الفصل السابع

الخنجر ذو المقبض الألومنيوم

إن «الاستدعاءات الطارئة»، أي طلبات المساعدة المهنية الفورية والمفاجئة، تُعدُّ من الخبرات التي يختص بها الممارس الطبي أكثر من الممارس القانوني، وقد افترضتُ، حين هجرت الجانب الإكلينيكي من مهنتي وجنحتُ إلى الجانب القانوني منها، أن أيام تلك الاستدعاءات قد ولَّت؛ أن مقاطعتي أثناء تناول طعامي، أو أثناء وقت راحتي، أو أن صوت الجرس الليلي كانت أشياء من الماضي؛ لكن في الواقع العملي كان الأمر عكس ذلك. إن الطبيب الشرعي إن جاز التعبيرُ يقف على الحدود بين المهنتين، وهو معرَّض إلى تقلبات كلتيهما، وهكذا كان يحدث بين الحين والآخر أن يتمَّ استدعاءُ صديقي أو استدعائي من دون سابق إنذار لتقديم خدماتنا المهنية. وهذا هو ما حدث في القضية التي سأقصُّها عليكم.

كنتُ قد انتهيت لتوِّي من أداء طقس «استحمامي» المقدس على نحو وافٍ، وجفَّفتُ نفسي وعلى وشك أن أدسَّ نفسي في أول دفعة من الملابس حين سمعت خطوات سريعة على الدرج، وجاء صوت بولتون مساعد المعمل الخاص بنا عند باب غرفة صديقي.

«هناك رجل بالأسفل يا سيدي ويقول بأنه ينبغي أن يراك في الحال لأمر طارئ للغاية. يبدو أنه يرتجف بشدة يا سيدي …»

كان بولتون يتطرق إلى التفاصيل الخاصة بوصف الرجل وحالته حين سمعتُ صوت خطوات أخرى أسرع، وخاطب صوتٌ غريب ثورندايك.

«لقد أتيتُ طالبًا مساعدتك الفورية يا سيدي؛ لقد وقع أمر مريع للغاية. هناك جريمة قتل شنيعة قد وقعت. أيمكنك أن تأتيَ معي الآن؟»

قال ثورندايك: «سأكون معك بعد لحظات. هل تأكَّد موت الضحية؟»

«بالتأكيد. إن جسده بارد ومتصلِّب. وتعتقد الشرطة …»

قاطعه ثورندايك: «هل تعرف الشرطة أنك أتيتَ إليَّ؟»

«أجل. ولن يُفعلَ شيء حتى وصولك.»

«رائع جدًّا. سأكون مستعدًّا في غضون دقائق قليلة.»

أضاف بولتون بنبرة مقنعة: «وإذا انتظرت بالأسفل يا سيدي، فسأساعد الدكتور على أن يستعدَّ على نحو أسرع.»

وبهذا الإغراء الماكر، أغرى بولتون ذلك المتطفِّل إلى العودة إلى حجرة الجلوس، وبعد ذلك ببرهة قصيرة صعد السلم بصينية صغيرة عليها طعام الإفطار، وقد أودع محتوياتِها في غرفتَينا في حزم مع قول بضع كلمات ملائمة عن حماقة «التعامل مع جرائم القتل على معدة فارغة». في تلك الأثناء كنت وثورندايك قد ارتدينا ملابسنا في سرعة لا يعرفها سوى ممارسي الطب والفنانين الذين يُغيِّرون مرارًا وبسرعة ملابسهم أثناء العروض التي يقدمونها، وفي غضون دقائق نزلنا على الدرج معًا، وذهبنا إلى المعمل لنأخذ بضع أدوات كان ثورندايك يأخذها معه في العادة أثناء ذهابه إلى التحقيق.

وحين دخلنا غرفة الجلوس، كان زائرنا يذرع الغرفة جيئةً وذهابًا بخطوات محمومة، وحين رآنا أمسك بقبعته في تعبير عن الارتياح. وسأل: «هل أنتما مستعدَّان للذهاب؟ عربتي عند الباب.» ومن دون أن ينتظر إجابة منا، هرع إلى الخارج وسبقنا على الدرج بخطوات كبيرة.

كانت العربة عربة كبيرة من نوع بروم، وقد اتسعت لحسن الحظ لثلاثتنا، وبمجرد أن دلفنا إليها وأغلقنا الباب، ضرب السائق على ظهر جواده بالسوط وانطلق بنا مسرعًا.

قال رفيقنا المنزعج: «من الأفضل أن أرويَ لكما بعض ملابسات الحادث بينما نحن في طريقنا. في البداية، اسمي كيرتس، هنري كيرتس؛ وها هي بطاقتي. آه! وها هي بطاقة أخرى، كان ينبغي عليَّ أن أُعطيَكما إياها أولًا. إن محاميَّ السيد مارشمونت كان معي حين اكتشفتُ تلك الحادثة المريعة، وقد أرسلني إليكما. وقد ظلَّ في المنزل ليحرص على عدم اختلال شيء حتى وصولكما.»

قال ثورندايك: «هذا من حكمته. لكن أخبرْنا الآن بما حدث بالتحديد.»

قال السيد كيرتس: «سأفعل. القتيل هو نسيبي واسمه ألفريد هارتريدج، ويؤسفني القول إنه كان — في الواقع — رجلَ سوء. يحزنني أن أتحدث عنه بهذا الشكل — فلا بد من ذكر محاسن موتانا كما تعلمان — ولكن لا يزال علينا أن نتعامل مع الحقائق، حتى ولو كانت مؤلمة.»

وافقه ثورندايك قائلًا: «لا شك في ذلك.»

«كان بيني وبينه مراسلات كثيرة غير سارة — سيخبركما مارشمونت عنها — وتركتُ له البارحة رسالة أطلب منه فيها مقابلته لتسوية الأمور العالقة بيننا وقد حددتُ الثامنة من صباح اليوم موعدًا للقاء؛ لأنني يتحتم عليَّ أن أغادر المدينة قبل الظهر. وقد أجابني في رسالة غريبة للغاية بأنه سيُلاقيني في تلك الساعة، وقد وافق السيد مارشمونت بلطف شديد من جانبه على مرافقتي. ومن ثَم، ذهبنا إلى منزله معًا هذا الصباح، وقد وصلنا في موعدنا في الثامنة تمامًا. وضربنا الجرس عدة مرات وطرقنا الباب طرقًا عنيفًا، لكن حيث إننا لم نتلقَّ ردًّا، نزلنا وتحدثنا إلى الحارس. ويبدو أن ذلك الرجل كان قد لاحظ بالفعل من الفناء أن أنوار غرفة جلوس السيد هارتريدج كانت مضاءةً بالكامل كما كان الحال طوال الليل، وهذا طبقًا لشهادة الحارس الليلي؛ والآن وحين أصبحتْ لدينا شكوكٌ بأن هناك شيئًا ليس على ما يرام، صعد الرجل معنا ودقَّ الجرس وطرق الباب. ثم وحيث انعدمت أيُّ إشارة على وجود أي صوت بالداخل، أدخل الرجل نسخته من المفتاح في الباب وحاول أن يفتحه، لكن دون جدوى، حيث ظهر أن الباب موصد من الداخل. عندئذٍ استدعى الحارس شرطيًّا وبعد استشارته، قررنا بأن هناك ما يسوغ لنا كسر الباب؛ فأحضر الحارس عتلة وبتوحيد جهودنا فُتح الباب في النهاية. ثم دخلنا ويا إلهي! يا دكتور ثورندايك، يا لَه من منظر مريع ذلك الذي وقعت عليه أعيننا! كان نسيبي يرقد قتيلًا على أرضية غرفة الجلوس. لقد تمَّ طعنُه حتى الموت؛ ولم يتمَّ سحبُ الخنجر حتى من الجثة. كان الخنجر لا يزال مثبَّتًا في ظهره.»

ثم مسح الرجل وجهه بمنديله، وكان على وشك أن يُكمل حديثه عن تلك الفاجعة حين دخلت العربة إلى شارع جانبي هادئ بين وستمنستر وفيكتوريا، وتوقفتْ أمام مبنًى طويل وحديث مبنيٍّ بالطوب الأحمر. هبَّ الحارس القلِق ليفتح الباب، ونزلنا أمام المدخل الرئيسي للمبنى.

قال السيد كيرتس: «تقع شقةُ نسيبي في الطابق الثاني. يمكننا أن نستقل المصعد.»

كان الحارس قد أسرع أمامنا وكان يقف بالفعل ويدُه على الحبل. دخلنا المصعد وفي غضون ثواني قليلة نزلنا في الطابق الثاني وقد تَبِعَنا الحارسُ في فضول مختلس عبر الممر. وفي نهاية الممر، كان هناك باب نصف مفتوح به رضوض ومهشَّم إلى حدٍّ كبير. وفوق الباب كان هناك نقش «السيد هارتريدج» والذي كان مكتوبًا بحروف بيضاء، وعبر المدخل كانت تبرز ملامحُ المفتش بادجر الماكرة.

قال المفتش حين ميَّز صديقي: «يسرُّني قدومك يا سيدي. السيد مارشمونت يجلس في الداخل وكأنه كلب حراسة، وهو يزمجر في وجه أيٍّ منَّا إن حاول حتى السير عبر الغرفة.»

كانت كلماته تُشكِّل مجاملة، لكن كان هناك لطفٌ في أسلوب المتحدث جعلني أشكُّ أن المفتش بادجر كان يُبحر بسفينته على شاطئ مدابر للريح.

ثم دلفنا إلى ردهة أو صالة صغيرة، ومنها مررنا إلى غرفة الجلوس، حيث وجدنا السيد مارشمونت يراقب الوضع بصحبة شرطي ومفتش في زيٍّ رسميٍّ. نهض الرجال الثلاثة في هدوء حين دخلنا، وحيَّونا بأصوات هامسة؛ ثم نظرنا جميعًا نحو الطرف الآخر من الغرفة، وظللنا على وضعنا ذلك برهة من الوقت من دون أن نتحدث.

كان هناك في كافة جوانب الغرفة شيءٌ مخيفٌ وبغيض للغاية. ولفَّ جوٌّ من الغموض المأساوي الأشياء العادية؛ وكانت تكمن في أشكالها المألوفة إشارات مشئومة. وما كان مذهلًا على نحو استثنائي هو جوُّ التشويق الخاص بالحياة اليومية العادية التي توقفت فجأة وفي غمضة عين. إن المصابيح الكهربائية — والتي كانت لا تزال تتوهج بلون أحمر قاتم رغم أن أشعة شمس الصيف كانت تتسلَّلُ إلى داخل الغرفة عبر النوافذ — وكذا الكأس النصف ممتلئ والكتاب المفتوح بجوار الكرسي الفارغ، كان يشى كلٌّ منها في رسالة هامسة بالكارثة المفاجئة التي وقعت بسرعة، كما فعلت أصواتُ الرجال المنتظرين الهامسة وحركاتهم الخفيفة، وفوق كلِّ ذلك، الجثة التي تبعث على الرهبة المنبطحة على الأرض من دون حَراك بعد أن كانت قبل ساعات قليلة مفعمة بالحياة.

علَّق المفتش بادجر كاسرًا حاجزَ الصمت أخيرًا: «هناك شيء من الغموض، رغم أن الأمر واضح إلى حدٍّ معين، فالجثة تحكي قصَّتها بنفسها.»

سِرْنا عبر الغرفة وألقينا نظرة على الجثة. كانت لرجل متقدم في السن بعض الشيء، وممددة على مساحة مفتوحة من الأرضية أمام المدفأة ومنبطحة على وجهها بينما كانت الذراعان ممدودتَين. ويبرز من ظهر الرجل تحت كتفه الأيسر المقبض المستدق لأحد الخناجر، وكان ذلك الخنجر في ظهره هو الإشارة الوحيدة على الطريقة التي تُوفي بها الرجل، فيما عدا أثرًا لدماء على شفتيه. وليس ببعيد عن الجثة كان هناك مفتاحُ ساعةٍ ملقًى على السجادة، وبعد أن رمقت الساعة الموضوعة على رف المدفأة بنظرة سريعة، وجدتُ أن واجهتها الزجاجية كانت مفتوحةً.

ثم تابع المفتش حديثَه بعد أن لاحظ نظرتي إلى الساعة: «كما ترون، كان يقف أمام المدفأة يملأ الساعة، ثم تسلَّل القاتل من خلفه — ولا بد أن صوت المفتاح وهو يستدير غطَّى على صوت حركات القاتل — ثم طعنه. ومن موضع الخنجر في الجانب الأيسر من الظهر، ترون أن القاتل لا بد وأنه كان أعسرَ. كلُّ هذا واضح بما يكفي. ولكن ما ليس بواضح هو كيفية دخول القاتل وكيفية خروجه مرة أخرى.»

قال ثورندايك: «أعتقد أن الجثة لم يتمَّ تحريكُها.»

«لا. لقد أرسلنا إلى الدكتور إيجرتون وهو الطبيب الشرعي للشرطة، وقد أكد وفاة الرجل. وسيعود بعد قليل لمقابلتك وللترتيب بشأن التشريح.»

قال ثورندايك: «إذن لن نمسَّ الجثة حتى يعود، عدا أننا سنقيس درجة حرارتها وسننثر مادة مسحوقة على مقبض الخنجر.»

ثم أخرج من حقيبته ترمومترًا كيمائيًّا طويلًا ومنفاخًا أو نافث مسحوق. ووضع الأول تحت ملابس القتيل أمام بطنه، وبالثاني نفخ بعض المسحوق الأصفر الناعم على المقبض الجلدي الأسود للخنجر. وانحنى المفتش بادجر في حماسة ليتفقَّد مقبض الخنجر حين نفخ ثورندايك المسحوق الذي كان قد استقر بالتساوي على سطحه.

ثم قال في نبرة تنمُّ عن الإحباط: «لا توجد أيُّ بصمات. لا بد وأنه كان يرتدي قفازًا. لكن ذلك النقش يعطي إشارة واضحة للغاية.»

ثم أشار وهو يتحدث إلى الغطاء المعدني للخنجر والذي كانت منقوشة عليه بصورة غير متقنة كلمة واحدة وهي TRADITORE.

أكمل المفتش حديثه قائلًا: «هذه الكلمة هي المرادف الإيطالي لكلمة «خائن»، ولديَّ معلومات من الحارس تتناسب مع هذه الإشارة. سنُدخله بعد قليل، وستسمع منه.»

قال ثورندايك: «في تلك الأثناء، وحيث إن وضعية الجثة قد تكون ذات أهمية في التحقيق، سآخذ صورة أو اثنتين وسأرسم مخطَّطًا تقريبيًّا. أتقول إنه لم يتمَّ تحريكُ أيِّ شيء؟ مَن قام بفتح النوافذ؟»

قال السيد مارشمونت: «كانت مفتوحة حين دخلنا. كانت ليلة البارحة شديدة الحرارة، كما تتذكر. لم يتمَّ تحريكُ أيِّ شيء على الإطلاق.»

ثم أخرج ثورندايك من حقيبته كاميرا صغيرة قابلة للطي، وحاملًا تليسكوبيًّا ثلاثيَّ القوائم، وشريطَ قياس خاصًّا بالمساحين، ومقياسًا من خشب البقس، ومجموعة أوراق للرسم. ثم نصب الكاميرا في إحدى الزوايا، والتقط صورة آخذًا بذلك منظرًا شاملًا للغرفة متضمنًا الجثة. ثم تحرك إلى الباب والتقط صورة أخرى.

وقال: «هلَّا وقفتَ أمام الساعة يا جيرفس ورفعتَ يدك وكأنك تملؤها؟ أشكرك. احتفظ بوضعيتك هذه بينما ألتقط صورة.»

وظللت على تلك الوضعية التي يُعتقد بأن القتيل كان عليها لحظة مقتله بينما كان يتم التقاط الصورة، ثم وقبل أن أتحرك، وضع ثورندايك علامتين مكان موضع قدمي بطبشور أبيض. ثم نصب الحامل الثلاثي القوائم على العلامتين اللتين وضعهما بالطبشور، والتقط صورتين من ذلك الموضع، ثم التقط صورة للجثة نفسها.

وبعد أن انتهى من التصوير، شرع بعد ذلك بسرعة ومهارة رائعتين في رسم مخطط للغرفة على مجموعة أوراق الرسم، موضِّحًا موضع الأشياء المختلفة بدقة — بمقياس ربع بوصة للقدم الواحدة — وكانت تلك عملية راقبها المفتِّش بشيء من التململ.

وعلَّق المفتش قائلًا: «أنت لا تدخرُ أيَّ مجهود أيها الدكتور.» ثم أضاف وهو ينظر إلى ساعته نظرةً مطوَّلة: «ولا تضيعُ أيَّ وقت كذلك.»

رد عليه ثورندايك بينما كان يفصل الرسمة المنتهية من مجموعة أوراق الرسم: «لا. إنني أحاول أن أجمع كافة الحقائق التي قد تكون ذات صلة بالقضية. قد يتضح بعد ذلك أنها عديمة الجدوى، أو قد تكون بالغة الأهمية؛ لا يمكن أبدًا أن نعرف سلفًا؛ لذا فإنني أجمع كافة الحقائق. أعتقد أن الدكتور إيجرتون قد وصل.»

حيَّا الطبيب الشرعي ثورندايك في ودٍّ واحترام وشرعنا في الحال في فحص الجثة. ثم دوَّن صديقي درجة الحرارة بعد أن سحب الترمومتر، ومرَّرَه إلى الدكتور إيجرتون.

علَّق الأخير بعد أن رمقه بعينيه: «لقد قُتل قبل حوالي عشر ساعات مضت. إنها لَجريمةٌ غامضة وواضحة.»

قال ثروندايك: «هي كذلك. تحسَّسْ هذا الخنجر يا جيرفس.»

لمستُ المقبض، وشعرتُ بصوت فرقعة العظم المعروفة.

قلت متعجبًا: «إن الطعنة نافذة إلى حافة أحد الضلوع!»

«أجل؛ لا بد وأن سبب ذلك طعنة قوية للغاية. ولاحظ أن الملابس ملويَّة بعض الشيء، وكأن شفرة الخنجر قد تمَّ تدويرها وهي في طريقها إلى الداخل. تلك سمة غريبة للغاية، خاصة حين تقترن بعنف الطعنة.»

قال الدكتور إيرجتون: «إنها سمة فريدة بلا شك، لكنني لا أرى إن كانت ستُساعدنا كثيرًا. هل سنسحب الخنجر قبل أن نحرِّك الجثة؟»

أجاب ثورندايك: «بالتأكيد، وإلا فسيتسبب تحريكُ الجثة في جروح جديدة. لكن انتظر.» ثم أخرج خيطًا من جيبه، وبعد أن سحب الخنجر بضع بوصات قام بمدِّ الخيط بموازاة سطح النصل. ثم أعطاني طرفَي الخيط لأُمسك بهما وسحب السلاح بالكامل إلى الخارج. وبينما كان النصل يخرج، اختفى الالتواء الذي كان في الملابس. وقال: «لاحظْ أن الخيط يُشير إلى اتجاه الجرح، وأن القطع في الملابس لم يَعُد يتماشى معه. هناك زاوية كبيرة بين هذا وذاك، وهذه الزاوية هي زاوية التفاف النصل.»

قال الدكتور إيجرتون: «أجل، هذا غريب، لكنني وكما قلت أشك أن هذا سيساعدنا.»

أدركه ثورندايك بنبرة جافة: «نحن نستخرج الحقائق في الوقت الحالي.»

وافقه الآخر وقد احمرَّ وجهُه بعض الشيء: «تمامًا، وربما من الأفضل أن ننقل الجثة إلى غرفة النوم ونفحص الجرح فحصًا مبدئيًّا.»

حملنا الجثة إلى غرفة النوم، وبعد أن فحصنا الجرح من دون أن نستنتج أيَّ معلومة جديدة، غطينا الجثة بملاءة وعُدْنا إلى حجرة الجلوس.

قال المفتش: «إذن أيها السادة، لقد فحصتم الجثة والجرح، وقمتم بقياس الأرضية والأثاث، والتقطتم الصور، ورسمتم مخططًا، لكن يبدو أننا لا نُحرز تقدُّمًا. لدينا رجل قُتل في شقته. وهناك مدخل واحد فقط إليها، وهذا المدخل كان موصدًا من الداخل في وقت وقوع الجريمة. وتقع النوافذُ على مسافة بضع وأربعين قدمًا من الأرض؛ ولا يوجد هناك مواسير لتصريف الأمطار بالقرب من أيٍّ منها؛ وتلك النوافذ مستوية مع الجدار ولا يوجد موطئُ قدمٍ على الجدار لأن تقف عليه ولو ذبابة. والمدفأة حديثة، ولا يوجد مساحة ولو حتى لقطة بحجم عادي تكفي لأن تتسلَّق عبر المدخنة. لذا فالسؤال الآن هو: كيف دخل القاتل وكيف خرج مرة أخرى؟»

قال السيد مارشمونت: «ومع ذلك، فإن الحقيقة تقول بأنه دخل، وأنه ليس هنا الآن؛ ومن ثَم فلا بد وأنه خرج؛ ومن ثَم فلا بد وأنه كان من الممكن بالنسبة له أن يخرج. وعلاوة على ذلك، لا بد وأنه كان من الممكن له أن يكتشف كيف يخرج.»

ابتسم المفتش بنوع من الحدة، لكنه لم يُجِب.

قال ثورندايك: «يبدو أن سياق الأحداث كالآتي: يبدو أن الضحية كان وحده؛ حيث ينعدم أيُّ أثر لشخص آخر معه في الغرفة، ولا يوجد سوى كأس واحد نصف ممتلئ على الطاولة. وكان الضحية يقرأ وهو جالس حين على ما يبدو لاحظ أن الساعة قد توقفت عند الثانية عشرة إلا عشر دقائق؛ فوضع كتابه على وجهه على الطاولة، ونهض ليملأ الساعة، وبينما كان يملؤها لقيَ حتفه.»

أضاف المفتش: «بفعل طعنة على يد رجل أعسر تسلَّل من خلفه على أطراف أصابعه.»

أومأ ثورندايك وقال: «يبدو الأمر كذلك. ولكن الآن لنستدعِ الحارس، ولنسمع ما سيقول.»

لم يكن من الصعب إيجاد الحارس، حيث كان في الواقع يشارك في تلك اللحظة في فحص للبناية من خلال صندوق الرسائل.

سأله ثورندايك حين دخل الرجل وبدا خجلًا بعض الشيء: «أتعرف مَن زار هذه الشقة ليلة أمس؟»

كانت إجابته: «لقد دخل وخرج كثيرون من البناية، لكن لا يمكنني أن أجزم إن كان أيٌّ منهم قد أتى لهذه الشقة أم لا. وقد رأيتُ الآنسة كيرتس وهي تدخل إليها عند التاسعة تقريبًا.»

صاح السيد كيرتس مذهولًا: «ابنتي! لم أكن أعلم ذلك.»

أضاف الحارس: «لقد غادرت بحلول التاسعة والنصف تقريبًا.»

سأل المفتش: «أتعرف سببَ مجيئها؟»

أجاب السيد كيرتس: «يمكنني أن أخمِّن.»

قاطعه السيد مارشمونت: «إذن لا تفعل. لا تُجب على أيِّ سؤال.»

قال المفتش: «أنت حذر بشدة يا سيد مارشمونت؛ نحن لا نشك بالسيدة الشابة. نحن لا نسأل على سبيل المثال إن كانت عسراء.»

ثم رمق السيد كيرتس بنظرة ماكرة وهو يُدلي بذلك التعليق، ولاحظتُ أن موكلنا أصبح شاحب اللون فجأة، في حين أشاح المفتش بنظره بعيدًا عنه بسرعة، وكأنه لم يلحظ ذلك التغيير عليه.

ثم قال وهو يوجِّه حديثه للحارس: «أخبرْنا عن أولئك الإيطاليين مرة أخرى. متى جاء أولهم إلى هنا؟»

أجاب الرجل: «قبل أسبوع تقريبًا. كان رجل مظهره عادي — والذي بدا وكأنه عازف أرغن يدوي — وقد جاء برسالة إلى مكتبي. كانت الرسالة في ظرف قذر، ومعنونة ﺑ «إلى المحترم السيد هارتريدج. بناية براكينهيرست»، وكان ذلك بخطِّ يدٍ سيِّئ للغاية. أعطاني الرجل الرسالة ثم طلب مني أن أعطيَها للسيد هارتريدج؛ ثم مشي، وأخذتُ الرسالة ووضعتُها في صندوق البريد.»

«ماذا حدث بعد ذلك؟»

«في اليوم التالي جاءت عجوز إيطالية — إحدى تلك الحقيرات من قارئات الطالع ومعها قفص به طيور موضوع على حامل — ووقفتُ أمام البوابة الرئيسية. وسرعان ما طردتُها لكنها عادت من جديد بعد عشر دقائق ومعها الطيور. ثم طردتُها مرة أخرى، وظللتُ أطردها وتعود هي من جديد، حتى أعياني فعلُ ذلك.»

علَّق المفتش مبتسمًا وهو يرمق كرش الرجل البارز: «يبدو أنك اكتسبت بعض الوزن منذ ذلك الحين.»

أجاب الحارس باستنكاف قائلًا: «ربما. وفي اليوم التالي لذلك كان هناك بائع مثلجات، وكان من النوع الذي يبيع بضاعة رديئة. كان الرجل واقفًا بالخارج وكأنه متجمد على الرصيف. وقد ظلَّ يُعطي عينات للأولاد العاملين في المتاجر ليتذوَّقوها، وحين حاولتُ أن أُبعدَه طلب مني ألَّا أقاطعَ عمله. ويا لَه من عمل بالفعل! وهكذا كان الأولاد يتراصُّون واحدًا تلو الآخر ويلعقون قيعان الملاعق الزجاجية بألسنتهم حتى تفاقم غضبي. وظل الرجل يُزعجني بفعله طوال اليوم.

وفي اليوم التالي لذلك كان هناك رجلٌ يبدو كالقرد الأجرب ومعه أرغن يدوي. وكان هذا هو الأسوأ بينهم. وكان كافرًا أيضًا؛ فقد ظل يخلط بين الترانيم المقدَّسة والأغاني الهزلية: «روك أوف إيدجز» و«بيل بايلي» و«كوجوس أنيمال» و«أوفر ذا جاردن وول.» وحين حاولتُ أن أُبعدَه، هرع ذلك القرد الصغير الفاسد إلى ساقي؛ ثم ابتسم وراح يعزف «ويت تيل ذا كلاودز رول باي.» وقد كان ذلك مقززًا للغاية.»

ومسح الرجل على جبينه حين تذكَّر ذلك، وابتسم المفتش تقديرًا لما عاناه.

قال المفتش: «وهل كان هذا هو آخرهم؟» وبينما أومأ الحارس إيجابًا وهو عابس، سأله: «هل تستطيع التعرف على الرسالة التي أعطاك إياها الرجل الإيطالي؟»

أجابه الحارس في احترام بارد: «أجل، أستطيع.»

أسرع المفتش إلى خارج الغرفة وعاد بعد دقيقة ومعه صندوق رسائل في يده.

وقال وهو يضع الصندوق المنتفخ على الطاولة ويسحب كرسيًّا: «كان هذا في جيب صدره، والآن هناك ثلاثة رسائل مربوطة معًا. آه! هذه هي.» ثم فك الشريط، وأخرج ظرفًا متسخًا معنونًا بخطِّ يدٍ سريعة وأمية: «إلى المحترم السيد هارتريدج.» ثم قال: «أهذه هي الرسالة التي أعطاك إياها الرجل الإيطالي؟»

تفحَّصها الحارس بدقة. وقال: «أجل، إنها هي.»

سحب المفتش الرسالة خارج الظرف وبينما كان يفتحها، ارتفع حاجباه من الذهول.

ثم قال وهو يسلم الورقة إلى ثورندايك: «ما رأيك أيها الدكتور؟»

نظر إليها ثورندايك في صمت برهة من الوقت، وكان يركز تركيزًا عميقًا. ثم حملها نحو النافذة، وبعد أن أخرج عدسته من جيبه فحص الورقة عن كثب في البداية بالعدسة قليلة قدرة التكبير، ثم بعدسة كودينجتون ذات قدرة التكبير العالية.

وقال المفتش وهو يبتسم إليَّ ابتسامة خبيثة: «كنت أظن أنك ستستطيع رؤية ذلك بعينك المجردة. إنه تصميم واضح إلى حدٍّ كبير.»

أجاب ثورندايك: «أجل، إنه إنتاج مثير جدًّا للاهتمام. ما رأيك أيها السيد مارشمونت؟»

أخذ المحامي الرسالة ونظرتُ أنا إليها من فوق كتفه. كان ما فيها مثيرًا للفضول. كانت الرسالة التالية مكتوبةً بحبر أحمر على أكثر أنواع الورق شيوعًا، وكانت الكتابة سريعة بنفس سرعة الخط المكتوب به العنوان: «لديك مهلة ستة أيام لفعل ما هو صائب. ومن خلال العلامة بعاليهِ، اعرف ما ينبغي أن تتوقعه إذا لم تفعل ذلك.» وكانت العلامة المشار إليها هي جمجمة وعظمتان متقاطعتان، وكانت مرسومة بوضوح ولكن ليس بمهارة، وكانت مرسومة في الجزء العلوي من الورقة.

قال السيد مارشمونت وهو يسلِّم الورقة إلى السيد كيرتس: «يفسِّر هذا سبب الرسالة الغريبة التي كتبها إليك بالأمس. إنها معك، أليس كذلك؟»

أجاب السيد كيرتس: «بلى، ها هي.»

ثم أخرج من جيبه رسالةً وقرأ بصوتٍ عالٍ:

أجل، تعالَ إذا ما أردت، رغم أنها ساعة غريبة للغاية. رسائل التهديد منك مسلية جدًّا بالنسبة لي. إنها تستحق أن تُعرض على مسرح سادلرز ويلز في عروضه الرئيسية.

ألفريد هارتريدج

سأله المفتش بادجر: «هل ذهب السيد هارتريدج إلى إيطاليا من قبل؟»

أجابه السيد كيرتس: «أوه، أجل. لقد مكث في كابري تقريبًا طوال العام المنصرم.»

«إذن هذا يُعطينا مؤشرًا. انظر. هاتان هما الرسالتان الأخريان؛ العلامة البريدية الخاصة بإي سي — سافرون هيل هو إي سي. وانظر إلى ذلك.»

وأخرج آخر رسالة من الرسائل الغريبة ورأينا أنه بجانب المومنتو موري التي هي عبارة عن صورة جمجمة وعبارة «تذكر الموت» باللاتينية، كانت الرسالة تحتوي على ثلاث كلمات فقط: «احذر! تذكَّر كابري!»

«إذا ما انتهيت أيها الدكتور، فسأخرج وأُلقي نظرة في أرجاء «إيطاليا الصغيرة». لا ينبغي أن يكون إيجادُ هؤلاء الإيطاليين الأربعة أمرًا صعبًا، ولدينا الحارس هنا ليتعرف عليهم.»

«قبل أن تذهب، هناك مسألتان صغيرتان أريد أن نحسمهما. المسألة الأولى هي الخنجر؛ أعتقد أنه في جيبك. هل لي بأن أُلقيَ نظرة عليه؟»

أخرج المفتش الخنجر من جيبه مرغمًا وسلَّمه إلى صديقي.

قال ثورندايك وهو ينظر إلى الخنجر بإمعان: «إنه سلاح فريد للغاية.» وراح يقلبه لينظر في أجزائه المختلفة. «إنه فريد في شكله والمادة المصنوع منها. لم أرَ من قبل مقبضًا من الألومنيوم، والجلد المغربي غريب بعض الشيء.»

قال المفتش: «يستخدم الألومنيوم من أجل خفة الوزن، وأتوقع أنه صُنع رفيعًا ليُحمل في حامل الذراع الخاص به.»

قال ثورندايك: «ربما.»

ثم استمر في فحصه للخنجر، ثم أخرج عدسة من جيبه مما أبهج المفتش.

وقال المفتش المرح: «لم أرَ في حياتي رجلًا مثله! ينبغي أن يكون شعاره: «نحن نكبِّركم.» أعتقد أنه سيقيس الخنجر في الخطوة التالية.»

ولم يكن المفتش مخطئًا، فبعد أن رسم ثورندايك السلاح رسمًا تقريبيًّا في ورق الرسم الخاص به، أخرج من حقيبته مسطرةً قابلة للطي ومقياسًا دقيقًا. ثم شرع بهذه الأدوات في قياس أبعاد أجزاء الخنجر المختلفة بعناية ودقة فائقتَين ثم أدخل كلَّ قياس في مكانه على الرسم مع تدوين بعض التفاصيل الوصفية الموجزة.

ثم قال بعد برهة وهو يُعيد الخنجر إلى المفتش: «المسألة الأخرى تتعلق بالمنازل المقابلة.»

ثم سار نحو النافذة ونظر خارجها إلى الجزء الخلفي من صفٍّ من المباني الطويلة المشابهة للمبنى الذي كنا فيه. كانت المباني الأخرى على بُعد ثلاثين ياردة تقريبًا، وكانت تفصلُ بيننا وبينها قطعةُ أرض مزروعة بشجيرات وبها مسارات متقاطعة من الحصى.

أكمل ثورندايك حديثه قائلًا: «إذا كانت أيُّ شقة من هذه الشقق مشغولةً ليلة أمس، فقد نحصل على شاهد عيان على الجريمة. لقد كانت هذه الغرفة مضاءةً إضاءةً براقة، وكانت كلُّ الستائر مفتوحة؛ لذا فإن أيَّ شخص كان يُشاهد الغرفة من أيٍّ من هذه النوافذ سيستطيع أن يرى ما بداخل الغرفة وبوضوح شديد أيضًا. قد يكون من المجدي أن ننظرَ في هذا الأمر.»

قال المفتش: «أجل، هذا صحيح. لكنني أتوقع إن كان أيٌّ منهم قد رأى شيئًا أنه سيتقدم سريعًا بما يكفي حين يقرأ الأخبار في الصحف. لكن ينبغي أن أذهب الآن، وسينبغي عليَّ أن أُخرجَكم من هنا.»

وفيما كنا ننزل الدرج، أعلن السيد مارشمونت عن نيته زيارتنا في المساء وأضاف: «إلا إذا كنتما تريدان أيَّ معلومات مني الآن.»

قال ثورندايك: «أجل، أنا أريد ذلك. أريد أن أعرف مَن المستفيد من موت هذا الرجل.»

أجاب مارشمونت: «هذه قصة غريبة. لننعطف إلى تلك الحديقة التي رأيناها من النافذة. سنتمتع ببعض الخصوصية هناك.»

ثم أشار إلى السيد كيرتس بالانتظار وحين غادر المفتش مع الطبيب الشرعي، استطعنا إقناع الحارس أن يُدخلنا إلى الحديقة.

بدأ السيد مارشمونت حديثه وهو ينظر للأعلى في فضول نحو المنازل العالية المقابلة قائلًا: «السؤال الذي طرحتَه إجابتُه في غاية البساطة. إن الشخص الوحيد المستفيد استفادة مباشرة من موت ألفريد هارتريدج هو منفذ وصيته ووارثه الوحيد، وهو رجل يُدعى ليونارد وولف. وهو ليس قريبًا للقتيل، إنما هو مجرد صديق له، لكنه يرث التركة كلَّها — وهي تُقدَّر بحوالي عشرين ألف جنيه — والملابسات هي كالآتي: كان ألفريد هارتريدج لديه أخ، وكان هو أكبر من أخيه، وكان الأخ الأصغر هو تشارلز وقد مات قبل وفاة والده، تاركًا أرملة وثلاثة أبناء. وقبل خمس عشرة سنة تُوفي الأب تاركًا كلَّ ما يملك إلى ألفريد، وكان يعتقد أنه سيُعيل أسرة أخيه وسيجعل من أبنائه ورثة له.»

سأله ثورندايك: «ألم يكن هناك وصية؟»

«تحت ضغط شديد من أصدقاء أرملة ابنه، كتب الرجل العجوز وصية له قبل وفاته بوقت قصير؛ لكنه حينها كان طاعنًا جدًّا في السن ويتصرف بطريقة طفولية؛ لذا طعن ألفريد في الوصية على أساس التأثير غير المشروع، وفي النهاية تم إلغاء الوصية. ومنذ ذلك الحين لم يدفع ألفريد هارتريدج أيَّ بنس في سبيل إعالة أسرة أخيه. ولولا موكلي السيد كيرتس، لكانوا قد ماتوا من شدة الجوع؛ لقد أخذ على عاتقه بالكامل إعالة الأرملة وتعليم الأبناء.

ومؤخرًا اتخذتِ الأمورُ منحًى خطيرًا لسببين. السبب الأول هو أن الابن الأكبر لتشارلز وهو إدموند قد بلغ سنَّ الرشد. وقد عيَّنه السيد كيرتس لدى محامٍ، وبما أنه الآن مؤهل على أكمل وجه وحصل على فرصة شراكة رائعة بينه وبين هذا المحامي، فقد كنا نضغط على ألفريد لتقديم رأس المال اللازم بما يتفق مع رغبة والده. وقد رفض فعل ذلك، وكنا سنزوره هذا الصباح بخصوص هذا الأمر. أما السبب الثاني فيشتمل على قصة غريبة ومشينة. هناك شخص يُدعى ليونارد وولف وقد كان صديقًا حميمًا للقتيل. وقد يصح القول حين أقول إنه رجل ذو شخصية سيئة، وكانت علاقتهما مؤذية لهما هما الاثنان. وكان هناك أيضًا امرأة تُدعى هيستر جرين، وكان لها مزاعمُ معينةٌ بحق القتيل، والتي نحن في غنًى عن الخوض في تفاصيلها الآن. والآن أبرم ليونارد وولف والقتيل ألفريد هارتريدج اتفاقًا وكان شرطاه هما: أن يتزوج وولف من هيستر جرين، وأن يهبَ له ألفريد هارتريدج في المقابل كلَّ ما يملكه، على أن تتحول الملكية له بعد وفاة هارتريدج.»

سأله ثورندايك: «وهل تم هذا الاتفاق؟»

«أجل، لسوء الحظ. لكننا كنا نأمل أن نجدَ شيئًا يمكن أن نفعله لصالح الأرملة والأبناء أثناء فترة حياة هارتريدج. لا شك أن ابنة موكلي — الآنسة كيرتس — قد أتتْه ليلة أمس في مهمة مشابهة — وهو تصرُّفٌ أحمق للغاية، حيث إن المسألة كانت في أيدينا؛ لكن يجب أن تعرف أنها مخطوبة لإدموند هارتريدج — وأتوقع أن المقابلة كانت عاصفة جدًّا.»

ظل ثورندايك صامتًا لبرهة، وراح يسير ببطء على طول الممر المصنوع من الحصى، وكانت عيناه مثبتتين على الأرض، ليس بشكل تجريدي، بل بنظرات فاحصة يقظة تتنقل بين الشجيرات والجنبات، وكأنه يبحث عن شيء ما.

ثم سأل قائلًا: «لأي نوع من الرجال ينتمي ليونارد وولف هذا؟ من الواضح أنه نذل وضيع، لكن كيف هو مِن مناحٍ أخرى؟ أهو أحمق على سبيل المثال؟»

قال السيد كيرتس: «على الإطلاق. أعتقد أنه كان فيما مضى مهندسًا، وهو مهندس ميكانيكي بارع بشدة. ومؤخرًا، كان يعيش على أموالٍ أتتْه، وقد أمضى وقته وأنفق أمواله في المقامرة والتهتك. ومن ثَم فإنني أتوقع أنه يعاني من مشاكل مالية في الوقت الراهن.»

«وكيف هو مظهره؟»

أجاب السيد كيرتس: «لم أرَه سوى مرة واحدة، وكل ما يمكنني أن أتذكَّرَه هو أنه قصيرٌ بعض الشيء، وحسنُ المظهر ونحيلٌ وحليقُ الذقن، وأنه فقد إصبعه الأوسط في يده اليسرى.»

«وأين يعيش؟»

قال السيد مارشمونت: «إلتام، في كِنت. في مورتون جرانج في إلتام. والآن إن كنتَ قد حصلتَ على كل المعلومات التي طلبتَها، فينبغي عليَّ أن أنصرف وكذلك السيد كيرتس.»

صافحَنا الرجلان وأسرعَا في طريقهما، تاركين ثورندايك يُحدِّق بإمعان في أحواض الزهور المغبرة.

قال ثورندايك وهو ينحني لينظر تحت شجيرة إكليل غار: «إنها قضية غريبة ومثيرة يا جيرفس. إن المفتش يتبع أحد الخيوط بقوة، وهي وسيلةُ إلهاءٍ واضحة للغاية؛ لكن هذا هو شأنه. آه، ها قد أتى الحارس، ولا شك أنه ينوى أن يُخرجنا، بينما …» ثم ابتسم بحرارة إليه وهو يقترب وسأله: «أين هي واجهة هذه المباني؟»

أجابه الحارس: «شارع كوتمان يا سيدي. إنها كلَّها شققٌ مكتبية تقريبًا.»

«وماذا عن أرقامها؟ ما على سبيل المثال رقم المبنى الذي به تلك النافذة المفتوحة التي في الطابق الثاني؟»

«هذا رقم ستة؛ لكن رقم المبنى المقابل للمبنى الذي به شقة السيد هارتريدج هو ثمانية.»

«شكرًا لك.»

كان ثورندايك يتحرك بعيدًا عنه حين استدار ثانية فجأة نحو الحارس.

وقال: «بالمناسبة، لقد سقط مني شيءٌ من النافذة، إنها قطعة معدنية صغيرة ومسطحة، كهذه.» ثم رسم على ظهر بطاقة زيارته رسمةً متقنة لقرص دائري به ثقبٌ مسدَّس الشكل، وأعطى البطاقة للحارس. واستطرد قائلًا: «لا أعرف أين سقطت مني، تلك الأشياء تتدحرج بسرعة؛ لكن يمكنك أن تطلب من البستاني أن يبحث عنها. سأعطيه جنيهًا إذا ما أحضرها إلى منزلي؛ ذلك أنها ورغم أنها غير ذات فائدة لأي أحد، فإنها ذات قيمة كبيرة لي.»

لمس الحارس قبعتَه في حماسة ونشاط تحيةً لنا، وفيما خرجنا من البوابة، نظرتُ خلفي ووجدت الرجل يخوض بالفعل بين الشجيرات.

ظللت أفكر لفترة طويلة فيما يبحث عنه الحارس. أنا لم أرَ ثورندايك يُسقط أيَّ شيء، ولم يكن من شِيَمه أن يلهوَ بأي شيء ذي قيمة لديه. وكنتُ على وشك أن أسأله عن الأمر حين استدار بحدة نحو شارع كوتمان وتوقف أمام مدخل البناية رقم ستة، وبدأ يقرأ بعناية أسماء المقيمين فيها.

وقرأ بصوت عالٍ: «الطابق الثالث، السيد توماس بارلو، وكيل تجاري. هممم! أعتقد أننا سنتفقَّد السيد بارلو.»

ثم خطَا خطوات سريعة على الدرج الحجري وتبعتُه حتى وصلنا إلى الطابق الثالث ونحن نلهث بعض الشيء. وخارج باب شقة الوكيل التجاري توقف ثورندايك للحظة، وتسمَّعنا بفضول إلى صوت أقدام متقطع يأتي من الداخل. ثم فتح الباب في هدوء ونظر إلى داخل الشقة. وبعد أن ظل هكذا لدقيقة تقريبًا، نظر إليَّ بابتسامة عريضة وفتح الباب على مصراعيه من دون أن يُحدثَ أيَّ صوت. وفي الداخل، كان هناك فتًى طويلٌ وهزيل في الرابعة عشر تقريبًا وكان يتدرَّب من دون مهارة منه على اللعب بلعبة تعرف باسم الديابولو؛ وكان الفتى منهمكًا فيما يقوم به حتى إننا دخلنا من الباب وأغلقناه من دون أن يلحظَ ذلك. وبعد برهةٍ أخطأتِ البكرةُ السقوط على الحبل وطارت إلى سلة مهملات ورقية كبيرة؛ فاستدار الفتى ليجد نفسه أمامنا، فاعتراه الارتباك فجأة.

قال ثورندايك: «اسمح لي.» وأخذ ينقِّب إلى حدٍّ ما من دون مبرر في سلة المهملات الورقية، ثم أعطى اللعبة لصاحبها. ثم أضاف: «لستُ في حاجة لأن أسأل إن كان السيد بارلو موجودًا أو إن كان سيعود عما قريب.»

قال الفتى وهو يتعرَّق من الحرج: «لن يعود اليوم، وقد غادر قبل أن آتيَ. لقد تأخرتُ بعض الشيء.»

قال ثورندايك: «أفهم ذلك. الطائر المبكِّر يلتقط الدودة، أما المتأخر فيتسنَّى له اللعب بالديابولو. كيف عرفتَ أنه لن يأتيَ؟»

«لقد ترك لي رسالة. ها هي.»

ثم أظهر الورقة، والتي كانت مكتوبةً بحبر أحمر وبخط منمَّق. فحصها ثورندايك بإمعان ثم سأله:

«هل كسرتَ المحبرة بالأمس؟»

حدَّق الفتى به في ذهول. وأجابه: «أجل فعلتُ. كيف عرفتَ؟»

«لم أعرف، أو ربما لم يكن ينبغي لي أن أسأل. لكن أرى أنه استخدم قلمه ليكتب هذه الرسالة.»

نظر الفتى إلى ثورندايك في ريبة بينما أكمل الآخر:

«لقد أتيتُ لأرى إن كان السيد بارلو هو الرجل الذي كنت أعرفه؛ لكنني أعتقد أنه بإمكانك أن تُخبرني. كان صديقي طويلًا ونحيلًا، داكن البشرة وحليق الذقن.»

قال الفتى: «ليس هو إذن. السيد بارلو نحيلٌ لكنه ليس طويلًا ولا داكنَ البشرة. إن لحيته رملية اللون ويرتدي نظارة ويضع شعرًا مستعارًا. أنا أعرف الشعر المستعار من مجرد النظر إليه.» ثم أضاف بنبرة ماكرة: «لأن أبي يضع شعرًا مستعارًا، وهو يعلقه على المسمار لكي يمشطَه؛ ويسبُّني حين أضحك عليه.»

فأدركه ثورندايك قائلًا: «لقد جرح صديقي يده اليسرى.»

قال الفتى: «لا أعرف شيئًا عن ذلك، فالسيد بارلو يرتدي القفاز على نحو شبه دائم؛ ودائمًا ما يرتدي واحدًا في يده اليُسرى على أيِّ حال.»

«آه، حسنًا! سأترك له رسالة الآن، إذا أحضرتَ لي ورقة. ألديك حبر؟»

«هناك البعض منه في الزجاجة. سأغطس القلم في الحبر لأجلك.»

توجَّه الفتى إلى الخزانة وأخرج منها مجموعة من أوراق الكتابة الرخيصة ومجموعة مشابهة من المظاريف، وبعد أن غطَّس القلم في أسفل زجاجة الحبر، أعطاه لثورندايك الذي جلس ودوَّن بسرعة رسالة قصيرة. ثم طوى الورقة، وكان على وشك أن يعنون المظروف حين بدا أنه غيَّر رأيه فجأة.

قال وهو يدسُّ الورقة المطوية في جيبه: «لا أعتقد أنني سأترك هذه الرسالة. لا. أخبر السيد بارلو أنني — السيد هوراس بادج — قد أتيتُ وقُل له إنني سأعرج عليه مرة أخرى في خلال يوم أو اثنين.»

راقب الفتى خروجنا في ارتباك وحيرة، وحتى إنه أتى إلى بسطة الدرج من أجل أن ينظر إلينا من فوق الدرابزين؛ حتى وقعت عينُه في عين ثورندايك على نحو غير متوقع، فسحب الفتى رأسَه بصورة مفاجئة ملحوظة وانسحب وهو في حالة اضطراب.

وفي الحقيقة، لم أكن في حيرة أقل من الفتى عامل المكتب بما فعل ثورندايك؛ ذلك أنني لم أجد فيما فعل صلة بالتحقيق الذي أفترض أنه كان يعمل عليه، والقشة الأخيرة التي أضافها إلى شعوري بالفضول الشديد كانت حين توقف عند نافذة على الدرج وأخرج الورقة من جيبه وفحصها بعدسته ورفعها في مقابل الضوء وضحك بصوت عالٍ.

ثم علَّق قائلًا: «من اللطيف أن تكون محظوظًا، رغم أن الحظ لا يُشكِّل بديلًا للحرص والذكاء. حقًّا يا صديقي الخبير، نحن نُبلي بلاءً حسنًا على نحو استثنائي.»

وحين وصلنا إلى الردهة، توقف ثورندايك عند مقصورة مدبر البناية ونظر إلى داخلها وأومأ إلى الرجل محيِّيًا إياه.

وقال: «نزلتُ لتوي من عند السيد بارلو. ويبدو أنه غادر مبكرًا.»

رد عليه الرجل: «أجل يا سيدي. لقد خرج عند الثامنة والنصف تقريبًا.»

«كان هذا مبكرًا للغاية؛ وأفترض أنه جاء في وقت أبكر، أليس كذلك؟»

أجابه الرجل مصدِّقًا على كلامه بابتسامة: «أعتقد ذلك، لكنني كنت قد وصلت لتوِّي حين غادر.»

«أكان معه أيُّ حقائب؟»

«أجل يا سيدي. كانت معه حقيبتان، إحداهما مربعة الشكل والأخرى طويلة وضيقة الحجم، طولها في حدود خمس أقدام. وقد ساعدته في حملهما إلى عربة الأجرة.»

«أعتقد أنها كانت رباعية العجلات، أليس كذلك؟»

«بلى سيدي.»

سأله ثورندايك: «السيد بارلو ليس هنا منذ فترة طويلة، أليس كذلك؟»

«نعم. لقد وصل إلى هنا في أول يوم في ربع السنة الماضي، أي قبل حوالي ستة أسابيع.»

«آه، حسنًا! سأعرج عليه في يوم آخر. طاب صباحُك.» ثم خرج ثورندايك من البناية وتوجه مباشرة إلى موقف عربات الأجرة في الشارع المجاور. وهناك توقف لدقيقة أو اثنتين من أجل أن يتحدث مع أحد سائقي عربات الأجرة الرباعية العجلات، وفي النهاية طلب منه أن يوصلنا إلى متجر في شارع نيو أكسفورد. وبعد أن صرف سائق الأجرة بتحيته وبنصف جنيه، اختفى داخل المتجر تاركًا إياي وأنا أستعرض المخاريط والمثاقيب والقضبان المعدنية المعروضة في النافذة. وبعد برهة خرج من المتجر ومعه طردٌ صغير وقال لي ردًّا على نظرتي المتسائلة: «شريط من صُلب العِدد وكتلة معدنية من أجل بولتون.»

وكانت عملية شرائه التالية أكثر غرابة إلى حدٍّ كبير. كنا نسير في شارع هولبورن حين لفتت انتباهَه فجأةً نافذةُ متجر أثاث تعرض مجموعةً من الأسلحة الفرنسية الصغيرة القديمة — وهي آثار من مأساة عام ١٨٧٠ — والتي تباع لأغراض الديكور. وبعد فحص سريع، دخل المتجر وسرعان ما خرج وهو يحمل حربة طويلة على شكل سيف وبندقية شاسبوت قديمة.

سألته ونحن نستدير إلى شارع فيتر لين: «ماذا يمكن أن يكون المغزى من هذا العرض العسكري؟»

أجابني على الفور: «لحماية المنزل. ستقرُّ بأن طلقة من البندقية تتبعها هجمةٌ بالحربة كافيةٌ لصدِّ أجرأ اللصوص.»

ضحكتُ من الصورة الغريبة التي رسمها صديقي على هذا النحو لحارس المنزل الدءوب، لكنني ظللتُ أفكر في معنى ما يقوم به صديقي من تصرفات غريبة، والتي كنتُ متأكدًا من أنها ذات صلة بطريقة ما بالجريمة التي وقعت في بناية براكينهيرست، لكنني لم أستطع أن أرى تلك الصلة.

وبعد غداء متأخر، خرجتُ لكي أقومَ ببعض الأعمال التي قطعَتْها أحداثُ هذا الصباح المثيرة، تاركًا ثورندايك وهو مشغولٌ مع لوحٍ للرسم، ومقياسِ زاوية قائمة ومقياسٍ عاديٍّ وبرجَل، وكان يرسم رسوماتٍ دقيقة بقياسات محددة من رسوماته التقريبية؛ بينما كان بولتون يُمسك بالطرد المغطى بالورق البُنِّيِّ في يده وينظر إليه في جوٍّ من الترقب والتلهف.

وكنتُ في طريقي إلى المنزل في المساء سالكًا شارع ميتر كورت حين لقيتُ السيد مارشمونت، والذي كان في طريقه أيضًا إلى منزلنا فسِرْنا معًا.

قال لي: «وصلتني رسالة من ثورندايك يطلب مني فيها عينةً من خط يد؛ لذا فكرتُ في أن أُحضرَها بنفسي وأرى إن كان هناك أيُّ جديد.»

وحين دخلنا إلى المنزل وجدنا ثورندايك في نقاش حماسي مع بولتون، وعلى الطاولة أمامهما لاحظتُ الخنجر المستخدم في ارتكاب الجريمة، مما أثار دهشتي بشدة.

figure
الخنجر ذو المقبض الألومنيوم.

قال مارشمونت: «لقد أحضرتُ لك عينةَ خطِّ اليد التي طلبتَها. لم أكن أعتقد أنني سأستطيع فعل ذلك، لكن ومن حسن الصدفة أن كيرتس احتفظ بالرسالة الوحيدة التي تلقَّاها من الطرف المعنيِّ.»

ثم أخرج الرسالة من محفظته وأعطاها إلى ثورندايك، الذي نظر إليها بدوره بعناية وبارتياح واضح.

قال مارشمونت وهو يُمسك بالخنجر: «بالمناسبة، كنت أعتقد أن المفتش أخذ هذا معه.»

أجابه ثورندايك: «لقد أخذ الأصلي معه. هذه نسخة مطابقة منه أعدَّها بولتون من خلال رسوماتي لأغراض تجريبية.»

صاح مارشمونت متعجبًا وهو ينظر إلى بولتون بإعجاب واحترام: «حقًّا! إنها نسخة مطابقة تمامًا، وقد صنعتُها بسرعة كبيرة أيضًا.»

قال بولتون: «من السهل فعل ذلك بالنسبة لرجل اعتاد على العمل مع المعادن.»

أضاف ثورندايك: «وهذه حقيقة ذات قيمة إثباتية.»

في تلك اللحظة توقفت عربةُ أجرة بالخارج. وبعد دقيقة سمعنا صوتَ خطوات سريعة على الدرج. وكان هناك طَرْقٌ عنيف على الباب وحين فتحه بولتون، اندفع السيد كيرتس بقوة إلى داخل الحجرة.

وقال لاهثًا: «لقد حدث شيءٌ مريع يا مارشمونت! إديث — ابنتي — أُلقيَ القبض عليها بسبب جريمة القتل. جاء المفتش بادجر إلى منزلنا وأخذها. يا إلهي! سيجنُّ جنوني!»

وضع ثورندايك يدَه على كتف الرجل المهتاج. وقال له: «لا تجزعْ يا سيد كيرتس. ليس هناك داعٍ لذلك، أؤكد لك.» ثم أضاف: «أعتقد أن ابنتك عسراء؟»

«أجل، هي عسراء، ويا لَها من مصادفة مشئومة! ولكن ماذا سنفعل؟ يا إلهي! يا دكتور ثورندايك، لقد أخذوها إلى السجن — إلى السجن — أتتخيل؟! عزيزتي إديث المسكينة!»

قال ثورندايك: «سرعان ما سنُخرجها. لكن اسمعوا؛ هناك شخصٌ ما بالباب.»

وجاء صوتُ أقدام سريعة يؤكد ما قال؛ وحين نهضتُ لأفتح الباب، وجدتُ نفسي في مواجهة المفتش بادجر. ساد إحساسٌ بالحرج الشديد للحظة، ثم عرض كلٌّ من المفتش والسيد كيرتس الانسحابَ لصالح الطرف الآخر.

قال ثورندايك: «لا تذهب أيها المفتش، أريد أن أُحدِّثَك. ربما سيُعرِّج علينا السيد كيرتس مرة أخرى، لنَقُل، بعد ساعة من الآن. هلَّا فعلتَ؟ ستكون هناك أخبارٌ جديدة بخصوصك حينها، كما آمل.»

وافق السيد كيرتس على عجل وخرج من الشقة باندفاعه المعهود. وحين ذهب، التفت ثورندايك إلى المفتش وعلَّق بنبرة جافة قائلًا:

«يبدو أنك كنت مشغولًا، أيها المفتش؟»

أجابه بادجر: «أجل، أنا لا أتوانى في عملي؛ ولديَّ دلائلُ قويةٌ ضد الآنسة كيرتس. كانت هي آخرَ شخص تمَّتْ رؤيته بصحبة القتيل؛ ولديها مظلمة ضده؛ وهي عسراء، وأنت تتذكر أن من ارتكب الجريمة شخصٌ أعسر.»

«هل هناك ما تريد إضافته؟»

«أجل. لقد قابلتُ أولئك الإيطاليين، وكان الأمرُ كلُّه عمليةً مدبرة. جاءت إليهم امرأة ترتدي رداءً وغطاءً للرأس تبدو من خلالهما كأرملة، ودفعتْ إليهم أموالًا ليلعبوا دور الحمقى خارج البناية، وأعطتْهم الرسالة التي تُركت مع الحارس. ولم يتعرفوا عليها بعد، لكن يبدو أنها بنفس حجم الآنسة كيرتس.»

«وكيف خرجتْ من الشقة والباب موصد من الداخل؟»

«آه، هذا هو بيت القصيد! هذا لغزٌ مطروح أمامنا، إلا إذا قدَّمتَ لنا تفسيرًا.» قال المفتش هذا بابتسامة باهتة ثم أضاف: «حيث لم يكن هناك أحدٌ في المكان حين اقتحمناه، لا بد وأن القاتل خرج منه بطريقة ما. لا يمكنك نكران ذلك.»

قال ثورندايك: «لكنني أُنكره رغم ذلك.» ثم أكمل قائلًا: «تبدو متفاجئًا.» (وكان هذا صحيحًا بلا أدنى شك.) ثم أضاف: «لكنَّ الأمرَ كلَّه واضحٌ وضوحَ الشمس. لقد اتضح لي تفسيرُ ذلك حين نظرتُ إلى الجثة. لم يكن هناك على ما يبدو أيُّ مخرج من الشقة، وبالتأكيد لم يكن هناك بها أحدٌ حين دخلتها. إذن فمن الواضح أن القاتل لم يدخل المكان قط.»

قال المفتش: «أنا لا أفهمك على الإطلاق.»

قال ثورندايك: «حسنًا، سأقدِّم لك الأدلة بالتفصيل وبالتسلسل، حيث إنني انتهيتُ من القضية وأسلِّمها لك. والآن، أعتقدُ أننا متفقان أن الضحية لحظة تلقِّيه الضربةَ كان يقف أمام المدفأة ويملأ الساعة. والخنجر دخل بانحراف من جهة اليسار وإن كنت تتذكَّر موضعه، فستتذكر أن مقبضه كان موجَّهًا بشكل مباشر إلى نافذة مفتوحة.»

«والتي كانت تبعد عن الأرض مقدار أربعين قدمًا.»

«أجل. وسننظر الآن في أمر التفاصيل المميزة للسلاح الذي ارتُكِبت به الجريمة.»

كان ثورندايك قد وضع يده على مقبض أحد الأدراج حين قاطعَنا طَرْقٌ على الباب. نهضتُ من مكاني وفتحتُ الباب فدخل حارس بناية براكينهيرست. بدا الرجل متفاجئًا بعض الشيء حين رأى زائرينا، لكنه تقدَّم نحو ثورندايك وأخرج من جيبه ورقة مطوية.

وقال: «وجدت ما كنتَ تبحث عنه يا سيدي، وقد تطلب مني الأمر بحثًا كثيرًا. كان عالقًا في أوراق واحدة من تلك الشجيرات.»

فتح ثورندايك الورقة وبعد أن نظر بها وضعها على الطاولة.

وقال وهو يدفع بجنيه إلى الموظف المسرور: «شكرًا لك. أعتقد أن المفتش يعرف اسمك، أليس كذلك؟»

أجابه الحارس وهو يضع أتعابه في جيبه: «أجل يا سيدي.» ثم رحل مبتهجًا.

قال ثورندايك وهو يفتح الدرج: «وبالعودة إلى الخنجر، فإنه كان مميزًا كما قلتُ وكما سترى من هذا النموذج الذي يُعدُّ نسخةً طبقَ الأصل منه.» ثم أظهر النموذج الذي صنعه بولتون إلى المحقق المشدوه. وأضاف: «تلاحظ أنه رفيع بصورة استثنائية، وليس به أيُّ بروز، وهو مصنوع من مواد غير عادية. وتلاحظ أيضًا أنه ليس مصنوعًا على يد صانع خناجر عادي؛ وعلى الرغم من الكلمة الإيطالية المنقوشة عليه، تجد أنه مكتوب عليه وبصورة واضحة عبارة «منتج بريطاني». والنصل مصنوع من شريط من صلب العِدد الشائع مقاسه ثلاثة أرباع البوصة؛ والمقبض مصنوع من قضيب من الألومنيوم؛ وليس به نقشٌ لا يمكن أن ينتجه مساعدُ مهندس في مخرطة. وحتى النتوء في أعلاه مصنوع بطريقة ميكانيكية؛ لأنه يُشبه شكل صامولة سداسية عادية. والآن، لاحظْ أبعاده كما هو واضح في رسمتي له. إن الجزأين أ وب اللذين يبرزان من النصل متماثلان تمامًا من حيث القطر، ولا يمكن أن يكون هذا التماثل من قبيل الصدفة. إن كلًّا منهما جزءٌ من دائرة قطرها ١٠٫٩ ملليمترات، وهو مقاس يتصادف بصورة استثنائية أنه مطابق لمقاس بندقية شاسبوت قديمة، التي هناك عدد منها معروض للبيع الآن في العديد من المتاجر في لندن. إليك واحدة منها.»

أحضر ثورندايك البندقية التي كان قد اشتراها من الزاوية التي كانت تستند إليها، وبعد أن رفع الخنجر من حدِّه، أدخل مقبضه في فوَّهة البندقية. وحين تركه، انزلق الخنجر في سلاسة إلى أسفل الماسورة حتى بدا مقبضه في المغلاق المفتوح.

صاح مارشمونت: «يا إلهي! أتقول إن الخنجر أُطلق من بندقية؟»

«هذا صحيح في واقع الأمر؛ هل ترون الآن سببَ صنْع مقبض الخنجر من الألومنيوم — لكي يُقلِّل من وزن المقذوف الذي هو ثقيل بالفعل — وأيضًا سبب وجود ذلك النتوء المسدس الشكل في نهايته؟»

قال المفتش: «لا، أنا لا أرى ذلك، ولكنني أقول إنك تقترح شيئًا مستحيلًا.»

ردَّ عليه ثورندايك: «إذن، ينبغي أن أشرح لك الأمر وأبرهنه. بادئ ذي بدء، ينبغي لهذا المقذوف أن ينطلق برأسه في المقام الأول؛ لذا لا بد وأن يتمَّ تدويرُه دورانًا سريعًا أثناء إطلاقه، وقد كان يدور كذلك بالطبع حين دخل في الجثة، كما ظهر لنا من الملابس التي كان القتيل يرتديها والجرح الذي تسبَّب به الخنجر. والآن ولكي يتمَّ تدوير هذا الخنجر ينبغي أن يتم إطلاقه من ماسورة محلزنة؛ ولكن لأن مقبض الخنجر لن يتعشَّق مع الحلزنة في الماسورة، كان ينبغي أن يتمَّ تركيبُه في شيء يتعشَّق معها. وهذا الشيء على ما يبدو هو حلقة ربط معدنية لدنة رُكِّبَت بهذا النتوء المسدس الشكل وتعشيقها مع حزوز الحلزنة وهكذا يدور الخنجر، ولكن هذه الحلقة تسقط بمجرد أن ينطلق المقذوف من ماسورة البندقية. وإليكم هذه الحلقة المعدنية التي صنعها بولتون.»

ثم وضع على الطاولة حلقة معدنية بها ثقبٌ مسدس الشكل في منتصفها.

قال المفتش: «هذا عمل بارع للغاية، لكنني أقول إن الأمر مستحيل وخيالي.»

صدَّق مارشمونت على كلامه قائلًا: «يبدو الأمر بعيد الاحتمال بكل تأكيد.»

قال ثورندايك: «سنرى. هذه خرطوشة بدائية الصنع من تنفيذ بولتون، وهي تحتوي على ثمن شحنة من بارود لا يُصدر دخانًا لبندقية عيار ٢٠.»

ثم ركَّب حلقة الربط المعدنية في النتوء البارز لمقبض الخنجر في مغلاق البندقية المفتوح ودفع الخنجر في الماسورة وأدخل الخرطوشة وأغلق مغلاق البندقية. ثم فتح باب غرفة المكتب فظهر هدفًا من الكرتون القشي المبطن معلَّقًا على الحائط.

قال ثورندايك: «طول الغرفتين يعطينا مسافة قدرُها اثنتان وثلاثون قدمًا. هلَّا أغلقتَ النوافذ يا جيرفس؟»

امتثلتُ لكلامه ثم وجَّه البندقية إلى الهدف. كان هناك صوتُ إطلاق نار مكتوم — ولم يكن عاليًا قطُّ كما توقعتُ — وحين نظرنا إلى الهدف رأينا الخنجر مغروزًا به حتى مقبضه على الهامش من منتصف الهدف.

قال ثورندايك وهو يضع البندقية من يده: «أترون أن الأمر ممكن. والآن لنتطرق إلى الأدلة من حيث حدوثها فعليًّا. في البداية، يوجد على الخنجر الأصلي خدوشٌ خطية تتوافق تمامًا مع حزوز الحلزنة. وهناك أيضًا حقيقة أن الخنجر كان يدور بالتأكيد من جهة اليسار إلى جهة اليمين — أي في اتجاه الحلزنة — حين دخل الجسم. وهناك هذه، وهي التي وجدها الحارس في الحديقة كما سمعتم.»

ثم فتح الورقة. وفيها كان هناك حلقة معدنية بها ثقب مسدس الشكل. ثم دخل ثورندايك غرفة المكتب والتقط من الأرض الحلقة التي كان قد ثبَّتها في الخنجر ووضعها على الورقة بجوار الحلقة الأخرى. كانت الحلقتان متماثلتين في الحجم وكانت الحافة في كلٍّ منهما بها آثار متماثلة بما يتوافق مع الحلزنة في ماسورة البندقية.

حدَّق المفتش بالحلقتين في صمت لبرهة؛ ثم رفع نظره إلى ثورندايك وقال:

«أستسلم أيها الدكتور. أنت على حقٍّ بلا أدنى شك؛ لكن الطريقة التي فكَّرتَ بها في الأمر تذهلني بشدة. السؤال الوحيد المتبقي الآن هو: من الذي أطلق الخنجر؟ ولمَ لم يُسمع صوتُ إطلاق النار؟»

قال ثورندايك: «بالنسبة للسؤال الأخير، فمن المحتمل أن القاتل استخدم جزءًا ملحقًا لضغط الهواء، ليس من أجل كتم الصوت فقط، وإنما أيضًا من أجل أن يمنعَ ترْكَ أيِّ آثار للخرطوشة على الخنجر. أما بالنسبة للسؤال الأول، فأعتقد أن بإمكاني أن أعطيَك اسم القاتل؛ ولكن من الأفضل أن ننظر في الأدلة بالترتيب.» ثم أكمل حديثه قائلًا: «قد تذكر أنني وضعتُ علامة بالطبشور على الأرض في المكان الذي وقف فيه الدكتور جيرفس وكأنه يملأ الساعة. والآن حين وقفتُ على تلك العلامة ونظرت خارج النافذة المفتوحة، رأيت نافذتين لمنزل تكادان تكونان مواجهتين لشقة القتيل. وكانت النافذتان في الطابقين الثاني والثالث للبناية رقم ٦ بشارع كوتمان. يشغل الطابقَ الثاني شركةُ مهندسين معماريين؛ ويشغل الطابقَ الثالث وكيلٌ تجاري يُدعى توماس بارلو. وقد ذهبت إلى السيد بارلو لكن وقبل أن أصف زيارتي له، سأُشير إلى أمر آخر. أمعكَ تلك الرسائل التهديدية؟»

قال المفتش: «أجل هي معي.» ثم أخرج من جيب صدره محفظة.

قال ثورندايك: «لننظر في الرسالة الأولى إذن. أنت ترى أن الورقة والظرف الموضوعة فيه من النوع الشائع جدًّا، وأن خطَّ الكتابة ينمُّ عن شخص غير متعلم. لكن الحبر لا يتوافق مع هذه الصفات. إن غير المتعلمين عادة ما يشترون الحبر في زجاجات صغيرة رخيصة. والآن هذا الظرف مكتوب بحبر داربر الثنائي اللون — وهو حبر مكتبي فاخر ولا يباع إلا في زجاجات كبيرة غالية — والحبر الأحمر المستخدم في كتابة الرسالة هو حبر قرمزي منحل، كالذي يستخدمه صائغو الوثائق، وقد استُخدِم كما ترون في قلم حبر. لكن الشيء الأكثر إثارة للاهتمام حيال هذه الرسالة هو الرسمة الموجودة في أعلى الصفحة. من وجهة نظرٍ فنية، لم يكن باستطاعة هذا الرجل الرسم، والتفاصيل التشريحية للجمجمة سخيفة. لكن الرسمة نفسها دقيقة للغاية. وهي تتمتع بخط مستقيم ورفيع للرسم الآلي، وقد رُسمت بيد ثابتة متمرسة. والرسمة أيضًا تتمتع بتناسب متماثل؛ فالجمجمة على سبيل المثال في منتصف الصفحة تمامًا، وحين نفحصها باستخدام العدسة نرى السبب وراء ذلك؛ ذلك أننا سنكتشف آثار خط منتصف مرسوم بالقلم الرصاص وخطوط متقاطعة مستقيمة. وعلاوة على ذلك، تُظهر العدسة جسيمًا صغيرًا لممحاة حمراء ملساء تعود لصائغي الوثائق، مُحيَت الخطوط المرسومة بالقلم الرصاص باستخدامها؛ وبالنظر إلى كلِّ هذه الحقائق معًا، نجد أنها تُشير إلى أن الرسمة قد تم تنفيذها بيد شخص متمرس في الرسم الدقيق. والآن سنعود إلى السيد بارلو. كان الرجل في الخارج حين ذهبتُ، لكنني سمحتُ لنفسي بأن أنظر في أرجاء المكتب، وهذا هو ما رأيتُ. على رفِّ المدفأة كانت هناك مسطرة مسطحة من خشب البقس طولها اثنتا عشرة بوصة، وممحاة حمراء ملساء، وزجاجة حبر حجرية من حبر داربر الثنائي الألوان. وبحيلة بسيطة حصلتُ على عينة من الورق والحبر المستخدمين في المكتب. وسنفحصها بعد قليل. ثم اكتشفتُ أن السيد بارلو مستأجر حديث العهد بالمكان ووجدت أنه قصيرُ القامة ويرتدي شعرًا مستعارًا ويضع نظارة، ودائمًا ما يرتدي قفازًا في يده اليُسرى. وقد غادر السيد بارلو المكتب في الثامنة والنصف من صباح اليوم ولم يرَ عودتَه أحدٌ. وكانت معه حين غادر حقيبة مربعة الشكل وأخرى رفيعة مستطيلة الشكل يصل طولُها إلى خمس أقدام تقريبًا؛ وقد استقل عربة أجرة إلى فيكتوريا ومن الواضح أنه استقل قطار الثامنة وإحدى وخمسين دقيقة إلى تشاتام.»

صاح المفتش: «آه!»

أكمل ثورندايك حديثه قائلًا: «لكن افحص هذه الرسائل الثلاث وقارنها بهذه الرسالة التي كتبتُها في مكتب السيد بارلو. سترى أن الورق من نفس النوع وأن به نفس العلامة المائية، لكن هذا الأمر ليس ذا أهمية كبيرة. أما الأمر البالغ الأهمية هنا هو ما يلي: تلاحظ أن في كلِّ رسالة من هذه الرسائل أثرَي حزٍّ طفيفين قرب الزاوية السفلية للورقة. هناك شخص ما قد استخدم بَرْجَلًا أو دبابيس رسم على رزمة الورق، وقد خلف ذلك أثرَي حزٍّ طفيفين على العديد من الأوراق من تلك الرزمة. والآن، يتم تقطيع الأوراق إلى حجمها الطبيعي بعد أن تُطوى، وإذا ما غرزت دبوسًا في الورقة العلوية من مجموعة الأوراق، فإن آثار الحزِّ في الأوراق التي تحتها ستكون على مسافة واحدة من حواف وزوايا الورق. وأنت تلاحظ بالطبع أنَّ هذين الأثرين يقعان على مسافة واحدة من الحوافِّ والزاوية السفلية.» ثم قام ثورندايك بتوضيح هذه الحقيقة باستخدام برجَل. «والآن انظر إلى هذه الورقة التي حصلتُ عليها من مكتب السيد بارلو. هناك أثرَا حزٍّ طفيفان — إنهما باهتان إلى حدٍّ كبير لكن يمكن رؤيتهما — قرب الزاوية السفلية للورقة، وحين نقيسهما باستخدام البرجَل، نجد أنهما يقعان على مسافة واحدة تمامًا أحدهما من الآخر كالآثار الأخرى، وكذلك على المسافة نفسها من الحواف ومن الزاوية السفلية للورقة. وهنا نجد أن الاستنتاج الذي لا يمكن تجاهله هو أن هذه الأوراقَ الأربع كلَّها تأتي من رزمة الورق نفسها.»

انتفض المفتش من مقعده ووقف مواجهًا ثورندايك. وسأله قائلًا: «من هو السيد بارلو هذا؟»

أجابه ثورندايك: «مهمَّتُك تحديدُ ذلك؛ لكن يمكنني أن أعطيَك لمحةً تُساعدك. هناك شخص واحد فقط يستفيد من موت السيد ألفريد هارتريدج، ومقدارُ استفادته يصل إلى عشرين ألف جنيه. اسمه ليونارد وولف وقد علمتُ من السيد مارشمونت أنه رجل عديم المشاعر لا مبالٍ، فهو مقامر ومبذِّر. وهو يمتهن الهندسة وهو مهندس ميكانيكي بارع. وأما عن مظهره فهو نحيل وقصير وحسن المظهر وحليق الذقن، وقد فقد الإصبع الأوسط من يده اليُسرى. والسيد بارلو أيضًا قصير ونحيل وحسن المظهر لكنه يرتدي شعرًا مستعارًا وله لحية ويرتدي نظارة، ودائمًا ما يرتدي قفازًا في يده اليُسرى. وقد رأيتُ خطَّ يدِ كلٍّ منهما وأقول إنه من الصعب التفريق بينهما.»

قال المفتش: «هذا كافٍ بالنسبة لي. أعطني عنوانه وسأُطلق سراح الآنسة كيرتس في الحال.»

•••

أُلقيَ القبض على ليونارد وولف في نفس تلك الليلة في منطقة إلتام متلبسًا بمحاولة دفنِ بندقية هواء مضغوط كبيرة وقوية في حديقته. لكن لم يُقدَّم للمحاكمة قط؛ لأنه كان يحمل في جيبه سلاحًا أصغر بكثير — وهو مسدس ديرينجر ذو قطر واسع — استطاع استخدامه في إنهاء حياته الضائعة.

وكان تعليق ثورندايك حين سمع بما حدث: «في النهاية، انتفعنا منه. لقد أراح المجتمع من رجلين سيِّئين للغاية وقدَّم لنا قضية تعلَّمنا منها الكثير. وقد أرانا كيف يمكن للمهرة والعباقرة من المجرمين أن يتحملوا المشاق والصعاب العديدة من أجل تضليل الشرطة وخداعها، ولكن يمكن لهم أيضًا ومن خلال عدم الانتباه إلى التفاصيل الصغيرة التافهة أن ينثروا الكثير من الأدلة على اشتراكهم في الجريمة في كل مكان. ولا يسعنا سوى أن نقول للمجرمين بصفة عامة في هذين الشأنين: «انطلقوا وافعلوا نفس الشيء.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١