ابتسام

سألتها: ما الذي أتى بك إلى سجن النساء؟ فأجابت بصوتٍ هادئ خالٍ من الانفعال تقريبًا: الدعارة. ونظرتُ إلى وجهها، كان هادئًا، لكنه ليس هدوء الاستكانة والذل، وإنما هو هدوء الترفع والكبرياء، وفي عينيها نظرةٌ مترفعة، وكأنما تقول: إنني أشرف منكم جميعًا. وقد كانت ابتسام رافضة تمامًا التحدث عن نفسها، وكانت تجيب عن أسئلتي بكبرياء وبسخرية أيضًا. حين سألتها: كم عمرك؟ قالت: ستُّون عامًا. لكن المشرفة قالت إنها في الثلاثين. وأدركت أنني أمام امرأة على قدر من الذكاء، وسألتها: هل تعلمتِ؟ فقالت إنها تعلمت في الحياة أكثر مما نتعلم نحن في المدارس، فضحكتُ، وسألتها عن عملها فقالت إنها كانت ممثلة على المسرح، وكانت تريد أن تكون فنانةً عظيمة لولا ذلك الرجل الذي حطم مستقبلها تمامًا.

ولم تفتح لي ابتسام قلبها إلا في الزيارة الثالثة للسجن، حين بدأتْ تثق في أنني لا أسعى إلى الحصول على معلومات منها من أجل إضرارها، واعتذرتْ لي عن عدم قدرتها على الثقة بالناس بسرعة قائلةً: كنتُ أثق بالناس، هذه الثقة هي سبب وجودي الآن في السجن، لكن الناس أشرار، وخاصةً الرجال منهم، ربنا ينتقم منه!

وسألتها: من هو؟

قالت: الذي تسبب في مجيئي إلى هنا، أنا يا دكتورة لستُ امرأة مومسًا كما يكتبون تحت اسمي، ولكن حظِّي السيئ جعلني أتزوج رجلًا مومسًا. إن الحياة الفنية مليئة بالرجال المومسين الذين يستغلون الفنانات الناشئات، وقد كنتُ منذ عشرة أعوام فنانة ناشئة، فتاة بريئة، ولم أكن أحب المدرسة؛ لأنني وأنا طفلة في السابعة كان هناك مدرس يخيفني حين يعانقني في مكان بعيد في الفناء، وكنت أجري هربًا منه، وكانت أمي تضربني لأذهب إلى المدرسة؛ ولهذا كرهت المدرسة جِدًّا، وكنت أحب التمثيل والغناء والرقص. ومات أبي وأنا في السادسة عشرة؛ فأخرجتني أمي من المدرسة وبدأتْ تبحث لي عن عريسٍ مناسب، وقلت لأمي: إنني لا أريد أن أتزوج، وأريد أن أشتغل ممثلة في المسرح أو في السينما. لكن أمي رفضت، وزوَّجتني لأحد أقاربها، وكان رجلًا بخيلًا جِدًّا وقبيح الشكل، وفي ليلة الزفاف جعلني أكره الجنس كالعمى، فقد هجم عليَّ كالثور، وكانت رائحته كريهة، ولم أشعر بأية لذة، وإنما بألمٍ شديد ورغبة في القيء، وكنت في الثامنة عشرة، وهذا الرجل في الأربعين تقريبًا، وبعد ستة شهور طلقني، وقال لأمي إنني أرفض حين يرغبني، وضربتني أمي، وسألتني لماذا أرفضه؟ فقلت لها إنني أكره الرجال، ولا أريد الزواج، وبعد شهور قليلة تزوجتْ أمي، وبعد زواجها لم تعد تهتم بأمري؛ لدرجة أنني حين قلتُ لها إنني سأشتغل ممثلة في المسرح لم ترفض، وأحسستُ أنها تريد أن تتخلص مني؛ فقد أصبحتُ عبئًا عليها بعد زواجها.

وبدأتْ حياتي الفنية بداية لا بأس بها، فقد أعطوني دورًا ثانويًّا في إحدى المسرحيات، وفرحت جِدًّا بأول أجر أحصل عليه رغم ضآلته، وكنت أشعر بالسعادة وأنا أقف على خشبة المسرح والناس تصفِّق لي، وبدأت أحلم بمستقبلي كفنانةٍ كبيرة مثل الفنانات الشهيرات، لكن أحلامي كلها تحطمت على يد ذلك الرجل. لقد خدعني وأفهمني أنه قد جُنَّ جنونًا بحبي، وكنت ساذجة وبريئة، وصدقته، وكنت أحلم بالحب كأية فتاة في مثل سني في ذلك الوقت، وكنت قد أصبحت في الواحد والعشرين، وتزوجتُ هذا الرجل وأنا أحلم بحياةٍ سعيدة، لكن بعد الزواج أدركت أنه يريد أن يستغلني، وكان يستولي على كل أجري الذي أحصل عليه من التمثيل، وكان يقول لي إن جسمي يصلح للرقص، وعلمني الرقص، وجعلني أشتغل في أحد الملاهي الليلية، ويستولي على أجري. ولم أكن أحب أن أشتغل راقصة؛ لأني كنت أشعر بالإهانة حين يعاكسني الرجال، كنت أشعر بكرامتي أكثر وأنا ممثلة، لكني كنت لا أزال أصدق كلام زوجي وأحاول أن أرضيه بأي شكل؛ لأنني كنت أخاف منه؛ فقد ضربني مرة حتى كدت أفقد الوعي، وفي اليوم التالي ذهبت إلى بيت أمي، لكني علمتُ من الجيران أنها تركت الشقة هي وزوجها، ولم أعد أعرف طريق أمي، ولم يعد لي من مأوًى سوى بيت زوجي، وكنت لا أزال صغيرة، وأخاف أن أعيش وحدي، وأخاف أن يبحث عني زوجي ويجدني ويضربني حتى أموت؛ ولهذا عدتُ إلى بيت زوجي وخضعت تمامًا له، لدرجة أنه حين تركني مع أحد أصدقائه بحجرة النوم لم أرفض، وتكررت العملية مع عدد من الرجال الذين يعرفهم، وعلمت أن هؤلاء الرجال يدفعون له مالًا، ولم أعرف كم يدفعون له، وخفتُ أن أسأله، وفكرت في الهرب يومًا؛ لأني كنت أكره حياتي وأشعر بآلام شديدة في جسمي ورغبة في القيء؛ فقد كنت أكره الجنس كراهيةً شديدة، وأُفضل أن أشتغل كفاعل وأحمل أحجارًا فوق ظهري ولا يتصل بي هؤلاء الرجال، لكني لم أكن أعرف كيف أنقذ نفسي؛ فقد امتلك هذا الزوج مصيري، وأصبحت عاجزة عن الفرار منه. وكنت أقضي بعض الليالي وأنا أبكي على حالي، وألعن اليوم الذي قابلت فيه هذا الرجل. واشتد بؤسي حين أصبحت حاملًا، وكنت أريد أن أكون أمًّا ويكون لي طفل أعطيه حبي وحناني، لكن زوجي أخذني إلى طبيب وأجهضني، وبكيت كثيرًا، وفكرت في الانتحار، ولم تكن أمامي وسيلة إلا أن ألقي نفسي في النيل وأنا عائدة بالليل من المرقص، لكني لم أكن أستطيع أن أفعل غير ذلك، وكنت لا أزال آمل أن ينقذني الله من ذلك الرجل، وكنت في أشد الحاجة إلى أن أحكي مأساتي لأحد؛ حتى أخفف عن نفسي الحزن، وكان صاحب المرقص رجلًا طيِّبًا، ورآني مرة أبكي فسألني عن السبب، ووثقتُ فيه، وبُحتُ له بمأساتي، وكنت أتصور أنه صديق لي، وسوف يساعدني على الخلاص، لكني فوجئت أنه أحد أعوان زوجي، وبدأت أعرف الحقائق من زميلة لي بالمرقص عن هؤلاء الرجال، وطلبت مني زميلاتي أن أطلب من زوجي أن يعطيني قسيمة الزواج لأنهم يعتقدون أنه لم يتزوجني حقيقة، وأن المأذون لم يكن مأذونًا حقيقيًّا. وحين سألت زوجي عن قسيمة الزواج ثار وغضب، ونظر إليَّ نظرةً مخيفة، لدرجة أنني تصورت أنه ربما يخنقني بالليل وأنا نائمة، وأصابني الأرق، وأصبحت أشعر بالقلق والصداع والآلام في كل جسمي، ولا أدري لماذا لم أهرب منه، ولماذا ظللت أطيعه رغم أنني أصبحت أشك فيه، وأشعر أنه أصبح يريد التخلص مني؟! لكن عقلي كان عاجزًا عن التفكير، ولم تعد بي أية قدرة على المقاومة.

وفي ليلة من الليالي بينما كنت مع أحد الرجال في حجرة النوم انفتح الباب فجأة ودخل رجال البوليس، وقلت لهم إنني بريئة، لكن الرجل الذي كان معي شهد ضدي، وقال إنه دفع لي مالًا، وأنكرت أنني أخذت شيئًا، لكن أحد رجال البوليس رفع وسادة السرير ورأيت تحتها ورقة من فئة الخمسة جنيهات، ودُهشت لأنها كانت المرة الأولى التي يضع فيها الرجل مالًا تحت الوسادة، وكان زوجي هو الذي يأخذ المال مباشرةً من الرجال، وأخذت أستعطف رجال البوليس وأقول لهم الحقيقة، لكن أحدًا لم يصدقني، وأخذ الجميع ينظرون إليَّ بسخرية واحتقار، وحكموا عليَّ بالسجن. فهل ترين يا دكتورة أنني أستحق السجن، وأستحق أن يضعوني في عنبر المتهمات بالدعارة؟! وقد أوشكتْ مدتي أن تنتهي وأخرج من السجن، ولكن إلى أين أخرج؟ وأي مستقبل ينتظرني؟!

وصمتت ابتسام طويلًا، وصمتُّ أنا الأخرى، وكنت أفكر في مأساتها، فهي متهمة بالاتجار بجسدها مع أنها لم تكن تقبض شيئًا، وهي متهمة بالدعارة وممارسة الجنس مع الرجال مع أنها كانت تكره الجنس وتشعر بالآلام والغثيان، وقد ضبطوها مع رجل تآمر مع زوجها المزيَّف ليزجُّوا بها في السجن، مستغلين القانون الذي يُدين المرأة وحدها ولا يُدين الرجل. وقد أراد الرجل التخلص منها بعد أن أدرك أنها بدأت تفتح عينيها على الحقيقة وتدرك أنه زوج مزيَّف، ولم يكن يشعر بالحاجة إليها بعد أن مصَّ دمها عشر سنوات، وأفنى جسدها وشبابها، وذبلتْ وهي في الثلاثين وأصبحت تشعر أنها في الستين. وقبل أن أغادر السجن سألتُ أحد الأطباء عن العلاج الذي تأخذه ابتسام، فقال إنها تعاني من اضطرابات شديدة في الهرمونات، وقال لي الطبيب إن المرأة الطبيعية لا يمكن أن تمارس البِغاء لأنه ضد طبيعة المرأة، وإن معظم المومسات يمارسن البغاء بسبب اضطراب في الهرمونات. وقلت للطبيب: إن ابتسام امرأة طبيعية، وإذا كنتَ قد فحصتَها ووجدتَ عندها اضطرابات في الهرمونات، فهذه الاضطرابات ليست سبب ممارستها البغاء، ولكنها نتيجة لهذه الممارسة التي فُرضت عليها وأنهكت صحتها النفسية؛ مما أدى إلى اضطرابات في الهرمونات.

وقال الطبيب: هناك نساء يبلغ بهن الفقر مبلغًا شديدًا ولا يمارسن البغاء أبدًا، إن الأسباب الحقيقية للبغاء ليست اقتصادية ولا اجتماعية، ولكنها أسباب هرمونية بسبب خلل في إفراز الغدد الصماء لدى هؤلاء المومسات، ولم أسترسل في المناقشة؛ فقد كنت أدرك الطريقة التي تعلمْنا بها الطب، والتي تجعلنا عاجزين عن إدراك الأسباب الاجتماعية لأية مشكلة صحية متعلقة بالجسد أو النفس.

وحينما عُدت إلى بيتي، وبينما أنا أتصفح بعض أعداد المجلة الجنائية القومية باحثة عن البحوث التي أُجريت عن البغاء، لمحتُ عنوانًا يقول: دراسة بيولوجية لمجموعة من البغايا. وقرأت البحث وما فيه من جداول، وكانت النتائج كالآتي: «لقد وُجِدَ أن النساء البغايا يعوزهن تناسق التكوين الجنسي، كما أنهن مُصابات بخلل واضطراب في الغدد الصماء، وأنهن يملن إلى أن يكنَّ قصيرات القامة، وإلى النحافة في الوزن، وإلى انخفاض مستوى الجمال فيهن، وكذلك عدم الاتزان الهرموني.»

وعرفت أن هذا البحث يشبه غيره من البحوث العلمية البيولوجية، حيث يُعزَل الإنسان عن ظروفه الاجتماعية والاقتصادية، ويوضع في أنبوبة اختبار في المعمل، وتُجرى عليه بعض التجارب الكيماوية. ولستُ أقول إن مثل هذه البحوث المعملية بغير قيمة علمية، ولكني أعتقد أنها لا تصلح لدراسة نفسية الإنسان، رجلًا كان أو امرأة. وكما رفض علماء النفس الجدد نظريات فرويد النفسية عن المرأة؛ لأنه أهمل المجتمع والظروف الاجتماعية التي تعيشها المرأة، كذلك فإن أي دراسة للنساء البغايا تهمل الظروف الاجتماعية لا تقودنا إلى شيء علمي. ولا يمكن لأحد أن يعتقد أن أمثال ابتسام يمارسن البغاء لأنهن قصيرات القامة، أو بسبب خلل في إفراز غددهن الصماء. إن السبب الرئيسي في حالة ابتسام هو ذلك الرجل الذي خدعها واستغلها، وساعدته الظروف الاجتماعية والقانونية على ذلك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠