كاميليا

كاميليا امرأة في الخامسة والعشرين، نشأتْ في أسرة متحررة، لا تفرق في المعاملة بين الولد والبنت، ودخلت كاميليا الجامعة، وتخرجت، واشتغلت بإحدى الوظائف، أحبَّت أحد زملائها في العمل، وبادلها الحب، وتطورت العلاقة حتى بلغت العلاقة الجنسية، شعرتْ بالسعادة معه، ورغبت في الزواج منه، لكنه لم يفاتحها في موضوع الزواج، فبدأت هي بمفاتحته على أساس الحب الذي بينهما، لكنها فوجئت بأنه بدأ يتهرب منها، ثُمَّ قطع علاقته بها تمامًا، وعرفت أنه خطب ابنة خالته وهي بنت في السابعة عشرة.

تغلبتْ على الصدمة النفسية، واستمرت في عملها وحياتها. وفي يوم عرفت من زميلتها أن ابن عمتها وهو مهندس ناجح يريد التقدم للزواج منها، فكرتْ بينها وبين نفسها في الموضوع، وأدركت أنها لا يمكن أن تعيش بغير زواج، كما أدركت أن معظم الرجال لا يتزوجون الفتاة التي تنشأ بينها وبينهم علاقة حب قبل الزواج، وقررت أن تتزوج ابن عمتها، فهو ناجح، وهو يريدها، وهي لا تكرهه، وربما تحبه بعد الزواج، لكن المشكلة أمامها كانت تلك العلاقة السابقة التي حدثت في حياتها، وكانت تعلم أن ابن عمتها لن يسكت إذا اكتشف ليلة الزفاف أنها غير عذراء، سألت إحدى صديقاتها عن حل المشكلة، فأخذتها صديقتها إلى طبيب حيث أجرى لها عملية جراحية بسيطة وأعاد لها عذريتها نظير عشرين جنيهًا.

بدأت كاميليا تستعد للزواج، واشترى لها أهلها الجهاز، وأخذت تسمع كلمات الحب من خطيبها، وكانت تتوقع أنها ستكون سعيدة لكنها بدأت تشعر بالأرق والصداع وآلام في أماكن متعددة في جسمها، وكلما دعاها خطيبها للخروج شعرت برغبة في النوم وعدم الخروج، لم تكن تعرف السبب في تلك الحالة؛ فهي لا تكره خطيبها، وتريد الزواج منه، لكنها لا تستطيع مقاومة حالة الأرق والقلق الذي أصابها، ذهبت إلى أحد أطباء النفس، فأعطاها أقراصًا منومة ومهدئة، وقال لها إن معظم البنات يشعرن بقلق قبل الزواج؛ بسبب الخوف القديم منذ الطفولة، وأن هذا القلق سيضيع تمامًا بعد الزواج.

وتزوجت كاميليا ابن عمتها، وكانت تتوقع أن يزول عنها الأرق والقلق بعد مرور ليلة الزفاف على خير، ومرت ليلة الزفاف على خير، ومرت ليالٍ أخرى كثيرة على خير، لكن الأرق والقلق ظَلَّا ملازمين لكاميليا، بل زادا، وبدأت تشعر أحيانًا بعدم القدرة على النهوض من السرير والسير، وانتابتها حالات من البكاء الطويل، أو الصمت الطويل، أو الشرود الطويل، وبدأ زوجها يضيق بها بعد أن أخذها لعدد من الأطباء الذين لم يستطيعوا شفاءها.

وسألتُ كاميليا: هل ذكرتِ قصة حبك السابق للطبيب النفسي، وقصة العملية الجراحية وإعادة العذرية.

وقالت كاميليا: لا.

وسألتُها: لماذا؟

قالت: لم أستطع، خشيتُ أن يخطئ الطبيب ويقول لزوجي أو أحد أفراد أسرتي، ثُمَّ إن هذا الموضوع فات على خير، وكان لا بد أن يضيع القلق لو أنه السبب.

قلت لها: لكن القلق لم يذهب، لا بد أن يكون هناك سببٌ آخر.

قالت: نعم، ولكني لا أعرف هذا السبب الآخر، لقد كنتُ مرحة، وكنت أحب الحياة، وكنت مقبلة على أي شيء، كأنني أصبحت واحدةً أخرى غير كاميليا التي كنت أعرفها.

قلت لها: هذا هو سبب القلق، لقد تخليت عن نفسك الحقيقية، وعشت بنفسٍ أخرى مزيفة ليست هي حقيقتك.

قالت: بالضبط، منذ اليوم الذي خرجت فيه من عيادة الطبيب بعد أن أجرى عملية إعادة العذرية، شعرتُ كأنني أضع على وجهي قناعًا وأرتدي شخصية أخرى مزيَّفة.

قلت لها: ولأنك بطبيعتك وبتربيتك إنسانة صادقة؛ لهذا أنت تصارعين هذا الزيف بذلك القلق والعصاب.

قالت بأسًى: أنا أكره الكذب، وأتعذب أن أكذب، ولكن ليس أمامي طريقٌ آخر وإلا تحطمتْ كل حياتي.

قلت لها: أنت تحطمين نفسك الحقيقية، وتتصورين أن حياتك يمكن أن تظل من الخارج بالشكل الذي يقبله المجتمع.

قالت: الناس يهمها الشكل الخارجي فقط، أمَّا الداخل فلا أحد يهتم به.

قلت لها: ولكنكِ لستِ من هؤلاء الناس الذين يمكن أن يعيشوا على الكذب، ويرتدون شخصيات أخرى غير حقيقتهم.

قالت: نعم، ولهذا أنا أتعذب.

قلت: لا، هذا العذاب يدل على أن جزءًا من نفسك الحقيقية لا يزال يقاوم، وقد ينتصر يومًا وترفضين الزيف، وقد يُهزَم تمامًا وتعيشين كما يعيش معظم الناس، فأيهما تفضلين؟

قالت في حيرة: لا أدري.

قلت لها: لا أدري، هذا يتوقف عليك، وعلى هدفك من الحياة، إذا كان هدفك من الحياة هو الاستقرار في حياتك الزوجية الحالية بأي شكل وبأي ثمن فسوف ينهزم الجزء الباقي من نفسك الحقيقية بمزيد من الأقراص المهدئة والمنومة، وتشفين من الأرق والقلق، وتقبلين الزيف والكذب كأشياء طبيعية في الحياة، أمَّا إذا كان هدفك هو أن تكوني نفسك الحقيقية، وأن تطوري هذه النفس لتكون أكثر صدقًا وأكثر عظمةً وأكثر نفعًا للمجتمع وتطوره إلى الأفضل، فسوف ينتصر الجزء الحقيقي من نفسك وترفضين الزيف وتخلعين القناع، حتى ولو تحطمت حياتك الزوجية الحالية.

وحين نظرتُ إلى وجهها رأيته شاحبًا، ولم أستطع أن أخمن من شحوبها النتيجة النهائية للصراع في أعماقها.

ويبدو أنها كانت تريد مني أن أحدِّد لها طريقها، فسألتني قائلةً: لو كنتِ مكاني يا دكتورة، ماذا كنت تفعلين؟

وقلت لها: أفضِّل نفسي الحقيقية.

ورأيت ابتسامة لأول مرة على وجهها، وقالت بصوتٍ جديد لم أسمعه من قبل: وأنا أيضًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠