في مجاهل أفريقيا

في جولتي الأفريقية التي قمت بها في صيف سنة ١٩٣٣ قطعت ما يزيد على عشرة آلاف ميل وخمسمائة بين بحر وبر، وكنت أرمي إلى زيارة البلاد الساحلية من أفريقيا، وفي مدينة الرأس أبرح الباخرة وأقوم برًّا مخترقًا القارة كلها من الجنوب إلى الشمال بما في ذلك وادي النيل كله، فعرجنا على بور سودان، ثم عدن في أربعة أيام كاملة، وفي ستة أيام أخرى وصلنا ممباسا التي تحفها هالة من صخور المرجان أكسبتها اسم ملكة الجزائر، نزلنا أرضها التي بدت غابة كثيفة مغلقة اجتث الناس منها بقاعًا أقاموا فيها أخصاصهم الساذجة، وأكبر شوارعها طريق كلنديني، وقد شُقَّ وسط الغابات تمامًا فكنت أسير فيه وثمار المانجو تكاد تفرش جوانبه، والناس يأكلون منها ما يشاءون، أذكر أنني قبل أن تغادر الباخرة المكان شريت من بائع المانجو ما يزيد على الثلاثين بسعر مليم ونصف للواحدة، ووضعتها في غرفتي وأخذت آكل منها بشهية؛ لأن نوعها لذيذ جدًّا وحجمها كبير، وفي اليوم التالي قمت من النوم مسرعًا لأتناول منها شيئًا، ولشد ما كان أسفي عندما ألفيتها كلها تالفة منتنة من أثر الحرارة، فألقيت بها جميعًا إلى المحيط.

أما أهل البلاد فمن السود الذين مازجهم الدم العربي، ويكادون يفهمون العربية المحرفة، أما لغتهم السائدة فيسمونها السواحلية، وهي خليط من العربية والزنجية، وهي اللغة الرسمية لبلاد شرق أفريقيا كلها، وتكاد تسود إلى فكتوريا نيانزا في داخل القارة وإلى آخِر تانجانيقا جنوبًا، مما يؤيد ما كان للعرب من نفوذ يوم كانوا يملكون تلك الأصقاع وكانت تجارتهم منتشرة هناك، ومن الكلمات التي تسمعها في كل مكان «أصبر، ماج، بريدي، كرتاس، سفار، مبارك … إلخ.» ولما أن أبطل الرق في تلك الجهات لم يجد الملاك من العرب مَن يخدم أرضهم، فافتقروا وتدهوروا، وكذلك الزنوج فقدوا سادتهم فخملوا أيضًا فانحطَّ السيد والمسود، وقد حل الهنود محل العرب في التجارة؛ إذ كنتُ أرى بيدهم كل شيء، وممباسا أكبر منفذ لتجارة أوغندا.

قمنا نمخر عباب المحيط الهندي وإلى يميننا شريط من جزائر مرجانية، وفي خمس ساعات وصلنا ثغر تانجا ونزلنا نجوب غاباتها المغلقة، وكم أكلنا من ثمارها الغريبة، وكانت القردة تعاكسنا طوال الطريق، وفي الجهات التي قطعها الناس وزرعوا مكانها الذرة كانت القردة تهاجم حقولها وتسلب أكواز الذرة، وقد فطن أحد الأهالي إلى حيلة بها ابتعد القردة عن المكان: أتى بقرد وحلق شعره كله، ثم طلاه بدهان أزرق وتركه يعود إلى عشيرته، ومن العجيب أن القردة لما رأته لم تُقدِم على حقول الذرة مرة أخرى.

قمنا إلى زنجبار فوصلناها في أربع ساعات، وأول ما استرعى أنظارنا دار الحكومة ويسمونها «بيت العجائب»، وكان يقوم عليه علم البلاد الأحمر، وأظرف ما في البلدة طرقها المختنقة الملتوية، رصفت أرضها بالحجارة النظيفة وأقيمت في مفارقها الساعات الكبيرة، وعجبت لما ألفيتها تسير على الزمن العربي، فعند الغروب تكون الساعة ١٢. وأنت لا تكاد تبعد قليلًا عن المساكن حتى توغل في حقول من أشجار القرنفل أكبر غلات البلاد، فهي تصدر منه ٨٨٪ من إنتاج العالم، وكان ثمره يبدو في عناقيد من براعم يعلوها زهر كالوبر، والفدان يغل خمسة أرطال، وتتقاضى الحكومة عليه ضريبة قدرها ٢٠٪ من ثمنه، وفي أسواق البلدة كانت تُعرَض الكبرا وهي من هشيم لباب جوز الهند وفاكهة الخبز، في شكل يحكي الكلية وعليها عقد كثيرة ويُتَّخَذ منها دقيق للخبز، وقيل: إن ست شجرات منها تكفي عائلة كاملة طوال العام. ثم الماهوجا أو الكساڨا وتبدو كقطع البطاطا اليابسة إذا سُحِقت أعطت دقيقًا صالحًا للخبز، وهي من أهم مواد الغذاء يزرعونها بكثرة.

في خمس ساعات وصلنا دار السلام عاصمة تانجانيقا، فلاقاني البوليس الأسود في هندام جميل إلا أن الطربوش بالغ الطول، وله زر غليظ طويل يتدلى أمام الرأس في شكل مضحك، ويلف على الساقين شريط أصفر، أما الأقدام فعارية وهم جميعًا يسيرون حفاة. ولكثرة الهنود هناك يُخيَّل إلى الإنسان أنه يسير في بلد من بلادهم وبيدهم جل الأملاك والأراضي والمتاجر، ويرى البيض فيهم أخطر مزاحِم لهم؛ لذلك يفكرون في الخلاص منهم ويحاولون مساعدتهم على العودة إلى بلادهم، وكم كانت دهشتي كبيرة لنشاطهم الذي لا يحد رغم أني رأيتهم وهم في بلادهم «الهند» خاملين منصرفين عن العمل يكاد يقتلهم الفقر، لكن يظهر أن مجال العمل في الخارج كان أفسح أمامهم منه في بلادهم؛ لذلك قبرت مواهبهم في الهند وظهرت خارجها، وذلك يؤيد ما للنزوح عن الأوطان من أثر في الاعتماد على النفس وحفز الكفاءات.

figure
أجناد البوليس في شرق أفريقيا ويسمون «أسكري».

دخلنا المياه البرتغالية «شرق أفريقيا البرتغالية» بعد يوم، ومررت بثغر بورت أميليا، وفي يوم آخَر رسونا على موزمبيق فهاجمنا الباعة بأقفاصهم الصغيرة ملئت بالطيور الجميلة والببغاوات والقردة، يعرضونها للبيع بقيم زهيدة جدًّا — فدستة الطيور بأربعة قروش، والقرد بخمسة، وكذلك الطاووس أو الببغاء — والبلدة على جزيرة صغيرة تشرف عليها القلعة التي يفاخر البرتغاليون بأن علمهم ظل مرفوعًا عليها منذ فتحوها سنة ١٥٠٨، أما مساكنها فكأنها السجون الوطيئة بأبوابها الحديدية الثقيلة وطلائها الأبيض، ويلفت النظر السيدات بوجوههن القبيحة، وقد زدنها قبحًا بأنهن يلطخن كل الوجه ما عدا الأنف بعجين أبيض ثقيل، ويرتدين ملاءات من أسفل الثديين إلى القدمين، أما أعلى الجسد فيُترَك عاريًا.

figure
البانتو يأكلون «الميليبابا» من مدشوش الذرة ونثير اللحم.

قمنا إلى بيرا فوصلناها بعد يوم، وعندما قاربناها تعكَّرَ ماء المحيط، فحاكى ماء النيل إبَّان الفيضان؛ وذلك من أثر نهر الزمبيزي رغم أن البلدة تبعد عن مصبه بنحو مائة ميل.

وبيوت البلدة منثورة في غير نظام، والناس ظهروا أكثر همجية وكثرت المستنقعات؛ لذلك كان البعوض منتشرًا، وخطر الملاريا هناك كبير لذلك يكسون البيوت بشباك السلك الدقيق، وكثيرًا ما كنا نرى الناس يتناولون طعامهم على قارعة الطريق، وأحبه لديهم «الميليبابا» وهو من مدشوش الذرة والأرز المسلوق ونثير السمك النيِّئ، والبلدة تُعَدُّ ذات حركة تجارية عظمى؛ لأنها منفذ متاجر رودسيا وما فيها من ذهب كثير، ثم مررنا بسوفالا ويعدونها الفاصل بين الأثر العربي شمالًا والأوروبي جنوبًا، وبعدها رسونا على لورنزر ماركوز عاصمة شرق أفريقيا البرتغالية، فأدهشني ما رأيته من تنسيق ونظافة وفخامة في البناء وعناية بالمتنزهات وكرنيش البحر، وهنا اختفى أثر الإسلام تمامًا؛ إذ كنَّا نرى المساجد من قبلُ في كل مكان، أما هنا فالسود يحملون أناجيلهم ويعلِّقون صلبانهم على صدورهم، ويؤمون الكنائس بكثرة هائلة، وفي يوم كامل دخلنا بلاد الناتال ورست الباخرة على ثغر دربان، فبدت مدينة أوروبية فاخرة على أن الأجناس كانت متعددة؛ الهنود والملايو والزولو الذي يزعجك منظره وهو يلبس إطارًا من ريش هائل، وعلى رأسه قرون كبيرة، ويتقدَّم إليك «بالركشا» لتركبها ويجرها ويجري بها كالبرق، وكأنه دابة تجر عربة صغيرة، ولعل أعجب السحن: البشمن الذين كانوا يشتغلون في الميناء، وكان العرب يسمونهم شعوب «واق الواق»، قصار القامات ووجوههم مثلثة وحواجبهم بارزة، وسيقانهم نحيلة كالعصي وآذانهم لا شحمة لها، ولغتهم مؤلَّفة من ٦٣ كلمة فقط، وتتعدد معانيها بتعدد التهتهة والحركات، فهي أقرب اللغات إلى لغة الحيوان. وسادة البلاد هم الهولنديون والإنجليز، وقد اختلطوا اليوم وأُطلِق على سلائلهم اسم «أفريكاندر»، وفيهم ترى أثر الهولندي أغلب، وهم اليوم أقرب إلى الهمجية. وللبلاد لغتان رسميتان: الإنجليزية والتالية Taal وهي لهجة هولندية، ويطلق على الناس اليوم اسم البوير، وأعجب ما هناك ما تراه من سوء معاملة البيض للسود الذين يمثِّلون أغلبية البلاد، فلهم مطاعمهم ومدارسهم الخاصة، ولا يباح لهم دخول الوظائف، وقد خصوا بأعمال الخدم، ورغم ذلك فإن الحكومة تتقاضى جنيهًا على الرجل ونصف جنيه على الزوجة ضريبةَ كل عام، والبيض لا يخاطبونهم إلا بنغمة الآمِر وبلفظ «كافر» المزري المهين.
figure
سائق الركشا من الزولو في ناتال.
أعددت عدتي للنزول في البلدة، وإذا بالبوليس يتقدم إليَّ ويفاجئني بأمر منعي من النزول، وأصر أن أظل فوق الباخرة حتى تطوف بي رأس الرجاء الصالح وتعود من الأطلنطيق إلى لندن، قلت: ولكن أَلَا يصح أن أعرف السبب؟ قالوا: تلك هي الأوامر عندنا. قلت: ولكني لا أريد الذهاب إلى لندن، فلأنزل هنا مؤقتًا حتى تعود الباخرة فأعود من حيث أتيت. قالوا: لا يكون ذلك. فقلت: ولكني لن أفعل ذلك، وإني مُصِرٌّ على رأيي. وبعد مشادة دامت يومين كان البوليس يقف على غرفتي ليمنعني من النزول، قالوا: يمكن أن ننزل في المعسكر حتى تجيء الباخرة الأخرى، وبعد أن أخذت المواثيق بأني سأُعامَل كطليق لا كسجين، نزلت وإذا بي أُزَجُّ في سجن قذر، ونمت على «الأسفلت» ثلاث ليالٍ، وكنت أدفع عن كل يوم جنيهًا كاملًا، وقد علمت أن سبب تلك المعاملة السيئة هي لأني مصري، والمصريون معتبرون من الملوَّنين Coloured وهؤلاء لا يسوون في المعاملة بالأوربيين، وتلك لا شك إهانة لا يصح السكوت عليها، إلى ذلك فإن الضابط الذي تولَّى أمري هناك ناقم على مصر شخصيًّا؛ لأنه كان هنا إبَّان حركة سنة ١٩١٩، وقد أضحى اسمه «هلاول» أبغض الأسماء لديَّ.

ولقد كتبت كثيرًا من الاحتجاجات عند عودتي لمصر لرؤساء حكومتهم ولكبريات جرائدهم، وقد ردوا يعتذرون عما حدث ويقولون بأن تلك مسألة تحتمها قوانينهم.

ركبت باخرة ألمانية وحاولت النزول في عدة ثغور، ولكن كلما علم رجال البوليس بأني مُنِعت من دخول جنوب أفريقيا رفضوا دخولي عندهم، وخشيت أن تضيع الرحلة سدى، لكن لما أن رسونا في ممباسا أقنعت رئيس البوليس بأن المنع بُنِي على أسباب شكلية، وكان الرجل حر الفكر فقال: أأنت مستعد أن تدفع تأمينًا لنا؟ قلت: نعم. قال: هات خمسين جنيهًا. فدفعتها في الحال ونزلت البلاد وركبت القطار إلى كنيا قلب أفريقيا، ولم يصادفني هذا اليوم إلا قطار بضاعة فركبته، وسار بنا وسط جنة ساحرة من الغابات الكثيفة المغلقة مسافة ١٥ ميلًا، ثم أخذنا بعدها نعلو فوق هضبة البحيرات، وكنا كلما علونا ندر النبت، ولما أن وصلنا سطح الهضبة تغيَّرَ المنظر وأصبحنا نسير وسط أرض شبه مجدبة لا يكسوها إلا الكلأ اليابس، ولا يكاد يسكنها من الناس أحد، أما الجو فكان باردًا رغم أنَّا كنَّا قريبين من خط الاستواء؛ وذلك لأن الارتفاع هناك زاد على خمسة آلاف قدم.

وقد مررنا على قمة كلمانجاور أعلى ذرى أفريقيا «١٩٧١٠ قدم»، وكانت تُرَى على بُعْدٍ إلى يسارنا تكسوها الغابات ويتوجها الجليد، هنا راعتنا جموع الحيوان البري على اختلاف أنواعه في كثرة غير عادية من زراف ونعام وحمار وحش وهارتبيست وويلد بيست، كلها تمرح في مأمن من غوائل الصيادين، وحتى السبع والشيتا والفهد؛ ذلك لأن الحكومة خصَّصَتْ تلك المساحات الشاسعة لحماية الحيوان، وجعلتها لها حرمًا وكأن الحيوان قد علم ذلك. وكان شريط سكة الحديد هو الحد الفاصل بين الصيد المباح إلى اليمين والمحرم إلى اليسار، فكان الحيوان إذا ما قاربناه يسرع من اليمين ويخطي القضبان، ثم يقف إلى يسارنا وينظر إلينا في اطمئنان، وقد داهَمَ قطارنا مرةً زرافة وهي تخطي أمامه فهشمها وتعطَّلَ قليلًا. بعد ١٨ ساعة وصلنا نيروبي عاصمة كينا، وتقوم وسط وهدة علوها ٥٤٩٠، ومن حولها المرتفعات، وقد كان البرد في الليل قارسًا حتى إني رجوت صاحب النزل أن يزودني ببطانية إضافية، أما في النهار فالجو لطيف إلا إذا ظهرت الشمس حين يكون شعاعها قويًّا كالسهم المنصب على الرءوس. هنا كانت تُكسَى جل المرتفعات بمنابت البن بشجره القصير، يستظل بأشجار يسمونها Wattle يتخذون من قشورها أصباغًا مختلفة، والناس هناك من قبيلتين: الكيكويو والمساي يلبسون إزارًا من جلد لا يكاد يستر شيئًا من الجسد، ويزينون الأذرع والسيقان بأطواق من نحاس، وتتدلى من آذانهم حلقات معدنية تفوق في الأذن الواحدة العشرين في وزن كبير، ولذلك تجد خروق الأذن واسعة وشحمتها مشدودة إلى أسفل بشكل يشعر بأنهم يتألمون لذلك كثيرًا، ولكي يخفِّفوا من عبء تلك الأثقال يربطون الأذنين بشريط يمر من فوق الرأس.
figure
الهوتنتوت.
figure
والبشمن.

والعجيب أن الرجال يفعلون ذلك أيضًا، والنساء يحلقن رءوسهن بالموسى، ويحملون جعبًا بها غذاؤهم، وكانوا يقدِّمون إليَّ منه وجله من التابيوكا كالبطاطا الكبيرة، يأكلونها نيئة وأخصاصهم منثورة وسط الغابات، وكانوا ينفرون من الفوتوغرافية خوفًا من أثر السحر، وكلما أعوزهم الزرع لجئوا إلى مساحة من الغابات، فأتلفوها وأحرقوها لكي يزرعوا التبيوكا مكانها. والمساي يعدون أنفسهم سادة أفريقيا كلها، وهم نذير الفزع للغير، فنظامهم العسكري دقيق وشبانهم يُمنَعون من الزواج حتى يمضوا مدة العسكرية، ولا يعدون شجعانًا إلا إذا خضبوا حرابهم بدماء الغير مرارًا، وهم رعاة متنقلون، وقد كان دليلي في نيروبي من المساي، وقد صادَفَ مرة وهو يمشي معي جمجمة، فعرف أنها لمساي مثله لنقص السِّنَّيْنِ الأماميتين فيها، فرفعها باحترام وعمد إلى العشب وبصق عليه وحَشَا تجويفها، وقد دهشت لما أن لاقاه صديق بدره بالبصق في وجهه، وتلك تحيتهم بعضهم لبعض. ولمقاومة الحكومة لنظامهم نزعوا إلى الخمول، وهم يترفعون عن المصاهرة مع الكيكويو رغم تشجيع الحكومة لذلك، ولهم شهرة في صيد السباع، ولا يُحترَم الشاب إلا إذا صارَعَ ثورًا، والعادة أنهم يجيعون الثور، ثم يسقونه الخمر فينازله الغلام ويلقيه أرضًا ويسلخه حيًّا، ثم يمزِّق جلده شرائح يلبسها الشاب تفاخرًا، وهم يقدسون البقر ولا يذبحونه، ويأكلون اللبن ممزوجًا بالدم، ولهم طريقة مدهشة في الحصول على الدم طازجًا دون أن يموت الحيوان، فيعمدون إلى وريد يضربونه بسهم فينفجر الدم ويستمدون منه القدر اللازم، ثم يضمد الجرح.

قمنا إلى الأخدود الأعظم Rift-Valley فأخذ القطار يعلو وسط منحدرات البن، وقد ارتفعنا ٢٠٠٠ قدم في ٣٥ ميلًا؛ لذلك كانت القاطرة ذات محركين، وكانت السكة ملتوية ليات متعاقبة.
ومررنا بمحطة كيكويو «على اسم القبائل السابقة»، ثم محطة Upland على علو ٨٠٠٠ قدم، وهي أعلى بقاع الخط، ثم بدأنا النزول عاجلًا، وهنا باغتنا منظر الأخدود الذي أذهلنا جميعًا لروعته، وكان قاطنوه جميعًا من همج الحيوان والإنسان، وكنا نرى مخاريط البراكين تمتد إلى الآفاق ومن دونها سلاسل من بحيرات لا نهائية.
figure
ينزل بنا القطار إلى قرار الأخدود الأعظم.

استرحنا يومًا كاملًا على شواطئ بحيرة ناكورو «٦٠٠٠ قدم» في قرار الأخدود، وفي الصباح أخذنا نعلو جانب الأخدود الأيسر، فكان أقل روعة وأندر سكانًا، وقد عبر القطار ٢٧ قنطرة، وهنا عبر القطار خط الاستواء ثلاث مرات في أقل من نصف ساعة لكثرة لياته، ثم هبطنا ٣٧٠٠ قدم إلى سهول فيكتوريا نيانزا التي كان بريق مائها يخطف الأبصار على بُعْد.

figure
على حافة شلال ريبون منبع النيل.

انتهى بنا القطار إلى مدينة كيسومو الصغيرة، وهي مرسى هام من مراسي البحيرة، أمضينا بها يومًا وسط قبائل «الكافرندو» الذين يلبسون جلاليب القطن البيضاء لكثرة زراعته حولهم، وفي الغداة قامت بنا الباخرة تشق مياه فكتوريا نيانزا وتمر بجزائرها العديدة، هنا وأنا أمتع النظر بجمال مناظرها وبخاصة مغرب الشمس بألوانه الساحرة، تحقَّق حلم طالما مرَّ بالخاطر فخلته خيالًا، وهو أن أرى تلك البحيرة التي منها نستمد حياتنا. وصلنا مرسى بورت بل ثغر كامپالا التي وصلناها بقطار صغير سار بنا وسط أعشاب البردي والبشنين والغاب، والبلدة تقوم على سبعة تلال، تفصل ما بينها وديان تسدها الغابات الكثيفة، ومن التلال التي استرعت نظري تل كاسوبي، وبه مدافن ملوك أوغندا الأقدمين: موتيزا وابنه موانجا والد الملك الحالي، زرتها في مقاصيرها المخروطية من الغاب في جدل جميل، وكانت تعلق الأسلحة وجلود السباع فوقها، وكان موتيزا طاغية جبَّارًا له ٧٥٠ زوجة و١٥٠ ولدًا، ويوم وفاته قُدِّم على قبره خمسمائة من الضحايا الآدمية، وأمام المقابر تقوم طبول عالية يدقها رئيس الجلادين إرهابًا، وكان من قبلُ يدقها عند تقديم الذبائح البشرية ويسمونه «موجا جازو» أي الطبل الأعظم، ثم تل منجو مقر الحكومة وقصر الملك حوله سور من الغاب، وقد رأيت عند مدخله نارًا قيل إنها لا تخمد أبدًا إلا يوم يموت الملك، وكانت تذكيها الذبائح الآدمية منذ خمسين عامًا، وإلى جوارها طبول تدق في صوت مزعج إعلانًا بوجود الملك داخل القصر، هناك في جانب من القصر مكان الساحرة «مووا موزا»، وهي عجوز يعتقد الجميع في سحرها، وهي التي تأمر بالقتل وشن الحروب، ولخطرها استرضتها الحكومة وأحلتها قصرًا وتكفَّلَتْ لها بالرواتب الضخمة اتقاءً لشرها.

figure
على شواطئ بحيرة فكتوريا نيانزا.
قمت بالسيارة إلى عنتبة العاصمة السياسية وكامپالا العاصمة التجارية، فكانت المناظر مؤيدة ما قيل عن أوغندة من أنها لؤلؤة أفريقية: ربى محدبة بينها وديان تسدها الخضرة وتفاجئك المياه على غير انتظار، وعنتبة بلد حديث منسق أيما تنسيق، وزرنا بها أكبر حدائق النبات في الدنيا، وفي ساعتين عدنا إلى كامپالا فكانت إقامتي بها أشبه شيء بحلم؛ لأني كنت أعيش وسط الغابات بطيورها الجميلة وحيوانها المتسلق، وحدث مرة أني حدت عن الطرق المرصوفة ودخلت غابة اختصارًا للطريق، وما أشعر إلا وأنا في تيه من الشجر المغلق لا أول له ولا آخِر، وكان ذلك عند العصر، فحاولت الرجوع فلم أهتدِ، ولبثت ضالًّا وسط الغابة حتى الصباح، وأنا كلما سمعت حفيفًا أو حركة جلست في مكاني، وكنت إخال وحوش الغابة وأفاعيها لا شك ستلتهمني لكن الله سلَّمَ، وحدث أن كنتُ قريبًا من طريق مرَّتْ به سيارة وما كدت أسمع نفيرها حتى أخذت أعدو إلى مصدر الصوت، وبعد نحو مائتي متر كنت وسط طريق مرصوف يتلوى وسط تلك الغابات، فسلكته عائدًا إلى النزل. والليل في تلك البلاد موحش جدًّا، فبمجرد غروب الشمس يشتد الظلام — شأن البلاد القريبة من خط الاستواء التي لا يطول فيها الشفق — وكنت أخرج لأمشي قليلًا بعد العشاء فأشعر بالوحشة وحدي، وأذكر أول ليلة وأنا أسير وسط ذاك الظلام الحالك أنني كنتُ أرى على كومة من تراب بصيصَ نورٍ يومض وينطفئ، فاقتربت منه وما إن طأطأت الرأس إليه حتى هبت منه عاصفة من ذباب صغير أزعجني، وعلمت بعدُ أنه نوع من اليراع fire fly يضيء ويخبو طوال الليل، وهو بكثرة عجيبة.
figure
النيل بعد خروجه من بحيرة فكتوريا.

رغبت في أن أحقِّق حلمًا آخَر هو أن أرى جبال القمر «الرونزوري»، فقمت بالسيارة ست ساعات ووصلت بلدة فورت بورتال، وبت ليلتي في كوخ خشبي؛ إذ ليس بالبلدة مكان للراحة، وفي باكورة الصباح حاولت تسلُّق ذلك الجبل فأعجزني من نواحٍ عدة: صخوره وعرة جدًّا، والغابات تسده سدًّا، والسحاب يكاد يغطيه، والمطر منهمر في كثرة لا تطاق فعدتُ أدراجي، وقد كلَّفَني ذلك وحده فوق عشرين جنيهًا.

قمت بالقطار إلى جنجا نشق الغابات ومزارع الموز والتبيوكا، وكان مجرى النيل يظهر وهو يتلوى ويتحدر وسط جنادل لا حصر لها، وعبرنا النهر أمام شلال ريبون تمامًا، وبعد أن حللت فندق Ibis الصغير الجميل أسرعت إلى الشلال منفذ نيلنا المبارك، وهناك جلسنا إلى جواره وسط رشاشه الذي كاد يغرقني وحافة الماء ناعمة ودويه يصم الآذان، وكان السمك يحاول أن يعود إلى البحيرة فيغالب الماء ويقفز قفزات في الهواء عالية، جلسة ساحرة ومنظر جدير بالتقدير لا تمحو أثره السنون.
figure
التمساح لوتمبي يلبي النداء.

وعند الأصيل كنا نرى التماسيح تمرح على الشواطئ، وكثيرًا ما تودي بحياة الناس، وفي ناحية بين كامبالا وجنجا مكان به تمساح مفترس اسمه «لوتمبي» زرته ووقف الحرَّاس ينادونه بأصوات منكرة «ياد يا لوتمبي يا نجوكو»، فسمع النداء وأقبل يشق الماء، ثم زحف على الشاطئ وأخذنا نلقنه السمك، ثم تركنا وعاد إلى موطنه، ويقولون إنه حارس البحيرة منذ مائتي سنة، وهو مقدَّس لديهم جميعًا، وكثيرًا ما يحج الناس إليه ويقدِّمون له الهدايا، والعجيب أنه لا يجيب إلا نداء هذين الرجلين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤