الفصل الحادي والعشرون

كافور

١٨٥٠-١٨٥١

حسب «بلداسروني» أن بيمونته ستنضم إلى الحلف لا محالة؛ إذ كان يشك في أنها تظل محافظة على مؤسساتها الحرة وبعد أن طوقتها الحركة الرجعية الظافرة، كان يجابه هذه الدولة الصغيرة التي تبلغ نفوسُها خمسة ملايين اثنان وثلاثون مليونًا من نفوس النمسة ويضاف إليهم قوى إيطالية الحكومية بأجمعها.

وقد كان هَمُّ رجال الدولة في فيينا أن يحملوا بيمونته على التخلي عن دستورها، وكانت بيمونته ذاتها مصابة بعناصر الوهن والتفرقة، فالإكليروس في تورينو وبعض المناطق الريفية يسيطر على قسم كبير من الناحيتين، حتى إذا ما حرضتْه روما؛ استطاع أن يُساعد الحزب النمسوي والحركة الرجعية.

وكان الأميون في الدولة ويبلغ عددهم ثلاثة ملايين ونصف مليون؛ مرتعًا خصبًا لاستغلال رجال الدين، أما المثقفون من الأشراف فكان ميلهم للنمسة وروما أكثر من حبهم للوطن، إن هيبة الحكومة أصيبت في حادثة نوفَّاره بضربةٍ حالت شدتها دون أن تستعيد مكانتها بسرعة، أما الطبقة المنحطة من اللاجئين فقد جلبت جراثيم من الشغب سارية لولا تقاليد البلاد في رعاية القوانين لأدت إلى اضطراباتٍ اجتماعية خطيرة وكان الحصاد رديئًا، وأخذ الحلف النمسوي يهدد تجارة بيمونته ويسد أبواب نصف إيطالية في وجهها، أما البلاد الأجنبية بما فيها فرنسة وإنجلترة فكانت لا تعطف عليها إلا قليلًا، ناهيك بالرجعيين في أوروبا الذين كانوا يعتبرونها خطرًا يهدد سلم القارة.

على أن في سياسة الحكومة نفسها ما يكفي لخلق الصعوبات، فحكومة بيمونته حذت حذو حكومتي فيينا ونابولي بإظهار سخطها على الثورة، وصارت تدعو إلى احترام حدود جاراتها وتجهر بأنه ليس لها أَيُّ مطمع في تجاوُز حدودها ولم يكن والحالة هذه أمام دازجيلو طريق آخر، وأصبح من المتعسر استئناف سياسة ١٨٤٨-١٨٤٩ من دون مساندة فرنسية، وكانت حكومة فرنسة تبذل كل نفوذها لإبقاء بيمونته ساكنة ولكبت ميولها ومطامحها، على أن الحكومة كانت تعلم جيدًا أن الفرصة إذا حانت للتقدم فإن احترام الحدود يصبح مجرد ألفاظ ليس إلا، وكانت المعارضة حينئذٍ ضعيفة جدًّا لا تستطيع أن تعمل أكثر من مظاهرة وتأييد منهج دازجيلو.

وكان المجلس قبل صدور الإرادة بحله قد أبدى رأيه الصريح في استنكار سياسة التساهُل مع النمسة والحرص على صيانة شرف الراية الإيطالية، واستمر على المطالبة بمنح جنسية إلى الإيطاليين المولودين في بلاد بيمونته، ومن الراجح أن الدموقراطيين لم يكونوا يُمثِّلون مطلقًا شعورَ الأكثرية الحقيقي في البلاد، فقد كانوا أقوياء بين الطبقة المتوسطة كالتجار والصناع والموظفين في النواحي، بينما كان أكثرُ الناخبين من المحافظين، وكان المرسوم الذي استصدره مونكالييري بالحل من جملة الأسباب التي ضمنت للبرهان الجديد أكثرية محافظة.

وقد جاء انتخابُ المئتين والأربعة أعضاء في المجلس النيابي البيمونتي جوابًا قاطعًا يفنِّد التهمة الموجهة إلى الطليان بأنهم غير جديرين بالمؤسسات التمثيلية؛ إذ ظفر المجلس بنواب رزينين أذكياء وطنيين، ولم يؤلف الأعضاء أحزابًا متبلورة بل كان الأعضاء يتنقلون من فئةٍ إلى فئةٍ أخرى، وكانت أكثرية الوزارة من عناصر لا تَضَامُنَ بينها، وكان يجلس في أقصى اليمين عددٌ ضئيلٌ من الرجعيين انتخبوا من إيالة صافويه، وكانوا قدماء في مجلس الأعيان ولو أتيحت لهم فرصةٌ لضربوا بالدستور عرض الحائط، وكانوا يدعون بأن من واجب الحكومة الكاثوليكية أن تخضع للكنيسة ويعارضون بشدةٍ كل سياسة تقدمية ويسعون إلى تخفيض قوة الجيش، وكانوا يتهددون قائلين: «إذا كان البيمونتيون إيطاليين فيجب إذن أن تكون جبال الألبة هي الحد الفاصل بين فرنسة وإيطالية.» إلا أنهم كانوا يسندون الحكومة حين مهاجمة الدموقراطيين إياها.

وكانوا يتلقَّون الأوامر من روما ومن فيينا أحيانًا، ويجلس في اليمين نوابٌ أكثرهم من الدستوريين المعتدلين الذين قبلوا الدستور مخلصين له واشتركوا في الحرب وعطفوا على فكرة الاستقلال الإيطالي، بَيْدَ أنهم كانوا يقاومون كل حركة تُهدد استقلال بيمونته الذاتي أو تؤدي إلى نقل العاصمة من تورينو إلى مدينةٍ أخرى.

وكانوا يؤلفون حزبًا محافظًا حقيقيًّا، ويخشون جانب الدموقراطيين وينزعون إلى تأييد امتيازات الكنيسة وحقوق الملك، وكان دازجيلو وبالودينللي ينتمون إليهم، وظل كافور بطلهم القوي إلى أن رأى صعوبة السير معهم في القضايا الإكليريكية والمالية، وكان ريفل رئيسهم الحقيقي وهو من مدينة نيس وقد تولى وزارة المالية من سنة ١٨٤٤ إلى ١٨٤٨ وكان أشد رجال المدرسة القديمة محافظة.

أما حزب اليسار فكان قويًّا في المجلس السابق، أما في المجلس الجديد فظفر بقوة كافية تُمكنه أحيانًا من التأثير في الحكومة وتوجيهها، لكنه كان مشتَّتًا وغير متجانس؛ ففيه الأحرارُ المعتدلون، وهؤلاء كانوا فيما عدا القضايا الإكليريكية لا يختلفون عن المعتدلين في اليمين إلا قليلًا، وفيه المتطرفون الاشتراكيون المعتدلون. وكانت سياسته الخارجية هي نفس السياسة التي رُوعيت زمن الحرب وأبى أن يبدلها رغم الظروف.

ولكن هذا الحزب كان خير عَضُدٍ للحكومة في نزاعها مع روما، وأما منهجُهُ الاجتماعيُّ فلم يكن — على تفاهته — يخلو من قيمة، ومهما كانت معارضتُهُ قوية وهي معارضة لم يسر فيها على منهجٍ واحد؛ فإنه لم يكن يرغب في إسقاطها؛ لأنه من الضعف بحيث لا يستطيع أنْ يتولى الحكم فضلًا عن أن سقوط الحكومة قد يؤدي إلى أنْ يتولى ريفل الحكم.

أما نُوَّاب أقصى اليسار فيتألفون من ثلاثين نائبًا، وقد أَيَّدُوا دازجيلو بعضَ التأييد، واعتقدوا بإخلاص الملك للدستور، ثم أخذوا يثقون شيئًا فشيئًا بنزعة كافور الحرة «الليبراليزم» حتى إنهم اعتبروا أن اشتراكه في الوزارة ضمينٌ لسياسة الرقي والتقدم، ثم انقلب موقفُهُم الودي نحو الوزارة إلى تأييدٍ تام.

وهكذا، تألف — بالتدريج — حزبُ وسط اليسار الذي كان يعتنق معظم آراء جماعة اليسار، إلا أنه يختلف عنها لأسبابٍ انتهازية، وكان من حيث العدد ضعيفًا لا يتجاوز العشرين، لكن الكثيرين من أعضائه كانوا مِن أَقْدَر رجال المجلس، ولم يكن زعيمُهُ رتازي ذلك الرجل المتطرف في مبادئه كما كان يُشاع عنه في أوروبا المحافظة بأنه لم يكن دموقراطيًّا بالمعنى المطلوب، بل تدل جميعُ مظاهره على أنه كان من المعتدلين الأحرار.

ولم يكن قويًّا متصلِّبًا حتى إنه كثيرًا ما كان يُفسح لحزبه مجالَ الكلام فيما يخالف آراءَه هو. وقد اعتاد أنْ يتغاضى عن أخطاء الملوك، الأمر الذي جعله صديقَ الملك الحميم، ومع أنه كان مِن القوميين إلا أنه لم يكن يقول بتوسيع حُدُود بيمونته إلى أبعدَ من وادي «بو»، ولم يكن يؤمنُ بوحدة إيطالية، وكان يشعر بضرورة وُجُود حكومة قوية ويدرك صعوبة إنجاز الأعمال بلا أكثرية منظَّمة في المجلس، وكان ذا موهبةٍ برلمانية تجعله يتساهل — وأحيانًا يتخلى — إلى حدٍّ ما عن منهجه السياسي لأجل ضمان استقرار سياسة حرة معتدلة لأن بيمونته أحوجُ ما تكون إلى سياسة حرة معتدلة ثابتة، وكان كافور يشاطرُهُ هذا الاقتناع.

وأسفرت الانتخاباتُ في نهاية سنة ١٨٤٩ عن ظفر دازجيلو بأكثرية ساحقة في المجلس، فأصبح بذلك قادرًا على تنفيذ سياسته، وكان دازجيلو هذا ذائع الصيت في جميع إيطالية، دلَّتْ شهرته أبعد من ذلك في الخارج؛ إذ كان يمثل تراث الحكومة الدستورية في بيمونته، ولكنه كانت تَعُوزُه الصلابةُ التي يجب أن تتوفر في الزعيم.

وجعلتْه حوادثُ سنتي ١٨٤٨-١٨٤٩ يخاف الدموقراطية كثيرًا، ولا ريب في أن الذين انتقدوا عدم اهتمامه بمصير روما والبندقية كانوا على حق، ومع أنه اعتزم المقاومةَ حتى النفس الأخير إذا هاجمت النمسة، ورغم تقديره بمكانة بيمونته في إيطالية فإنه لم يتخذ أي تدبير لتتأهب المملكة إلى تقدُّمٍ جديد، وكانت سياستُهُ سلبية لا ترمي إلى أكثر من الاحتفاظ بكرامة الأمة واطلاع الناس على أن الحكم الدستوري لا ينافي النظام بأي صورةٍ والعمل على كسب احترام الأمم الأخرى. ولا شك في أن هذه السياسة لم تكن جَبَّارة تكفي كفايةً عظيمةً، ولعل ذلك هو سر نجاحها.

وفي الواقع أن جل ما كانت تحتاج إليه بيمونته في ذلك الحين الاهتمام لتعيش بسكونٍ وهدوء، وبذلك أنجز دازجيلو نُبُوءته القائلة: «سيحين الزمن الذي يكون النجاح فيه حليف أكثر الناس نزاهة، لا أشدهم قوة أو أعظمهم قدرة وكفاية.» ولكن دازجيلو فشل في سياسته الداخلية؛ فبينما كانت الجرائدُ الإكليركية تتمتع بحصانةٍ واسعة كانت الشرطة تزعج الجرائد المتطرفة، ولما هاجم بعضُ الضباط دارَ إحدى الجرائد لم يتخذ في حقهم أي تدبير.

أما الاجتماعات العامة فقد مُنعتْ، وكان يميلُ إلى طرد اللاجئين الكثيري الشغب كما أنه لم يَسْعَ في جعل مؤسسات البلاد تتمشى مع رُوح الدستور وإصلاح حالتها العامة وتطهير الإدارة من الفساد الطارئ عليها إلا يسيرًا.

وعلى الرغم من حرصه الشديد على الاحتفاظ بالسكون؛ فقد تَعَذَّرَ عليه أنْ يتحاشى النزاع مع روما، وتفاصيل ذلك أن بيمونته كانت متأخرةً كثيرًا في شئون التشريع الإكليريكي، فالكنيسةُ كانتْ لا تزال تحتفظ بامتيازات ألغيت منذ مدة طويلة في نابولي وطوسكانه ومودينه وفي الإمبراطورية النمسوية.

فكانت المحاكمُ الدينية تنظرُ في جميع الأُمُور المدنية والجنائية، وكان لأغلب الكنائس حق الحمى، فإذا استطاع المجرم أن يلتجئ إليها نَجَا من حُكْم القانون، وكان الأساقفةُ يشرفون على المؤسسات الخيرية وعلى قِسْمٍ من المدارس، وقد منحهم الدستورُ نفسُهُ حَقَّ منح تداول الكتب المقدسة والمؤلفات اللاهوتية التي يحضرونها هم ولم يكن في الإمكان عقد النكاح إلا بواسطة الراهب.

وبوجود الدستور يتعذر إبقاءُ مثل هذه الامتيازات؛ لأنها تخل بشروطه الأساسية، ولقد أدركت أول وزارة دستورية أن الاتفاقية مع روما التي تثبت امتيازات الكنيسة يجب معالجتها من جديد، وكان روسميني قد أُوفد بدون جدوى للمفاوضة على شروط أَحْسَنَ، وكان أمام الإصلاحيين سياستان فكافور يرى اجتناب إرهاق الكنيسة بأملاكها ونظامها الداخلي، ومقابلة التعصب بالتسامح، وإلغاء إشراف الحكومة الضئيل المنصوص عليه في الاتفاقية القديمة.

وكان يعتقد بأن الكنيسة سوف تتخلى عن السياسة إذا سلمت من العقبات المزعجة، بَيْدَ أن أكثرية الأحرار تجنبت القيام بتجربة كانت تبدو خطرة كثيرًا على شعبٍ ذي ثقافة قليلة ولا يتمتع باستقلاله الروحي إلا قليلًا؛ حيث كانت الكنيسة تتوعد بأن تصبح قوة سياسية عظيمة تستطيع أن ترغم المؤسسة الدستورية، وأن تكون خطرًا دائمًا لحكومةٍ حرة، ومع ذلك كان الحزبان قد اتفقا على إلغاء المحاكم الإكليركية.

وتظاهر رئيس أساقفة «تورينو» فرنسوني بمقاومة كل إصلاح وكان زميله أسقف «آستي» قد اتهم بأمورٍ شائنة، فهرب أمام تهديد الجماهير وأرسل دازجيلو في نهاية سنة ١٨٤٩ القاضي سكاردي وهو أحد المعتدلين المعروف بنزاهتهم؛ إلى روما يطلب تبديل فرانسوني وأسقف آستي والتساهُل في بعض ما يتعلق بتنفيذ الاتفاقية ولكن ما أسرع ما عاد دون أن يحصل على شيء سوى أن أنتونللي عرض عليه اقتراحاتٍ يتعذر قبولها، ودخل سكاردي الوزارةَ فعرض في بداية سنة ١٨٥٠ لائحة باقتراحاته الشهيرة، وهي تتلخص بإلغاء المحاكم الإكليركية، وإلغاء حق الحمى واتخاذ العقوبات بحق المجرمين من رجال الدين على السواء واقتراحات أخرى.

كما أنها تتضمن وعدًا من الحكومة بتقديم لائحة تقضي بمشروعية النكاح المدني، وقاوم نواب اليمين هذه اللائحة بحجة أن موافقة روما على أي تعديلات في قانون الإكليريكي لا بد منها، ولكن كان على الحكومة أن تختار بين الاتفاق مع البابا والدستور، وطبيعي أن تختار الثاني، وكان الفريق الأكثر اعتدالًا في اليمين وجميع أعضاء اليسار بجانبها، واندفع الرأي العام في تورينو في تأييدها وبلغت نقمتُهُ على الرُّهبان حدًّا اضطرت معه الحكومة إلى استعمال القوة لمنع إحدى المظاهرات العدائية.

وقد مر قانون سكاردي من المجلس بعد أن أقره بمائة وثلاثين صوتًا ضد ستة وعشرين صوتًا، ثم مر من مجلس الأعيان بتأييد أكثرية اثنين ضد واحد، وأبتْ روما الاعترافَ بما جرى، ووقف البابا من هذا الاختلاف موقفًا غير معقول؛ إذ رفض أن يمنح حقًّا منح مثله الأمم الكاثوليكية جميعها؛ ذلك لأنه يكره هذه الدولة الإيطالية الحرة الوحيدة ويخشاها كثيرًا.

وغادر سفير البابا تورينو ورأى الأساقفة شبح الثورة، وأصدر فرانسوني كتابًا يأمر به الإكليروس بأن لا يكترثوا للقوانين الجديدة، وأن لا يحضروا أمام المحاكم المدنية إلا مكرَهين، ولما اتُّهِمَ بالتحريض على عدم الإطاعة، وطلب منه الحضور أمام المحكمة؛ امتنع فحكم عليه غيابًا بالسجن شهرًا واحدًا.

وعلى إثر ذلك اشتد سخط رجال الدين حتى إنهم تهددوا بالحرمان كُلَّ مَنْ اشترك في وضع القانون الجديد، ولَمَّا أصبح «ساتناروزا» وزير الزراعة على حافة الموت؛ رفض الراهب زيارته فمات من دون تزكية، ثم رفض الإكليروس — بتحريضٍ من فرانسوني — القيامَ بمراسيم دفنه، مما أثار سخط الناس حتى كانت جنازة ساتناروزا مظاهرة وطنية عظيمة.

وقبضت الحكومة على فرانسوني واعتقلته في قلعة «فنسترﻟﻠﻪ»، وأخذت فرنسة تضغط على دازجيلو بشدة؛ للنزول عند إرادة روما، وجرت في الصيف محاولتان للتفاهُم ففشلتا؛ ذلك لأن أنتونللي لا يُريد أن يرجع عن رأيه القائل بأنه لا يجوز خَرْقُ الاتفاقية من دون رضاء الفريقين، هذا من ناحية ولأن الرأي العام في بيمونته كان يطالب بإلحاحٍ باتخاذ تدابيرَ جديدة ضد الكنيسة من ناحيةٍ أُخرى.

وقد أُلغيت زكاة ساردينه مقابل تعويض، وطالما ألجأ المجلس بشدة اندفاعه هذا الكبير الحكومةَ إلى السير في طريق الشدة، وأصر حزبُ اليسار على الحكومة أن تفرض حقوقها في الإشراف على كراسي تدريس اللاهوت في الجامعات؛ للقضاء على مهاجمة الأساتذة للدستور، ولكن كافور كان مخالفًا لكل تحديد يمس حرية التدريس، وبناء على تدخله تأجلت المذاكرة حول القانون فانتهز البابا هذه الفرصة للانتقام من جامعة تورينو فحرم «نوئيز» أستاذ اللاهوت فيها لأنه أيد حقوق الدولة في الإشراف على الشئون الإكليريكية.

وربما كانت الحكومة تميل إلى التساهُل في هذه القضية، وفي بعض القضايا الأخرى المختلَف فيها، فقد تأجل البحث في القضايا الخطيرة كالنكاح المدني وموازنة الإكليروس، ولما ظهر للعيان أن اختلافًا شديد الخطورة مجهول العواقب يوشك أن يقع تجلَّت الحاجةُ إلى وجود يد أقوى من يد دازجيلو يستطيع أن يواجه الأزمة.

وكانت شهرة كافور المتزايدة قد طغت على شهرة دازجيلو، لم تكن بداية حياة كافور البرلمانية موفَّقة، فقد جعلته علاقاته الأرستقراطية والآراء الرجعية التي كانت تُعزى إليه غيرَ محبوب من الشعب، بَيْدَ أنه استطاع بعد ذلك أن يفرض شخصيته وأن يوطد نفوذه فدل على متانة خارقة وإرادة صلبة وجرأة نادرة وذاكرة متوقدة ومقدرة على العمل فائقة.

وكانت خطاباته ذات تأثير في المجلس النيابي، وكان متحليًا بكل ما يقتضى لجلب ثقة الوسط من الناس، وكان تقريبًا يرقب الرأي العام ويتحاشى الانسياق في تيارٍ لا يلائم ظروف الزمن العملية إلا فيما ندر، وكانت سياستُهُ سياسة حزم بكل معنى الكلمة، وكان يقول: «إن على إيطالية أن تنشئ نفسها بالحرية ولا فائدة من إنشائها عن غير طريق الحرية.»

وكان قانعًا — كل القناعة — بأن الشعب سيدرك الحقيقة، عاجلًا أو آجلًا؛ ولذلك فإنه كان يرفض تقييد حرية الصحافة، ويتذمر من إعانة الحكومة جرائدها.

وقد طبق المبادئ الحرة نفسها في معالجة قضايا الكنيسة والدولة، فكان يعتقد أن الكنيسة المصونة من سيطرة الحكومة؛ تستطيع أن تلعب دورًا خصبًا في التطور الاجتماعي، ولو خير في الأمر لترك الكنيسة تحتفظ بكامل حريتها في أنظمتها الخاصة وفي طقوسها، وكان شعاره في ذلك «كنيسة حرة في دولة حرة.»

وكان يتوقع أن يرى النمسويين يومًا ما مطرودين من إيطالية والسلطة الزمنية ملغاة، ومما لا شك فيه بأنه كان يؤمن بإيطالية دولة حرة موحَّدة، ولكنه ظل في هذه القضية شأنه في القضايا الأخرى؛ ذلك الانتهازي الذي يترقب الفرص ولا يتقيد بأية طريقة.

وكان هدفه وقتئذٍ السعي لرفاه بيمونته واستخدام نفوذه في مصلحة البلاد الإيطالية الأخرى إذا ما سنحت الفرصة، ولم يكن في البدء ينتمي إلى حزبٍ ما ولكنه زج نفسه في اتجاه حر بتأثير الحماسة سنة ١٨٤٨.

ثم جعله الشطط الذي حدث في الشتاء الذي تلا تلك السنة من المحافظين، ولكنه أيقن على إثر الرجعية التي عقبت نوفَّاره أن الاستبداد أشدُّ خطرًا من تهويش حكم الدهماء، وحركت نقمته من ضعف دازجيلو ساكن نزغته الحرة وجعلته يقدمها على كل شيء.

وقد قال بضرورة تأليف حكومي قوي، كما ارتأى رتازي وسعى كثيرًا قبل صدور الإرادة بحل المجلس في التأليف بين الأحزاب، وكان يفضِّل الاستنادَ إلى اليمين إلا أنه رأى صعوبةَ الاتفاق مع قسمه المتطرف في القضايا الدينية والتجارية، وقد شرع يتهدد الوزارة بلطف في خطبة بالمجلس، مما جعلها تسير بحذرٍ في الإصلاح، وشعر الوزراء بحاجتهم إلى رجلٍ قوي وبتأثيرٍ من القائد لامارمورا والملك عين في ١١ تشرين الأول ١٨٥٠ في وزارة الزراعة والتجارة الشاغرة.

وقد تنبأ الملك بأن كافور سرعان ما يجعل الوزراء طوع إرادته ويصبح الرئيس الفعلي بينهم، وتنفَّس الأحرارُ الصعداء بتعينه واعتبروه بشيرًا في رغبة الوزارة في القيام بإصلاحات إكليريكية أخرى، بَيْدَ أن كافور انصرف إلى الأمور الاقتصادية حتى إنه شرع قبل أن يصبح وزيرًا للمالية في نيسان بتنفيذ سياسته في حرية التجارة إلى حدٍّ بعيد، وكان اشترع قوانينَ لتنظيم الجمعيات باسم النقابات، والتسليف الزراعي ومشاريع التعليم الزراعي وإصلاحات البريد والسكك الحديدية بعضُ ما تم على يديه في سبيل رقي بيمونته وإعانة تجارتها. وقد ألغيت الضرائب الإقطاعية التي كانت لا تزال تُجبى في بعض المناطق وأبطل حق البلديات في تقدير سعر الخبز، بَيْدَ أن جميع هذه المشاريع ذات شأن إذا قورنت بما قام فيه من إصلاحاتٍ عظيمة في الشئون المالية.

وكان كافور يرى أن تحسين المالية وتنظيمها وتقويتها أمور جوهرية تمس حياة الدولة ووجودها ولا سيما لأن الخزينة كانت مثقلة بسبب الغرامات الحربية الواجب دفعها إلى النمسة ونفقات الجيش والإعانات التي تدفع إلى السكك الحديدية، وقد بلغ عجز ميزانية سنة ١٨٥١ ستين مليونًا من الليرات،١ وزادت نسبة الضرائب ثلاثين في المائة وتجاوزت فائدة الديون من مليونين إلى ثلاثين مليون ليرة سنة ١٨٥٢، فاقتضى بُعْدُ النظر للأخذ بسياسة الاقتصاد من النفقات، وذلك يتطلب وجودَ مالي جريء يستطيع أن يطلب إلى البلاد بأنْ تستعد لزيادة ديونها.

وإذا كانت بيمونته تريد أن تستعد لحربٍ جديدة، فينبغي لها الاحتفاظُ بالجيش وتنظيم الأُسطول وصرف نفقات كبيرة لإقامة الحصون، كما أنه يجب مد سكك حديدية لإنماء صناعتها وفتح نفق عبر جبال الألبة، وقد أدت هذه الأعمال إلى تضخم في القروض وزيادة في الضرائب، فرأى كافور أنه يجب أن يكون للبلاد من القدرة ما تستطيع بها أن تجابه هذه التكاليف الجديدة فلا يتسنى لها ذلك إلا بزيادة مصادر الثروة فيها.

وقد اعتقد أنه يستطيع أن يجعل الصناعة والتجارة كفيلتين بتحقيق تلك القدرة، وذلك بالأخذ بمبدأ حرية التجارة قدر الإمكان، بَيْدَ أنه لاحظ بأن الرأي العام لم يكن متهيئًا ليتقبل مبدأ حرية التجارة في أوسع معانيه فقصر عمله على عقد اتفاقيات تجارية، وقد استطاع أخيرًا بالاتفاقيات التي عقدها مع فرنسة أولًا ومع بلجيكة وإنجلترة بعد ذلك، ثم مع سويسرة والاتحاد الجمركي البرلماني والنمسة نفسها؛ أن يفخر بعد بضع سنوات بأن التعريفة الجمركية البيمونتية أكثر سخاء من تعريفات القارة، وظهرت أول نتائجها الاقتصادية فكاد التهريب يزول من الوجود، ولم تصب الجمارك بأية خسارة في الواردات واندفعت بيمونته في طريق التقدُّم التجاري السريع حتى أصبحت مخزنًا لحرير إيطالية، وأخذ كافور بعد ذلك يحلم بإقامة حلف بين بيمونته والدول الغربية ليجابه به الحلفَ الاستبدادي الشرقي التي عقدته النمسا مع أمراء إيطالية.

١  الليرة الإيطالية تعادل الإفرنك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١