وديدة

طلبتُ من الطبيبة المشرفة على نزيلات سجن القناطر أن تسهِّلَ لي لقاء بعض المسجونات المصابات باضطرابات أو مشاكل نفسية (بعد أن حصلت على تصريح بزيارة السجن لاستكمال البحث الذي أقوم به)، وكانت أول سجينة أتحدث معها هي وديدة، وهي فتاة سمراء طويلة، لها عينان سوداوان لامعتان تدلَّان على الذكاء والحيوية، وقالت لي الطبيبة إن وديدة تعاني من الأرق والصداع، وأحيانًا تنتابها نوبات هستيرية فتصرخ وتلطم على وجهها وتبكي وتصيح بصوتٍ عالٍ، ثُمَّ تهدأ بعد قليل وتنام لفترات طويلة وهي شاردة تفكر، وسألت عن التهمة التي حُبست من أجلها وديدة فقالوا لي إنها المخدرات، وسألتُ وديدة عن عمرها فقالت لي إنها في الرابعة والعشرين، رغم أن وجهها أوحى إليَّ بأنها أصغر من ذلك، وكانت ملامحها، وبالذات حين تتكلم وتبتسم، تعطيها وجه فتاة صغيرة غريرة، تفيض سذاجة وبراءة. وقالت لي وديدة بعد أن أصبحنا وحدنا: كان أبي تاجر مخدرات، وقد استخدمني أنا وأمي وأختي في هذه التجارة، وكانت أمي ترفض أن تطيعه أحيانًا، فيضربها ضربًا شديدًا حتى يُغمى عليها، وكنت طفلة صغيرة، وشعرت بكراهية شديدة لأبي، ولكني أخفيت شعوري عنه خوفًا منه، وفي بعض الأوقات كان أبي يهجر البيت شهورًا طويلةً دون أن يترك لأمي أي مال، وكانت أمي تضطر إلى أن تذهب إلى البيوت لتغسل الملابس لتحضر لي ولأختي الطعام. وفي إحدى الليالي تأخرت أمي في بيت من البيوت التي تشتغل بها، وكانت أختي الصغيرة نائمة، وشعرتُ بالجوع يقطع أحشائي، فخرجتُ إلى «القهوة المجاورة» وأخذت أشحت من الرجال الجالسين قرشًا لأشتري به طعامًا، وقال لي أحد الرجال: تعالي معي لأشتري لك فطيرة بالسكر. وذهبت فاشترى لي الفطيرة، ثُمَّ اعتدى عليَّ، وكنت في ذلك الوقت في العاشرة من عمري، وعُدت إلى البيت أبكي، وحكيت لأمي ما حدث فبكتْ معي، وقالت لي ليلتها: يا بنتي الناس ذئاب، لكن الله موجود، ولا ينسى أمثالنا من الغلابة.

وكانت الشهور التي يختفي فيها أبي أفضل من الشهور التي يعود فيها إلى البيت، وكنت أقول لأمي دائمًا: لماذا لا نترك له البيت ونهرب إلى مكانٍ آخر؟ لكن أمي كانت تقول لي وهي حزينة: وإلى أين نذهب يا وديدة؟ وكان لأبي صديق يسهر معه الليل ويشاركه تجارة المخدرات، وفي بعض الأحيان يبيت عندنا حتى الصباح، وفي إحدى الليالي وكنت في الرابعة عشرة اعتدى عليَّ هذا الرجل، وتكرر هذا عدة مرات، وكتمتُ الأمر بيني وبين نفسي خوفًا من أبي، لكني عرفت أن أبي يعرف كل شيء، وأنه يترك هذا الرجل معي ويغادر البيت، وحكيت لأمي، لكنها لم تكن تملك إلا البكاء والصراخ، وكان أبي يضربها حتى يتجمع الجيران فيقول لهم إنها امرأةٌ مجنونة، مُصابة بالهستيريا، ولا علاج لها إلا الضرب. وفي يوم من الأيام عُدت من إحدى العمليات التي كان أبي يرسلني فيها لأتاجر بالحشيش، فلم أجد أمي في البيت، وعلمتُ من الجيران أن أبي أخذها في عربة إلى مستشفى العباسية، وظللت أبكي أنا وأختي طوال الليل، وحين رآني أبي وأنا أبكي ضربني وقال لي إنني أشبه أمي، لأنه لا علاج لي إلا الضرب، ولم أعد أبكي، وبدأتُ أفكر في وسيلة للهرب أنا وأختي، ولكن أبي أفهمني أنه سيعرف طريقي في أي مكان في العالم، وأنه قادر على إعادتي إليه في أي وقت.

ومضت سنوات، وأصبحت أنا وأختي نشتغل مع أبي في تجارته، وعلمنا كيف نهرب من رجال الشرطة، ولم يعد الاتصال الجنسي بالرجال (زملاء أبي) شيئًا غريبًا، بل أصبح أمرًا عاديًّا بالنسبة لي أنا وأختي، وتزوجتْ أختي أحد الرجال وذهبتْ معه، أمَّا أنا فقد رفض أبي أن يزوِّجني وقال إنه لا يستغني عني طالما أن أمي لم تعُد من المستشفى، وإنه لا يستطيع أن يعيش وحده، ولا بد من وجودي معه لأخدمه، وأيضًا لأساعده في تجارته، وكنت أخاف من أبي، ولم أكن أستطيع أن أخالفه، وسألته: لماذا وافق على زواج أختي؟ فقال: لأنها غبية وليست لها فائدة.

وفي يوم أحسست أنني أريد أن أرى أمي، فذهبتُ لزيارتها بالمستشفى دون أن يعلم (كان أبي يحرِّم عليِّ زيارتها)، وبكت أمي حين رأتني، وأنا بكيت حين رأيتها، وذهبت إلى الطبيب وطلبت منه أن يُخرِج أمي من المستشفى لأنها ليست مجنونة، لكن الطبيب رفض، وقال لي إنها مريضة بالهستيريا، وقالت لي أمي إنهم يعطونها قرصًا قبل أن تنام فتشعر كأنها ستموت، ولا تفيق إلا في اليوم التالي، وإنها تنام في عنبر مع عددٍ كبير من النساء، وإنها تخاف من بعض هؤلاء النساء، وإن إحدى التمورجيات ضربتها مرة لأنها رفضت أن تمسح دورة المياه، وتوسلتْ إليَّ أمي أن آخذها معي إلى البيت، لكني لم أستطع بسبب قوانين المستشفى.

وعُدتُ من زيارة أمي وأنا أبكي في الشارع، وفي اليوم التالي أرسلني أبي في مهمة، ولم أشعر إلا وأنا أمام البوليس. إنني في هذا السجن منذ العام الماضي، وبرغم الحياة القاسية هنا إلا أنني لا أريد أن أخرج.

وسألتُ الطبيبة المشرفة عما إذا كانت وديدة قد حصلت على أي علاج نفسي وهي بالسجن، وعلمت أن وديدة عُرضتْ على أحد الأطباء النفسيين، وطلبتُ أن أطَّلِع على رأيه في الحالة. وكان كما توقعت، فقد ظن الأخصائي النفسي (حين علم أن أم وديدة نزيلة بمستشفى الأمراض العقلية بالعباسية) أن وديدة ورثت المرض النفسي عن أمها، ولم يتصور أن أم وديدة ليست مريضة نفسيًّا، وأن وديدة أيضًا ليست مريضة، وإنما المريض هو ذلك الأب الفاسد الذي قضى على مستقبل ابنته وزوجته. ومن الواضح أن أي أقراص تبتلعها الأم في المستشفى أو أي دواء تبتلعه وديدة في السجن لن يعالج حالتهما، وإنما العلاج لا بد أن يوجَّه إلى الأب الفاسد، وإلى الظروف الاجتماعية السيئة التي عاشتاها.

وتُذكِّرني هذه الحالة بحالة «دورا» التي كان «فرويد» يعالجها من ذلك المرض النفسي المُسَمَّى «هستيريا». كانت دورا في ذلك الوقت فتاة ذكية في الثامنة عشرة من عمرها، وقد اعتبر فرويد سلوكها غير طبيعي وتصرفاتها غير محتملة، وأنها كانت تتمثل أمها، وهذه هي كلماته عنها: «كانت دورا … تتمثل أمها بهذه التصرفات الغريبة التي جعلتْها تتجه إلى هذا السلوك الغريب غير المحتمل.» وكان فرويد قد شخَّصَ أمَّ دورا دون أن يراها بأنها مريضة نفسيًّا بما سماه «ذهان ربة البيت» House wife’s psychosis، وبالطبع لا تشعر دورا بأي تحسن مع علاج فرويد؛ فيأخذها أبوها إلى طبيب آخر، الذي استطاع أن يدرس ظروف أسرتها ويدرك حقائق لم يدركها فرويد، وقد كتب هذا الطبيب (د. ليونارد سيمون) عن دورا يقول: إن دراسة فرويد لحالة دورا كان يمكن أن تكون مفيدة لو أنه اهتم بالحقائق في حياتها، والتي تجاهلها؛ لأنه طوال فحصه وعلاجه لعقلها الباطن كان يعرف أنها ضحية صفقة جنسية بشعة اقترفها أبوها. إن هذا الأب الذي مرض من قبلُ بالزُّهري، ثُمَّ نقل العدوى إلى زوجته … هذا الأب دخل في علاقة جنسية أخرى مع زوجة السيد «ك»، وكانت هناك دلائل واضحة أن هذا الأب كان يستخدم ابنته دورا ليرضي عشيقته الجديدة (وذلك بأن يُقدِّم دورا للسيد «ك»)، وقد كان فرويد على علم بهذا لأنه كتب: «إن الأب كان مسئولا إلى حدٍّ ما عن الخطر الذي لحق بها؛ لأنه قدمها إلى ذلك الرجل الغريب من أجل أن يشبع هو رغبته الجنسية مع زوجة هذا الرجل»، ولكن بالرغم من هذه الحقيقة؛ بالرغم من أن أباها كان سبب تعبها، فقد أصرَّ فرويد على أن يعتبر مشكلة دورا مشكلة نفسية بحتة، تتعلق بعقلها الباطن فقط، متجاهلًا سلوك والدها، وقد أنكر أن رد فعلها لهذا السلوك الأبوي الشائن رد فعل طبيعي، ويبدو أن فرويد كان يعتبر أنه من الطبيعي أن يستغلَّ الرجل المرأة أو الفتاة جنسيًّا بأي شكل، وأنه من المرض النفسي أن تقاوم الفتاة أو ترفض.

والذي يقرأ عن علاج فرويد لدورا يدهش؛ لأن فرويد لم يحاول أن ينصح الأب بتغيير سلوكه تجاه ابنته، لكنه كان ينصح دورا بأن ترضى بحياتها، وكان يلومها على ثورتها على أبيها، وركز علاجه لها على أن تتكيف مع حياتها، وإلا فليس أمامها إلا مصيرها المحتوم (كأمها)، ألا وهو «ذهان ربة البيت»، وكان شفاء دورا بطبيعة الحال هو أن تعود فتحترم أباها، وتقدس تلك الأسرة الأبوية التي نشأت فيها، بل وتحب أباها وتخدمه، ثُمَّ عليها أن تتزوج رجلًا (لن يختلف كثيرًا عن أبيها)، وتخدمه أيضًا وتقبل حياتها معه، والزهري الذي سينقله لها، ثُمَّ العشيقات اللائي قد يستخدم بناتها لإرضاء أزواجهن، وهكذا تدور الحلقة المفرغة، ويصبح «ذهان ربة البيت» هو الحالة الطبيعية لجميع الزوجات.

وقد حدث شيء مشابه لذلك في حياة دورا؛ فقد تزوجت وعاشت مع زوجها عددًا من السنوات، ثُمَّ ذهبت إلى طبيب نفسي يُدعى «فليكس دوتيش»، وكان من مدرسة فرويد نفسها؛ لأنه رأى أن برودها الجنسي لم يكن بسبب سلوك زوجها الذي لم يكن مخلصًا لها وكانت له عشيقاته كأبيها (وأكثرية الرجال الذين يعجزون عن الاكتفاء بامرأة واحدة)، بل بسبب أنها هستيرية وتكره الرجال (بسبب الحسد بالطبع لأنهم يمتلكون العضو الذي تبحث عنه المرأة بلا جدوى)، وحين مات زوجها (ربما من الزهري أو من مرضٍ آخر) قالت دورا إنها لن تتزوج مرة أخرى، وبالطبع رأى طبيبها النفسي أن هذا يؤكد تشخيصه السابق لها، وكراهيتها للرجال، وهستيريتها الشديدة غير القابلة للعلاج النفسي، فكيف تكره المرأة الرجال إلا إذا كانت مريضة بالهستيريا المستعصية؟ أمَّا سلوك أبيها في طفولتها ومراهقتها، وسلوك زوجها في شبابها، فكل ذلك أشياء طبيعية من الرجل الطبيعي، وعلى المرأة الطبيعية أن تخدمَ أباها هذا وتحترمه، وتخدمَ زوجها هذا وتحترمه، فإن عجزت أو رفضت أو شُلَّت يدها وهي تناوله كوب الشاي وهو راقد على ظهره في السرير، فهي امرأة هستيرية.

كانت خدمة الأب مثل خدمة الزوج (ولا تزال) إحدى الواجبات المقدسة للمرأة، وكانت (ولا تزال) التي ترفض هذا الواجب تُعتبَر امرأة غير طبيعية أو مريضة نفسيًّا، أمَّا الرجل فإنه من الطبيعي أن يخون زوجته مع العشيقات، ولم نسمع عن رجل اتُّهم بالمرض النفسي لأنه خان زوجته.

ويكتب «توماس زاس» عن أعراض الهستيريا، مستعرضًا إحدى مريضات فرويد «Anna O آنا «أ»» التي شعرت بالمرض أثناء خدمتها لأبيها المريض: بدأت «آنا» تلعب لعبة الهستيريا بسبب كراهيتها لتلك الخدمة المهينة، وخضوعها لهذا الاضطهاد، وأن تشتغل كممرضة وبغير أجر، وكأن واجب النساء من الطبقة المتوسطة في عهد فرويد أن يقمن بخدمة وتمريض الأب المريض، وهو ذلك الواجب المفروض على النساء في عصرنا بالنسبة لأطفالهن.

إن المرأة في الحضارة الذكورية لا بد وأن تكون مهنتها في الحياة هي الخدمة: أن تخدم أباها، ثُمَّ تخدم زوجها، ثُمَّ تخدم طفلها. فإن كانت امرأة ذكية، تدرك أنها تستطيع أن تمارس مهنةً أخرى أرقى من الخدمة، فهي امرأة غير طبيعية، تعاني من كراهية الرجال، وترفض الواجب المقدس الذي تقوم به كل النساء، وعلى المعالج النفسي أن يروِّضها لتقبل هذا الدور المفروض عليها بحكم أنوثتها ومصيرها المحتوم في الحياة.

ومن المعروف أن المرأة تقوم بمهنة الخدمة هذه بغير أجر (نظير إطعامها فقط)، فإذا دعت الحاجة الاقتصادية أباها أو زوجها لكي يشغلها في مهنةٍ أخرى خارج البيت، فهي تقوم بالمهنتين معًا، مهنة الخدمة بالبيت ومهنة الخدمة خارج البيت، وبرغم أنها تدفع أجرها الذي تكسبه لزوجها أو أبيها، إلا أنها لا تُعفى على الإطلاق من مهنة الخدمة بالبيت، بالإضافة إلى المعاملة السيئة من الآباء أو الأزواج للبنات أو الزوجات، والحماية الأخلاقية والقانونية والاجتماعية لهم التي تشجع هذه المعاملة السيئة. بعد كل ذلك حين تسقط المرأة من الإرهاق الجسدي أو حين تصرخ من الإرهاق النفسي، فهي امرأة عصبية هستيرية، ولا بد لها من علاج سريع لتعود هادئة مستسلمة إلى حظيرة النساء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠