن شيء ضاع منها ولا تعثر عليه مرة أخرى. وقلت لدرية إنني أستطيع أن أفهم مشكلتها، وأقرُّها تمامًا، وإنها في حاجة إلى أن تعمل عملًا تحبه وتختاره، وليست في حاجة إلى أي وظيفة لمجرد الخروج من البيت أو التخلص من الملل أو الفراغ؛ ولهذا فإن خروجها إلى الشارع لتبحث عن العمل ليس هو الطريقة الصحيحة لحصولها على العمل الذي ترغبه.

قلت لها: ابحثي داخل نفسك أوَّلًا عن العمل الذي ترغبين فيه، ما ميولك وهواياتك؟ هل هناك نوع معين من الفنون تمارسينه أو تحبين ممارسته؟ قالت: كنت أحب الموسيقى قبل الزواج، وتعلمت عزف البيانو، ولكني الآن نسيت ما تعلمته؛ لأنني لم أستمر بسبب الزواج والأولاد.

قلت لها: لماذا لا تعودين إلى الموسيقى مرة أخرى، وتدرسين مرة أخرى دراسة منتظمة، وبعد ذلك تنضمِّين إلى إحدى الفرق الموسيقية وتعزفين في الحفلات ليسمعك الناس؟

سألَتْ بدهشة: وهل هذا ممكن؟!

قلتُ لها: طبعًا ممكن.

قالت: أنا في الثامنة والثلاثين من عمري يا دكتورة.

قلت لها: الإنسان الذكي يمكنه أن يبدأ حياته في أي عمر، أنت ما زلت شابة، ولو أخذتِ موضوع الموسيقى مأخذ الجد والاهتمام فربما تصبحين إحدى الموسيقيات القليلات في مجتمعنا، إن معظم الموسيقيين والملحِّنين عندنا رجال، وقد آن الأوان لأن تثبت المرأة المصرية كفاءتها في فن الموسيقى.

وتلفَّتتْ درية حولها في حيرة وقالت: لقد تأخرتُ كثيرًا، معظم زميلاتي تخرجن، ويعملن أعمالًا ناجحة، وأنا أبدأ اليوم فقط!

قلت: أن تبدئي متأخرة خيرٌ من ألا تبدئي أبدًا.

وسألتني: وماذا عن الأقراص التي كتبها لي الطبيب، هل أستمر في أخذها؟

سألتُها: لماذا أعطاك الطبيب الأقراص؟

قالت: لأنام.

سألتها: ولماذا لا تنامين؟

قالت: أفكر كثيرًا.

سألتها: في أي شيء؟

قالت: في كل حياتي، لا أشعر بالسعادة، أشعر أن شيئًا هامًّا ينقصني.

سألتها: ماذا عن حبك لزوجك وحياتك الجنسية؟

قالت: أحب زوجي، وهو يرضيني جنسيًّا تمامًا.

سألتها: تَصلين إلى الأورجازم؟

قالت: نعم، بسهولة جِدًّا، وفي كل مرة تقريبًا.

سألتها: وماذا عن علاقتك بأولادك؟

قالت: أحبهم جِدًّا، وقد كبروا ولم يعودوا بحاجة إليَّ، ومعظم وقتهم خارج البيت أو مع أصدقائهم.

قلت: والآن تجدين نفسك مواجهة بيومٍ طويلٍ وساعاتٍ طويلةٍ لا تعرفين ماذا تفعلين بها؟

قالت: نعم بالضبط.

سألتها: أليس لك صديقات؟

قالت: لي صديقات كثيرات، ولكني أكره أحاديثهن التافهة عن الأكل والخدم والملابس، وأكره الثرثرة والنميمة.

قلت لها: لماذا لا تقرئين، ألا تحبين القراءة؟

قالت: أقرأ أحيانًا بعض الروايات الأدبية، وأقرأ الصحف والمجلات كلها تقريبًا، لكني أشعر بالاكتئاب والحزن كلما قرأت عن امرأة تفوقت في عملها، وأقارن بين حياتها الناجحة وبين حياتي الراكدة في البيت.

وقالت درية في حزن: ماذا أفعل يا دكتورة؟

سألتها: هل اقتنعتِ بموضوع بدء الموسيقى من جديد؟

قالت: اقتنعتُ، ولكن الموسيقى مشوار طويل جِدًّا، ولست شابة صغيرة لأصبح تلميذة من جديد.

وسألتها: وما هو تصورك لنوع العمل الذي كنتِ تبحثين عنه؟

قالت: أي عمل؟

قلت: وهل وجدتِ أي عمل؟

قالت: لا، العثور على عمل صعب لمن يحملون الشهادات، فما بالي أنا؟

وهكذا أحسستُ أن الحوار بيني وبين درية يدور في حلقة مفرغة، ورأيت أن الحل الأفضل لمشكلتها في نظري هو أن تدرس الموسيقى من جديد، وتحاول أن تعمل شيئًا خلَّاقًا في هذا المجال، وكانت ظروفها الاقتصادية تساعدها على هذه الدراسة بكل يُسر، وحاولتُ أن أشجعها على ذلك، وبدا عليها حين تركتني أنها ستبدأ المحاولة، لكني أحسست أنها قد لا تبدأ، وقد تظل في حيرتها فترة غير قصيرة وإن لم يكن طوال حياتها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠