الفصل الرابع

العسكر الغسقونيون

الموقع الذي تحتله فرقة كاربون دي كاسيل جالو في حصار مدينة أراس، يمتد بطول المسرح كله، عند مؤخرته، يشاهد فيما وراء ذلك سهل ممتد إلى الأفق، أما الأرض فتغطيها منشآت تتصل بعملية الحصار، ترى عن بعد وعلى صفحة السماء أشباح أسوار أراس ومبانيها، خيام وأسلحة متناثرة وطبول، النهار يوشك أن يطلع، وفي الشرق لمع خافتة من خيوط صفر متجمعة، الحراس واقفون على أبعاد متساوية، نيران المعسكر موقدة، يرقد العسكر الغسقونيون في سبات، ملتفين بعباءاتهم، كاربون دي كاسيل جالو ولوبريه ساهران للحراسة، وقد شحب لونهما، ونحل بدناهما، وكريستيان راقد في مقدمة المسرح مع غيره من رفقاء فرقته، وقد التف بعباءته، واستضاء وجهه بضوء إحدى النيران المشبوبة بالمعسكر، والسكون مخيم على الجميع.

المشهد الأول

لوبريه : لقد ساءت حالنا.
كاربون : وهل بعد أن نفدت ميرتنا من سوء؟
لوبريه : يا للشيطان …
كاربون (يحذره بإشارة منه أن يخفت صوته) : العن واسخط كما شئت، ولكن في سرك؛ لئلا يستيقظوا، (يلقي ببصره إلى الشباب الرقود): لكم الله أيها الشباب الجياع الغرقى، وليهنأكم النوم، (إلى لوبريه): فإن الجياع النيام يأكلون.
لوبريه : ولكن هذا عزاء لا يغني عن الذين هم مسهدون لا يخالط الكرى أجفانهم، يا لها من مجاعة!

(أصوات طلقات من مكان بعيد.)

سيرانو (فوق الهضبة) : برجراك أيها الأحمق (ينزل من الهضبة).
كاربون : ألا سحقًا لهم ولطلقاتهم! سوف يوقظون أولادي (يخاطب الجنود، وقد استيقظوا ورفعوا رؤوسهم): عودوا إلى الرقاد!

(ينامون ثانية، وتسمع طلقات جديدة عن كثب.)

أحد الجنود (يتحرك في موضعه) : لقد عاد الشيطان.
كاربون : لا شيء، إنه سيرانو عائد إلى المعسكر.

(يرقد الجنود ثانية.)

حارس (فوق الهضبة) : يا للشيطان … من يسير هناك؟
كاربون : لعنة الله على نيرانكم، إنها ستوقظ أبنائي من نومهم (ينظر فيرى رؤوسًا ارتفعت)، بل استرسلوا يا بني الأعزة المكدودين في سباتكم؛ فإن اليقظة لهف نفسي مؤلمة، (يتحرك في هذه اللحظة شاب من النائمين، على سماع طلقات النيران) يا للشيطان، ألا تزال هذه الأصوات مدوية.
كاربون (إليه مواسيًا) : لا شيء يا بني، لا شيء … إن هذا إلا سيرانو راجعًا …

(يعود الرقود الذين هموا بأن يرفعوا رؤوسهم إلى النوم مستسلمين.)

الديدبان (يشاهد على التل) : أيها القادم قف، من أنت؟
سيرانو : سيرانو برجراك، أيها المعتوه (يظهر وهو يهبط المنحدر).
لوبريه (مبادرًا) : يا للسماء.
سيرانو : صه … لئلا يستيقظوا.
لوبريه : أو جريح أنت؟
سيرانو : لا ترع يا صاح … ألست تعلم أنهم قد جعلوا دأبهم ألا يروني بينهم في الصباح؟
لوبريه : إن مهمتك قد جاوزت كل حد، تحمل رسائل في كل مطلع فجر، إن هذا والله لهو الخطر الأكبر.
سيرانو (يقف قبالة كريستيان) : ماذا أصنع غير هذا الذي أنا صانع … لقد وعدتها أن يكتب إليها كل يوم. (يظل لحظة يتطلع إلى كريستيان): إنه نائم وسنان، ولكن لله ما أشد شحوبه، (فيتوجه إليه لوبريه مضطربًا): فلو أن فتاته عرفت أنه اليوم يوشك أن يموت جائعًا ضاويًا … ولكن جماله لا يزال على حاله باقيًا.
لوبريه : هيا أسرع إلى غرفتك لتنام.
سيرانو : أقصر اللوم يا صديقي، أو أقلله ناصحًا مشفقًا، ولا تحسبني في حملي البريد كل ليلة جزافًا كبيرًا، لقد اهتديت إلى موضع أسرب منه مجتازًا خطوط الأسبان، حيث يرقد الجند سكارى بين ضابط منزوف، وجندي ثمل، وديدبان نشوان.
لوبريه : حاول إذن أن تجلب إلينا طعامًا.
سيرانو : لا ينبغي لمن يذهب أن يكون لشيء ثقيل حاملًا، ولكن ثق أن مفاجأة ستباغتنا الليلة، فإما أن يجد الفرنسيون طعامًا، وإما أن يلاقوا الموت زؤامًا، إذا صحت رؤيتي.
لوبريه : ألا تقص علينا الخبر؟
سيرانو : كلا ألست متأكدًا من ذلك؟ … سوف ترون.
كاربون : من المخجل أن نجوع نحن المحاصرين لا المحصورين.
لوبريه : ليس ثمة أعقد من حصار أراس هذا، لقد جئنا لنحصر جيشًا، فإذا بنا نلقى فخًّا منصوبًا، وشركًا محتلًّا، إذ بادرنا الأسبان بجيش هذا الكردينال الطفل فحاصرونا.
سيرانو : يجب أن يخف إليه الآن من عليه النوبة في محاصرته.
لوبريه : لست مازحًا.
سيرانو : عجبًا! عجبًا!
لوبريه : هلا فكرت أيها الجاحد أنك تعرض في كل يوم حياتنا للخطر، حياة قبل حياتك لمجرد حمل …

(يرى سيرانو متجهًا إلى إحدى الخيام.)

لوبريه : إلى أين؟
سيرانو : إلى الخيمة لأعد كتابًا آخر.

(يدخل الخيمة.)

المشهد الثاني

تشرق الشمس، ويصطبغ الجو بحمرة خفيفة، وتبدو مدينة أراس في الأفق، وقد انعكست عليها الأشعة الذهبية.

يسمع قصف المدافع من بعيد، يتبعه قرع الطبول من جهة الغرب، ثم يسمع صوتها مقتربًا، وتتجاوب أصواتها وهي تدنو، ويتضاءل الصوت إذ تتباعد إلى أن تتلاشى جهة الشرق حول المعسكر.

وتدب الحركة في الخيام حين يستيقظ النائمون، وتسمع أحاديث الضباط من بعيد.

كاربون : هذه نوبة الصحيان، ويحي! (يتحرك الجنود في مضاجعهم، ويتمطون بأصلابهم): أيها النوم اللذيذ لقد انتهيت، وإني أعرف ما ستكون صيحتهم الأولى.
أحد الجنود (يتحرك ويفتح عينيه) : أشعر بجوع.
آخر : إنني أموت.
الجميع : أواه! أواه!
كاربون : انهض يا هذا!
ثالث : لا قدرة لي على الانتقال خطوة واحدة.
رابع : ليست القوة على الحركة.
الأول (ينظر إلى نفسه في صفحة السلاح) : لساني مغطى بطبقة صفراء، يبدو أن ثمة شيئًا في الطقس لا يمكن هضمه.
آخر : إني لأتنازل عن جميع ألقابي في مقابل قطعة من الجبن.
آخر : أما أنا فإن لم يدخل معدتي شيء يهيج عصارتها، فسوف أحذو حذو أخيل، وأدخل خيمتي.
آخر : نعم، شيء كالخبز مثلًا!
كاربون (يذهب إلى خيمة سيرانو، ويناديه بصوت منخفض) : سيرانو!
آخرون : إننا نموت جوعًا.
كاربون (عند باب خيمة سيرانو يكلمه بصوت منخفض) : أقبل يا سيرانو ناشدتك الله، فأعني على أمري، فلقد عرفناك المرح، القادر على إدخال السرور إلى القلوب، تعال اشدد قلوبهم برطب حديثك، ولطف أمازيحك.
الجندي الثاني (يهوي على الجندي الأول، وقد رآه يمضع شيئًا) : ماذا تمضع يا هذا؟
الجندي الأول : قطعة من فتيلة مدفع محمرة في شحم محور عجلته، وقد اتخذت من إحدى الخوذات مقلاة لتحميرها، ذلك أن ضواحي أراس ليست غنية بحيوانات القنص.
جندي آخر (يدخل) : لقد كنت أصطاد.
ثالث (المزاح عينه) : وأنا كنت أصيد السمك.
الجميع (وقد نهضوا وراحوا يضحكون، ويتمازحون مع القادمين) : ماذا؟ وماذا أحضرتما معكما؟ أسمكًا أم طيورًا؟ لنرَ ما في جعبتكما أسرعا! أسرعا!
الصياد : لقد صدت عصفورًا دوريًّا.
صائد السمك : وأنا صدت سمكة نهرية.
الجميع : كفانا هزرًا (وقد أخذ منهم الغضب مأخذه) لنتمرد!
كربون : أغثني يا سيرانو! (وقد طلع النهار).

المشهد الثالث

سيرانو (يخرج من خيمته ساكن النفس هادئًا، وقد وضع قلمًا خلف أذنه، وأمسك بكتاب) : ما الذي أصابكم؟ (سكون، يوجه كلامه لجندي يتخاذل في مشيته) ما بالك يا هذا تجر ساقيك هكذا جرًّا؟
الجندي : أحس شيئًا في قدمي يمنعهما عن السير.
سيرانو : وما هو؟
الجندي : معدتي!
سيرانو : وأنا والله مثلك.
الجندي : لعلها مسببة لك ضيقًا.
سيرانو : بل هي مسببة لي اتساعًا.
جندي آخر : لي أسنان طويلة!
سيرانو : إذن فلن تقضم إلا ما سمك وغلظ.
آخر : معدتي خاوية.
سيرانو : ذلك خير، لكي تصلح طبلًا ضخمًا، ندق عليها نوبة الهجوم …
ثالث : أسمع دويًّا في أذني.
سيرانو : كذبت؛ فإن المعدة الخالية لا آذان لها.
آخر : إلينا بشيء نأكله بالزيت.
سيرانو (يخلع خوذته ويضعها بين يديه) : خوذتك ملأى بزيت الشعر.
بعضهم : يا لله! ألا شيء نلتهمه.
سيرانو (يدفع إليهم بكتاب كان في يده) : إليك الإلياذة.
أحدهم : إن الوزير في باريس ينعم بأربع وجبات في يومه.
سيرانو : كان من الذوق أن يرسل إليك بعض طير تأكله.
الجندي : ولم لا … ونبيذ أيضًا.
سيرانو : من نبيذ بورغونيا يا ريشيلييه أسعفنا، وكن متفضلًا.
صاحب الطلب : كان في وسعه أن يرسله إلينا مع كهانه وأحباره.
سيرانو : بل يحمله إليك قداسته متشحًا بثوب أغبر.
فتى آخر : إنني جوعان جوعة الغول.
سيرانو : كل من صبرك حتى تتخم.
الجندي الأول (يهز كتفيه) : ألا تزال كدأبك لا تكف عن المجون، واستعمال التورية والمجاز؟
سيرانو : كيف وإني لأوثر أن أجد منيتي على مساء يوم صائف، وعلائل النسيم في البكور، أو عند رونق الضحى، وما للمجون من ضير، إذا كان لهدف نبيل، لنفي حزن، وطرد شر، أو حمل جندي شجاع على ألا يموت إلا من حد الحسام بطعنة من عدو نبيل كائنًا من كان، أي والله إني لأوثر أن أموت فوق عشب بالدم مخضب، على أن أقضي على فراش الحمى عليلًا، فأهوي وسن الحربة في قلبي، وحلو النكتة على شفتي.
أصوات (تصرخ) : نحن جياع، فماذا نصنع؟
سيرانو (وقد ضم ذراعيه) : ويحي! أكل أفكاركم وأخلادكم من لحم يؤكل، وشراب يشرب؟ فأنت يا برتران نافخ البوق، كنت بالأمس راعيًا تهش على الشياه والنوق، أخرج من حقيبتك الجلدية إحدى آلاتك الموسيقية، هيا أضرب الناي لهؤلاء الجنود الشرهين النهمين المتعاوين، ألحانًا مما يتغنى به أهلنا في ريفنا، رجاعة بحنين، ملأى بشكاة وأنين، تذكرهم بالوطن وقومه، وأناشيده ونغمه، كل صدى من أصدائها يناغيك كأنه بعض أهلك، ويدعوك دعاء خفيًّا، وكل لحن من ألحانها يسري رويدًا، ويصعد رويدًا، كما تصعد ذوائب الدخان وتيجانه من مداخن قرانا وأكواخنا، وأفران دورنا وأعشاشنا، وإن موسيقاها لتقع في أسماعنا موقع غسقونيتنا، ورطانة ديارنا.

(يتناول الشيخ الراعي الناي.)

سيرانو : هذا الناي الذي يؤلمه أن يكون محاربًا معنا … ذكره الساعة وأنت ترقص أناملك على جذعه الرفيع، فيرسل أنغامًا مطربة غير مترددة، مثل صدح الطير تغريدًا، ذكره بأنه قبل أن يصنع من الأبنوس قد صنع من أنابيب القصب والغاب على ضفاف بلادنا، وشواطئ أنهارنا لتذهله أنغامه، فهيا يا ناي غننا، أو غن بنا، وهيا أعد علينا ذكريات أناشيد مراعينا وحقولنا، وهيا يا ناي استعد عهد شبابك في غياضنا الزاهرة، ومروجنا.

(الشيخ يعزف شيئًا من ألحان لانجويدوك، وأناشيدها.)

أرهفوا الأسماع إلى العزف والتوقيع معاشر الغساقنة، فليست هذه الأصوات الخداشة التي تسمعها في معسكراتنا، ولكن الناي من تحت أنامل الشيخ ناي الغابات والأجم، إن ألحانه وهو بين شفتيه لا تنادي إلى المعارك أرواحنا، وإنما تسمعنا اللحظة أناشيد الرعاة العذبة خلف خرافنا، وشياهنا، وقطعاننا، هيا يا غساقنة، أرهفوا الآذان لأغاني، ودياننا، وغاباتنا، وآكامنا، وألحان الرعاة، وقد أكسبتهم الشمس سمرة وردية تحت قبعاتهم القرمزية، إنها أغاني المساء المرحة تتردد على ضفاف الدردون الخضراء، إنها غسقونيا بكل ما فيها، فاسمعوا يا غساقنة إلى شدو الغاب، وأرهفوا الآذان.

(لا يبقى في الجنود أحد لم يطرق، ولا خلا منهم فرد لم يزفر، ولم يشهق، ولا تلبث أعينهم أن تشرد منها الأبصار واللمحات، كأنهم في حلم عذب تراءى لهم في نوم عميق وسبات، وهم يمسحون الدموع والعبرات، وهم سكوت والناي يتكلم.)

كاربون (لسيرانو همسًا) : لقد هيجت أشجانهم، وأحزنتهم من حيث أردت إبهاجهم، واستثرت الدموع من أعينهم منهلة، وكنت تحاول أن تدخل الفرح على القلوب منهم والأرواح.
سيرانو : إنه الحنين للوطن، وإن له لألمًا أشرف وأنبل من عضة الجوع، هو ألم الروح لا وجع المعدة، وعواء البطن، فليتألموا وليتوجعوا؛ فإن وجائع القلوب خير والله من آلام المعد والأمعاء.
كاربون : ولكنك تضعف من روح الشجاعة في نفوسهم، وتضعضع بذلك بقية قواهم.
سيرانو (يشير إلى جندي من جنود الموسيقى وضاربة الطبول ليدنو منه) : كلا يا سيدي القائد، إن البطولة الكامنة في قلب الغسقوني ودمه على استعداد في أية لحظة لتستيقظ وتتنبه، بل تكفي دقة واحدة … (يشير إلى الجندي فيدق طبلًا راعدًا، فإذا الشباب جميعًا يستوون على سوقهم، ويبادرون إلى أسلحتهم متحمسين).
الجميع : عجبًا! ما هذا؟
سيرانو (إلى قائده مبتسمًا) : أفرأيت، لقد كانت دقة واحدة من دقات طبول الحرب كافية عندهم لنسيان كل شيء، فما لبثوا أن نسوا الأحلام، والآلام، والذكريات، والحسرات، وذكروا الوطن والحب، وما أثار فيهم لحن الناي، عدت عليه دقة الطبل فمحته محوًا.
فتى (من بعيد يصيح) : ها هو ذا مسيو دي جيش قادم نحونا.

(يصيح الجميع صيحة تأفف وكراهية هوو! هوو!)

سيرانو (مبتسمًا) : تذمر الرياء.
آخر : لقد سئمنا هذا الرجل.
آخر : إنه يسير بخيلاء، وقد برز طوق رقبته المطرق فوق درع صدره.
آخر : كمن يلبس فوق الدروع رداء.
الجندي الأول : كان يجوز له هذا لو أن في رقبته دملًا يحرص على إخفائه.
الجندي الثاني : هو ذا رجل آخر من رجال البلاط!
آخر : إنه ابن أخي عمه.
كاربون : ولكنه على كل حال غسقوني.
الجندي الأول : إنه مزيف فتحاشاه، ألا ترى أن الغساقنة مجانين، ليس ثمة أخطر من غسقوني عاقل.
لوبريه : إنه شاحب الوجه.
آخر : إنه جائع كأي شيطان سقيم منا، ولكن لما كانت درعه ملأى بأزرار ذهبية، فإن ألم جوفه يبدو مشعًا في ضياء الشمس زاهيًا.
سيرانو : دعونا إذن، لا نتراءى متألمين أمامه … هلموا أخرجوا أوراق اللعب، وزهر النرد، وغلايينكم.
(يبادرون جميعًا إلى إبراز أدوات لهوهم وتسلياتهم، يضعونها على الطبول والكراسي، ويدخنون غلايينهم الطويلة)، ولأتظاهر أنا بقراءة الفيلسوف ديكارت، (يروح ويغدو مطالعًا في كتاب يخرجه من جيبه).

المشهد الرابع

(يدخل دي جيش فيبدو الجميع منهمكين في تسلياتهم، ويرى وجهه شاحبًا، يتجه إلى كاربون.)

دي جيش (إلى كاربون) : طاب يومك، (ويقف كلاهما يتفحص الواحد الآخر).
الكونت (لنفسه بلهجة المتشفي) : إنه ليبدو مصفرًّا …
كاربون (لخاطره) : لم يبق منه إلا عيناه.
دي جيش (إلى الشباب) : أهؤلاء هم المتمردون؟ أيها السادة، لقد سمعت من جميع الجهات أنكم تسخرون مني في مجامعكم، وإن صغار الجنود، ونبلاء الجيش من سكان الجبال وفلاحي بيارن، وبارونات بيريجوران يطوون الكشوح على كراهيتي، ويلقبونني بصانع الدسائس، ورجل البلاط الملكي، ويتهامسون عن تأنقي، وحسن سمتي، كأنما عندكم أن الغسقوني لا يكون غسقونيًّا حقًّا إلا إذا بدا أشعث أغبر، متصعلكًا مفلوكًا، عاري الجسد، أو في ثياب خلقة.

(سكون، والجميع ماضون في ألعابهم وتدخينهم.)

دي جيش : أتريدون أن آمر قائدكم بعقابكم؟
كاربون : لو أنت قد فعلت يا سيدي لما أطعت أمرك.
دي جيش : ماذا تقول؟
كاربون : إن الفرقة فرقتي، وأنا الذي يدفع أجور جندها، فلا أخضع إلا للأوامر المتعلقة بالحرب.
دي جيش : أيصل الأمر إلى هذا الحد؟ لقد والله سمعت ما فيه الكفاية، إن تسخروا مني فإني منكم لساخر، وما بي حاجة إلى من يعرفني قدر نفسي، وحقيقة شأني، وقد عرف الناس من قبل مقدار شجاعتي، وإقدامي، وبأسي، ورأوا بالأمس كيف كانت حميتي وأنا أغير على جيش الكونت دي بيكوا في «يابوم» الليلة البارحة، وكيف جمعت جنودي فانقضضت عليه ثلاث مرات متوالية.
سيرانو (وهو منكب على كتابه) : وما رأيك في وشاحك الأبيض؟
دي جيش : أو عرفت حقيقة هذا الحادث وتفصيله، لقد اتفق أنني بينما كنت أجمع رجالي للهجمة الثالثة إذ لقيتني شرذمة من الهاربين، فحملتني معها إلى موضع قريب من صفوف الأعداء، فأدركت أنني قد وقعت في خطر من أسر، أو موت مبادر، وكان الظلام شديد الحلكة؛ فخفت أن ينم وشاحي الأبيض عن درجتي العسكرية، فخطر لي أن أخلعه، وألقي به جانبًا، ففعلت، ولم ينتبه الأسبان إلى فعلتي، وعدت إلى مكاني؛ فاستعنت بمدد من جنودي ففرقتهم كل مفرق، فماذا ترون أيها السادة في عمل كهذا، وما منزلته من تقديركم؟

(لا يبدي الجند رغبة في الاستماع، ولكنهم يكفون لحظة عن التدخين، ولعب الورق والنرد، ويخيم السكون في توقع حدوث شيء ما.)

سيرانو (يتقدم منه) : إن هنري الرابع لم يرتض حين أحدق الخطر به أن ينزع عنه ريشته البيضاء القائمة في جانب من خوذته، على الرغم من كثرة المعارضين.

(يتهلل الجميع، ولكنهم يظلون على صمتهم، وألعابهم، وتدخينهم.)

دي جيش : نعم، ولكن الخدعة نجحت، وهذا يكفي.

(يظل الجند على صمتهم ولعبهم.)

سيرانو : يجوز … وإنما لا ينبغي للجندي أن يكون هذا هو دأبه في الفرار من شرف الموت من رصاص أعدائه، (تتبادل أوراق اللعب والزهر، ويزيد مرح الجند): ولو أني كنت حاضر أمرك حين سقط وشاحك لبادرت إليه فالتقطته، وألقيته على بدني، وقلت للموت هيا، إن شجاعتنا يا سيدي من طراز غير طراز شجاعتك.
دي جيش (بسخرية) : ما هذه إلا ادعاءة غسقونية كإيلافك زهوًا وتباهيًا.
سيرانو : أعرنيه الليلة ألتفع به، وأنا أقسم لك أنني به مقتحم صفوف العدو شجاعًا أبيًّا.
دي جيش : ادعاءة ثانية، إذ أنت تعلم أن الوشاح الآن في أيدي الأعداء، فقد سقط مني على حافة قناة جارية، والرصاص الساعة عليها متكاتف يحصد الأرواح جنيًّا … فما إلى الوشاح اليوم من سبيل.
سيرانو (يدس يده في «جيبه»، وإذا هو يخرج الوشاح الأبيض، ويتقدم إلى دي جيش) : ها هو ذا وشاحك يا سيدي خذه إليك، إني قد حفظته لك مصونًا نقيًّا. (سكون، ولكن الغساقنة يكتمون ضحكاتهم خلف أوراق اللعب التي في أكفهم من سخرية صامتة، يبدأ أحدهم بغير اكتراث يصفر بفمه صفيرًا يشبه النغمة التي سمعتها منذ لحظة من الشيخ الراعي صاحب الناي وعزفه).
دي جيش (يتناول الوشاح) : شكرًا لك، إنه اللحظة يجدي نفعًا، فإني سأتخذ منه بيرق إشارة لأعطيها، وقد صميت نفسي من إعطائها حتى الآن.

(يصعد هضبة، ويلوح بالوشاح ثلاثًا.)

الجميع : ما هذا الذي تفعله يا سيدي الكونت؟
الحارس (ينادي بأعلى صوته من أعلى الهضبة) : هناك رجل يجري هربًا.
دي جيش (ينزل من الهضبة) : هذا جاسوس أسباني مزعوم، اصطنعته لنفسي يحمل عني أنباء إلى الأسبان، وأنا الذي أنفذه إليهم، وبذلك تكون خططهم متأثرة بما ندلي إليهم من معلومات.
سيرانو : يا لك من وغد!
دي جيش (وهو يضع الوشاح عليه بكل برود) : إنه نافع لنا، ماذا كنا يا ترى قائلين؟ لقد تذكرت، لقد اجتمعنا أمس في حضرة المارشال قائدنا العام للبحث في أمر مجاعتنا، فرأى المارشال أن يشخص خلسة بنفسه إلى «دورلان» حيث تودع مئونة الملك وميرته، ولكي يعود إلى المعسكرات بلا خطر، أو مشقة اصطحب قوة لا بأس بها من جنودنا، وبقينا نحن هنا مرابطين، فمن يردنا بقتال أو غارة ينتفع بهذه الفرصة السانحة له؛ لأن نصف جيشنا عن الخطوط غائب.
كاربون : ولو عرف الأسبان الحقيقة لكان في ذلك القضاء علينا، ولكن ألا يعرفون شيئًا عن هذا الأمر؟
دي جيش : بل عرفوا، وسوف يهاجموننا.
كاربون : عجبًا!
دي جيش : لقد جاءني جاسوسي هذا فنبأني النبأ قائلًا: «إن في وسعي أن أدلهم على الموضع الذي منه يهجمون على مواقعكم، فمن أي المواضع تريد أنت أن يهاجمونا لأنبئهم أنها أضعف المواقع استحكامًا، وأكثرها للهزيمة تعرضًا، فليزحفوا نحوها، وهم مطمئنون؟»، فأجبته أن ارقب إشارتي؛ فمن حيث تشهدها فتلكن غارتهم، وها قد رأيتم الإشارة التي أعطيتها إليه.
كاربون (مناديًا جنوده) : إلى السلاح.

(ينهضون في خطفة البرق من مجاعتهم إلى أسلحتهم؛ ليكونوا على أتم الأهبة والاستعداد، تسمع صلصلة السيوف، وقعقعة المناطق، وهم يتمنطقون بها.)

دي جيش : سينقضون علينا بعد ساعة.
أحد الجنود : بعد ساعة؟ حسنًا!

(يعود الجنود إلى الجلوس، ومتابعة ألعابهم.)

دي جيش (لكاربون) : يجب علينا كسب الوقت، فالمرشال في طريقه إلينا.
كاربون : وكيف نكسب الوقت؟
دي جيش : بتفضلك بالسماح لهم بقتلك!
سيرانو : أهذا هو الانتقام إذن؟
دي جيش : لن أدعي بأني اخترتك وجنودك لفرط حبي لكم، ولكن لما كانت شجاعتكم لا تبارى، فقد اخترتكم خدمة لمليكي، وشفاء لغلتي!
سيرانو : اسمح لي أن أبدي لك يا سيدي شكري وعرفاني.
دي جيش : من كان يطرب لقتال مائة فلا يشكو من قتال آحاد؛ الفرصة سانحة لك الآن.
سيرانو : الآن أيها الشجعان الصناديد، قد آن لكم أن تضيفوا إلى شعاركم في الحرب، ورمز سلاحكم ذي الستة الألوان المزيجة من أزرق وأصفر، لونًا آخر كان ينقصه حتى الساعة، وهو اللون الدموي الأخير.

(يرى دي جيش في المؤخرة، وهو يتحدث مع كاربون، وتصدر الأوامر بالاستعداد للنزال، يتجه سيرانو نحو كريستيان الذي يقف مكتوف الذارعين في ذهول صامت.)

سيرانو (يضع يده على ذراع كريستيان) : كريستيان.
كريستيان (يهز رأسه) : روكسان!
سيرانو (بسخرية) : وا أسفاه!
كريستيان : وددت لو أني على الأقل بعثت إليها بكتاب وداع جميل وضعت فيه كل قلبي.
سيرانو : لقد هتف بنفسي من قبل هاتف أن اليوم هو له فهيأت إليها الكتاب، (ينتزع من طيات صداره كتابًا).
كريستيان (زافرًا متأوهًا) : أرنيه!
سيرانو : أو على رؤيته أنت الساعة قادر؟
كريستيان (يتناوله من كفه فينشره، ولكنه لا يكاد يقرأ فيه قليلًا حتى يغمغم) : ما هذا؟
سيرانو : ماذا؟
كريستيان : بقعة صغيرة مستديرة.
سيرانو (يأخذ الخطاب بلهفة، ويلقي عليه نظرة ساذجة) : أو تقول بقعة مستديرة؟
كريستيان : إنها دمعة!
سيرانو : نعم، إنها دمعة … ذلك يا صاح دأب الشعراء، يقعون في سوء تعبير، وفي ذلك سحرهم، ومحرك أخيلتهم.
ولقد جعلت أكتب هذا الوداع فاسترسل معي حزينًا، ومضى من قلبي في أسلوب غم واكتئاب، حتى لقد دمعت عيناي فتساقط الدمع مني على صفحة الكتاب.
كريستيان (ينظر إليه) : أبكيت؟
سيرانو : أواه، إن الموت في ذاته ليس برهيب، ولكن أن نفارقها، ونحن نحس أننا بعد اليوم لن نملي العين منها، هو لذعة الموت، وأنها من الموت نفسه أبلغ والله في الإيلام، وقد كنت أتخيل أنني لن … (كريستيان يرمقه بنظرة): إننا لن … (ثم يستدرك مسرعًا): إنك لن …
كريستيان (يختطف الكتاب من يده) : هاته فإني له لحفيظ.

(تسمع جلبة من مكان بعيد، ثم يطرق أذنيهما صوت الحارس.)

الحارس : يا للشيطان! من القادم هناك؟

(تسمع طلقات النيران، وجلبة وضوضاء، ورنين أجراس.)

كاربون : وما هذا؟
الحارس (فوق الهضبة) : إنها مركبة؛ (يندفع الجميع لمشاهدتها).
صيحات : ما هذا؟ مركبة في المعسكر؟ إنها داخلة إلى المعسكر، إنها قادمة من معكسر الأعداء، يا للشيطان! أطلقوا النار عليها، لا، انتظروا إن الحوذي يصيح، ماذا يقول؟ إنه يصيح: في خدمة الملك.
دي جيش : في خدمة الملك، وكيف؟

(ينزلون من الهضبة، ويصطفون في نظام عسكري.)

كاربون : ارفعوا القبعات تحية!
دي جيش (في الركن) : في خدمة الملك، تقهقروا إلى الوراء أيها الرعاع، وأفسحوا لها المكان لتدور دورتها في أبهة وجلال.

(تظهر مركبة علاها الغبار، وتلطخت بها الأوحال، ولا تزال مسدلة الأستار، ومن خلفها جلس وصيفان، تدخل المعسكر مسرعة، ثم تقف مرة واحدة.)

القائد : سلام سلاح.

(يدوي المكان بصليل السيوف، ودق الطبول، يرفع الجنود قبعاتهم تحية.)

دي جيش : أنزلوا سلم العربة.

(يتقدم رجلان نحو العربة، يفتح الباب، وتنزل روكسان من المركبة متهللة مشرقة المحيا.)

روكسان : طاب يومكم.

(دهشة عامة عند سماع صوت المرأة، ينتصب الجند، وكانوا قد انحنوا للتحية.)

المشهد الخامس

دي جيش : في خدمة الملك، أنت؟
روكسان (ضاحكة) : أي نعم … في خدمة ملك الحب، فهل ثم ملك أدين له سواه؟
سيرانو : يا إله السموات!
كريستيان (يندفع نحوها) : ما الذي جاء بك؟
روكسان : هذا الحصار قد طال عليه المدى.
كريستيان : ولكن لم جئت؟
روكسان : سوف أقص عليك ذلك فيما بعد!
سيرانو (وهو يجمد في مكانه كالمأخوذ) : يا إلهي، لست أجسر على النظر إليها.
دي جيش : لا ينبغي أن تمكثي هنا؟
روكسان : بل إني لماكثة، من ذا يقدم طبلته لأقتعدها، (يبادرون إلى تقريب طبلة منها فتجلس فوقها): شكرًا، (وتضحك): لقد أطلقوا النار على المركبة (بكبرياء) العسس! يبدو أنها صنعت من قرعة، أليس كذلك؟ كمركبة سندريللا، والخدم فيها جرذان.

(ترسل من طرف أناملها قبلة إلى كريستيان)

(تدير عينيها في الوجوه): ما بالكم لا تلوحون فرحين متهللين، ألا تعلمون أن الطريق طويل من باريس إلى أراس هذه؟ (تلمح سيرانو): أهذا أنت يا ابن العم، ما فرحتي بلقائك، وما أبهج خاطري!
سيرانو (يتقدم للسلام عليها) : ولكن بالله … كيف؟!
روكسان : أتسأل كيف اهتديت إلى السبيل، الأمر بسيط، لقد مررت وسط خراب ضارب بجرانه، وبلقع صفصف، ودمار شمل الأرض يا إلهي! لم أكن لأصدق بوجود هذا الدمار الرهيب لو لم أره بعيني رأسي … أهذه هي خدمة الملك أيها السادة؟ إني إذن لأوثر أن أخدم ملكي أنا.
سيرانو : إن هذا لجنون مطبق، ولكن أي طريق شيطاني سلكت؟
روكسان : أي طريق؟ سقت مركبتي وسط معسكر الأسبان.
أحد الجنود : لله ما أمكرهن!
دي جيش : ولكن حين جئت إلى خطوط نيران الأسبان كيف تواتى لك اجتيازها؟
لوبريه : لا بد أنك لاقيت صعوبات جمة.
روكسان : في الحق لم أجد عناء، ولم أصادف تعبًا، إذ كنت كلما مرت بي المركبة على حارس من حراسهم أفتح نافذتي، وأبتسم له ابتسامتي، والحق أقول لكم أيها السادة في غير غض من أقداركم، إن الأسبان أرق أهل الأرض خاشية، وأظرفهم نفوسًا، ولذلك مررت.
كاربون : هذا صحيح، ومن ذا الذي يرى الابتسامة منك، ويخطر له أن يعترض سبيلك، هذه الابتسامة هي جواز المرور، ولكن لا بد أنهم أوقفوك مرارًا ليسألوك يا سيدتي عن وجهتك.
روكسان : وقد جعلوا يسألونني عن وجهتي، فكنت أجيبهم أنني ذاهبة لأرى حبيبي، فكانت هذه الكلمة وحدها كافية لترد أشرس رجالهم خلقًا، وأرهب جندهم ضراوة، هادئًا صامتًا وتحدوه إلى إيصاد باب المركبة، وإعطاء الإشارة إلى الجنود بخفض فوهات بنادقهم، وبانحناءة حزينة، وحركة وقور رائعة، يرفع القبعة قائلًا: دعوا السنيورة تمر في طريقها آمنة.
كريستيان : ولكن رباه.
روكسان : معذرة وصفحًا عن قولي: حبيبي، ولكن أتحسبهم كانوا مجيزين لي المرور لو أني قلت: إني ذاهبة إلى زوجي العزيز؟
كريستيان : ولكن!
روكسان : ماذا بك؟
دي جيش : حسبك مزاحًا، لقد حان أن ترجعي؛ فإن هذا الموضع لا يصح أن يحتويك!
روكسان : أنا أرجع؟
سيرانو : لا تردد، ولا ممانعة.
لوبريه : وبأسرع ما يكون الإسراع!
كريستيان : نعم، يجب ذلك.
روكسان : ولكن لماذا تريدني أن أعود …؟
كريستيان (متحيرًا) : لأن …
سيرانو (متحيرًا أيضًا) : لأن بعد ثلاثة أرباع الساعة …
دي جيش (متحيرًا) : بل بعد ساعة واحدة …
كاربون (متحيرًا) : خير لك أن …
لوبريه (متحيرًا) : قد يكون …
روكسان : سأبقى هنا، إنكم ستقاتلون.
الجميع : كلا! كلا!
روكسان : إنه زوجي، (ترتمي في أحضان كريستيان): فلنمت معًا!
كريستيان : ولكن ما هاتان العينان؟
روكسان : سأقص عليك السبب.
دي جيش (وقد ضاق ذرعًا) : إنها لوظيفة مرعبة.
روكسان (تلتفت إليه) : تقول مرعبة؟
سيرانو : ودليل ذلك أنه وكلها لنا!
روكسان (إلى دي جيش) : ويحك! أتريد أن أصبح أرملة؟
دي جيش : كلا!
روكسان : والآن لأكونن مجنونة، ولن أغادر المكان فضلًا عن أن المسألة مسلية جدًّا.
سيرانو : ماذا، هل انقلبت الأديبة بطلة؟
روكسان : لا تنس يا مسيو برجراك أنني ابنة عمك.
أحد الجنود : سوف ندافع عنك ونحميك.
روكسان (متأثرة) : إني لواثقة من ذلك أيها الأصدقاء.
جندي آخر : لقد فاح أريج السوسن في جميع أرجاء المعسكر.
روكسان : ولقد لبست لحسن الحظ قبعة تبدو موائمة جدًّا لميدان القتال، (تلتفت إلى دي جيش): ولكن ربما قد حان الوقت لانصراف الكونت، فقد يبدأ القتال في أية لحظة.
دي جيش : أواه هذا كثير! هذا كثير! إني ذاهب لتفقد المدافع، وسأعود ثانية، وما زال أمامك وقت للتفكير في الأمر.
روكسان : كلا! لن أغير رأيي، (ينصرف دي جيش).

المشهد السادس

كريستيان (متوسلًا) : روكسان! …
روكسان : كلا.
أحد الجنود (لزملائه) : سوف تبقى!
الجميع (يتدافعون ويتخاطفون الأشياء) : أريد مشطًا، أين الصابون؟ إن في ثوبي رتقًا، فهل من إبرة لكي أرتقه؟ ألا من شريط، أعرني مرآتك يا هذا؟ أبي أكمامي؟ إليَّ بمكواة الشارب، أين موسي الحلاقة؟
روكسان (لسيرانو الذي ما زال يتوسل إليها أن ترحل) : كلا! لن يزحزحني شيء عن هذا المكان!
كاربون (وقد حذا حذو الآخرين، فشد وثاق منطقته، ونفض الغبار عن نفسه وقبعته، وثبت الريشة عليها، وأصلح من كمي سترته، واقترب من روكسان يحدثها بذلاقة) : ربما كان الأجدر بي أن أقدم لك — ما دمت قائمة بيننا — نفرًا من هؤلاء السادة الذين يودون أن يكون لهم شرف الموت تحت راية عينيك؛ (تنحني له روكسان، وتقف وقد اشتبكت ذراعها بذراع كريستيان في انتظار تقديم كاربون لزملائه): البارون بيرسكو دي كولينياك.
الجندي (محييًا) : سيدتي …
كاربون (يمضي في تقديمه زملاءه) : بارون دو كاستراك دو كوزاك، فيدام دوما لجوفر استرساك ليبا ديسكارابيو، شفاليه دانتينياك جوزيه، بارون هيلو دوبلانيان، ساليشان دو كاستل كرابيول.
روكسان : ولكن بكم اسم يسمى كل منهم؟
بارون هيلو : أسماء لا عدد لها.
كاربون (لروكسان) : افتحي يدك التي تقبضين بها على منديلك.
روكسان (تفتح يدها؛ فيسقط المنديل إلى الأرض) : ولم ذلك؟

(يسارع الجنود مستبقين لكي يفوز أحدهم به.)

كاربون (يفوز به قبلهم) : إن فرقتي لا راية لها؛ فلتكن لها من منديلك هذا والله أجمل راية خفقت فوقها.
روكسان : ولكنه صغير جدًّا.
كاربون (يضع المنديل على رأس حربة الكابتن) : ولكنه من «الدانتيلا».
أحد الجنود (لزملائه) : الآن وقد رأيت هذا الوجه الجميل أموت وأنا سعيد قرير العين، لو أن في جوفي من الطعام بقدر حجم الجوزة.
كاربون : أو تتحدث عن الطعام يا هذا في محضر سيدة جميلة رائعة؟
روكسان : مالي أراكم في المعسكر متحفظين في تعاليم الجندية كثيرًا، ألا من شراب يقدم أو طعام؟ إنني في الحق أحس جوعًا، وأجد في نفسي ظمأ، إن قائمة طعامنا حاضرة: فطائر، وكعك، وفواكه مثلجة، ولحوم باردة، ونبيذ معتق، هذا كل ما لدينا؛ فهلموا أحضروه إلينا.

(ذهول ودهشة.)

أحد الجنود : أكل هذا تريدين؟
جندي آخر : ولكن أمزاحًا أردت أم جدًّا؟ من أين لنا بشيء من هذا … لست أدري.
روكسان (برفق وتؤدة) : في مركبتي.
الجميع (مبهوتين) : وكيف ذلك؟
روكسان : أمامنا عمل كثير! فلنقدم الطعام، ونقطع اللحم، وننزع العظم، ألا اقتربوا أيها السادة من سائق المركبة، تتعرفوا عن أنفس الشخصيات، أما الطعام الذي ابترد ففي وسعنا أن نجلبه إلى الموائد ساخنًا.
الجميع (يتدافعون نحو المركبة) : يا عجبًا، هذا راجينو … ليحيَ راجينو! ليحيَ راجينو!
روكسان (بتأثر) : يصفح الله لهم.
سيرانو (يتناول يدها، ويطبع القبلات عليها) : أيتها الحبيبة الرفيقة الحانية.

(يقف راجينو فوق مقعده من المركبة كما يفعل عادة دجالو الأطباء في طريق عام.)

راجينو : أيها السادة، (عاصف من التصفيق).
الجنود : مرحى مرحى!
راجينو : عندما نظر الأسبان إلى وجه الغادة الحسناء شغلهم حسنها عن النظر إلى الأطعمة التي تحملها المركبة!

(هتاف.)

سيرانو (يميل على كريستيان هامسًا) : كريستيان!

(بينما يسترسل الحلواني القديم.)

راجينو : وقد شغلتهم النزعة الغرامية، فلم يلحظوا الصينية … (يأخذ طبقًا من على المقعد)، وهذه اللحوم الشهية، (تصفيق حاد).

(يتناقلون طبق اللحم بينهم.)

سيرانو (يميل على كريستيان هامسًا) : لي كلمة معك أرجو أن تنصت لي …
راجينو : ولقد اجتذبت فينوس ربة الجمال منهم الأبصار في المعركة، حتى لقد عميت أعينهم عما حملت ديانا ربة الصيد من لحمان صيد شهية.

(يمد إليهم فخذًا من اللحم؛ فيتراقصون بها من الفرح، وقد أمسكت بها عشرون يدًا.)

سيرانو (هامسًا لكريستيان) : أريد أن أتحدث إليك.
روكسان (تخاطب الجنود، وهم يقبلون وأيديهم محملة بالطعام) : ضعوا كل شيء على العشب، (تضع ملاءة على العشب يساعدها خادمان ثابتا الجنان كانا واقفين خلف مركبتها، تنادي كريستيان في اللحظة التي يريد سيرانو أن يختلي به): كريستيان أقبل، ساعد الرفاق على الوليمة الهنية.

(يذهب إليها تاركًا سيرانو في حيرة متناهية.)

راجينو : ديك رومي محشو بالكمأة.
الجندي الأول (منشرح الصدر يقبل على الطعام فيقتطع شريحة من اللحم) : مرحى! لن نذهب إلى المعركة الأخيرة قبل أن نجلس إلى المائدة، (يرى روكسان مقبلة فيستدرك): عفوًا قبل أن نجلس إلى الوليمة.
راجينو (يمد يده إلى وسادات المركبة فيقلبها على ظهرها، ويلقي إلى الجمع بها) : الوسادات أيضًا محشوة بالعصافير.

(صيحة مدوية، يمزقون الوسادات، ويطلعون الطعام، وهم في مرح وضحكات ضاجة عالية.)

جندي ثالث : مرحى!
راجينو (وهو يلقي زجاجات النبيذ إلى الفتيان) : نبيذ أحمر كالياقوت، ونبيذ أبيض يضرب إلى صفرة الياقوت الأصفر.
روكسان (وهي تطرح غطاء مائدة قد طوي طيًّا فوق رأس سيرانو) : انشر هذا الغطاء، وكن خفيف الحركة، هيّا.
راجينو (يلوح بأحد مصابيح المركبة) : كل من المصباحين مخزن طعام، بل نملية.

(سيرانو وكريستيان يتعاونان على نشر الغطاء.)

سيرانو (إلى كريستيان) : يجب أن أتحدث إليك قبل أن تتحدث أنت إليها.
راجينو : إن مقبض سوطي مصنوع من السجق!
روكسان (وهي تسعى عليهم بالشراب) : ما دمنا سنموت شهداء، فلندع بقية الجيش تبحث عن حاجتها بنفسها، فإن هذا كله لكم معاشر الغساقنة، وليكن في علمكم جميعًا أنه إذا جاء دي جيش فلن يدعى إلى طعامكم أبدًا. (تمشي بين الصفوف): على مهلكم، على مهلكم، فإن في الوقت فسحة ومتسعًا، (تنتقل بينهم): إليكم الشراب، ما بالي أرى فيكم بكاة، وأشهد دموعًا.
الجندي الأول : يا لها من وليمة رائعة.
روكسان (وهي تطوف عليهم) : نبيذًا أحمر تشتهي أم الأبيض إليك أحب؟ قليلًا من الخبز لمسيو كاربون، سكين هنا، هات صحفتك أيها الفتى، أتفضل قشرة الرغيف؟ دعني أسكب لك خمرًا، قطعة أخرى؟ أتريد جناحًا؟
سيرانو (يسير في أثرها، وقد حمل الصحاف باليدين معًا ليكون لتعاليمها وأوامرها طائعًا، وقد أفاض فيض عاطفته، وجاش بالحب جانحته) : يا لله … كم أعبدها!
روكسان (لحبيبها) : وأنت ماذا تشتهي؟
كريستيان : لا أشتهي شيئًا.
روكسان : كعكًا وكأسًا من شراب، عزمت عليك إلا ما أخذت من هذا قليلًا …؟ أفلا حسوت من شراب؟
كريستيان (وهو يحاول احتجازها) : هلا نبأتني ما الذي حدا بك إلى المجيء هنا.
روكسان : مهلًا، بعض هذه اللهفة المتعجلة، حتى أؤدي واجبي الأول نحو هؤلاء الفتية المساكين، ألا تصطبر لحظة واحدة؟
لوبريه (ينتقل في المؤخرة نحو الهضبة، وقد حمل كسرة من الخبز فوق إحدى الحراب) : دي جيش!
سيرانو : أسرعوا، أخفوا كل شيء، الأطباق والقوارير والأباريق والصحاف، ولنبدُ كأن لم يكن شيء من أمامنا، (إلى راجينو): أما أنت فاقفز إلى مقعدك فوق المركبة … أأخفيتم كل شيء؟

(يظهر الكونت دي جيش، فما هي إلا ومضة الطرف حتى كان كل شيء على الموائد من شراب، ولحوم، وخبز، وحلوى، قد اختفى في طيات أرديتهم، أو أردان أثوابهم، وتحت الصناديق.)

(سكوت.)

المشهد السابع

دي جيش (وقد هبت على أنفه رائحة الطعام) : أجد للطعام ريحًا فما سرها؟
أحد الجنود (يغني وهو ساه) : تولولو! …
دي جيش (لفتى اصطبغ وجهه أرجوانًا) : أراك يا هذا شديد الاحمرار؟
الجندي : لا شيء، وإنما دمي يغلي في شراييني؛ إذ أتصور المعركة القادمة.
جندي آخر (يغني) : بوم … بوم … بوم …
دي جيش (ملتفتًا) : وما هذا؟
الجندي (مخمورًا) : لا شيء إنها أغنية، أغنية صغيرة.
دي جيش (لآخر) : وأنت ما بالي أراك مرحًا.
الآخر : إن لقرب القتال نشوة.
دي جيش (يستدعي كاربون دو كاستل جالو ليملي عليه أمرًا عسكريًّا) : إنني أيها الكابتن … (تقع عليه عيناه فيقف عن الكلام ثم يتابعه) يا للطاعون! إنك تبدو مشرق الوجه أيضًا.
كاربون (يحمر وجهه وهو يخفي زجاجة خمر خلف ظهره) : تبًّا لي!
دي جيش : لقد تركت أحد المدافع هنا، وكنت قد أصدرت أمري بنقله إلى ذلك الركن (يشير إلى جناح المعسكر) يستطيع رجالك استخدامه إذا استدعت الضرورة.
أحد الجنود (بخيلاء) : لفتة كريمة!
جندي آخر (مبتسمًا) : مطلب جميل.
دي جيش : أجن جنونهم؟ (بجفاء) أما ولم تعتادوا استعمال المدافع، فاحذروا من رجفتها.
الجندي الأول : أهذا؟ بفتت … ت … ت.
دي جيش (يتجه نحوه غاضبًا) : ولكن!
الجندي : مدافع الغسقونيين لا تتراجع أبدًا.
دي جيش (يهزه من ذارعه) : إنك مخمور، مم؟
الجندي (بخيلاء) : من رائحة البارود.
دي جيش (يهز كتفيه، ويتجه إلى روكسان) : أي اعتزام اعتزمت يا سيدتي؟
روكسان : إنني هنا ماكثة.
دي جيش : بل يجب أن تفري من هذا الموضع فرارًا.
روكسان : كلا، بل لأبقين هنا.
دي جيش : ما دام الأمر كذلك آتوني بندقية.
كاربون : ولماذا؟
دي جيش : لأنني أنا أيضًا معتزم البقاء.
سيرانو : الآن قلت قولًا عظيمًا … فهذه هي الشجاعة الحقيقية يا سيدي.
الجندي الأول : أنت غسقوني على الرغم من مظهرك.
روكسان : ماذا؟
دي جيش : ما كنت لأترك امرأة في خطر.
جندي آخر : اسمع يا صاح، يمكننا أن نعطيه شيئًا يأكله.

(لا تلبث الأطعمة أن ظهرت كأنما كان ظهورها بسحر ساحر.)

دي جيش (تتقد عيناه عندما يشهد الأطعمة) : ماذا أرى؟ أطعمة؟
الجندي الثالث : وسينبعث غيرها من تحت كل رداء.
دي جيش (بكبرياء وأنفة) : أتحسبون أني آكل مما تركتم، أو أرتضي فضلاتكم؟
سيرانو (محييًا) : لقد تقدمت تقدمًا كبيرًا!
دي جيش (بكبرياء، وقد اتخذ كلامه لهجة غسقونية) : سوف أقاتل قبل أن آكل.
الجندي الأول (في نشوة الفرح) : إنه بدأ يتكلم بلهجتنا!
دي جيش (ضاحكًا) : هل فعلت ذلك؟
الجندي : إنه واحد منا …

(يأخذ الجنود في الرقص والمرح.)

كاربون (يظهر فوق الهضبة، وكان قد اختفى لحظة خلفها) : لقد عينت لرجالي حاملي الرماح مواقفهم، إنهم ذوو عزم وتصميم.

(يريهم صفًّا من الرماح البارزة فوق الهضبة.)

دي جيش (يميل إلى روكسان) : أتتفضلين بأخذ ذراعي لاستعراض الجيش؟

(تتأبط ذراعه، فيصعدان معًا إلى قمة الهضبة، يخرج الجند من مكامنهم ويتبعونهما.)

كريستيان (يتجه نحو سيرانو بلهفة) : عجل بما تريد أن تقوله لي.

(تظهر روكسان فوق الهضبة، فتتوارى الحراب عن الأعين، وقد نكست للتحية، ويدوي المكان بالصياح، تنحني روكسان.)

حاملو الرماح (يسمع صوتهم من بعيد) : تعيش! تعيش! تعيش!
كريستيان : ما هو السر الذي تريد أن تفضي به إليَّ؟
سيرانو : إذا تحدثت روكسان إليك …
كريستيان : عم؟
سيرانو : عن الخطابات؟
كريستيان : نعم الخطابات، أعرف ذلك.
سيرانو : فلا ترتكب حماقة بإظهار الدهشة، وإبداء العجب.
كريستيان : مم؟
سيرانو : ينبغي ألا أكتمك الحق، رباه، إن الأمر … وقد خطر ببالي اليوم عندما رأيتها، وهو أنك …
كريستيان : بالله عجل.
سيرانو : بأنك … بأنك كتبت إليها مرارًا، أكثر مما تظن.
كريستيان : عجبًا! أفعلت أنا ذلك؟
سيرانو : رباه! لقد أخذت الأمر على عاتقي، وكنت أعبر عما يجيش في صدرك من عاطفة، فجعلت أحيانًا أكتب إليها، ولا أقول لك.
كريستيان : عجبًا.
سيرانو : فالأمر كما ترى جد يسير.
كريستيان : عجبًا … ولكن كيف تيسر لك أن تبلغها الرسالات، ونحن هنا محاصرون من كل ناحية؟
سيرانو : لقد كنت أتسلل مع الفجر فأجتاز خطوط العدو سرًّا.
كريستيان : وهل هذا أيضًا بسيط للغاية؟ ولكن نبئني يا صاح كم مرة في الأسبوع كنت تكتب إليها … مرتين … أثلاثًا … أم أربعًا؟
سيرانو : لا والله بل أكثر من ذلك أيضًا.
كريستيان : أكنت تكتب إليها إذن مرة في كل يوم؟
سيرانو : نعم … مرتين في اليوم.
كريستيان : أو هكذا كنت تسخر من الموت لمجرد أن في ذلك الذي ألححت عليه لذة وفرحًا؟
سيرانو (يلمح روكسان قادمة) : صه؛ لا حديث بينا أمامها، (وينطلق مبتعدًا فيدخل خيمته).

المشهد الثامن

(روكسان، كريستيان، مشهد الجنود في المؤخرة يروحون ويجيئون، كاربون ودي جيش يصدرون الأوامر.)

روكسان (تنطلق نحو كريستيان) : هذا أنت يا كريستيان أخيرًا.
كريستيان (يتناولها من يديها) : الآن نبئيني لماذا جئت إلينا مجتازة كل هذه المخاطر والمهالك القائمة دوننا، لقد تجشمت عظيمًا، وأردت أمرًا شاقًّا.
روكسان : كتبك هي التي جاءت بي، وحديث رسالاتك هو الذي اقتادني، فإن كنت قد جازفت فاللائمة لائمتك … لقد ذهبت كتبك بلبي … ولقد جاءتني في هذا الشهر منك تترى، وكل كتاب منها أبلغ من سالفه، وأروع سحرًا.
كريستيان : أمن بضعة كتب غرامية لا خطر لها و…
روكسان : حذار … لا تتحدث عنها هكذا … أواه، إنك لا تستطيع لسلطانها تصورًا … فمنذ تلك الليلة التي رحت فيها تحت شرفتي تسكب في مسمعي حديثًا عجبًا، لم يكن لي بمثله عهد، جعلت كتبك التي بلغتني طيلة هذا الشهر تعيد إلى مسمعي ذلك الصوت الرقيق الحاني الذي فتنتني بسحره … فالخطأ في مقدمي خطؤك، وأنت عليه الملوم، إن صوت تلك الليلة دعاني فلبيت، ثم لبيت … ويمينًا لو أن «بنيلوب» في الأساطير الأولى تلقت من زوجها «عولص» كتبًا في مثل فنون كتبك وبلاغتها لما أطاقت على المقام في نوى عنه صبرًا، ولما لبثت مخلدة إلى مغزلها دهرًا، بل لذهبت تفتش الأرض عنه كما فعلت هيلانة العاشقة،١ مجنونة بالحب رغمًا عن إرادتها وقهرًا.
كريستيان : ولكن …
روكسان : لقد جعلت أقرأها ثم أعاودها، حتى ذاب جسمي، وشعرت أني أصبحت ملكًا لك، فكأنما كنت أخال كل صفحة منها ورقة منفصلة من كم زهرة، انتزعت من أعماق روحك منتزعًا؛ فطارت نحوي طيرًا، لقد كان الحب في كل كلمة منها يشعل في القلب نارًا، هذا الحب الصادق العميق.
كريستيان : الصادق العميق؟ وهل أحسسته في الكتاب جليًّا؟
روكسان : أجل، لقد أحسسته في كل كلمة منه وسطر، وبيت من بيوته وشطر …
كريستيان : وهذا هو الذي من أجله جئت؟
روكسان : أي حبيبي ومالكي، لقد جئت ولو أني الساعة جثوت عند قدميك لأنهضتني، ولكن روحي هي عند قدميك الجاثية، فما أنت على النهوض بها إلى أفق أرفع مما نهضت بها بقادر، فقد بلغت القمة العالية، أي والله لقد جئت لأسألك صفحًا، وأطمع في كلمة غافرة راضية، لقد حان الابتهال، وأتت المغفرة، ما دام الموت قد أصبح دانيًا، أستغفرك يا كريستيان فاغفر حماقتي، ونزقي حين أحببتك بادئ الرأي لملاحة وجهك، وحسن مظهرك.
كريستيان : روكسان!
روكسان : غير أن الحب ما لبث أن رشد بعد أن غوى، فأمسى كطائر نشر جناحيه، ثم لم يستطع طيرانًا، فقد احتجز جمالك حبي، ثم اجتذبت نفسك نفسي، فأحببتك جذابًا بالجمال والنفس معًا.
كريستيان : والآن؟
روكسان : الآن انتصرت نفسك على نفسك، فأصبحت أحبك لنفسك وحدها …
كريستيان (يتراجع عنها) : روكسان!
روكسان : فلتسعد بما كاشفتك الساعة به، فالحب من أجل الجمال فحسب، هذا الثوب المستعار الذي لا تلبث الأيام أن تحيله ناحلًا، أو ترده مزقًا بالية، هذا النوع من الحب مبعث شقاء للنفس الأبية، ولكن الحب حين تحب النفس وجمالها، والأحاسيس ونبلها، هو الذي على الدهر يظل باقيًا، إن ذلك الجمال الجسدي الذي فتنني في البداية، قد تكشف الآن لعيني، فلم يعد عندي منظورًا، ولا مرئيًّا.
كريستيان : رباه!
روكسان : أأنت في شك من الانتصار لنفسك؟
كريستيان (متوجعًا) : أواه! روكسان!
روكسان : أأفهم من ذلك أنك لا تستطيع أن تؤمن بهذا الحب؟
كريستيان : لست أسألك حبًّا كهذا الذي تصفين، وإنما أوثر أن تحبيني ﻟ …
روكسان : لذلك الذي أحبتك الغانيات واحدة بعد أخرى من أجله، حاشاي، لخير لك أن تكون محبوبًا مني أصدق من هذا حبًّا …
كريستيان : لقد كنت أسعد حالًا مني الآن.
روكسان : ما أبعدك من الحق، إن حبي الساعة هو الأفضل الأعز، فلو أن جمالك الباهر انطفأ بريقه، وذهب لمعانه، لظللت أحبك؛ لأن نفسك هي التي أحب.
كريستيان : حسبك، حسبك …
روكسان : بل لا أنفك عن حبك لو انقلبت دميمًا قبيحًا في لحظة.
كريستيان : لا تقولي قولًا كهذا!
روكسان : بل أقوله.
كريستيان : ماذا تقولين؟ حتى وإن كنت دميمًا.
روكسان : أقسم لأحبنك دميمًا.
كريستيان : رباه!
روكسان : أمسرور أنت الآن سرورًا عميقًا؟
كريستيان (بصوت مختنق) : نعم …
روكسان : ماذا بك؟
كريستيان (يبعدها بلطف) : لا شيء، أود أن أقول كلمة فاسمحي لي بدقيقة أو دقيقتين.
روكسان : ولكن …؟
كريستيان (يسير إلى جماعة من الجند في المؤخرة) : إن هؤلاء المساكين الذي يوشك الردى أن يطيح بهم محرومون من مرآك بسبب حبي لك، فاذهبي تحدثي إليهم، وتبسمي لهم قبل أن يدركهم الموت.
روكسان (برقة وحنان) : كريستيان العزيز.

(تنطلق إلى جموع الشباب الذين كانوا وقوفًا عن كثب حلقات؛ فيستقبلونها استقبالًا كريمًا، ويلتفون حولها.)

المشهد التاسع

(كريستيان، سيرانو، روكسان في المؤخرة تتحدث مع كاربون، وبعض الجنود.)

كريستيان (مناديًا) : سيرانو!

(يخرج سيرانو مدججًا بالسلاح من فرعه إلى قدمه.)

سيرانو : ماذا تبغي؟ وما بالك هكذا مسفوع اللون مصفرًّا؟
كريستيان : إنها لم تعد تحبني.
سيرانو : ماذا تعني؟
كريستيان : إنها تحبك أنت.
سيرانو : لا!
كريستيان : إنها لا تحب مني غير الروح.
سيرانو : لا!
كريستيان : أجل، وأنت تعلم أن نفسي التي تعني، هي أنت، فهي إذن تحبك، وأنت كذلك تحبها.
سيرانو : أنا؟
كريستيان : أعرف ذلك.
سيرانو : وهذه هي الحقيقة.
كريستيان : إنك تحبها إلى حد الجنون.
سيرانو : بل أكثر من ذلك قدرًا.
كريستيان : إذن فلتبح لها.
سيرانو : كلا.
كريستيان : ولم؟
سيرانو : انظر إلى وجهي تجد جواب ما سألت.
كريستيان : ولكنها صارحتني بأنني لو كنت دميمًا لظلت تحبني.
سيرانو : أقالت ذلك حقًّا؟
كريستيان : وبكل صراحة.
سيرانو : إني لمسرور أنها قالت ذلك، ولكن حذار يا بني لا تصدقها، آه كم سرني أنها فكرت في ذلك وقالته، ولكن اذهب، لا تأخذ كلامها على علاته، ولا تكف عن الظهور أمامها وسيمًا جميلًا، وإلا لامتني عليه، وكنت عندها مسئولًا.
كريستيان : هذا ما أريد أن أتبينه.
سيرانو : كلا! كلا!
كريستيان : يجب أن تخبرها بالحقيقة كما هي، ولتختر هي بيننا!
سيرانو : كلا! كلا! لا أستطيع أن أتحمل هذا الأمر.
كريستيان : أفلاني الجميل الوجه، الحسن معارف وقدًا، أحطم سعادتك، وأبدد هناءتك … إني إذن لظالم.
سيرانو : وأنا من أجل أني قد حبيت من الطبيعة في بعض أسرارها، وغرابة أطوارها بموهبة البيان، وملكة الإفصاح عما أحسه، وما أنت كذلك به شاعر، أعدو على سعادتك، وأسلب منك كأسًا هنية؟
كريستيان : اذهب قل لها ذلك كله.
سيرانو : إنه يصر على إغرائي بذلك، وهذا أمر جلل.
كريستيان : لقد نئت حملًا بهذا المنافس الذي في أعماق نفسي.
كريستيان : سيرانو، أصغِ لي … لقد كان قراننا سريًّا لم يحضره شاهد، ومن السهل فسخه إذا عشنا ولم نك في الهالكين.
سيرانو : يا إلهي، أراك ملحًّا متشددًا!
كريستيان : إما أن أحب وحدي أو لا أحب مطلقًا، وهأنذا منطلق إلى المخافر الأمامية؛ لكي أرى ماذا يفعلون، فتحدث أنت إليها، ودعها تختر من بيننا أحدًا.
سيرانو : إنها ستختار أنت …
كريستيان : أدعو الله! (ينادي) روكسان.
سيرانو : كلا! لا تفعل.
روكسان (تقبل نحوه) : ما الخبر؟
كريستيان : لدى سيرانو كلام خطير يريد أن يسره إليك.

(تعدو نحو سيرانو، بينما كريستيان ينصرف.)

المشهد العاشر

روكسان : كلام خطير؟
سيرانو (مبهوتًا) : لقد ذهب … (لروكسان) لا شيء، ألا تعلمين أنه يرى في الشيء التافه شيئًا عظيمًا.
روكسان (متلهفة) : أو قد شك فيما نبأته به؟ إني رأيت الشك يخامره …
سيرانو (يتناول يديها) : أواثقة أنك قلت له الحقيقة كلها؟
روكسان : نعم، نعم! لقد قلت له إني لأحبنه، وإن كان … (تبدو مترددة).
سيرانو (يبتسم ابتسامة مريرة) : أتشعرين بارتباك من قولك في وجهي يا روكسان …
روكسان : ولكن …
سيرانو : قولك: «لن يضيرني، وإن كان دميمًا».

(يدوي في الفضاء صوت الرصاص.)

روكسان : وإن كان دميمًا! (يدوي في الفضاء صوت الرصاص) … هذا صوت الرصاص يدوي.
سيرانو (بحماس) : وإن كان دميم الخلقة مخيفًا؟
روكسان : وإن كان مخيفًا!
سيرانو : وإن كان مشوهًا؟
روكسان : ومشوهًا …
سيرانو : وبشعًا أيضًا.
روكسان : لن يكون بشعًا في نظري!
سيرانو : إذن لأحببته الحب ذاته.
روكسان : نعم ذاته، بل لقد أزيد عليه (يكتم نفسه في ذهول): رباه ليتها الحقيقة، فتتحقق السعادة. (لروكسان): أصغي إليَّ … أنا … يا روكسان …

(يأتي لوبريه من جهة الأسوار مسرعًا.)

سيرانو (ملتفتًا نحوه) : ما الخبر؟
لوبريه : لا ترفع صوتك (يسر إليه كلامًا).
سيرانو (تفلت يد روكسان من يده، ويصرخ) : واهًا!
روكسان : ماذا ألم بك؟
سيرانو (محدثًا نفسه وجلًا) : لقد قضي الأمر، (يسمع ضرب النار).
روكسان : ما الخبر؟ ما الذي يجري هنا؟ هل يطلقون النار؟

(تصعد روكسان إلى الهضبة لتنظر.)

سيرانو : لقد قضي الأمر، لن أستطيع أن أبوح بشيء بعد الآن.
روكسان (مندفعة) : ما الذي يجري هنا؟!
سيرانو (يحاول منعها) : لا شيء.

(يقبل جمع من شباب الفرقة يحملون على أكفهم بدنًا مسجى، وهم يحاولون إخفاءه عن روكسان.)

روكسان : هؤلاء الرجال …!
سيرانو (يأخذها بعيدًا) : دعيهم وشأنهم.
روكسان : ولكن ماذا كنت تريد أن تقول لي منذ لحظة؟
سيرانو : كنت … كنت أريد أن أقول … بالله عليك، لا شيء، أقسم لك يا سيدتي (بحزن وإطراق): إن روح كريستيان … وإن نفسه كانتا (يستدرك مرتعبًا) إنهما أعظم …
روكسان : تقول كانتا؟ (تصدر عنها صرخة مدوية) أواه!

(تتجه نحو القوم وتدفعهم.)

سيرانو : لقد قضي الأمر!
روكسان (تشاهد كريستيان طريحًا فوق قبائه) : كريستيان!
لوبريه (لسيرانو) : لقد كانت أول طلقة من طلقات العدو.

(ترتمي روكسان فوق جسده، يعود العدو إلى إطلاق النار، ويسمع صليل السيوف، ودق الطبول.)

كاربون (وقد استل سيفه) : لقد بدأ الهجوم، فإلى مدافعكم، (يتجه إلى الجانب الآخر من الهضبة يتبعه جنوده).
روكسان : كريستيان!
كاربون (يسمع صوته من وراء الهضبة) : أسرعوا!
روكسان : كريستيان!
كاربون : اصطفوا!
روكسان : كريستيان!
كاربون : أحكموا الهدف … أطلقوا النار!

(يقبل راجينو مهرولًا، يحمل الماء في خوذة.)

كريستيان (يفتح عينيه وهو يحتضر) : روكسان!

(تجثو روكسان عند صدره، وقد مزقت قطعة من ثوبها عند الصدر، وجعلت تبللها بالماء، وتمسح بها جرحه.)

سيرانو (يهمس في أذن كريستيان) : لقد بحت لها بكل شيء، فإذا هي تختارك أنت.
روكسان : ماذا يا حبيبي؟
كاربون : ارفعوا فوهة المدفع عاليًا!
روكسان (إلى سيرانو) : إنه لم يمت.
كاربون : أطلقوا النيران، واحصدوهم حصدًا.
روكسان : أشعر بخده يبترد إزاء خدي.
كاربون : سددوا الضرب، وأحكموا الهدف.
روكسان : هذا كتاب على صدره (تفضه) إنه لي.
كاربون : أطلقوا النيران.

(يشتعل الفضاء لهيبًا، ويتساقط الرصاص، وتحتدم المعركة، ويعلو الصياح.)

سيرانو (يحاول الفكاك من يدها، وكانت قد أمسكت به وهي جاثية) : روكسان، دعيني أنطلق؛ فقد ابتدأت المعركة.
روكسان (وهي لا تزال متشبثة) : انتظر فقد مات، وليس يعرفه معي حق المعرفة سواك، لقد كنت أنت الرجل الوحيد الذي عرفته، (ينتحب بهدوء): ألم يكن مخلوقًا رائعًا عجيبًا؟
سيرانو (يقف حاسر الرأس) : أجل روكسان.
روكسان : وكان شاعرًا لا يبارى، جديرًا بالتبجيل؟
سيرانو : أجل، روكسان.
روكسان : وكانت له روح سامية؟
سيرانو : أجل، روكسان.
روكسان : ألم يكن ذا قلب كبير، لم يتطرق الفساد إليه، ونفس أبية ساحرة؟
سيرانو (بعزم) : أجل، روكسان.
روكسان (ترتمي فوق صدر كريستيان) : ولكنه مات!
سيرانو (يستل سيفه من غمده) : الآن طاب الموت، فهي الساعة تبكيني في بكائها عليه، وعلى الرغم من أنها لم تعرفه.
دي جيش (يظهر فوق التل، منكوش الشعر، دامي الجبين: ثم يقول بصوت راعد) : إنها الإشارة الموعودة! هذا صوت الأبواق يعلو، وها هم الفرنسيون يدخلون المعسكر يحملون الأمداد والمؤن، اصمدوا قليلًا.
روكسان : أرى الدم على خطابه، والدموع!
صوت (من الخارج يصيح) : سلموا!
الجنود : لن نسلم!
راجينو (يعتلي مكانه من المركبة ليشاهد المعركة منها) : إن خطر المعركة ليتفاقم!
سيرانو (إلى دي جيش، وهو يشير إلى روكسان) : ابتعد بها يا سيدي، فإنني مقتحم أبواب الموت لست مباليًا.

(يحملون الأمداد والمؤن، اصمدوا قليلًا.)

روكسان (تقبل الخطاب، وهي خائرة القوى) : هذا دمه، وهذه دموعه.
راجينو (يقفز من العربة، ويتجه نحوها) : الله لها، لقد أغمي عليها.
دي جيش (على الهضبة يخاطب الجنود بصوت غاضب) : اصمدوا.
صوت من الخارج : ألقوا السلاح.
الجنود : كلا.
سيرانو (لدي جيش) : الآن وقد أبت شهامتك، وبسالتك يا سيدي، فانطلق بها ناجية.
دي جيش (يسرع نحو روكسان، ويحملها على ذراعه) : سأفعل، وسوف ننتصر إذا أنتم كسبتم الوقت، وصمدتم قليلًا!
سيرانو : إننا لفاعلون!
سيرانو (ترى روكسان محمولة على ذراع دي جيش يعاونه راجينو) : روكسان الوداع.

(ويمرق كالسهم ليلقي بنفسه في وسط المعركة الحامية، فيوقفه كاربون.)

(ضجيج المعركة، صيحات مدوية، يظهر الجنود مثخنين بالجراح، يهوون على الأرض.)

كاربون : إننا نتراجع، وقد أصبت بطعنتي رمح!
سيرانو : أيها الغساقنة لن يولي الأدبار منكم أحد، واثبتوا في أماكنكم إلى النهاية، (إلى كربون): لا خوف عليك؛ فإن لي اليوم من الموت ثأرين: ثأر لصديقي الذي استشهد، وثأر لنعيمي الذي تبدد.
أطبقوا عليهم واسحقوهم.

(وينطلق والسيف في يمينه، وقد علق بذبابته منديل روكسان الذي استحال علمًا مرفرفًا، وبيرقًا داميًا.)

سيرانو (ينادي العلم في جنة الحرب، وحماستها الهائلة) : ألا أيها المنديل رفرف؛ فأنت باسم روكسان متجمل مزدان.

(يغرس عصا الحربة في الأرض، ويصرخ في الجنود.)

(صوت زمر.)

(يبدأ الزامر في الزمر، ينهض بعض الجرحى مرة أخرى، يلتف بعض الجنود منحدرين من الجسر حول سيرانو، وحول البيرق الصغير، ولما كانت العربة مكتظة بالجنود من الداخل والخارج، فقد برزت أسنة بنادق الجنود كالشوك، وبدت وكأنها قلعة منيعة.)

أحد الطلبة العسكريين (يظهر على دعامة من دعامات الجسر وهو يقاتل، ثم يصيح) : إنهم يصعدون المنحدر!

(يخر صريعًا.)

سيرانو : إننا سنرحب بهم!

(يظهر فجأة فوق الجسر حشد رهيب من الأعداء، وتظهر ألوية الجيش الإمبراطوري العظيمة.)

سيرانو : أطلقوا النيران!

(تطلق النيران من جميع المواقع.)

صيحة (بين صفوف الأعداء) : أطلقوا النيران!

(يجري تبادل إطلاق النار، ويسقط الجنود صرعى من كل جانب.)

ضابط أسباني (يخلع قبعته) : ما خطب هؤلاء الرجال الذين عقدوا العزم كله على أن يقتلوا جميعهم!
سيرانو (يجأر إذ يقف وسط الطلقات النارية المتطايرة) : إنهم الجنود الغسقونيون التابعون لكاربون دي كاستل جالو، وهم مقاتلون مشهورون.
(يقفز إلى الأمام تتبعه حفنة من الجنود الباقين على قيد الحياة): إنهم جنود …

(يختفي بقية المشهد في غمار المعركة.)

١  إشارة إلى أبطال حرب طروادة التي قامت بسبب اختطاف هيلانة زوجة منيلاوس ملك أسبرطة على يد باريس بن بريام ملك طروادة، وكان عولص Ulyssas أحد أبطال هذه الحرب قد عصى الآلهة؛ فحكمت عليه بالنفي خارج بلاده، والسياحة في البحار، وظلت زوجته بنيلوب الوفية تنتظره، وترفض المتقدمين بطلب يدها، وتمنيهم بتلبية غرضهم حين تنتهي من غزلها، فكانت تنكث ليلًا ما تغزله نهارًا حتى لا ينتهي الغزل وتضطرَّ إلى قبول أحدهم زوجًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠