الفصل السادس

لؤلؤة الماندرين

مدَّ السيد برودريب قدميه على الحاجز الحجري أمام النار المشتعلة بأسلوب رجل لا يعرف طعمَ الراحة الجسدية بأيِّ شكل من الأشكال.

وقال: «أنت شخص مهذَّب بصورة استثنائية فعلًا يا ثورندايك.»

كان الرجل عجوزًا مرحًا، ذا أنفٍ ورديِّ اللون وجسدٍ بدين، وله كتلةٌ من الشعر الأبيض الكثيف ولُغدٌ عريض، وفخامة وترف في ثيابه أعطته هالةً من سمو الزمن الماضي. في واقع الأمر، عندما دسَّ أنفَه الأرجواني في كأس نبيذه، وحدَّق متأملًا في نهاية سيجاره المشتعل، كان يبدو نموذجًا للمحامين الميسوري الحال الذين ينتمون لجيل سابق.

قال السيد برودريب: «أنت شخص مهذب بصورة استثنائية فعلًا يا ثورندايك.»

أجابه ثورندايك: «أعرف، لكن لماذا هذه الإشارة إلى مثل هذه الحقيقة المسلَّم بها؟»

قال المحامي: «لقد تجلَّى ذلك أمامي للتوِّ، فها أنا ذا، في بيتك، دون دعوة مسبقة ومن دون موعد سابق، أجلسُ في كرسيك ذي الذراعين أمام نارك، وأدخن سيجارك، وأشربُ نبيذ البورجندي خاصتك — واسمح لي أن أضيف أنه رائع — ولكنك لم تسأل ولو بدافع الفضول عمَّا جاء بي إلى هنا.»

قال ثورندايك: «إنني كما ترى أتلقَّى عطايا الرب ولا أطرح الأسئلة.»

أكمل السيد برودريب كلامَه والتجاعيد في طرفَي عينيه تُشكِّل تعبيرًا عن شعوره بالودِّ: «هذا لطفٌ كبير منك يا ثورندايك خصوصًا من شخص غير اجتماعي مثلك. لكن الحقيقة هي أنني أتيتُ بشكلٍ ما بقصد العمل، وأنا كما تعلم دومًا ما أسرُّ بوجود ذريعة لكي أراك، لكنني أريد أن أعرف رأيَك في قضية غريبة حقًّا. إنها عن كالفيرلي الصغير. أتذكرُ هوراس كالفيرلي؟ حسنًا، إن من أتحدث عنه هو ابنه. كنتُ أنا وهوراس زميلَين بالمدرسة، وبعد وفاته رفض الصبيُّ فريد الابتعادَ عني. إننا جاران متقاربان في منطقة وايبريدج، وصديقان مقربان للغاية. وأنا أحب فريد. وهو شخص صالح، رغم أنه غريب الأطوار مثل أهله أجمعين.»

حين توقَّف المحامي عن الحديث، سأله ثورندايك: «ماذا حدث لفريد كالفيرلي؟»

قال السيد برودريب: «الحقيقة أنه بدأ يتصرف مؤخرًا بطريقة غريبة بعض الشيء؛ ليس بجنون — أو على الأقل هذا هو ما أعتقده — لكنه وبلا شك يتصرف بشكل غريب. والآن، هو لديه الكثيرُ من الأملاك، والكثير أيضًا من الأقارب ذوي المصلحة، وكنتيجةٍ طبيعية لأفعاله، هناك بعض الحديث عن إعلانه شخصًا مجنونًا بموجب القانون. إنهم قلقون من أن يأتيَ بشيء يضرُّ بالأملاك أو تُصبح لديه ميولٌ للقتل، كما أنهم يتحدثون عن احتمال انتحاره — أنت تذكر وفاة والده — لكن رأيي أن كلَّ هذا هراء. إن الفتى غريب الأطوار بعض الشيء فقط، وهذا كل ما في الأمر.»

سأله ثورندايك: «ما الأعراض التي تظهر عليه؟»

«أوه، إنه يعتقد أن هناك مَن يلاحقه ويراقبه، وتراوده أوهام؛ فيرى نفسه في المرآة بوجه مختلف، ومثل تلك الأشياء كما تعلم.»

علَّق ثورندايك قائلًا: «أنت لا تذكر الكثير من التفاصيل.»

نظر السيد برودريب إليَّ بابتسامة ودية.

«يا لَه من رجل نهمٍ لمعرفة الحقائق يا جيرفس. لكنك على حق يا ثورندايك؛ أنا لا أتحدث بوضوح. لكن فريد سيكون هنا بعد قليل، فنحن نسافر معًا، وقد انتهزتُ الفرصة وطلبتُ منه زيارتنا. سنجعله يُخبرك عما يراوده من أوهام، إذا كنت لا تمانع. إنه لا يشعر بالحرج تجاه ذلك. وفي غضون ذلك، سأذكر لك بعض الحقائق التمهيدية. بدأتْ تلك المشكلة قبل عام تقريبًا. لقد تعرَّض لحادث في السكة الحديدية أذاه بشدة، ثم بعد ذلك ذهب في رحلة بحرية للاستشفاء، وكُسِر عمود إدارة السفينة في عاصفة وتوقفت عن العمل. ولم يُحسِّن ذلك من حالة أعصابه. ثم ذهب بعد ذلك في رحلة في البحر المتوسط، وبعد شهر أو اثنين عاد ولم يظهر عليه تحسُّن. ولكن ها هو ذا، أعتقد أنه قد وصل.»

ثم ذهب باتجاه الباب وأدخل شابًّا طويلًا واهنَ البنية حيَّاه ثورندايك بودٍّ كبير، وأجلسه في كرسي بجوار النار. نظرتُ إلى زائرنا في فضول. كان يبدو مثل المصابين بمرض عصبي؛ فقد كان نحيفًا وضعيفًا ومضطربًا. كانت عيناه الزرقاوان الواسعتان ببُؤبؤَيهما الجاحظين، واللَّذين استطعت أن أرى فيهما وبوضوح علاماتِ «الكنع» — ذلك التغيير المستمر في الحجم والذي يُعدُّ علامة على عدم الاتزان العصبي — وكذلك شفتاه المتباعدتان، وأصابع يديه المستدقة الحائرة، علامات مميزة على الخلل النفسي الذي يُعاني منه. وقد كان يبدو من ذلك النوع من البشر الذي ينتمي إليه الأنبياء ومناصرو الأديان والشهداء والمصلحون والشعراء من الدرجة الثالثة.

قال السيد برودريب: «كنتُ أُخبر الدكتور ثورندايك عن مشكلاتك العصبية؛ آملُ أنك لا تمانع في ذلك. إنه صديق قديم، وهو مهتمٌّ بذلك كثيرًا.»

قال كالفيرلي: «هذا لطف بالغ منه.» ثم احمر وجهه خجلًا بصورة كبيرة وأضاف: «لكنها ليست أعراضًا عصبية في الواقع. لا يمكن لها أن تكون نابعةً فقط من ذاتي.»

قال ثورندايك: «أتعتقد أنها لا يمكن أن تكون كذلك؟»

قال: «لا، أنا واثق أنها ليست كذلك.» ثم احمرَّ وجهه خجلًا مرة أخرى وكأنه فتاة، ونظر إلى ثورندايك في حماسة بعينيه الحالمتين الواسعتين. واستطرد قائلًا: «لكنكم أيها الأطباء تُشكِّكون بشكل رهيب في كل الظواهر الروحانية. إنكم تتبعون المذهب المادي.»

قال السيد برودريب: «أجل، لا يتحمس الأطباء كثيرًا إلى الظواهر الخارقة للطبيعة، وهذه هي الحقيقة.»

قال ثورندايك بشكل مقنع: «فقط أخبرْنا عن تجاربك ثم أعطِنا فرصة لنصدِّق ما تقول، حتى إذا لم نستطع إيجاد تفسير له.»

فكَّر كالفيرلي بضع لحظات ثم قال وهو ينظر بجدية إلى ثورندايك:

«حسنًا؛ سأفعل إن لم يُضجركم ذلك. إنها قصة غريبة.»

قال السيد برودريب: «لقد أخبرتُ الدكتور ثورندايك عن رحلتك البحرية وسفرك في جولة في البحر المتوسط.»

قال كالفيرلي: «إذن، سأبدأ بالأحداث المرتبطة بالفعل بهذه الرؤى الغريبة. وقد حدثت أولاها في مارسيليا. كنتُ في أحد متاجر التحف هناك وكنت أنظر في قرميدات جزائرية ومغربية حين لفت انتباهي حليةٌ صغيرة أو دلاية تتدلَّى في صندوق زجاجي. لم تكن الحلية جميلةً بصورة خاصة، لكن مظهرها كان غريبًا ومثيرًا للفضول، وقد صرتُ ولِعًا بها. وكانت تلك الحلية تتكون من كتلة مستطيلة الشكل من خشب الأبنوس بها لؤلؤة على شكل كمثرى طولها أكثر من ثلاثة أرباع البوصة. وكانت جوانب كتلة الأبنوس الخشبية مطلية بالورنيش — لإخفاء مفصل فيها على الأرجح — وتحمل عددًا من الأحرف الصينية، وفي أعلاها يوجد تمثال ذهبي صغير مثقوب لتُعلَّق منه على الأرجح. باستثناء اللؤلؤة فقد كانت وبصورة غير مألوفة تُشبه أحد تلك الألواح التزيينية المكتوب عليها بالحبر الصيني.

كان هواي قد أخذني إلى تلك الحلية، وكان بإمكاني أن أُشبعَ رغباتي إذا كان المقابل معقولًا. أراد الرجل خمسة جنيهات ثمنًا لها؛ إذ أكَّد لي أن اللؤلؤة حقيقية وذات جودة عالية، ومن الواضح أنه هو نفسه لم يكن يصدق ذلك. ولكن وبالنسبة لي، بدت اللؤلؤة وكأنها حقيقية وقررتُ أن أجازف؛ لذا دفعت له المال، وبينما كنت أغادر انحنى الرجل يُحيِّيني مبتسمًا — ويمكنني القول إنها كانت ابتسامةً عريضة — بفعل شعوره بالرضا. ولكنه لم يكن سيُسرُّ كثيرًا إذا ما تبعني إلى متجر الصائغ الذي أخذتُ اللؤلؤة إليه طلبًا لرأيه الخبير؛ ذلك أن الصائغ صرَّح بأن اللؤلؤة أصلية وحقيقية بلا أدنى شك وأن ثمنها قد يصل إلى ألف جنيه.

وبعد يوم أو اثنين، تصادف أنني كنتُ أعرض ما اشتريتُ على بعض الرجال الذين أعرفهم، والذين وصلوا إلى مارسيليا في اليخت الخاص بهم. كانوا مسرورين كثيرًا لأنني اشتريت تلك الحلية، وحين أخبرتُهم بالثمن الذي دفعتُه فيها، صاحوا بي وراحوا يسخرون مني.

قال أحدهم وهو يُدعَى هاليويل: «لماذا أيها المغفل؟ كنت سأشتريها قبل عشرة أيام بنصف جنيه، أو ربما خمسة شلنات. أتمنى الآن لو أنني اشتريتها؛ وحينها كنت سأبيعك إياها.»

يبدو أن أحد البحارة كان يتجول بالحلية في الميناء، وصعد بها على متن اليخت.

قال هاليويل وهو يبتسم عندما تذكَّر: «كان هذا المحتال يتوق إلى التخلص منها أيضًا. وقد أقسم أنها لؤلؤة حقيقية وقيمتها لا تقدر بثمن، وكان على استعداد لأن يحرم نفسه منها مقابل الحصول على أي مبلغ. لكننا سمعنا بهذا الشيء من قبل، إلا أن البائع في متجر التحف يبدو وكأنه توقع احتمال لقاء شخص قليل الخبرة ويبدو أنه قد حصد ثمرة لقائه. يا لَه من رجل محظوظ!»

استمعتُ لاستهزائهم وسخريتهم بكل صبر، وحين انتهوا، أخبرتهم بأمر الصائغ. حينها انزعجوا بشدة؛ وحين أخذنا الحلية إلى تاجر للجواهر تصادف أنه كان ينزل بالمدينة وعرَض عليَّ خمسمائة جنيه ثمنًا لها، تغيرت لهجتُهم ولم تُصبح ملائمة لأعضاء نادي الجدال من طلبة اللاهوت. كان من الطبيعي أن تشيع القصة وتنتشر، وحين غادرتُ، كانت هي حديث المكان. وكان الرأي العام يقول بأن البحار — الذي عُرف أنه كان يعمل بسفينة تنقل الشاي كانت قد رست في الميناء — كان قد سرق الحلية من راكب صيني؛ وقد أتى ليس أقل من سبعة عشر رجلًا صينيًّا يطالبون باسترجاع الحلية باعتبار أنها مسروقة منهم.

بعد ذلك بفترة قصيرة، عدتُ إلى إنجلترا، وحيث إن أعصابي كانت لا تزال مهزوزة بشدة، فقد ذهبتُ لأعيش مع ابن عمي ألفريد، الذي يمتلك منزلًا كبيرًا في وايبريدج. في ذلك الوقت، كان هناك صديقٌ يمكث معه في المنزل، وهو الكابتن راجيرتون، وبدا أن الرجلين تجمعهما صداقةٌ حميمة جدًّا. أستطيع القول إنني لم يَرُق لي راجيرتون على الإطلاق. كان الرجل وسيمًا وذا أخلاق حسنة، ومقبولًا إلى حدٍّ كبير. ولكن الحقيقة هي — وهو أمر يجب أن يُحاط بسريَّة تامة — أنه كان فاسدًا. لقد كان في الحرس الملكي، ولا أعرف لماذا تركه؛ لكنني أعرف أنه كان يُدمن لعب البريدج والبكاراه في عدة أندية، وأنه يُعرف عنه أنه لاعب محظوظ على نحوٍ يبعث على عدم الارتياح. وكان يُبلي بلاءً حسنًا في مراهنات سباقات الخيل أيضًا، وكان بوجه عام وبصورة واضحة رجلًا غيرَ مرغوب به، حتى إنني لم أفهم قطُّ سرَّ الصداقة الحميمة التي تجمعه بابن عمي، رغم أنه يتحتم عليَّ أن أقول إن عادات ألفريد قد تغيرت إلى الأسوأ بعض الشيء منذ أن غادرت إنجلترا.

ويبدو أن شهرةَ ما اشتريتُ سبقتني؛ ذلك أنني ذات يوم وحين أحضرتُ الحلية لأريَهما إياها، وجدتُ أنهما يعرفان كلَّ شيء عنها. كان راجيرتون قد سمع القصة من رجل يعمل في البحرية، وفهمتُ أنا بصورة غير مؤكدة أنه سمع شيئًا لم أسمعه أنا، وأنه لم يبالِ بأن يُخبرَني به؛ ذلك أنه هو وابن عمي حين كانَا يتحدثان عن اللؤلؤة — وهو أمر كانَا يفعلانه كثيرًا — كانت هناك نظراتٌ ذات مغزًى معيَّن تنتقل فيما بينهما، وكانت في حديثهما إشاراتٌ مبهمة لم يكن من الصعب ملاحظتها.

وذات يوم تصادف أنني كنتُ أُخبرهما عن حادثة غريبة وقعتْ لي وأنا في طريقي إلى الوطن. كنتُ أسافر إلى إنجلترا على متن إحدى سفن هولت الصينية الكبيرة؛ لأنني لم أكن أحبُّ زحام وصخب سفن الركاب العادية. وذات عصر أحد الأيام، حين كنا نسير في البحر لبضعة أيام، أخذتُ كتابًا إلى مضجعي حيث كنتُ أنوي أن أقضيَ بعض الوقت في القراءة الهادئة حتى يحين وقتُ تناول الشاي. ولكنني سرعان ما غفوت، ولا بد أنني ظللت نائمًا مدة تزيد عن ساعة. واستيقظتُ فجأة وبينما كنت أفتح عينيَّ، وجدتُ أن باب الكابينة نصفُ مفتوح، وأن رجلًا صينيًّا حسن الملبس — كان يرتدي ملابس على الطراز الصيني — كان ينظر بداخل الكابينة إليَّ. وقد أغلق الرجل الباب في الحال، وظللت أنا دون حَراك لبضع لحظات بفعل مفاجئته لي. ثم قفزتُ عن سريري وفتحت الباب ونظرت بالخارج. لكن الممر كان فارغًا، وكان الرجل الصيني قد اختفى وكأنما بفعل سحر.

تلك الحادثة الصغيرة جعلتني عصبيًّا بشدة ليوم أو اثنين، وكان ذلك غاية في الحماقة من جانبي؛ لكن أعصابي كانت متوترة للغاية، وأخشى أنها لا تزال كذلك.»

قال ثورندايك: «أجل، ليس هناك شيءٌ غامض بشأن هذا. تلك السفن تحمل طاقمًا صينيًّا، وعلى الأرجح أن الرجل الذي رأيتَه كان هو السيرانج، أو أيًّا ما يُطلقون على قائد الطاقم على تلك السفن. أو ربما كان راكبًا صينيًّا شردَ إلى الجزء الخاطئ من السفينة.»

قال عميلنا مقرًّا بصحة ذلك: «بالضبط، لكن دعونا نَعُدْ إلى راجيرتون. كان يستمع بانتباه بالغ بينما كنتُ أقص تلك القصة، وحين انتهيت نظر إلى ابن عمي نظرة غريبة للغاية.

وقال لي: «يا لَه من أمر غريب حقًّا يا كالفيرلي. ربما كان الأمر بالطبع مجرد صدفة، لكن يبدو الأمر حقًّا وكأنَّ هناك شيئًا في تلك …»

قال ابن عمي: «اصمت يا راجيرتون. لا نريد أن نسمع أيًّا من هذا الهراء.»

سألته: «عن ماذا يتحدث؟»

«أوه، إنها مجرد حكاية سخيفة وبغيضة سمعها من مكان ما. لا تُخبره بها يا راجيرتون.»

قلتُ عابسًا بعض الشيء: «لا أرى سببًا يمنع من أن أعرف القصة. أنا لستُ بطفل.»

قال ألفريد: «لا، لكنك معتلٌّ ولا تريد أن تسمع عن أشياء مرعبة.»

في واقع الأمر، رفض أن يتعمق في الأمر أكثر من ذلك، وتُرِكت أنا ليأكلني الفضول.

لكن في اليوم التالي كنت بمفردي مع راجيرتون في غرفة التدخين وتحدثت معه حديثًا قصيرًا. كان قد راهن لتوِّه بمائة جنيه في لعبة البريدج ولكن رهانه لم يُؤتَ بثماره، وتوقعتُ منه أن يكون طيِّعًا لي. ولم يَخِبْ ظني؛ ذلك أنني وحين تناقشنا بشأن قرض صغير وجدتُ أنه في طوع أمري وكان مستعدًّا لأن يُخبرني بكل شيء إذا ما وعدتُه ألَّا أشيَ به إلى ألفريد.

قال: «أنت تعرف أن هذا الهراء بشأن اللؤلؤة ليس سوى حكاية سخيفة تافهة تجوب أنحاء مارسيليا. وأنا لا أعرف مصدرها، أو أيَّ مختلٍّ بغيض اخترعها؛ لكنني سمعتُها من أحد العاملين في أسطول البحر المتوسط، ويمكنك أن تحصل على نسخة من خطابه إذا أردت.»

قلت بأنني أريد ذلك. ومن ثَم فقد أعطاني في مساء اليوم نفسه نسخةً من القصة المستخلصة من خطاب صديقه وكان محتواها كالآتي:

قبل نحو أربعة أشهر مضت كانت هناك سفينةٌ إنجليزية كبيرة تقبع في ميناء كانتون. واسمها ليس مذكورًا ولكن ذلك غير ذي صلة بالقصة. كان قد تم تخزين حمولتها وتعيين طاقمها، وكانت تنتظر فقط استكمال بعض الإجراءات الشكلية الرسمية قبل أن تخرج إلى البحر في رحلة عودتها إلى الديار. وكان أمامها في الرصيف نفسه سفينة دانماركية قد وقع لها حادث تصادم في البحر، وكانت في ذلك الحين طريحةَ الميناء في انتظار قرار المحكمة البحرية. وقد تم تفريغ حمولتها وتسريح طاقمها عدا رجلٍ واحد كبير في السن والذي ظل على متنها كحارس لها. وكان جزءٌ كبير من حمولة السفينة الإنجليزية مملوكًا لماندرين صيني ثري، وكان ذلك الرجل على متن السفينة لوقت كبير فيما كانت حمولتها تُحمل فيها.

وذات يوم وحين كان الماندرين على متن السفينة الإنجليزية، تصادف أن ثلاثة من البحارة كانوا يجلسون في مطبخ السفينة يدخنون ويتحدثون مع الطاهي — وهو رجل صيني كبير في السن يُدعى وولي — وقد أسهب ذلك الأخير في حديثه عن ثروة الماندرين الضخمة إلى أولئك البحارة وأكَّد لهم أنه يُعتَقَد بأنه يحمل معه أشياء ذات قيمة كبيرة ربما تكون كافية لشراء حمولة سفينة بأكملها.

ولسوء حظ هذا الماندرين، تصادف أن أولئك البحارة الثلاثة كانوا أسوء الأنذال الموجودين على السفينة؛ وهذا يقول الكثير حين يفكر المرء في المعيار الأخلاقي العادي الذي يسود في السفينة. ولم يكن وولي نفسُه مَلاكًا؛ بل كان في الواقع شريرًا بارعًا، ويبدو أنه كان الرأسَ المدبر للخطة التي وُضعت لسرقة الماندرين.

وكانت تلك الخطة بارزة واستثنائية بسبب بساطتها ووحشيتها الشديدة. ففي المساء السابق على رحيل السفينة الإنجليزية، ذهب البحارة الثلاثة، وهم نيلسون وفوكو وبارات، إلى السفينة الدانماركية ومعهم الكثيرُ من الويسكي وجعلوا حارسها يثمل بشدة ثم حبسوه في كابينة فارغة. وفي تلك الأثناء، تواصل وولي مع الماندرين سرًّا ليُخبرَه بأن بعض الممتلكات المسروقة والتي يُعتقَد بأنها تخصُّه مخبَّأة في السفينة الفارغة. وهكذا نزل الماندرين على وجه السرعة إلى الرصيف، واستقبله على متن السفينة الفارغة البحارة الثلاثة بعد أن رفعوا الأغطية عن الكوَّة المؤدية لمخزن البضائع والموجودة في مؤخرة السفينة. نزل بارات عبر السلم الحديدي ليوضح الطريق للماندرين والذي تبعه على الفور؛ لكنهما حين وصلَا إلى السطح السفلي ونظرَا في الكوَّة إلى ظلام الجزء السفلي منها، بدا الماندرين وكأنه قد أصابه الخوف وبدأ يتسلق السلَّم الحديدي مرة أخرى. في تلك الأثناء كان نيلسون قد صنع عقدةً غير منزلقة في نهاية حبل قلع مفكوك كان يتدلَّى من كتلة معلقة عاليًا بالهواء وكان يُستخدم في رفع الحمولة. وبينما كان الماندرين يتسلق السلَّم، انحنى نيلسون فوق حافة الكوَّة وأسقط العقدة على رأس الرجل الصيني وأحكم شدَّها ثم راح هو وفوكو يرفعان الحبل. ثم تمَّ سحبُ الرجل الصيني البائس من على السلم، وبينما كان معلَّقًا في الهواء، ترك النذلان الحبل فسقط الرجل في قعر السفينة. ثم ثبَّتَا الحبل ونزلَا إلى الأسفل. كان بارات قد أضاء شمعة من الشحم وعلى ضوئها تمكَّنوا من رؤية الماندرين وهو يتدلَّى في الهواء جيئةً وذهابًا وكأنه بندول على بُعد بضع أقدام من الصابورة وهو لا يزال يرتجف وينازع في سكرات موته. ثم انضم إليهم وولي والذي كان يشاهد ما يحدث من الرصيف ثم شرع الشياطين الأربعة ينهبون الجثة وهي معلقة من دون أن يُضيعوا أيَّ وقت. وما أصابهم بالمفاجأة والامتعاض أنهم لم يجدوا معه أيَّ شيء ذي قيمة سوى حلية من الأبنوس بها لؤلؤة واحدة كبيرة؛ لكن بالرغم من أن وولي كان مستاءً من طبيعة الغنيمة فإنه أكَّد لرفاقه أنها وحدها تستحق المخاطرة، مشيرًا إلى حجم اللؤلؤة الكبير وجمالها الاستثنائي. لقد كان البحارة لا يعرفون شيئًا عن اللآلئ، لكن الجريمة قد وقعت وكان عليهم أن يستغلوا اللؤلؤة الاستغلال الأمثل؛ لذا فقد ربطوا الحبل بإحكام إلى دعامات السطح السفلي، وقطعوا الجزء المتبقي منه وانتزعوه من الكتلة ثم عادوا إلى سفينتهم.

مرت أربع وعشرون ساعة قبل أن يفيقَ حارس السفينة بما يكفي ليتمكن من الخروج من الكابينة التي حُبِس فيها، وفي غضون ذلك كانت السفينة الإنجليزية قد انطلقت في عرض البحر، ومرت ثلاثة أيام أخرى حتى تمَّ اكتشاف جثة الماندرين. ثم تمَّ البحث عن القتلة بحثًا حثيثًا، لكن وبما أنهم كانوا غرباء بالنسبة لحارس السفينة فلم يتمكن أحدٌ من اكتشاف مكانهم.

في تلك الأثناء، كان القتلة الأربعة قلقين بشدة بشأن كيفية التصرف في الغنيمة. وبما أنه لا يمكن تقسيمُها، فقد كان من الضروري أن يأتمنوا عليها أحدهم. وقد وقع الاختيار في المقام الأول على وولي، الذي احتفظ بالحلية في صندوقه الخاص بمجرد أن صعدت المجموعة على متن السفينة، وتم الاتفاق على أن الرجل الصيني يجب أن يأتيَ بالجوهرة ليُطلعَ عليها رفاقه متى أرادوا ذلك.

ولمدة ستة أسابيع لم يحدث شيء غير اعتيادي؛ لكن وقع بعد ذلك حدثٌ في غاية الغرابة. كان المتآمرون الأربعة يجلسون خارج مطبخ السفينة ذات مساء حين صاح الطاهي فجأة صيحة تنمُّ عن الذهول والرعب. التفت الثلاثة الآخرون ليروا ما الذي أزعج رفيقَهم إلى هذا الحد، ثم أصابهم الذعرُ والرعب أيضًا. لقد وجدوا أن الماندرين الذي قتلوه يقف عند الباب المؤدي لسلَّم السطح السفلي، فقد كانت السفينة ذات سطح ممتد. وقف الرجل صامتًا يُطالعهم لدقيقة كاملة، فيما نظروا هم له وقد شلَّهم الرعب. ثم أومأ الرجل لهم ونزل إلى الأسفل.

كان الرجال مذهولين ومذعورين بشدة حتى إنهم ظلوا صامتين وثابتين في مكانهم لفترة طويلة. وفي النهاية استجمعوا قوتهم، وبدءوا يسألون خفية الطاقم عن الرجل؛ لكن لم يكن هناك مَن يعلم — ولا حتى الخادم — أيَّ شيء عن أي راكب أو عن أي رجل صيني على متن السفينة سوى وولي.

وفي فجر اليوم التالي وحين ذهب زميل الطاهي إلى المطبخ لكي يملأ المراجل، وجد وولي وهو يتدلَّى من خطاف في السقف. كانت جثة الطاهي متيبسة وباردة، ولا بد وأنها كانت معلقة لبضع ساعات. وسرعان ما انتشر خبرُ الحادث الأليم في أنحاء السفينة، وسارع المتآمرون الثلاثة ليأخذوا اللؤلؤة من صندوق القتيل قبل أن يأتيَ ضباط الشرطة ويفتشوه. تم فتح القفل الرخيص بسهولة باستخدام سلكٍ مَثْنيٍّ، وأخذوا الجوهرة؛ ولكن الآن برز السؤال المتعلق بمن ينبغي عليه أن يحتفظ بها. وما كان في البداية تلهُّفًا من جانب كلٍّ منهم ليحتفظ بالجوهرة أصبح الآن إحجامًا وإعراضًا بنفس القوة. لكن كان ينبغي على أحدهم أن يتولى الاحتفاظ بها، وبعد نقاش طويل وغاضب، جرى الاتفاق على أن يحتفظ نيلسون بها في صندوقه.

مرَّ أسبوعان، وكان المتآمرون الثلاثة يُنجزون مهام عملهم بجدية، وكأنهم مثقلون بهمٍّ خفيٍّ، وكانوا في أوقات فراغهم يجلسون مع بعضهم ويتحدثون بأنفاس مقطوعة عن ظهور شبح الرجل عند السلم المؤدي للسطح السفلي، وعن ظروف وفاة رفيقهم الغامضة.

وفي النهاية وقعت الواقعة.

كان ذلك في نهاية المناوبة الثانية التي تمتد من السادسة وحتى الثامنة مساءً حين اجتمعت الأيدي العاملة عند مقدمة السفينة للاستعداد للإبحار بعد فترة قصيرة من الأحوال الجوية السيئة. أطلق نيلسون فجأة صيحةً قوية وهرع باتجاه بارات وهو يُمسك بمفتاح صندوقه.

وصاح قائلًا: «تعالَ يا بارات، اذهب معي لأسفل وخذ تلك الحلية الملعونة بعيدًا عن صندوق ملابسي.»

سأله بارات: «لماذا؟» ثم نظر هو وفوكو — الذي كان يقف بالقرب منهما — إلى الخلف لينظرَا إلى ما كان نيلسون يُحدِّق به.

وسرعان ما شحب وجههما وكأنهما شبحان، وراحَا يرتجفان بشدة فكانت أقدامهما بالكاد تحملهما؛ ذلك أنهم رأيَا الماندرين يقف في هدوء بجوار السلم، وكان يردُّ على نظراتهما التي يملؤها الرعبُ بنظرات ثابتة وجامدة. وبينما كانَا ينظران إليه، أومأ إليهما ونزل إلى الأسفل.

صاح نيلسون من بين أنفاسه المتلاحقة: «أتسمع يا بارات؟ خذ مفتاحي وافعل ما قلت، وإلا …»

ولكن في تلك اللحظة صدر الأمر بالذهاب إلى الصواري ورفع الأشرعة؛ فذهب الرجال الثلاثة كلٌّ إلى موقعه، فذهب نيلسون للعمل على حبال الصاري الأمامي الأعلى، وعمد الآخران إلى منصة الصاري الرئيسي. وبعد أن أنهى فوكو وبارات عملهما على الصواري، وحيث إنهما كانَا في مناوبة في ميسرة السفينة فقد نزلَا إلى السطح، وبعد أن جاءت مناوبتُهما بالأسفل ذهبَا إلى موقعهما.

وحين انتهت مناوبتهما بحلول منتصف الليل، بحثَا عن نيلسون، والذي كانت مناوبته في ميمنة السفينة، لكنهما لم يجداه في أيِّ مكان. ظنَّا أنه ربما انسلَّ إلى الأسفل من دون أن يلاحظَه أحد، ولم يُعلِّقَا أو يُصرِّحَا بشيء رغم أنهما كانَا يشعران بالقلق بشأنه؛ لكن حين صعدت مناوبة ميمنة السفينة إلى السطح بحلول الرابعة، ولم يظهر نيلسون مع رفاقه، شعر الرجلان بالانزعاج وبدآ يستفسران عنه. واكتشفَا أن أحدًا لم يرَه منذ الثامنة من مساء اليوم السابق، وبعد أن تمَّ إبلاغُ الشخص المسئول عن المناوبة، أمر بجمْع كلِّ العاملين. لكن نيلسون ظلَّ مختفيًا، فتمَّ إجراء تفتيش دقيق عنه، في أسفل السفينة وعلى صواريها، ولعدم ظهور أيِّ إشارة عن الرجل المختفي، تم استنتاج أنه قد سقط عن السفينة.

ولكن في الثامنة تم إرسال رجلين لينشرَا الشراع الصغير العلوي. وصل الرجلان إلى العارضة ذات الصلة في نفس الوقت تقريبًا، وكانَا على وشك أن يَخْطُوَا على حبال القدم حين أطلق أحدهما صرخةً؛ ثم نزل الرجلان ينزلقان على حبل الدعم الخلفي وكان وجهاهما شاحبين كالودك. وبمجرد أن وصلَا إلى سطح السفينة أخذَا الشخص المسئول عن المناوبة للأمام وبينما كانَا يقفان على مؤخرة الصاري المائل في مقدمة السفينة أشارَا للأعلى باتجاه الصواري. وتبعهم الكثيرون ومن بينهم فوكو وبارات، ونظر الجميع للأعلى؛ فرأوا جميعًا جثة نيلسون وهي معلقة أمام الشراع الأعلى الأمامي. وكانت الجثة تتدلَّى من نهاية حبل لتثبيت الشراع المطوي في الصاري، وكانت تتأرجح للأعلى والأسفل في حبل الشراع المشدود مع تأرجح السفينة للأعلى والأسفل في البحر.

كان الناجيان المتبقيان الآن في ريبة من أمرهما فيما يتعلق بأمر تلك اللؤلؤة. لكن ما أغراهما هو قيمتها الكبيرة وفكرة أنها الآن ستقسم بين اثنين فقط بدلًا من أن تقسم بين أربعة. فأخذاها من صندوق نيلسون وحيث إنهما لم يستطيعَا التوصل إلى اتفاق بينهما حول مَن سيكون مسئولًا عنها، قرَّرَا أن يُجريَا قرعة بإلقاء عملة معدنية. وتم إلقاء العملة وذهبت اللؤلؤة إلى صندوق فوكو.

ومنذ تلك اللحظة كان فوكو يعيش في حالة من الخوف المستمر. وحين يكون على سطح السفينة، كانت عيناه تطوف باستمرار باتجاه السلَّم، وأثناء مناوبته بالأسفل، وحين لا يكون نائمًا، كان يجلس على صندوقه، غارقًا في أفكاره الكئيبة. لكن مرَّ أسبوعان ثم ثلاثة، ولم يحدث شيء. ثم ظهرت اليابسة، ومرت السفينة بمضيق جبل طارق، وكانت ما هي إلا أيام حتى تنتهيَ هذه الرحلة. ومع ذلك فلم يظهر الماندرين المخيف.

وبعد فترة كانت السفينة على بُعد يوم واحد فقط من مارسيليا، والتي كان هناك جزء كبير من حمولة السفينة سيودع في مينائها. كانت الاستعدادات لدخول الميناء تجري على قدم وساق، ومن بين أشياء أخرى كان هناك مهمة إصلاح حبال الأشرعة. وقد وقع جزء من هذه المهمة على عاتق فوكو وبارات، وبحلول منتصف المناوبة الثانية التي تمتد من السادسة وحتى الثامنة مساءً — أي بحلول السابعة مساءً — كانَا يجلسان على سطح السفينة ويقومان بعمل جديلة ملفوفة في نهاية حبل كبير. كان فوكو يجلس مواجهًا صديقه، وفجأة رأى وجهه وهو يشحب بشدة ويحدق خلفه وقد اعتلت وجهَه تعبيراتٌ تنمُّ عن الرعب. فاستدار في الحال ونظر خلفه ليرى ما كان يحدق به بارات، والذي كان هو الماندرين، وهو يقف على السلم ويراقبهما بنظرات عميقة؛ وبينما استدار فوكو ووقعت عيناه في عينَي الماندرين، تراجع الرجل الصيني ونزل للأسفل.

ولبقية ذلك اليوم، ظلَّ بارات ملاصقًا لرفيقه المرعوب، وأثناء مناوبتهما في أسفل السفينة حاول أن يبقى مستيقظًا، بحيث يُبقي صديقه تحت ناظره. ولم يحدث شيء أثناء الليل، وفي الصباح التالي، حين صعدَا إلى السطح ليتوليَا مناوبة ما قبل الظهر، كان الميناء على مرأًى منهما. ثم افترق الصديقان للمرة الأولى، حيث ذهب بارات إلى مؤخرة السفينة ليتولَّى مناوبته على الدفة، بينما تولى فوكو أمر المساعدة في إعداد المرساة.

وبعد نصف ساعة رأى بارات مساعد القبطان وهو يقف على حاجز السفينة ويميل نحو الخارج، وهو يُمسك بحبال الصاري الخلفي بينما يُحدِّق على طول جانب السفينة، ثم قفز إلى سطح السفينة وصاح في غضب: «إلى الأمام، هناك! ما الذي يفعله ذلك الرجل بحق السماء تحت رجام المرساة باتجاه الميمنة؟»

هرع الرجال على السلوقية نحو جانب السفينة لينظروا ما الأمر، ومال اثنان منهم على الحاجز وكان بينهما عقدة حبل، وجاء ثالث يجري نحو الخلف باتجاه مساعد القبطان. سمعه بارات وهو يقول: «إنه فوكو يا سيدي، وقد شنق نفسه برجام المرساة.»

وبمجرد أن أنهى بارات مناوبته، ذهب إلى صندوق رفيقه المتوفى وفتح القفل باستخدام عقفاء وأخرج اللؤلؤة. كانت اللؤلؤة الآن ملكية خاصة له، وبينما كانت السفينة الآن على مقربة ساعة أو اثنتين من وجهتها، ظن أنه ليس خائفًا للغاية من صاحبها المقتول. وقال في نفسه إنه بمجرد أن تصطفَّ السفينة على رصيف الميناء، فسينسل إلى الشاطئ ويتخلص من الجوهرة، حتى ولو باعها بثمن بخس؛ فقد كانت تبدو بسيطة للغاية في مظهرها.

ولكن في الواقع، تبين أن العكس تمامًا هو ما حدث. فقد بدأ بأن دنَا من غريب حسن الملبس وعرض عليه الحلية مقابل خمسين جنيهًا؛ لكن الإجابة الوحيدة التي حصل عليها كانت ابتسامة تنمُّ عن دراية وهزة من رأسه تعبِّر عن الرفض. وحين تكرر هذا الأمر دزينة من المرات أو أكثر، وحين أدرك أن هناك أحدَ أفراد الشرطة يتبعه في الشوارع لمدة ساعة تقريبًا، بدأ شعوره بالقلق يزداد. وقد قام بزيارة عدة سفن ويخوت في الميناء، وفي كل مرة يُقابل فيها بالرفض كان سعر كنزه يتدنى أكثر، حتى أصبح متلهِّفًا لبيعها مقابل بضعة فرنكات. لكن أحدًا لم يكن يرغب بها بعد. كان الجميع يوقنون تمامًا أن اللؤلؤة مزيفة، ومعظم الأشخاص الذين بادرهم بالحديث كانوا يفترضون أنها مسروقة. كان الوضع يزداد إحباطًا وكان المساء يُسدل خيوطه — وهو وقت المناوبات المخيفة — وما زالت اللؤلؤة في حوزته. كان الرجل الآن على أتم استعداد لأن يتخلَّى عنها من دون أي مقابل، لكنه لم يجرؤ على المحاولة؛ لأن ذلك كان سيجعله عرضة بشدة لأن تحوم حوله الشكوك.

في النهاية وفي أحد الشوارع الجانبية أتى على متجر للتحف. ودخل المتجر وعلى وجهه أمارات اللامبالاة والبهجة وعرض الحلية مقابل عشرة فرنكات. نظر التاجر إليها وهزَّ رأسه رافضًا وأعادها إليه.

قال بارات وقد تعرَّق بفعل احتمال أن يُقابل برفض نهائي: «كم ستعطيني مقابلها؟»

تحسَّس التاجر جيبه، وأخرج منه فرنكين وقدَّمهما له.

قال بارات: «حسنًا.» ثم أخذ المال بهدوء بالغ وخرج من المتجر، ثم أطلق تنهيدة تنم عن شعوره بالارتياح، وقد ترك الحلية في يد التاجر.

علَّق التاجر اللؤلؤة في صندوق زجاجي، ولم يفكر فيها حتى مرت عشرة أيام، حين دخل سائح إنجليزي إلى المتجر ولاحظ اللؤلؤة وأحب أن يشتريَها. عرضها التاجر عليه مقابل خمسة جنيهات مؤكدًا له أنها لؤلؤة حقيقية وهو الأمر الذي صدَّقه السائح مما أثار دهشة التاجر. ثم ابتأس التاجر بشدة لأنه لم يطلب فيها سعرًا أعلى، لكن الصفقة كانت قد تمَّتْ وذهب الإنجليزي وهو يحمل ما اشتراه.

كانت تلك هي القصة التي قصَّها صديق الكابتن راجيرتون، وقد سردتُها عليك بالتفصيل، وذلك بعد أن قرأتُ الخطاب عدة مرات منذ أن أُعطيته. لا شك أنك ستعتبر أنها مجرد قصة خيالية، وستنظر إليَّ على أنني أحمق يؤمن بالخرافات لأنني أصدِّقها.»

أجابه ثورندايك موافقًا: «تبدو القصة استثنائية فعلًا بسبب حيويتها أكثر منها بسبب مصداقيتها.» ثم استطرد: «هل لي أن أسألك إن كان صديق الكابتن راجيرتون قد قدَّم أيَّ تفسير فيما يتعلق بكيفية معرفته، أو معرفة أي شخص آخر، بتلك القصة الغريبة؟»

أجابه كالفيرلي: «أوه، أجل. لقد نسيتُ أن أذكر أن البحار بارات بعد أن باع اللؤلؤة بفترة قصيرة للغاية سقط من مدخل كوَّته إلى مخزن السفينة بينما كان يتم تفريغ حمولتها وقد أصيب إصابة بالغة. وأُخذ إلى المستشفى حيث مات في صباح اليوم التالي؛ وبينما كان يرقد في المستشفى بين الحياة والموت اعترف بجريمة القتل، وروى تلك الرواية المفصَّلة.»

قال ثورندايك: «حسنًا، وأظن أنك تصدِّق القصة بكل ما ذُكر فيها، أليس كذلك؟»

تورَّدت وجنتَا كالفيرلي رغمًا عنه بينما كان يبادل ثورندايك النظرات وقال: «بلا أدنى شك. انظر، أنا لستُ برجل علم، ومن ثَم فإن معتقداتي ليست قاصرةً على الأشياء التي يمكن حسابها وقياسها. إن هناك أشياءَ يا دكتور ثورندايك تقع خارج نطاق عقولنا المحدودة؛ أشياء يُنحِّيها العلم بمادته المتغطرسة جانبًا ويتجاهلها غاضًّا الطرف عنها. وأنا أُفضِّل أن أُومنَ بالأشياء الموجودة على نحو جليٍّ، حتى ولو كنتُ غيرَ قادر على تفسيرها. هذا هو الأسلوب الأكثر تواضعًا وحكمةً على ما أعتقد.»

قال السيد برودريب معترضًا: «ولكن يا عزيزي فريد، هذه حكاية من ضروب الخيال.»

استدار كالفيرلي نحو المحامي وقال: «لو كنتَ رأيتَ ما رأيتُ، فلم تكن لتصدقَها فقط، وإنما أيضًا كنت ستعرف ما أعنيه.»

قال السيد برودريب: «أخبرْنا بما رأيت إذن.»

قال كالفيرلي: «سأفعل إذا كنتم ترغبون في سماع ذلك. سأكمل لكم القصة الغريبة للؤلؤة الماندرين.»

ثم أشعل سيجارة جديدة واستطرد قائلًا:

«في الليلة التي وصلتُ فيها إلى بيتش هيرست، أي إلى منزل ابن عمي كما تعلمون، حدث شيء غريب للغاية، وأذكره الآن نتيجة علاقته بما حدث بعده. كنت قد ذهبتُ إلى غرفتي مبكرًا وجلستُ لبعض الوقت أكتب بعض الخطابات قبل أن أستعد للنوم. وحين انتهيتُ من خطاباتي، بدأت جولة تفتيش في غرفتي. ينبغي أن تتذكروا أنني حينها كنت في حالة من العصبية الشديدة وأصبح من عاداتي أن أُفتِّش الغرفة التي سأنام فيها قبل أن أخلع ثيابي، فكنت أنظر تحت السرير وفي الخزانات والصوانات الموجودة. حينها، وبينما كنت أفتش في غرفتي الجديدة، لاحظتُ وجود باب آخر وفي الحال توجهتُ نحوه لأفتحه لأرى إلى أين يؤدي. وبمجرد أن فتحت الباب، وجدتُ نفسي أمام شيء فظيع. لقد وجدتُ نفسي أنظر في داخل خزانة أو ممرٍّ ضيق تصطفُّ فيها مسامير لتعليق الملابس عليها، والتي كان الخادم قد علَّق عليها بالفعل بعض ملابسي؛ وفي النهاية المقابلة كان هناك باب آخر، وبينما وقفت أنظر في الخزانة، لاحظتُ في ذهول واندهاش أن هناك رجلًا يقف ويُمسك بالباب نصف مفتوح وينظر إليَّ في صمت. وقفتُ للحظة أُحدِّق به وقلبي يخفق بشدة وأطرافي ترتجف؛ ثم أغلقت الباب بقوة وهرعت لأبحث عن ابن عمي.

كان في غرفة البلياردو مع راجيرتون، ونظر كلاهما إليَّ بنظرات حادة حين دخلت عليهما.

قلت: «إلى أين يؤدي ذلك الممر الموجود في غرفتي يا ألفريد؟»

قال ألفريد: «إلى أين يؤدي؟ إنه لا يؤدي إلى أي مكان. كان فيما مضى يُفتح على رواق متقاطع، لكن حين تم تعديل تصميم المنزل، اختفى الرواق وأصبح ذلك الممر مغلقًا. إنه الآن مجرد خزانة ملابس.»

«حسنًا، لكنَّ هناك رجلًا به، أو كان به للتوِّ.»

صاح متعجبًا: «هراء! مستحيل! لنذهب وننظر في المكان.»

نهض هو وراجيرتون، وذهبَا معًا إلى حجرتي. وبينما فتحنا باب الخزانة ونظرنا داخلها، انفجر ثلاثتُنا ضاحكين. لقد كان هناك الآن ثلاثة رجال ينظرون إلينا من الباب المفتوح في النهاية المقابلة، وتم حل اللغز. لقد كانت هناك مرآة كبيرة موضوعة في نهاية الخزانة لكي تُغطِّيَ الجزء الذي يتقاطع مع الرواق.

عرَّضتني تلك الحادثة بطبيعة الحال إلى كثير من المزاح والسخرية من جانب ابن عمي والكابتن راجيرتون؛ لكنني غالبًا ما كنت أتمنى لو أن تلك المِرآة لم تكن موضوعة هناك؛ ذلك أنني في كثير من المرات حين كنت أذهب إلى الخزانة على عجل ومن دون أن أفكر في المرآة، كنت أتعرض لصدمة سيئة حين أجد نفسي في مواجهة شخص يبدو أنه يأتي نحوي مباشرة عبر باب مفتوح. وفي الواقع، كان هذا الأمر يزعجني بشدة في ظل حالتي العصبية التي كنتُ عليها، حتى إنني فكرتُ في أن أطلب من ابن عمي أن يعطيَني غرفة أخرى؛ لكنني حين تصادف أن أشرت إلى الأمر وأنا أتحدث إلى راجيرتون، وجدتُه يزدري بشدة جُبني لدرجة أنني شعرت بأنه مسَّ كبريائي، فقررتُ ألَّا أتحدثَ في الأمر.

figure
الشبح في المرآة.

والآن آتي على ذكر حادثة غريبة للغاية، والتي سأقصها بصراحة تامة، رغم أنني أعرف سلفًا أنكم سترون أنني كاذب أو مخبول. كنت بعيدًا عن المنزل لمدة أسبوعين وبينما كنت عائدًا في ساعة متأخرة من الليل، توجهت مباشرة إلى غرفتي. وبعد أن خلعتُ جزءًا من ملابسي، أخذت ملابسي في يدٍ وشمعة في الأخرى وفتحتُ باب الخزانة. ووقفت للحظة أنظر في عصبية إلى النسخة الأخرى مني وهو يقف وفي يده شمعة وينظر إليَّ من خلال الباب المفتوح عند النهاية الأخرى من الممر؛ ثم دخلت داخل الخزانة وبعد أن وضعتُ الشمعة على رف شرعت أُعلِّق ملابسي. انتهيتُ من ذلك ومددت يدي نحو الشمعة وحينها وقعت عيناي على شيء غريب في المرآة. لم تكن المرآة تعكس صورة الشمعة في يدي وإنما كانت تعكس مصباحًا ورقيًّا كبيرًا ملوَّنًا. وقفتُ مذهولًا من الصدمة وحدَّقت بالمرآة ثم رأيت أن انعكاسي قد تغير أيضًا، وأن رجلًا صينيًّا كبيرًا في السن يقف مكاني، وكان ينظر إليَّ في هدوء شديد.

لا بد وأنني وقفتُ كذلك لنحو دقيقة، فكنت غيرَ قادر على الحراك، وبالكاد ألتقطُ أنفاسي، وكنت في مواجهة مع ذلك الشخص المريع. ثم بعد برهة التففت محاولًا الهرب، وبينما كنت ألتفُّ، كان يلتفُّ هو أيضًا، وكان باستطاعتي رؤيته من خلفي وهو يهرع بعيدًا. وحين وصلت إلى الباب، وقفت للحظة، ونظرت للخلف وكان الباب في يدي وأُمسك بالشمعة فوق رأسي؛ فوقف هو أيضًا يبادلني النظر ويده على الباب ومصباحه على رأسه.

كنت منزعجًا للغاية لدرجة أنني لم أستطع أن أخلد إلى النوم لبضع ساعات، وظللت أزرع الغرفة جيئة وذهابًا، رغم ما كنت أشعر به من تعب وإرهاق. ومرة بعد الأخرى، كنت أجد نفسي مضطرًّا — وبصورة لا تُقاوم — لأن أنظر في داخل الخزانة لكنني لم أرَ شيئًا في المرآة سوى انعكاسي وهو يمسك بالشمعة في يده ويبادلني النظرات من خلال الباب النصف مفتوح. وفي كل مرة كنت أنظر فيها إلى وجهي الشاحب من أثر الرعب، كنت أغلق الباب بسرعة وأبتعد وأنا أرتجف؛ ذلك أن المسامير بالملابس المعلَّقة عليها بدتْ وكأنها تنادي عليَّ. وفي النهاية دخلتُ إلى السرير وقبل أن أخلد إلى النوم توصلتُ إلى قرار مفاده أنني لو عشتُ حتى اليوم التالي فسأبعث بخطاب إلى القنصل البريطاني في كانتون وأعرض عليه أن أُعيد اللؤلؤة إلى أقارب الماندرين القتيل.

وفي اليوم التالي كتبتُ الخطاب وأرسلتُه وبعد ذلك شعرت بأنني رابط الجأش أكثر، رغم أنني كنت مطاردًا باستمرار بذكرى ذلك الرجل القاسي والجامد؛ ومن وقت لآخر كنت أشعر بدافع لا يقاوم نحو الذهاب والنظر في داخل الخزانة إلى المرآة والمسامير المعلقة عليها الملابس. وأخبرتُ ابن عمي بالشبح الذي رأيته، لكنه لم يفعل سوى أن ضحك وكان مرتابًا بشكل واضح فيما قلته؛ فيما نصحني الكابتن بكل صراحة وفظاظة ألا أكون غبيًّا يؤمن بالخرافات.

عشتُ في سلام لعدة أيام بعد هذا، وبدأت آمل أن خطابي قد هدأ روح القتيل؛ لكن في اليوم الخامس، وفي نحو الساعة السادسة مساءً، تصادف أنني كنت أريد بعض الأوراق التي تركتُها في جيب معطف معلق في الخزانة، فذهبت لأُحضرها. لم آخذ معي شمعة؛ لأن الظلام لم يكن قد حلَّ بعد، لكنني تركت الباب مفتوحًا على مصراعيه ليُنيرَ لي. وكان المعطف الذي أريده بالقرب من نهاية الخزانة، ولم يكن يبعد عن المرآة أكثر من أربع خطوات، وبينما كنت أذهب إليه كنت أراقب انعكاسي بعصبية وهو يقترب مني. وجدت معطفي وبينما مددت يدي لأتحسس الأوراق كنت أنظر بعينٍ متشككة نحو انعكاسي. وبينما كنت أنظر، حدث شيء شديد الغرابة: بدت المرآة للحظة وكأنها تُظلم أو تُظللها غمامة ثم وحين انقشعت تلك الغمامة مرة أخرى ظهرت هيئةُ الماندرين وهو يقف بجسده القاتم في مواجهة الضوء الصادر عن الباب من خلفه. وبعد أن رمقتُه بنظره واحدة، هرعت بعيدًا عن الخزانة وكنت أرتجف من شدة الانزعاج والخوف؛ لكن وحين استدرت لأغلق الباب، لاحظت أن شخصي هو الذي يمثل الانعكاس في المرآة. أما الرجل الصيني فقد اختفى في غمضة عين.

أصبح من الواضح الآن أن خطابي لم يحقق الهدف المرجو منه، وسقطتُ أسيرَ اليأس؛ وقد زاد شعوري باليأس منذ ذلك اليوم حيث شعرتُ مرة أخرى بالدافع المروِّع الذي يدعوني للذهاب والنظر في المسامير على جدران الخزانة. لم يكن هناك خطأٌ في فهم معنى هذا الدافع، وفي كل مرة كنت أذهب إلى الخزانة كنت أجرُّ نفسي كرهًا بعيدًا عن الخزانة، رغم أنني حينها أكون مرتعشًا من شدة الخوف. ولكنَّ شيئًا واحدًا في واقع الأمر شجعني قليلًا؛ وهو أن الماندرين في كلَا الواقعتين لم يكن يومئ إليَّ كما فعل مع البحارة؛ لذا ربما كان لا يزال هناك مهربٌ متاحٌ أمامي.

وفي أثناء الأيام القليلة التالية فكرتُ مليًّا في التدابير التي يمكنني اتخاذها للحيلولة دون المصير الذي يبدو أنه يُحدِّق بي. وكانت الخطة الأبسط — وهي إعطاء اللؤلؤة إلى شخص آخر — غير مطروحة للنقاش؛ لأنها لن تختلف كثيرًا عن ارتكاب جريمة قتل. وعلى الجانب الآخر، لم يكن باستطاعتي أن أنتظر حتى يأتيَ الردُّ على خطابي؛ ذلك لأنني حتى ولو بقيتُ على قيد الحياة كنت أشعر أنني سأفقد صوابي قبل أن يصلَني الردُّ بوقت طويل. لكن بينما كنت أفكر فيما ينبغي عليَّ أن أفعل، ظهر الماندرين لي مرة أخرى؛ ثم وبعد أن مرَّ يومان فقط، أتاني مرة أخرى. كان ذلك في الليلة الماضية. ظللتُ أُحدِّق به وأنا مذهول وجسدي يرتجف وكان هو يقف والمصباح في يده وينظر إلى وجهي بنظرات مباشرة وثابتة. وفي النهاية، مدَّ إليَّ يده وكأنه يطلب مني أن أُعطيَه اللؤلؤة؛ ثم أصبحت المرآة معتمة واختفى في غمضة عين؛ وفي المكان الذي كان يقف فيه ظهر انعكاسي وهو ينظر إليَّ من المرآة.

إن ذلك الظهور الأخير قد جعلني أصل لقرار محدد. وحين غادرتُ المنزل صباح اليوم، كانت اللؤلؤة في جيبي، وبينما كنت أسير على جسر ووترلو، انحنيتُ عن الحاجز وألقيت باللؤلؤة في الماء. بعد ذلك شعرت بارتياح شديد لبعض الوقت؛ فقد تخلصتُ من الحلية الملعونة من دون أن أورِّط أحدًا في تلك اللعنة التي كانت توجد بها. لكنني بعد برهة انتابتني شكوكٌ جديدة، وظلت قناعةُ أنني فعلت الشيء الخاطئ تتنامى بداخلي طوال اليوم؛ فأنا لم أفعل شيئًا سوى أنني أبعدتها عن متناول صاحبها للأبد، في حين أنه كان ينبغي عليَّ أن أحرقَها على الطريقة الصينية؛ وذلك حتى يتسنَّى لجوهرها غير المادي أن ينضمَّ إلى روح صاحبها التي كان يمتلكها حين كان كلاهما يمتلك وجودًا ماديًّا.

لكن لا يمكن تغييرُ ما حدث الآن. وسواء كان ذلك سيجلب الخير أو الشر، ما حدث قد حدث، والرب وحده يعلم عاقبة ذلك.»

وبينما كان يختتم كلامه، أطلق تنهيدة عميقة ودفن وجهه بين يديه النحيلتين الضعيفتين. وظللنا جميعًا صامتين لبعض الوقت، وأعتقد أننا كنا في حالة تأثُّر عميقة؛ ذلك أننا كنا مشفقين عليه ونشعر بمأساته لدرجة أننا شعرنا أن تلك الأحداث حقيقية بالفعل؛ رغم أن الأمر برمته يبدو غيرَ واقعي بشكل غريب.

نهض السيد برودريب فجأة ونظر في ساعته.

«يا إلهي يا كالفيرلي، إننا هكذا سيفوتنا القطار.»

استجمع الشاب قوتَه ونهض. وقال: «بل يمكننا أن نلحق به إذا ما رحلنا من فورنا.» ثم أضاف وهو يصافح ثورندايك ويصافحني: «وداعًا. كنتم صبورين للغاية وأخشى أنني كنت مضجرًا. هيا يا سيد برودريب.»

ثم تبعتهما أنا وثورندايك حتى بسطة الدرج وسمعت صديقي يقول للمحامي بنبرة خفيضة لكنها تنمُّ عن جدية كبيرة: «أبعدْه عن ذلك المنزل يا برودريب ولا تدعْه يغيب عن ناظرك ولو للحظة.»

ولم يسعني أن أسمع جواب المحامي، هذا إذا كان قد أجابه، لكننا حين دخلنا إلى منزلنا لاحظتُ أن ثورندايك منزعجٌ أكثر من أي مرة رأيتُه فيها كذلك.

صاح ثورندايك: «ما كان ينبغي لي أن أدعَهما يرحلان. تبًّا لي! لو كنت أتمتع بمثقال حبة من ذكاء، لكنت قد جعلت القطار يفوتهما.»

ثم أشعل غليونه وراح يذرع الحجرة جيئة وذهابًا بخطوات واسعة، وكانت عيناه مثبتتين على الأرض وتعبيرات وجهه تنمُّ عن تفكير عميق. وفي النهاية، وحين وجدت ألَّا أمل في أن يتحدث معي، أطفأتُ غليوني وخلدت إلى النوم.

•••

وبينما كنت أرتدي ثيابي في صباح اليوم التالي، دخل ثورندايك إلى حجرتي. كان وجهه كئيبًا حدَّ الصرامة، وكان يُمسك في يده ببرقية.

وقال في اقتضاب وهو يمدُّ يده ﺑ «الورقة الرقيقة» إليَّ: «سأذهب إلى وايبريدج هذا الصباح. هل ستأتي معي؟»

أخذتُ منه الورقة وقرأت الآتي:

احضر بحق الرب! ف. ك. قد مات. ستفهم الأمر. برودريب

أعطيتُه البرقية وكنت مصدومًا للغاية حتى إن لساني كان معقودًا للحظة. لقد ظهرت أمامي للحظة تلك المأساة المريعة بأكملها والتي تلخَّصت في هذه الرسالة الموجزة، واجتاحني شعور عميق بالشفقة والأسى بسبب تلك النهاية التعيسة لحياة حزينة وخاوية.

وقلت متعجبًا بعد برهة: «يا لَه من أمر شنيع يا ثورندايك؛ أن يُقتل المرء بسبب مجرد وهمٍ غريب.»

سألني بنبرة فظة: «أتظن ذلك؟ حسنًا، سنرى؛ لكن هل ستأتي؟»

أجبتُه: «أجل.» وبينما كان ينسحب من الغرفة ذهبت مسرعًا لارتداء ملابسي.

وبعد نصف ساعة بعد أن تناولنا إفطارًا سريعًا، أتى بولتون إلى الغرفة وكان يحمل حقيبة صغيرة مطوية بها أدوات ومجموعة من المفاتيح الهيكلية.

وسأل قائلًا: «هل ستأخذهما في حقيبة يا سيدي؟»

أجابه ثورندايك: «لا، سآخذهما في جيب معطفي. أوه، وهاك رسالة أريد منك يا بولتون أن تأخذها إلى سكوتلاند يارد. إنها مرسلة إلى المفوض المساعد، وينبغي عليك أن تحرص على أن تصل إلى الشخص الصحيح قبل أن تغادر. وهاك برقية إلى السيد برودريب.»

ثم دسَّ المفاتيح وحقيبة الأدوات في جيبه، ونزلنا معًا إلى العربة التي كانت تنتظرنا.

وفي محطة وايبريدج وجدنا السيد برودريب وهو يذرع الرصيف بخطواته في كآبة شديدة. وقد أضاء وجهه قليلًا حين رآنا وصافحنا بقوة ولهفة.

وقال في ترحيب حارٍّ: «من الجيد للغاية أن تأتيَا على الفور، وأنا ممتنٌّ للغاية لما تقدمانه من لطف وإحسان. أنت تفهم بالطبع يا ثورندايك؟»

أجابه ثورندايك: «أجل. أعتقد أن الماندرين أومأ إليه.»

التفت إليه السيد برودريب وقد ارتسمت ملامح الدهشة عليه. وسأله: «كيف خمنت ذلك؟» ثم ومن دون أن ينتظر ردًّا، أخرج من جيبه رسالة سلمها إلى صديقي. وقال: «لقد ترك لي المسكين الراحل هذه الرسالة. وجدها الخادم على طاولة الزينة.»

رمق ثورندايك الرسالة بسرعة ثم أعطاها لي. كانت تتكون من بضع كلمات مكتوبة على عجل وبيد مرتجفة.

«لقد أومأ إليَّ وينبغي عليَّ أن أذهب. الوداع يا صديقي العزيز.»

سأل ثورندايك: «كيف تعامل ابنُ عمه مع الأمر؟»

أجابه المحامي: «إنه لا يعرف حتى الآن. فقد ذهب ألفريد وراجيرتون بعد أن تناولَا إفطارًا مبكرًا إلى جيلدفورد بالدراجات ليُنجزَا أمرًا ما أو شيئًا من هذا القبيل، ولم يعودَا حتى الآن. ولم تُكتَشف النكبة إلا بعد أن غادرَا بوقت قليل. فقد ذهبت الخادمة إلى غرفته بكوب من الشاي، وذُهلت حين رأتْ أنه لم يمسَسْ سريرَه. وهرعت إلى الطابق السفلي في ذعر وأفادت بما رأت إلى كبير الخدم، والذي هرع إلى أعلى من فوره وفتَّش الغرفة؛ لكنه لم يستطع أن يجد أيَّ أثر للفقيد، عدا هذه الرسالة، حتى خطر في باله أن ينظر في الخزانة. وحين فتح الباب فزع بشدة من انعكاسه في المرآة؛ ثم رأى فريد المسكين وهو معلَّق في أحد المسامير المستخدمة لتعليق الملابس بالقرب من نهاية الخزانة، على مقربة من المرآة. إنها مسألة تبعث على الكآبة، لكن ها هو المنزل، وها هو كبير الخدم ينتظرنا. ألم يَعُد السيد ألفريد بعد يا ستيفنز؟»

«نعم، يا سيدي.» من الواضح أن الرجل ذا الوجه الشاحب الذي تظهر عليه ملامحُ الخوف كان ينتظر عند البوابة بسبب نفوره من المنزل، وقد سار الآن باتجاه المنزل في ارتياح واضح بسبب قدومنا. وحين دخلنا المنزل، أرشدنا من دون تعليق منه إلى الطابق الأول، وكان يتقدمنا أثناء سيرنا في الممر ثم توقف بالقرب من نهايته. وقال: «هذه هي الغرفة يا سيدي.» ومن دون أن ينطق بكلمة أخرى استدار وهبط على السُّلَّم.

دخلنا الغرفة وتبعنا السيد برودريب بحذر شديد، وكان ينظر حوله في خوف، ويرمق الجسد الممدد على السرير والمغطى بملاءة بنظرات يملؤها الرعب. وتقدم ثورندايك نحو الجثة وسحب الملاءة رويدًا.

ثم قال وهو ينحني على الجثة: «من الأفضل لك ألَّا تنظرَ يا برودريب.» وتحسَّس الأطراف وفحص الحبل الذي كان لا يزال حول الرقبة، وكانت نهايته المقطوعة بخشونة تشهد على الرعب الذي شعر به الخدم الذين قطعوا الحبل وأنزلوا الجثة. ثم أعاد الملاءة إلى وضْعها ونظر في ساعته وقال: «حدثت الوفاة في الساعة الثالثة صباحًا تقريبًا. لا بد وأنه قاومَ دافعَه لبعض الوقت، يا له من مسكين! والآن لنُلقِ نظرة على الخزانة.»

ذهبنا معًا إلى باب في زاوية من الحجرة، وحين فتحناه، واجهنا ثلاثة أشخاص وكانوا على ما يبدو ينظرون إلينا من باب مفتوح في النهاية المقابلة.

قال المحامي في نبرة خافتة وهو ينظر في قلق إلى الأشخاص الثلاثة الذين تقدموا نحونا ليلاقونا: «الأمر مروِّع حقًّا. ما كان للمسكين أن يوجد في هذا المكان أبدًا.»

كان المكان غريبًا بالتأكيد، ولم يسعْني ونحن نسير في الممر المظلم الضيق وأولئك الشخصيات الثلاثة المعتمة تسير نحونا في صمت وتُقلِّد كلَّ حركاتنا سوى أن أشعر أن المكان ليس مناسبًا لرجل يعاني من مشكلات عصبية ويؤمن بالخرافات مثل فريد كالفيرلي. وبالقرب من نهاية صف المسامير الطويل كان هناك مسمار يتدلَّى منه نهاية حبل سميك وقد أشار إليه السيد برودريب بإيماءة تنمُّ عن الهلع. لكن ثورندايك لم يفعل سوى أن رمقها بنظرة سريعة ثم سار إلى المرآة وراح يفحصها بدقة. كانت المرآة كبيرة للغاية يكاد طولُها يبلغ سبع أقدام وتمتد بعرض الخزانة بالكامل والمسافة بينها وبين الأرض تصل لقدمٍ واحدة تقريبًا؛ ويبدو أنها دخلت إلى المكان الموجودة فيه من الخلف؛ ذلك أن الأشغال الخشبية كانت أمامها من الأعلى والأسفل. وفيما لاحظتُ هذه الأشياء، رحتُ أراقب ثورندايك في فضول كبير. في البداية طرق على المرآة بمفاصل أصابعه؛ ثم أضاء عودَ ثقابٍ شمعيًّا وقرَّبه من المرآة وراح يراقب انعكاس اللهب بإمعان. وفي النهاية، وبعد أن وضع خدَّه على الزجاج، أمسك بعود الثقاب بطول ذراعه وهو لا يزال قريبًا من المرآة، ونظر إلى الانعكاس على طول السطح الزجاجي. ثم أطفأ عود الثقاب وعاد إلى الغرفة وأغلق باب الخزانة بعد أن خرجنا منها.

قال ثورندايك: «في رأيي أنه بينما ننتظر جميعنا بلا شك استدعاءً من قاضي التحقيق، فسيكون من الأفضل أن ندوِّن بضع ملحوظات عن ملابسات القضية. أرى أن هناك طاولة للكتابة بجوار النافذة، وأقترح أن تدوِّن يا برودريب موجزًا لما سمعتَ البارحة من إفادة من القتيل، بينما يدوِّن جيرفس حالة الجثة بدقة. وبينما تقومان بذلك، سأُلقي نظرة في الأرجاء.»

قال السيد برودريب متذمِّرًا: «يمكننا أن نجد مكانًا أفضل من هذا لنكتب فيه، لكن …»

ومن دون أن يُنهيَ جملته، جلس برودريب إلى الطاولة، وبعد أن وجد ورقًا يُستخدم في كتابة المواعظ الدينية، غمس القلم في الحبر من أجل أن يُحفِّزَ أفكاره. في تلك اللحظة انسلَّ ثورندايك في هدوء خارج الغرفة، وشرعتُ أنا في إجراء فحص مفصَّل للجثة: وأثناء قيامي بذلك كانت تقاطعني بين الحين والآخر طلباتٌ من المحامي بأن أُذكِّرَه بشيء ما.

وظللنا مشغولين هكذا قرابة الربع ساعة، وذلك حين سمعنا خطواتٍ سريعة بالخارج وفُتِح الباب فجأة واندفع رجل إلى داخل الغرفة. نهض برودريب ومدَّ يدَه ليُسلِّمَ عليه.

قال برودريب: «هذه عودة حزينة بالنسبة لك يا ألفريد.»

صاح الوافد قائلًا: «أجل، يا إلهي! هذا أمر شنيع.»

ونظر بارتياب إلى الجثة الممددة على السرير، ومسح جبهته بمنديله. لم يكن ألفريد كالفيرلي سليمًا؛ فقد كان، كابن عمِّه، مصابًا بمرض عصبي على ما يبدو، لكن وجهه كان يحمل علامات الإسراف، وقد أصبح الآن شاحبًا ويحمل أمارات الشعور بالخوف والرعب. وعلاوة على ذلك، صاحَب دخولَه رائحةٌ ملحوظة لمشروب البراندي.

كان قد سار من دون أن يُلاحظني إلى طاولة الكتابة وبينما كان واقفًا إلى جوارها ويتحدث بصوت مبحوح إلى المحامي، وجدتُ ثورندايك إلى جواري فجأة. كان قد تسلَّل إلى الغرفة من دون أن يُصدرَ أيَّ صوت من خلال الباب الذي تركه كالفيرلي مفتوحًا.

وهمس قائلًا: «أرِه الملاحظات التي كتبها برودريب، ثم خُذْه وادخل به الخزانة واجعله ينظر إلى المسمار.»

وبعد هذا الطلب الغريب، انسلَّ إلى خارج الغرفة بنفس الهدوء الذي دخل به، دون أن يره كالفيرلي أو المحامي.

سأله برودريب: «هل عاد الكابتن راجيرتون معك؟»

وكانت إجابته: «لا، بل ذهب إلى المدينة، لكنه لن يغيبَ طويلًا. سيكون هذا الأمر بمثابة صدمة مروِّعة بالنسبة له.»

في تلك اللحظة تقدَّمتُ خطوة وسألت: «هل أريت السيد كالفيرلي ذلك الخطاب الغريب الذي تركه لك القتيل؟»

صاح كالفيرلي فجأة في إلحاح: «ما هذا الخطاب؟»

أخرج السيد برودريب الرسالة وسلَّمه إياها. وبينما كان يقرؤها، استحال وجهُ كالفيرلي إلى الشحوب، وارتعشت الورقة في يده.

وقرأ: «لقد أومأ إليَّ وينبغي عليَّ أن أذهب.» ثم قال بينما رمق المحامي بنظرة خاطفة: «من الذي أومأ له؟ ماذا كان يعني بذلك؟»

شرح السيد برودريب معنى ذلك التلميح باقتضاب وأضاف: «كنت أظن أنك تعرف كلَّ شيء عن هذا الأمر.»

قال كالفيرلي ببعض الارتباك: «أجل، أجل. أتذكر الأمر الآن بعد أن ذكرتَه. لكن الأمر برمته يبعث على الخوف والحيرة.»

في تلك اللحظة تدخَّلتُ مرة أخرى وقلت: «هناك سؤال قد يبدو ذا أهمية. وهو يشير إلى الحبل الذي شنق به ذلك المسكينُ نفسَه. أتعرف ذلك الحبل يا سيد كالفيرلي؟»

صاح متعجبًا وهو يُحدِّق بي ويمسح العرق عن وجهه الشاحب: «أنا! كيف يمكنني ذلك؟ أين الحبل؟»

«جزءٌ منه لا يزال معلقًا في المسمار بداخل الخزانة. أتُمانع أن تُلقيَ عليه نظرة؟»

«لو تكرَّمت وأحضرته، أنت تعرف أنني … أعاني من …»

قلت: «لا ينبغي أن يُمسَّ ذلك الحبل قبل التحقيق، لكن من المؤكد أنك لست خائفًا …»

أجاب بنبرة غاضبة: «لم أَقُل بأنني خائف. لمَ عساي أن أكون خائفًا؟»

وبتغطرس غريب يشوبه الارتعاش، راح يسير عبر الغرفة باتجاه الخزانة، وفتح الباب ودلف إلى داخلها.

وبعد لحظة سمعنا صوتَ صيحة تنمُّ عن الذعر، وهرع خارج الخزانة وهو شاحب ويلهث.

صاح السيد برودريب وقد انتفض من الرهبة: «ما الأمر يا كالفيرلي؟»

لكن كالفيرلي كان غيرَ قادر على الحديث، وبعد أن هوى بوهنٍ على كرسي، راح يُحدِّق بنا لبرهة في رعب صامت؛ ثم اعتدل في جلسته وأطلق ضحكة مجنونة.

نظر إليه السيد برودريب في دهشة. وسأله مجددًا: «ما الأمر يا كالفيرلي؟»

وحيث إن الإجابة لم تكن وشيكةً، دلف برودريب إلى داخل الخزانة عبر بابها المفتوح وراح ينظر أمامه في فضول. ثم أطلق هو الآخر صيحة تنمُّ عن الاندهاش وهرع خارجًا، وقد بدا شاحبًا وقلقًا.

ثم صاح قائلًا: «يا إلهي! أهذا المكان مسكون؟»

ثم هوى على كرسي وراح يحدق في كالفيرلي والذي كان لا يزال يرتعش من الضحك الهستيري؛ بينما كاد الفضول يأكلني، فسِرْتُ نحو الخزانة لأكتشف سبب سلوكهما الغريب. وحين فتحت الباب الذي كان المحامي قد أغلقه، لا بد وأن أعترف هنا أنني فزعتُ كثيرًا؛ ذلك أنه وبالرغم من أن انعكاس الباب المفتوح كان ظاهرًا بوضوح في المرآة، فإن انعكاسي أنا كان مستبدَلًا به انعكاس رجلٍ صيني. وبعد لحظة وقفت فيها مذهولًا، دخلت إلى الخزانة وسرت باتجاه المرآة ومن ثَمَّ دخل انعكاس الرجل الصيني وسار نحوي. كنت قد تقدمت أكثر من نصف المسافة في داخل الخزانة وذلك حين أصبحت المرآة قاتمة؛ ثم حدث ضوء خاطف واختفى الرجل الصيني في غمضة عين وحين وصلتُ إلى زجاج المرآة، كان انعكاسي يواجهني.

ثم عُدتُ إلى الغرفة وقد فهمت الأمر تمامًا، ونظرت إلى كالفيرلي بشعور جديد بالنفور. كان لا يزال جالسًا في مواجهة المحامي المذهول، وتارة ينتحب ويرتجف، وتارة أخرى يعوي من شدة الضحك. لم يكن مظهرُه مقبولًا، وحين دخل ثورندايك إلى الغرفة بعد بضع لحظات وتوقف عند الباب بنظرة تنمُّ عن الاشمئزاز، شعرتُ بأنني مدفوع لأن أنضمَّ إليه. لكن وعند هذه المرحلة، دخل رجل إلى الحجرة بعد أن دفع ثورندايك وتقدَّم نحو كالفيرلي وراح يهزُّه بقوة من ذراعه.

وصاح بنبرة غاضبة: «أوقف هذا الأمر! أتسمعني؟ أوقفه!»

قال كالفيرلي لاهثًا: «لا يمكنني فعل شيء يا راجيرتون. لقد أفزعني ذلك الماندرين.»

صاح راجيرتون متعجبًا: «ماذا!»

ثم اندفع عبر الغرفة باتجاه الخزانة ونظر بداخلها واستدار نحو كالفيرلي وهو يغمغم. ثم خرج من الغرفة.

قال ثورندايك: «يا برودريب، أريدك في كلمة أنت وجيرفس بالخارج.» ثم وبينما تبعناه إلى الدرج، أكمل قائلًا: «هناك شيءٌ مثير للغاية أريد أن أريكما إياه. إنه هنا.»

ثم فتح بابًا مجاورًا في هدوء فوجدنا غرفة صغيرة خالية من الأثاث. كانت هناك خزانة ناتئة تشغل أحد جوانبها وعلى باب الخزانة كان الكابتن راجيرتون واقفًا ويده على المفتاح. فاستدار نحونا في عنف لكن بدا عليه الرهبة، وصاح قائلًا:

«ما معنى هذا التطفل؟ ومن أنتم بحق السماء؟ أتعرفون أن هذه هي غرفتي الخاصة؟»

أجابه ثورندايك في هدوء: «شككتُ في ذلك. إذن محتويات هذه الخزانة ملكك، أليس كذلك؟»

استحال وجهُ راجيرتون شاحبًا، لكنه أكمل في تبجُّحٍ قائلًا: «أأفهم من هذا أنكم تجرأتم على اقتحام خزانتي الخاصة؟»

أجابه ثورندايك: «لقد فتَّشتُها، ويمكنني أن ألفت انتباهك إلى أنه لا جدوى من استخدام هذا المفتاح، لأنني أعقت عمل القفل.»

صاح راجيرتون: «لماذا فعلت هذا؟!»

«أنا بانتظار ضابط شرطة ومعه مذكِّرة تفتيش؛ لذا كنت أرغب في أن أحافظ على كل شيء دون أيِّ تغيير.»

شحب وجه راجيرتون وقد اختلطت به مشاعر الغضب والخوف. ثم سار باتجاه ثورندايك على نحو مهدد، لكنه غيَّر رأيه فجأة وقال متعجبًا: «يجب أن أجد حلًّا لهذا!» ثم هرع خارج الغرفة.

أخرج ثورندايك من جيبه مفتاحًا، وبعد أن أغلق الباب التفت نحو الخزانة. وبعد أن أخرج المفتاح ليُعيدَ فتْح القفل باستخدام سلك قوي، أعاد إدخال المفتاح وفتح الباب. ولما دخلنا وجدنا أنفسنا في خزانة ضيِّقة، مشابهة للخزانة الموجودة في الغرفة الأخرى لكنها قاتمة أكثر، وذلك بسبب غياب المرآة. كان هناك بضع قطع من الملابس معلقة على المسامير، وحين أشعل ثورندايك شمعة كانت على رفٍّ، استطعنا أن نرى المزيد من التفاصيل.

قال ثورندايك: «هذه هي بعض الأشياء التي يمتلكها.» ثم أشار إلى مسمار كان يتدلَّى منه ثوبٌ طويل من الحرير الأزرق صيني التصميم، وقبعة يرتديها الماندرين بها جديلة متصلة بها، وقناع من الورق المعجَّن مصنوع بدقة كبيرة. ثم قال: «انظرَا.» وأخذ القناع من على المسمار وأظهر على الجزء الداخلي منه ملصقًا مكتوبًا عليه «رينوار من باريس.» ثم أكمل: «لم يدَّخرَا جهدًا.»

ثم خلع ثورندايك معطفه ولبس الثوب الطويل والقناع والقبعة فتحول مظهره في لحظة وفي ظل تلك الإضاءة الخافتة إلى مظهر مثالي لرجل صيني.

ثم علَّق قائلًا وهو يشير إلى زوج من الأحذية الصينية ومصباح ورقي كبير: «وبأخذ وقت إضافي ضئيل، يمكن جعل مظهري أكثر اكتمالًا؛ لكن يبدو أن هذا يردُّ على كلام صديقنا ألفريد.»

قال السيد برودريب بينما كان ثورندايك يخلع عنه ملابس التنكر: «لكنني ما زلت لا أفهم …»

قال ثورندايك: «سأوضح الأمر لكما بعد لحظات.» ثم سار نحو نهاية الخزانة، وبعد أن نقر على الحائط الأيمن قال: «هذه هي خلفية المرآة. كما تلاحظان، إنها معلقة على مفصلات كبيرة تم تزييتُها جيدًا، ومدعومة على تلك العجلة الكبيرة المؤطرة بالمطاط والتي لا شك أنها تحتوي على محامل كروية. وكما تريان إن هناك ثلاثة حبال سوداء ممتدة بطول الحائط، وتمرُّ عبر تلك البكرات التي في الأعلى. والآن، حين أسحب هذا الحبل، لاحِظَا ما سيحدث.»

ثم سحب أحد الحبال بشدة، وفي الحال مالت المرآة في هدوء إلى الداخل على العجلة الكبيرة خاصتها، حتى صارت مائلة عبر الخزانة وتوقفت بفعل حاجز مطاطي.

صاح السيد برودريب متعجبًا: «يا إلهي! يا لَه من أمر غريب!»

كان تأثير ذلك غريبًا للغاية بالتأكيد، لأن المرآة كانت الآن قطرية عبر الخزانتين فظهرتَا وكأنهما ممرٌّ واحد طويل له باب عند كل طرف من طرفيه. وحين سِرْنا إلى حيث كانت توجد المرآة، وجدنا أن الفتحة التي كانت تشغلها كان بها لوحٌ من زجاج شفاف، ومما لا شك فيه أنه قد وُضع في مكانه هذا من باب الحيطة لمنع أي شخص من السير عبر الممر والانتقال من خزانة إلى الأخرى، ومن ثم كشف الخدعة.

قال السيد برودريب: «الأمر كلُّه محيرٌ جدًّا. إنني لا أفهم شيئًا الآن.»

رد عليه ثورندايك: «لننتهي من هنا أولًا ثم سأشرح لك كلَّ شيء. لاحِظَا تلك الستارة السوداء. حين أسحب الحبل الثاني، فإنها تنزلق عبر الخزانة وتمنع وصول الضوء. والآن لا تعكس المرآة أيَّ شيء في الخزانة الأخرى؛ بل تبدو قاتمة. والآن سأسحب الحبل الثالث.»

ثم سحب الحبل الثالث، فمالت المرآة في صمت إلى مكانها.

قال ثورندايك: «هناك شيء واحد آخر أريد منكما أن تلاحظاه قبل أن نخرج، وهو تلك المرآة الأخرى التي تقف ووجهها إلى الجدار. بالطبع هذه هي المرآة التي رآها فريد كالفيرلي في البداية عند نهاية الخزانة؛ ومنذ ذلك الحين وهي مرفوعة من مكانها بينما وُضعت مكانها تلك المرآة الكبيرة المتحركة.» ثم أكمل حديثه بعد أن خرجنا من الغرفة: «والآن سأشرح لكما آلية ذلك بالتفصيل. كان من الواضح بالنسبة لي حين سمعتُ قصة فريد كالفيرلي المسكين أن المِرآة قد غُيِّرت، وقد رُسمت رسمة تُمثِّل الترتيبات المحتملة، وقد اتضحت صحتُها فيما بعد. وإليك هذه الرسمة.» ثم أخرج من جيبه ورقة وأعطاها إلى المحامي: «هناك رسمتان. الرسمة ١ توضح المرآة في وضعها الطبيعي حيث تُغلق نهاية الخزانة. حين يقف شخص في الخزانة «أ» سيرى بالطبع انعكاسه أمامه والموضح في «أ١». والرسمة ٢ توضح المرآة وهي مائلة. والآن حين يقف الشخص في الخزانة «أ» فإنه لا يرى انعكاسه أبدًا؛ لكن إذا كان هناك شخص آخر يقف في الخزانة الأخرى وهي الخزانة «ب»، فإن الشخص في الخزانة أ سيرى انعكاس الشخص الذي في الخزانة «ب» والموضح في «ب١»، أي، في نفس الوضع الذي كان انعكاسه يشغله حين كانت المرآة في موضعها الطبيعي.»

قال برودريب: «لقد فهمت الآن، ولكن من قام بإعداد هذه الآلة، وما السبب في صنعها؟»

قال ثورندايك: «سأسألك سؤالًا. هل ألفريد كالفيرلي هو أقرب أقارب فريد؟»

«لا؛ هناك الأخ الأصغر لفريد. ولكن يمكنني القول إن فريد قد كتب وصيته مؤخرًا، وهي تصبُّ بشدة في مصلحة ألفريد.»

قال ثورندايك: «هذا هو التفسير إذن. لقد قام هذان الوغدان بالتآمر ليقودَا صديقنا المسكين إلى الانتحار، ومن الواضح أن راجيرتون كان هو العقل المدبر. لا شك أنه كان يحاول اختلاق قصة تتلاءم مع طبيعة فريد المسكين الذي يؤمن بالخرافات حين سمع بأمر الرجل الصيني على السفينة ووجد في ذلك ضالته. حينها اختلق قصة قتل الماندرين الغريبة واللؤلؤة المسروقة. أنت تتذكَّر أن حالات ظهور الشبح تلك لم تبدأ إلا بعد أن ذُكرت هذه القصة وبعد أن غاب فريد عن المنزل في زيارة. ومما لا شك فيه أنه وأثناء غيابه قام راجيرتون باستبدال المرآة الأصلية واستعاض عنها بالأخرى المتأرجحة؛ وفي الوقت نفسه اشترى ثياب الرجل الصيني والقناع من تجار الأغراض المسرحية. لا شك أنه اعتمد على قدرته على إزالة الزجاج المتأرجح في هدوء واستبدال المرآة الأصلية به قبل التحقيق.»

صاح السيد برودريب: «يا إلهي! لم أسمع من قبل بخطة شائنة ووضيعة أكثر من هذه. لا بد أن هذين الشيطانَين سينالان جزاءهما ويدخلان السجن.»

لكن السيد برودريب كان مخطئًا في ذلك؛ ذلك أن المتآمريَن حين عرفَا أن أمرهما قد كُشِف، غادرَا المنزل وبحلول الليل كانَا قد عبرَا القناة الإنجليزية في سلام؛ وكان عزاء المحامي الوحيد هو أن الوصية قد أُلغيت بسبب الوقائع التي تم الكشف عنها في التحقيق.

أما بالنسبة لثورندايك فلم يسامح نفسه حتى اليوم لأنه سمح لفريد كالفيرلي بأن يذهب إلى المنزل ليلقى حتفه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١