الفصل الثالث والثلاثون

إيطاليا وروما

١٨٦٠-١٨٦١

واقتنع الطليان بأن على فنيسيه أن تصبر، إلا أنهم كانوا يَتَلَهَّفُون على المسير نحو روما، وكانت ممتلكات البابا عبارة عن شقة من الساحل بين الضفاف الطوسكانية والنابولية، يتفاوت عرضها من ثلاثين إلى خمسين كيلو مترًا، تحتوي «فيتربه وتيفولي وفيللتري وفروسينونه»، وقد أعلنت فيتربه في الخريف انضمامَها إلى ملكية فيكتور عمانوئيل فاحتلها بيبولي حاكم أومبرية إلى أن أَلَحَّ الإمبراطورُ على إرجاعها إلى البابا رغم وعده لإنجلترة، وكان البابا يحكم تلك الأرض، والعالمُ كله يعلم بأن حكمه لا يستقيم أسبوعًا واحدًا إذا انسحبت الحامية الإفرنسية.

حقًّا لقد أظهر القوميون بعضَ النشاط في روما نفسها، وكان خمسة آلاف من خيرة رجالهم في المنفى، ومع أن الحامية الإفرنسية وقوات البابا كانت تقبض على المدينة بيدٍ من حديد، وعلى الرغم من أن الجند والشرطة فقد وَقَّعَ عشرةُ آلاف رجل على نداءٍ يرحبون فيه بسياسة كافور، وأخذ الطليان يتجهون بأبصارهم نحو روما كلما امتد الزمن، وقال ريكاسولي: «إيطالية من دون روما لا شيء، أما فنيسيه فتستطيع أن تصبر وسيأتي يوم الاستيلاء عليها، أما روما فلا يسعها الانتظار.»

ولما اجتمع البرلمان اقترح — بالإجماع — على اتخاذ روما عاصمة المملكة، وكان عارُ الاحتلال الأجنبي يُدْمي في قلب الأمة ويغضبها، وبينما كان أنصارُ البابا يحتجُّون بأن السلطة الزمنية لازمةٌ لاستقلال البابوية كان الطليان يجيبونهم بأن امتلاك روما لازمٌ لاستقلال إيطالية.

وقد انقلب هذا الشعورُ إلى سخطٍ حين أباح البابا للبوربونيين المغامرين أنْ يجعلوا مقرَّهم في روما، وأن يجهِّزُوا عصابات الشقاوة متمتعين بحماية البابا، وهكذا انفتحت هوةً سحيقة بين البابوية وإيطالية يتعذر سَدُّهَا ما دامت السلطة الزمنية ذلك المرض المزمن الذي يفسد أنقى دم في الأمة.

وانتشرت الكراهية للكنيسة بسرعةٍ ولا سيما بين الطبقات الوُسطى والصناع فأخذوا يقولون: «إذا أُرغمتْ إيطالية على الاختيار بين القومية والكاثوليكية فستختار الأولى.»

وراح رجالُ الماسون يبثون دعاية مستمرة صامتة في سبيل الفكر الحر، وأخذت البروتستانتية تزداد في فلورنسة، بَيْدَ أن كافور كان يدرك بأن القضية تتعدى الكفاح بين إيطالية وبلاط روما، وأن الأمر يتعلق بالسياسة الأوروبية التي لا تستطيع أن تتجاهلها إيطالية، وأن تكون بمعزلٍ عنها، فالأمر يمس جميعَ الأمم الكاثوليكية، وقال للإمبراطور بأنه لن يعقد مع البابا أية معاهدة تتخلى بها إيطالية عن حقوقها في روما، وشاهد الخطر الداهم الذي يتهدد البلاد من وُجُود حكومة في قلبها تستند إلى حربِ الأجانب، وأدرك الفائدة العملية التي تَنْجُمُ عن اكتساب المدينة التي إذا ما أصبحت العاصمةَ اضمحلت الخصوماتُ الناشبة بين تورينو وفلورنسه ونابولي، غير أنه لا يمكن اكتساب روما بالقوة ما دامت الحامية الإفرنسية فيها.

وأدرك كافور بأن الرأي العام الأوروبي الكاثوليكي كان قويًّا مخاصمًا، ولا سيما لأن الأحداث الأخيرة قد أسخطتْ أنصارَ البابا على بيمونته وعلى الإمبراطور أكثر من قبل، وكان استيلاء أومبريه وهزيمة لامورسيبر والقلق الذي استحوذ على روما ونفاق نابليون وجهود الحكومات الكاثوليكية؛ قد بَثَّ الذُّعْرَ والغيظ في العالم الكاثوليكي، فكلما ألحقت إيالة بالمملكة سارعتْ إلى وضع قوانين ضد الإكليريكية، وكثيرًا ما كانت هذه القوانينُ أشد من القوانين المرعيَّة في بيمونته.

وقد ألغى بيبولي في أومبريه وفاليريو في المارك، وكانا يعملان — بلا شك — بموجب وصايا تورينو الأديرةَ وشَرَّعَ النكاحَ المدني واستغلال أملاك اليسوعيين في تأسيس مدارس النواحي وجَرَّدَا الأساقفةَ مِن محاكمهم الكنيسية وحق الإشراف على التعليم والأمور الخيرية.

وجعل غاريبالدي قبل ذلك أملاكَ اليسوعيين مِن ممتلكات الأُمَّة في صقلية، وفي شهر شباط ألغى مانجيني وزير المذاهب في نيابة كاريجنانو الاتفاقية الدينية المعقودة في سنة ١٨١٨ كما ألغى الأديرةَ، وجَرَّدَ الأساقفة من حق إشرافهم على الأُمُور الخيرية، وكان ريكاسولي منذ مدة طويلة يطالبُ الحكومةَ بأن تستعد لجعل أملاك الكنيسة من الأملاك الأميرية في طوسكانه وبيع الأراضي الكهنوتية وتخصيص حاصلاتها لموازنة وإرادات الإكليروس. وأدى ذلك كله إلى إثارة حنق رجال الدين وغضبهم، وأخذوا يرغون ويزبدون، ولَمَّا أخفق متطوِّعو البابا أصبح أملُهم الوحيدُ في تهييج الرأي الكاثوليكي في أوروبا حتى تضطر الحكومات إلى التدخُّل.

وكان خطرُ ضياع ما بقي من السلطة الزمنية يُثير مخاوفَ الكاثوليك أكثر مما تُثيره القوانين المعاكسة للدين والمراعية في المملكة الجديدة، ومن الحق أن يقال إن هناك كانت جماعةٌ من الكرادلة المتساهلة، تقول بضرورة التفاهُم حتى إنه تألف مجمع ديني لدرس القضية من الوجهة اللاهوتية، وقرر بأن البابا يستطيع أنْ يتخلى عن السلطة الزمنية إذا قضت مصلحةُ الكنيسة ذلك، إلا أن المجمع كان عبارة عن فئة قليلة من جمهرة كثيرة، وبينما كان هناك أُمَّة فتية معتزةٌ بقوتها فخورة بعملها وبطالعها، كثيرًا ما تتوق إلى سحق العدو الذي يحول بينها وبين هدفها في جانبٍ؛ كانت حكومة البابا بقوتها النافذة في الخير والشر تقف في جانبٍ آخر.

وكانت قد ارتفعتْ أصواتٌ منذ مدة طويلة من الوسط الإكليروسي الكاثوليكي؛ تدعو إلى إيجاد التفاهُم بين الكنيسة وبين النزعة الحرة، وكان لامينس ومونتا لامبرون في فرنسة وروسميني وفنتورا وجيوبرتي في إيطالية؛ يبشرون بالإصلاح وبضرورة الأخذ بالاصطلاحات الحديثة، وكان أتباعهم بين الإكليروس وبين العلمانيين كثيرين، حتى إن الثورة في نابولي وصقلية كانت في طابعها دينية قادها الرهبان.

وقد أدى الاستياء الذي وَلَّدَه تصلُّب بلاط روما الطائش والشعور بالخطر المحدق بالكنيسة والرغبة في سد الثغرة بين الكنيسة وبين العلمانيين إلى انسياق قسمٍ كبير من الإكليروس وراء التحزُّب لفكرة التفاهُم، وقد وَقَّعَ في روما ذاتها خمسون من رجال الدين على نداءٍ موجَّه لكافور، وكانت هذه الحركة في مجملها تمرد الإكليروس الرفيع وثورة الخوري الذي يتضور جوعًا على المطران الغني الخليع، وراح رجال الإصلاح يقولون بأنَّ الأساقفة لا يسعهم إلا صَبُّ اللعنات، فقد أضاعوا قدرة التقديس.

وكان على رأس هؤلاء المصلحين اليسوعي «بشَّاجليه»، وقد وجه وأتباعُهُ نداءً للرهبان ودكاترة اللاهوت قالوا فيه إن الكنيسة اعتادتْ أن تعترف بالحكومات تجاه الأمر الواقع، وإن التحريم بلا استنادٍ إلى أسباب خطيرة قاهرة أو إنزال العقوبات الدينية بالجماهير أمورٌ أنكرها رؤساء المذاهب الكاثوليكية وأحبارها.

على أن معظم كتابات هؤلاء لم تصدر إلا بعد بضعة أشهُر حين شجعتْهم أعمالُ الحكومة الإيطالية على الجهر بها، وكانوا قبل ذلك قد أظهروا نفوذَهم فكان كافور — اعتمادًا على معاضدة هؤلاء — يتوقع أن يدخل روما برضاء العالم الكاثوليكي، وقد قال في المجلس النيابي في شهر تشرين الثاني: «لا يمكن أن تُحسم القضية الرومانيةُ بالسيف، بالقُوَى الأدبيةِ وحدها نستطيعُ أن نتغلب على الموانع الأدبية.»

وإذا تسنى البرهنةُ على أن إلغاء السلطة الزمنية لا يتعارض مع استقلالٍ روحي أوسعَ حدودًا مما كانت البابوية تتمتع له في الأزمنة المتأخرة؛ حينئذٍ يجرد الكاثوليك من سلاحهم الوحيد، ولكن ظهر بأن الأمل في عدول روما عن خصومتها إنما هو خائبٌ، ومع ذلك فقد اندفع كافور بكل قوته نحو بلوغ هذا الأمل، وكان شعار المصلحين: «قيام كنيسة حرة في حكومةٍ حرة».

وقد انتهت المعركةُ المديدةُ التي نشبتْ قبل قرن بين الكنيسة والدولة بهزيمة الأُولى؛ إذ أرغم جوزفي الثاني في النمسة ولئوبولد في طوسكانه وتنوكي في نابولي البابا على عقد اتفاقات دينية جَعَلَتْ الكنيسةَ خاضعةً للدولة.

وكان كافور قرر إلغاء هذه الاتفاقيات إذا تخلَّت البابوية عن السلطة الزمنية، ومن البديهي ألا يكون للكنيسة امتيازاتٌ تتعارض وحرية الحكومة فتعترف الكنيسة بالنكاح المدني ويُصبح العلمانيون ورجالُ الدين متساوين أمام القانون، ولا تفتح أبواب الأديرة الملغاة ولا يتمتع الإكليروس بحق الإشراف على مدارس الحكومة والجامعات، فإنها تُصبح حرة في التصرف بأملاكها وبإدارتها كل الحرية، ثم إن الحكومة تضمن لها بعض الواردات، ويستطيع البابا أنْ يمارس القانون الكهنوتي من دون قيدٍ على أنْ لا يطلب معاضدة السلطات المدنية، ويستطيع أعضاءُ الإكليروس أن يَعِظوا وأن يدرسوا ما يشاءون في مدارسهم الدينية الخصوصية.

ثم إن الدولة تتخلى عن حق تعيين الأساقفة الذين سوف يُنتخبون فيما بعد من قبل إكليروس الأسقفية، ويحتفظ البابا بعنوان الملك الأسمى، ويتقاضى راتبًا ضخمًا له ولبلاطه ويصبح مجمع الكرادلة طليقًا من كل نفوذ حكومي.

تلك كانت خلاصة آراء كافور في حل قضية روما، وكان يعلم بأن الرأي العام لا يقابل مقترحاته هذه بادئ الأمر بالاستحسان، ولعلَّ الرأي العام — ولا سيما في بيمونته ونابولي وصقلية — يعارض التخلي عن الحقوق التي اكتسبها من الكنيسة، إلا أن كافور كان موقنًا بقدرته على إقناع المعارضين العلمانيين، وقد قال: «إن انفصال الكنيسة من الدولة سوف يكون أمرًا واقعًا، يوافق عليه جميع الأحزاب في الجيل القادم.»

وقد استطاع أن يُبدد شكوك الجماعات البارزة من العلمانيين، وأن يضعهم إلى جانبه في الأَخْذ بمشروعه، كما أن الإكليروس الحر صرح بأن هذا المشروع يفتح عهدًا جديدًا للكنيسة وأن في الحياة الموعودة ما هو أثمنُ من ضياع السلطة الزمنية، وأوشك كافورُ بسمعته ومزايا مشروعه أن يوفَّق إلى استمالة البرلمان والشعب نحو المشروع، وسبق أنْ حاول كافورُ استمالةَ البلاط البابوي إليه، وبعد أن اطلع بنجيتي على مشروعه أرسل تاجلية وبانتالتوني أحد الدكاترة من أهل روما بمهمةٍ غير رسمية إلى الكرادلة الأحرار، وكان اثنان من الكرادلة قد رحبا بالمشروع ترحيبًا حارًّا، أما الآخرون فأظهروا عطفهم عليه وأخيرًا بسط أحدُ المظاهرين للمشروع تفاصيلَه أمام أنتونللي والبابا، ويلوح أن البابا وافق عليه.

أما أنتونللي فبعد أن بذل آخرَ جهد لإقناع النمسة بمهاجمة بيمونته تظاهر بتأييده للمشروع، وسرعان ما شرع كافور بمفاوضته رأسًا وقدم إليه مقترحاتٍ مغريةً ويكادُ يكون مؤكدًا أنه قدم مبلغًا كبيرًا من المال إلى أنتونللي فلم يرفضْه، ومن جملة المقترحات التي عرضها أن يتمتع الكرادلةُ بالامتيازات التي يتمتع بها الأمراء أصلًا ويدخلون في مجلس الأعيان.

وحين قبل أنتونلي الأُسُسَ التي اقترحها كافور مال إلى قبولها تسعةُ كرادلة آخرون ربما خافوا من خطر الانشقاق، أما البابا فكان لا يثبت على رأي لكنه قبل بها أخيرًا مكرَهًا؛ لأن قلعة جايته استسلمت، وأدرك أن مساعدة النمسة أصبحتْ بعيدة المنال، وتقدمت المفاوضاتُ كثيرًا ثم اعترضها بغتة عائقٌ، وبعد أن اضطر كافور إلى أنْ يتساهل مرة أُخرى في مفاوضاته عاد فقطعها في آخر شهر شباط.

ومن المؤكد أن أنتونللي كان في أوائل آذار يعمل مع إسبانيا والحصول على تدخل الدول الكاثوليكية، وكان اليسوعيون — في الحين ذاته — يبذلون جهدهم لإثارة البابا ضد أي مشروع للتفاهُم فضاع كل رجاء في النجاح، وترأَّس أنتونللي المعارضةَ وطرد بانتالئوني من روما.

ولو نجحت تلك المفاوضات لَكانت الكنيسةُ قد أثبتتْ صداقتها للدولة ولكانت الكنيسة والدولة قد كسبتا شيئًا كثيرًا في بعض النواحي ولَتزايدتْ سطوة الكنيسة؛ لأن العقد كان يضمن للكنيسة حياد الأشخاص ذوي النفوذ البالغ في البلاط أو أنه يُكسب الكنيسة صداقتهم، وكان البابا قد جعل منهم أخصامًا له، ومع أن نفوذ الإكليروس بين القرويين وأهالي الجنوب الجاهلين قد يصبح خطرًا، إلا أن من شأن التعاقُد أن يَصُونَ إيطالية مِن مُعظم التوتر الذي حدث بعد ذلك بين الفاتيكان وقصر الكيرنال (بلاط ملك إيطالية في روما) وأن يزيد في استقرار الدولة باشتراك الكاثوليك الأقحاح من الأهلين في شئون الدولة اشتراكًا عمليًّا.

بَيْدَ أن كافور أدرك أخيرًا أنه لا يمكن إنجاز تلك السياسة في ذلك الوقت فانصرف إلى حلٍّ آخر إذا كان أقل كمالًا فهو عمليٌّ ممكنُ التنفيذ؛ إذ تبين له أن الإمبراطور نابليون الثالث قد اعتزم أخيرًا على سحب جنوده من روما؛ لأنه كان يتذمر مِن كون روما أصبحتْ ملجأً لأعدائه كما أخذ يعتمد على مساعدة الأحرار في فرنسة، وهدد الأساقفة الإفرنسيين وألغى الجمعيات المؤسسة لجمع المال للبابا.

ثم أخبر كافور في منتصف نيسان بأنه سوف يسحب الجنود من روما، على أنْ تتعهد الحكومةُ الإيطالية بصيانة أراضي البابا الحالية من كل تعدٍّ، ولسوف يتسنى للبابا بأن يجهز جيشًا خاصًّا به، إلا أنه إذا استطاع الرومانيون في ظرف بضعة أشهُر أنْ يقلبوا حكومتهم وأن ينضموا إلى إيطالية بالاقتراع العام فإن فيكتور عمانوئيل يستطيع إذ ذاك أن يذهب إلى روما، ولكن ينبغي له أن يذهب إليها بدعوة الأهلين لا غازيًا، لقد كان من حق الرومانيين أن تكون لهم حكومةٌ صالحة طبيعيًّا، أما حجة الكاثوليك في التدخُّل في شئون روما فكانت واهية؛ فحين كانت إيطالية والعالم الكاثوليكي يهتمان كل الاهتمام بمصائر روما كانت سبعمائة ألف نسمة — وهم مجموع رعايا البابا — لا يستطيعون أن يقرروا مصيرهم بالاقتراع، وكان معلومًا أن الرومانيين إذا ثاروا فسيقترعون بفكرة الانضمام، وكان هذا التدبير الوسيلة التي تنجي الإمبراطور من تبعاته.

أما كافور فكان لا يتوقع بأن ينجح الرومانيون في ثورتهم وأدرك صعوبة إمالة الرأي العام إلى مثل هذا المشروع، وكان موقنًا بأن البرلمان والرأي العام سرعان ما يستنكران اتفاقًا يرمي إلى أن يجعل إيطالية حارسة للسلطة الزمنية، أما الغاريبالديون فسيبذلون قصاراهم لخرق ذلك الاتفاق، بَيْدَ أن كافور فضل مواجهة غضب الشعب على التخلي عن الحلف الإفرنسي ورفض تكاليف الإمبراطور، فقرر الملك ومنجيني — وبعد كثير من التردد — ريكاسولي معاضدتَه، فاستعد كافور للتوقيع على الاتفاق إذا اعترف الإمبراطور رسميًّا بتأسيس المملكة الإيطالية، واستعمل نفوذه في إقناع البابا باستئناف المفاوضات المنقطعة، وقد تعذر في باريس قبل العاشر من مارس تخلية رومة من الجند الإفرنسي في نهاية حزيران.

بَيْدَ أنه حدث في هذه المرة كما حدث في السنة الماضية؛ أن خاب الرجاء في اكتساب جانب روما، وقد انعقد المجلس النيابي الإيطالي في ١٨ شباط وظلت الكتلة التي تؤيد الوزارة أكثريةً ولم يمثل الإكليريكيون فيه إلا قليلًا، وكان من بين أربعمائة وثلاثة وأربعين عضوًا ثمانون عضوًا في أقصى اليسار، ويدعون وقتئذٍ بالغاريبالديين، أما المعتدلون الجديدون فكانوا من أعضاء الوسط البيمونتي ومن الجمهوريين والغاريبالديين الذين أصبحوا من المعتدلين، والدستوريين الملكيين من الإيالات الجديدة، وكانوا يمثلون الفئة التي أيدت سياسة كافور في السنتين الأخريين، تلك السياسة التي أنقذت إيطالية الوسطى وأكسبت المملكة جنوب الوطن، ولم يكونوا أقلَّ من الغاريبالديين حماسةً للذهاب إلى روما وفنيسيه، إلا أنهم كانوا من ذوي البصيرة ويحرصون على أن يضمنوا الانتصار قبل أن تُنازِلَ قواتُهم قواتِ النمسة، وكانوا يأملون أن يكسبوا روما من دون أن يُغضبوا الدول الكاثوليكية، ومع كل التردد الذي كان يبدو في سياستهم والحيطة التي ترافق تصرفاتهم فإن سياستهم كانت خيرًا من سياسة الغاريبالديين نظريًّا وعمليًّا.

وكان اليسار قد فتح صدره للسياسيين من شتى المذاهب، دموقراطيين واتحاديين وبوربونيين … وكانت معارضة الحكومة وحدها تؤلف ما بينهم، أما الحزب الغاريبالدي القح فأعضاؤه أتوا من نابولي وأَلَّفُوا جماعة متماسكة قوية بالسمعة التي حازتْها سنة ١٨٦١، ثم إنها كانت تمثل الشعب القلق الطامح إلى الحصول على روما وفنيسيه، وكانوا يرفضون التأَني والتفاهُم من دون أن يكترثوا للصعوبات العسكرية والسياسية، وكانوا يعتقدون بسهولة تجديد الوقائع الموفقة التي نالها غاريبالدي من سفرته في صقلية ويريدون حشد المتطوعين لتمهيد الطريق نحو فنيسيه وأغروا رومانو.

أما إذا رفض مِنهاجَهُمْ للحركة فإنهم كانوا يطالبون من الحكومة بأن تسمح لهم بأن يعملوا مستقلين عن الحكومة، وبذلك تتجنب البلاد شقاقًا أوشك أن يُصبح شؤمًا في الخريف الماضي، إلا أنه مهما كانت هذه الجماعة ذات شأن خطير في البلاد فإنها كانت في البرلمان حزبًا مهملًا، ولكن المحذور الوحيد الذي كانت الحكومةُ تحسب حسابه هو احتمال تأليف معارضة من المركز تجتمع حول رتازي؛ إذ كانت العلاقات بينه وبين كافور لا تزال متوترة، وكان يستطيع أن يستخدم لباقته البرلمانية بدون ضوضاء يمد اليد الواحدة إلى الحزب البيمونتي الضيق التفكير واليد الأخرى إلى الغاريبالديين.

أما حزب اليسار القديم فلا يختلف في سياسته عن سياسة أنصار الوزارة، إلا أنه كان يحتفظ بتقاليد المعارضة باسم حزبه الأكثر والأقل، وهكذا انبعثت من هذه العناصر المتنافرة بالتدريج حزبٌ ثالثٌ قليلُ العدد، لا مبدأ يوحِّد أهدافه إلا أنه كان قويًّا بمفرده ومؤيدًا من قبل أكثرية الرأي العام.

ومع ذلك فإن نسف مركز كافور كان أمرًا صعبًا مستحيلًا؛ إذ جاهر بإخلاصه لمبادئ القوميين بأوسع معانيها وآفاقها، وظاهر المطالبين بروما وصرح بأن الأقطار الجديدة يجب أن تكون متساوية مع بيمونته فعاضده معظمُ الأحرار، ومع ذلك فإن تسيير الأُمُور في المجلس النيابي لم يكن بالأمر السهل، فالملك حين كان في نابولي وعد المتطوعين وعودًا جريئة اعتبرها فانتي وزملاؤه القُوَّاد ماسَّةً بكرامة الجيش؛ لأنها كانت تمنح رتبًا لعددٍ كبير من الضباط المرتجلين غير المجربين، وقد اعترض كافور على قسمٍ من مشروع الملك الذي يضع جيش الجنوب في موضع شبه المستقل، فاضطر الملك — بضغط الوزراء والجيش — إلى الإذعان وحضر نحوٌ مِن ثلاثة آلاف وخمسمائة ضابط؛ أي نصف مجموع الضباط أمام لجنة لتدقيق حقهم في حمل رتبة في الجيش النظامي، ويلوح أنهم عوملوا بعدلٍ إلى أن صدر أمرُ الحكومة في ١١ نيسان بإحالتهم إلى التقاعُد.

وقضى غاريبالدي الشتاء في كاربيره حانقًا بسبب تسريح المتطوعين على تلك الصورة، ولكنه ظل يُخلص للملك، وقد تخلى وقتئذٍ عن خططه المستعجلة بشأن روما وفنيسيه، وكان يحمل حقدًا مستمرًّا على كافور إلا في فتراتٍ نادرة، ولا يتحول عن رأيه في إيجاد أُمَّة مسلحة، تستطيع أن تقذف إلى الميدان عاجلًا أو آجلًا مليونَ رجل لفتح فنيسيه وروما، وإذا كانت الحكومة لا ترغب هي في القيام بهذا الواجب فإنه يطالب بأن يسمح له هو وأصدقائه بأن يمهدوا السبيل، وأن يجهزوا عددًا من الحرس القومي وأن يقوموا بتنظيم التدريب على السلاح وتأسيس لجان تموين لجمع المال والسلاح. وقد وافق كافور وتَسَاهَلَ مع جميع هذه المشاريع إلى حدٍّ ما.

وترك غاريبالدي كاربيره في شهر نيسان، وبعد أن ألقى في جنوة خطابًا طائشًا تظاهر فيه بقلة الاحترام للملك وللبرلمان حضر بغتة إلى المجلس النيابي فاستوضحه ريكاسولي حقيقة الخطاب الغريب، ودعى الحكومة في الوقت نفسه لتسويغ القرار الجديد الذي أصدرتْه بشأن المتطوعين، ولما قام فانتي (وزير الحربية) وازدرى به بدلًا من أن يجيب، انفجر غضب غاريبالدي الدفين وأطلق لنفسه العنان فهاجم الحكومة ووَجَّهَ لها قارصَ الكلام متهمًا كافور بكل نقيصة، ومحتجًّا عليه قائلًا بأنه لن يصافح يد الرجل الذي خلقه، وليس كافور سوى أجنبي يعيش في بلده «غاريبالدي» الخاص.

وأغضبت حركته الطائشة الجانب الآخر، فما كان من الجنرال جيالديني إلا أن نشر — بعد بضعة أيام — كتابًا مملوءًا بالوشايات أبدى فيه غضب الجيش والرأي العام على تصرُّفات غاريبالدي، ولما طلب هذا من جيالديني المبارزةَ أدرك المتزمتون من كِلا الجانبين ضرورةَ إنهاء الحادثة، فهدَّأَ مديجي وبيكسيو جأش غاريبالدي الذي شعر بخطئه، وتدخل الملك في التوفيق بين المتخاصمين، ثم تقابل كافور وغاريبالدي في ٢٤ نيسان.

ومع أن المقابلة كانتْ باردة فكان الإخلاص يَسُودُها وتلاها تراضٍ أشد حرارة مع الجنرال جيالديني، ثم عاد غاريبالدي هادئًا إلى كاربيره؛ حيث كتب منها إلى كافور كتابًا وديًّا أبدى فيه موافقتَه على الحلف الإفرنسي، ورجا فيه بأنْ يسلح الأمة لكي تتضافر جميعُ الجهود في سبيل تحرير إيطالية.

ولكن كان كافور كئيبًا في أثناء تلك الحادثة حتى قال بأنها سمته، وقد هدمت الأشغال الشاقة التي تحملها في خلال السنتين الأخيرتين بنيته، وكان منذ مدة يشكو الأرق والصداع، وظهرت عليه في نهاية شهر أيار أعراض مرض التيفود، وقد مضى ساعاته الأخيرة بالانكباب على أمور نابولي وقضاياها، وكان آخر رسالة بَلَّغَها لأصدقائه ضرورة تأمين حاجات منكوبي الجنوب، وكان آخر قوله: «بعثت إيطالية ونجى كل شيء.» ومات في ٦ حزيران فبُهتت البلاد أمام هذه الضربة المفزعة المفاجئة، وشُوهد الناس يسكبون دُمُوعَهم في الطرقات وفي البرلمان وأعلنت تورينو الحداد عليه بالصمت وكأن وباء انتابها، لقد مات كافور في أتم نضوجه، وكان في الواحدة والخمسين من عمره، وقضى حين كانت البلاد في أشد الحاجة إليه، وهكذا أبى القدر في ساعة انتصار إيطالية إلا أن ينزل بها ضربة اهتزت لها فزعًا وأسًى.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤