الْفَصْلُ السَّادِسُ

قِصَّةُ أَبِي تَوْلَبٍ

(١) حَدِيثُ دَهْمَانَ

فَارْتَاحَتْ نَفْسُ «أَبِي زِيَادٍ» لِمَا سَمِعَ، وَاطْمَأَنَّ بَالُهُ، بَعْدَ أَنْ تَبَيَّنَ الصِّدْقَ فِيمَا حَدَّثْتُهُ بِهِ. ثُمَّ قَالَ لِي وَقَدْ شَاعَتِ الْبَهْجَةُ فِي قَلْبِهِ، وَلَاحَتِ السَّعَادَةُ عَلَى مَلَامِحِهِ.

«لَقَدْ وَعَدْتِنِي — يَا أُمَّ سَوَادَةَ — أَنْ تُحَدِّثِينِي بِمَا قَصَّهُ عَلَيْكِ صَاحِبُكِ «دَهْمَانُ» مِنْ أَخْبَارِ أَخِينَا «أَبِي تَوْلَبٍ». وَلَعَلَّكِ مُنْجِزَةٌ وَعْدَكِ الْآنَ، فَإِنَّ خَيْرَ الْبِرِّ عَاجِلُهُ».

فَأَنْشَأَتْ «قَسَامَةُ» تَقُصُّ عَلَى «أَبِي زِيَادٍ» أَخْبَارَ «أَبِي تَوْلَبٍ» وَرِحْلَاتِهِ الْمُعْجِبَةَ. قَالَتْ:

(٢) نَشْأَةُ أَبِي تَوْلَبٍ

حَدَّثَنِي «دَهْمَانُ» عَنْ «أَبِي تَوْلَبٍ» أَنَّهُ قَالَ: «نَشَأْتُ — أَوَّلَ مَا نَشَأْتُ — فِي بَيْتِ «أُمِّ عِرْبِدَ» وَهِيَ سَيِّدَةٌ نَصَفٌ (امْرَأَةٌ وَسَطٌ بَيْنَ الْحَدَثَةِ وَالْمُسِنَّةِ)، تُنَاهِزُ (تُقَارِبُ) الْخَامِسَةَ وَالْأَرْبَعِينَ مِنْ عُمْرِهَا. وَكَانَ لَهَا حَدِيقَةٌ صَغِيرَةٌ، وَبَقَرَةٌ سَمِينَةٌ تُكْنَى «أُمَّ وَالِبَةَ»، وَجَمْهَرَةٌ مِنَ الدَّجَاجِ. وَقَدْ جَمَعَتْ بَيْنَ الزِّرَاعَةِ وَالتِّجَارَةِ، فَكَانَتْ تَسْتَخْرِجُ — مِنْ لَبَنِ بَقَرَتِهَا — الْجُبْنَ وَالْقِشْدَةَ، وَمِنْ حَدِيقَتِهَا الْخُضَرَ وَالْفَاكِهَةَ، وَمِنْ دَجَاجِهَا الْبَيْضَ.

(٣) بَدْءُ الْكَرَاهِيَةِ

وَكَانَتْ «أُمُّ عِرْبِدَ» (وَالْعِرْبِدُ مَعْنَاهُ: الْحَيَّةُ) تَضَعُ كُلَّ طَائِفَةٍ — مِنْ هَذَا — فِي مِشَنَّةٍ أَوْ سَلَّةٍ، ثُمَّ تُثْقِلُ ظَهْرِي بِمَا لَا أُطِيقُ حَمْلَهُ. وَلَا تَكْتَفِي بِذَلِكَ، بَلْ تَجْمَعُ — إِلَى ثِقَلِ هَذِهِ السِّلَالِ — ثِقَلَ جِسْمِهَا السَّمِينِ. ثُمَّ تَأْمُرُنِي بِالذَّهَابِ إِلَى السُّوقِ — وَهُوَ عَلَى مَسَافَةٍ طَوِيلَةٍ مِنْ بَيْتِهَا — وَفِي يَدِهَا عَصًا طَوِيلَةٌ لَا تَفْتَأُ تُلَوِّحُ بِهَا، بَيْنَ حِينٍ وَآخَرَ، ثُمَّ لَا تَلْبَثُ أَنْ تَهْوِي بِهَا عَلَى جَسَدِي بِلَا مُسَوِّغٍ. وَهِيَ تَظُنُّ أَنَّهَا تَسْتَحِثُّنِي عَلَى مُضَاعَفَةِ الْجُهْدِ، وَالْإِسْرَاعِ فِي الْعَدْوِ (الْجَرْي)، فَلَا يَزِيدُنِي ذَلِكَ إِلَّا حِقْدًا عَلَيْهَا وَغَيْظًا مِنْهَا.

(٤) نَتِيجَةُ الْقَسْوَةِ

وَمَتَى حَقَدَ الْحِمَارُ عَلَى صَاحِبِهِ، تَفَنَّنَ فِي مُعَاكَسَتِهِ، فَحَادَ عَنِ الصِّرَاطِ السَّوِي (الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ)، وَلَمْ يَأْلُ جُهْدًا (لَمْ يُقَصِّرْ) فِي مُضَايَقَتِهِ، وَتَنْغِيصِ عَيْشِهِ. وَكَذَلِكَ فَعَلْتُ. فَعَمَدْتُ (قَصَدْتُ) أَنْ أُعَرِّجَ بِهَا (أَمِيلُ بِهَا مِنْ جَانِبٍ إِلَى جَانِبٍ)، يَمْنَةً وَيَسْرَةً. وَهِيَ تُحَاوِلُ بِعَصَاهَا أَنْ تُصْلِحَ مَا فَسَدَ مِنْ أَمْرِي، فَلَا أَزْدَادُ — عَلَى الضَّرْبِ — إِلَّا عِنَادًا وَحِرَانًا، أَعْنِي: أَنَّنِي كُنْتُ أَقِفُ وَلَا أَنْقَادُ لَهَا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ.

(٥) نَتِيجَةُ الْبُخْلِ

وَكَانَتْ «أُمُّ عِرْبِدَ»: تِلْكَ السَّيِّدَةُ النَّصَفُ — إِلَى قَسْوَتِهَا — شَدِيدَةَ التَّقْتِيرِ (الْبُخْلِ)، فَلَا تُعْطِينِي مِنَ الْغِذَاءِ إِلَّا مِقْدَارَ مَا يُقِيمُ أَوْدِي (يُزِيلُ تَعَبِي)، مَعَ أَنَّهَا فِي سَعَةٍ مِنَ الرِّزْقِ، وَخَفْضٍ (لِينٍ) مِنَ الْعَيْشِ. فَتَرَبَّصْتُ (انْتَظَرْتُ) بِهَا الدَّوَائِرَ، وَتَحَفَّزْتُ (تَهَيَّأْتُ لِلْوُثُوبِ) رَغْبَةً فِي الِانْتِقَامِ.

وَذَاتَ يَوْمٍ، نَسِيَتْ أَنْ تَسْقِيَنِي وَتُطْعِمَنِي، مِنَ الصَّبَاحِ إِلَى وَقْتِ الظُّهْرِ. فَلَمْ تَكَدْ تَبْتَعِدُ عَنِي — وَكُنَّا قَدْ بَلَغْنَا السُّوقَ — وَتَذْهَبُ لِبَعْضِ شَأْنِهَا، حَتَّى دَفَعَنِي الْجُوعُ وَالظَّمَأُ إِلَى مِشَنَّةِ الْخُضَرِ. فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهَا مُضْطَرًّا، وَأَكَلْتُ مَا تَحْوِيهِ مِنْ لَذِيذِ الْكُرُنْبِ.

وَلَمْ أَكَدْ أَنْتَهِي مِنَ الْكُرُنْبَةِ الْأَخِيرَةِ حَتَّى عَادَتْ «أُمُّ عِرْبِدَ» فَلَمَّا رَأَتْ مَا حَلَّ بِهَا مِنَ الْخَسَارَةِ، صَرَخَتْ مُوَلْوِلَةً، كَأَنَّمَا لَدَغَتْهَا ذَاتُ الْفَقَارِ (الْعَقْرَبُ) بِزُبَانَاهَا (وَالزُّبَانَى: قَرْنُ الْعَقْرَبِ) وَأَسْرَعَتْ «أُمُّ عِرْبِدَ» إِلَيَّ تَتَوَعَّدُنِي بِالْوَيْلِ، وَتُنْذِرُنِي بِالْهَلَاكِ.

(٦) عِقَابُ اللَّئِيمِ

وَاشْتَدَّتْ حَيْرَتِي وَارْتِبَاكِي حِينَ رَأَيْتُهَا مُقْبِلَةً عَلَيَّ بِعَصًا غَلِيظَةٍ، وَهِي تَنْهَالُ (تَتَابَعُ) عَلَيَّ ضَرْبًا وَشَتْمًا، وَتُقْسِمُ لَتَقْتُلَنِي جَزَاءَ مَا اقْتَرَفْتُ مِنْ إِثْمٍ (ذَنْبٍ) كَبِيرٍ، وَتَكِيلُ — مِنَ السِّبَابِ وَالشَّتَائِمِ وَعِبَارَاتِ التَّحْقِيرِ لِي وَلِأَبْنَاءِ جِنْسِي الْأَقْرَبِينَ وَالْأَبْعَدِينَ — مَا لَمْ يَكُنْ لِيَدُورَ لِي عَلَى بَالٍ.

فَذَكَرْتُ — حِينَئِذٍ — كَلَامًا سَمِعْتُهُ مِنْ صَدِيقٍ لِوَلَدِ هَذِهِ السَّيِّدَةِ، اسْمُهُ: «هِشَامٌ» وَهُوَ طَالِبٌ مِنْ أَذْكِيَاءِ الطُّلَّابِ. وَلَسْتُ أُغَالِي إِذَا قُلْتُ: إِنَّهُ أَذْكَى مِنْ كَثِيرٍ مِنْ نُجَبَاءِ الْحَمِيرِ الَّذِينَ عَرَفْتُهُمْ فِي حَيَاتِي. وَكَانَ هَذَا الطَّالِبُ يَتْلُو كَلَامًا جَمِيلًا مِنْ كِتَابِ الْمَحْفُوظَاتِ، وَيُنْشِدُهُ مُعْجَبًا بِمَعْنَاهُ، حَتَّى رَوَيْتُهُ عَنْهُ وَحَفِظْتُهُ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ «الْمُتَنَبِّي»: أَحَدِ حُكَمَاءِ الْإِنْسِ وَشُعَرَائِهِمُ الْمُجِيدِينَ:

«إِذَا أَنْتَ أَكْرَمْتَ الْكَرِيمَ مَلَكْتَه
وَإِنْ أَنْتَ أَكْرَمْتَ اللَّئِيمَ تَمَرَّدَا»

(٧) ثَمَنُ الْجُحُودِ

فَلَمْ أَجِدْ بُدًّا مِنَ الدِّفَاعِ عَنْ نَفْسِي، وَالِانْتِقَامِ مِنْ «أُمِّ عِرْبِدَ» لِمَا أَلْحَقَتْهُ مِنَ الْإِهَانَةِ بِأَبْنَاءِ جِنْسِي. وَرَفَسْتُهَا رَفْسَةً قَذَفَتْ بِهَا إِلَى الْأَرْضِ، وَأَلْقَتْ بِهَا فِي غَيْبُوبَةٍ. مَا أَحْسَبُهَا أَفَاقَتْ مِنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ. وَكَانَ هَذَا جَزَاءً وِفَاقًا. فَلَوْ أَنَّهَا شَكَرَتْ لِي حُسْنَ خِدْمَتي، وَلَمْ تَنْسَ أَنْ تُقَدِّمَ لِي طَعَامِي وَشَرَابِي، لَظَلِلْتُ لَهَا — مَا حَيِيتُ — عَبْدًا شَكُورًا.

(٨) فِي الْمِحَفَّةِ

وَاشْتَغَلَ مَنْ فِي السُّوقِ بِإِسْعَافِ «أُمِّ عِرْبِدَ». وَرَأَيْتُهَا فُرْصَةً لِلْهُرُوبِ، وَمَا زِلْتُ أَجْرِي حَتَّى بَلَغْتُ الدَّارَ. فَاسْتَقَبَلَنِي أَبْنَاؤُهَا وَزَوْجُهَا مَدْهُوشِينَ. وَتَسَاءَلُوا عَمَّا لَحِقَ بِصَاحِبَتِي، وَكَيْفَ رَجَعْتُ بِغَيْرِهَا. وَانْقَسَمَتْ آرَاؤُهُمْ — فِي أَمْرِي — وَاخْتَلَفَتْ!

وَبَعْدَ قَلِيلٍ رَأَوْا صَاحِبَتِي وَهِيَ فِي حَالٍ يُرْثَى لَهَا مِنَ الْأَلَمِ وَالضَّعْفِ، وَقَدْ حُمِلَتْ فِي مَحَفَّةٍ (وَالْمَحَفَّةُ: مَرْكَبٌ لِلنِّسَاءِ كَالْهَوْدَجِ، إِلَّا أَنَّهَا لَا قُبَّةَ لَهَا). وَسَمِعْتُ أَوْلَادَهَا يَتَوَعَّدُونَنِي بِالْقَتْلِ. وَكَانَ أَبُوهُمْ يَقُولُ لَهُمْ: «عَاقِبُوهُ كَمَا تَشَاؤُونَ. وَلَكِنِ احْذَرُوا أَنْ تَقْتُلُوهُ. وَإِلَّا ضَاعَ ثَمَنُهُ عَلَيْنَا بِلَا طَائِلٍ (بِغَيرِ فَائِدَةٍ).»

(٩) فِي الْغَابَةِ

فَرَأَيْتُ الْحَزْمَ فِي الْفِرَارِ. وَمَا زِلْتُ أَعْدُو (أَجْرِي) — جُهْدَ طَاقَتِي — حَتَّى غِبْتُ عَنْ أَبْصَارِهِمْ. فَلَمَّا اطْمَأْنَنْتُ إِلَى السَّلَامَةِ، وَأَمِنْتُ شُرُورَهُمْ وَأَذِيَّتَهُمْ، وَاصَلْتُ السَّيْرَ حَتَّى بَلَغْتُ أَجَمَةً فِيهَا جَدْوَلٌ صَافٍ مِنَ الْمَاءِ. فَأَكَلْتُ مِنْ حَشَائِشِ الْأَرْضِ، وَشَرِبْتُ مِنْ مَائِهَا النَّمِيرِ (النَّاجِعِ الزَّاكِي). ثُمَّ أَسْلَمْتُ أَجْفَانِي لِلنَّوْمِ حَتَّى لَاحَ (ظَهَرَ) الْفَجْرُ.

(١٠) بَنَاتُ وَازِعٍ

figure

فَشَعَرْتُ — فِي هَذِهِ الْغَابَةِ — بِالطُّمَأْنِينَةِ بَعْدَ أَنْ أَمِنْتُ أَذِيَّةَ تِلْكَ الْأُسْرَةِ الْقَاسِيَةِ الْقُلُوبِ، وَلَمْ يَدُرْ بِخَلَدِي (لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِي) أَنَّ كِلَابَهَا قَدِ اقْتَفَتْنِي (تَتَبَّعَتْنِي) وَاهْتَدَتْ بِآثَارِ أَقْدَامِي إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي يَمَّمْتُهُ (قَصَدْتُهُ) فَلَمَّا سَمِعْتُ نُبَاحَهَا أَدْرَكْتُ الْخَطَرَ الَّذِي يَدْهَمُنِي (يَغْشَانِي) إِذَا تَلَكَّأْتُ (أَبْطَأْتُ وَتَوَقَّفْتُ) فِي الْهَرَبِ. فَأَسْرَعْتُ إِلَى جَدْوَلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْغَابَةِ، فَسَبَحْتُ (عُمْتُ) فِيهِ حَتَّى تَنْقَطِعَ آثَارُ أَقْدَامِي، فَلَا يَهْتَدِي قَصَّاصُو الْأَثَرِ إِلَيْهَا. وَسَمِعْتُ صَوْتَ أَبْنَاءِ «أُمَّ عِرْبِدَ» وَهُمْ يَتَصَايَحُونَ غَاضِبِينَ، وَيَقُولُ أَحَدُهُمْ لِلْكِلَابِ: «هَلُمَّ — يَا بَنَاتِ وَازِعٍ — فَمَزِّقْنَ لَحْمَ حِمَارِنَا الشَّرِسِ الْأَثِيمِ (الْمُذْنِبِ)، وَأَحْضِرْنَهُ إِلَيَّ لِأَرْوِي دِرَّتِي (سَوْطِي) مِنْ دَمِهِ، جَزَاءَ مَا اقْتَرَفَ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ.»

(١١) اخْتِلَافُ الظُّنُونِ

فَتَأَكَّدَ (ثَبَتَ) لِي — حِينَئِذٍ — أَنَّ أَحْقَادَهِمْ عَلَيَّ لَا تَزَالُ نَامِيَةً، وَأَنَّهُمْ لَنْ يَقْنَعُوا — فِي مُعَاقَبَتِي — بِغَيْرِ إِهْلَاكِي وَتَقْطِيعِ أَوْصَالي. فَحَفَزَنِي ذَلِكَ إِلَى مُضَاعَفَةِ جُهْدِي فِي السِّبَاحَةِ. وَمَا زِلْتُ سَابِحًا حَتَّى انْقَطَعَتْ أَصْوَاتُ الْكِلَابِ، وَأَصْبَحْتُ بِمَأْمَنٍ مِنْ غَدْرِهِمْ وَتَنْكِيلِهِمْ بِي. فَخَرَجْتُ مِنَ الْقَنَاةِ، ثُمَّ وَاصَلْتُ السَّيْرَ عَلَى الشَّطِّ الْآخَرِ مِنْهَا حَتَّى بَلَغْتُ مَرْجًا فَسِيحًا، فِيهِ مَرْعًى خَصِيبٌ حَافِلٌ بِالْبِرْسِيمِ الشَّهِيِّ. وَقَدْ عَدَدْتُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ ثَوْرًا تَرْعَى فِيهِ. فَانْتَحَيْتُ جَانِبًا مِنْهُ وَأَكَلْتُ مَا شِئْتُ، حَتَّى — إِذَا حَلَّ الْمَسَاءُ — سَمِعْتُ رَجُلًا يُحَذِّرُ صَاحِبَهُ مِنْ تَرْكِ الثِّيرَانِ فِي الْعَرَاءِ (فِي الْخَلَاءِ)، حَتَّى لَا تَتَعَرَّضَ لِخَطَرِ الذِّئَابِ الَّتِي افْتَرَسَتْ حِمَارَ «أُمِّ عِرْبِدَ».

وَسَمِعْتُ الْآخَرَ يَقُولُ لَهُ: «لَقَدْ عِشْتُ عُمْرًا طَوِيلًا فِي هَذِهِ النَّاحِيَةِ فَلَمْ أَسْمَعْ بِذِئْبٍ وَاحِدٍ دَخَلَهَا، وَمَا أَظُنُّ إِلَّا أَنَّ أَوْلَادَ «أُمِّ عِرْبِدَ» قَتَلُوهُ — انْتِقَامًا لِأُمِّهِمْ مِنْهُ — ثُمَّ أَذَاعُوا بَيْنَ الْمَلَإِ أَنَّ الذِّئَابَ قَدْ خَطِفَتْهُ.»

فَزَادَنِي هَذَا الْحَدِيثُ اطْمِئْنَانًا، لِأَنَّنِي — فِيمَا أَعْلَمُ — أَخْبَرُ وَأَعْرَفُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، بِأَنَّ حِمَارَ «أُمِّ عِرْبِدَ» لَا يَزَالُ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ، وَأَنَّ الذِّئَابَ لَمْ تَرَهُ وَلَمْ يَرَهَا، وَلَا عَرَفَتْهُ وَلَا عَرَفَهَا قَطُّ.

(١٢) فِي حَقْلِ الْبِرْسِيمِ

وَهَكَذَا نِمْتُ فِي حَقْلِ الْبِرْسِيمِ الْعَالِي، وَأَسْلَمْتُ جَفْنَيَّ لِلْكَرَى (أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ لِلنَّوْمِ). وَقَدْ أَخْفَتْنِي عِيدَانُ الْبِرْسِيمِ الطَّوِيلَةُ عَنْ كُلِّ عَيْنٍ.

وَمَا زِلْتُ نَائِمًا حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ. فَاسْتَيْقَظْتُ — وَمَا كِدْتُ أُتِمُّ فَطُورِي — حَتَّى سَمِعْتُ نُبَاحًا يَنْبَعِثُ مِنْ كِلَابِ الْخَفَرِ الَّتِي تَحْرُسُ الثِّيرَانَ فِي أَثْنَاءِ رَعْيِهَا. وَكَانَتِ الثِّيرَانُ قَدْ خَرَجَتْ مِنْ حَظِيرَتِهَا. وَخَشِيتُ أَنْ أُعَرِّضَ نَفْسِي لِمَا لَا تُحْمَدُ عُقْبَاهُ! فَانْسَلَلْتُ مُسْتَخْفِيًا حَتَّى بَلَغْتُ غَابَةً بَعِيدَةً عَنْ هَذَا الْمَرْجِ الْخَصِيبِ، حَيْثُ بَقِيتُ نَاعِمَ الْبَالِ، أَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ مِنَ الزَّمَانِ.

(١٣) الْعَجُوزُ الْوَادِعَةُ

وَجَاءَ فَصْلُ الْبَرْدِ، فَجَفَّتِ الْحَشَائِشُ الْمُخْضَرَّةُ، وَغَاضَ الْمَاءُ (قَلَّ وَنَقَصَ)، وَأَصْبَحْتُ مُعَرَّضًا لِأَخْطَارِ الْجُوعِ وَالظَّمَأِ وَالْبَرْدِ. وَشَعَرْتُ بِوَحْشَةِ الْعُزْلَةِ، وَسَئِمْتُ الْوَحْدَةَ، فَآثَرْتُ (اخْتَرْتُ) الذَّهَابَ إِلَى الْقُرَى، وَالتَّعَرُّضَ لِأَذِيَّةِ النَّاسِ وَمَكَايِدِهِمْ، عَلَى الْهَلَاكِ جُوعًا وَعَطَشًا فِي تِلْكَ الْغَابَةِ النَّائِيَةِ (الْبَعِيدَةِ).

فَذَهَبْتُ أَعْتَسِفُ (أَسِيرُ فِي الطَّرِيقِ عَلَى غَيْرِ هُدًى) حَتَّى بَلَغْتُ إِحْدَى الْقُرَى. فَرَأَيْتُ عَجُوزًا جَالِسَةً أَمَامَ دَارِهَا — وَهِيَ تَغْزِلُ — وَقَدْ بَدَتْ عَلَى سِيمَاهَا (مَرْآهَا) أَمَارَاتُ الْوَدَاعَةِ وَطِيبِ النَّفْسِ. فَيَمَّمْتُ (قَصَدْتُ) نَحْوَهَا، حَتَّى إِذَا دَانَيْتُهَا (قَارَبْتُهَا) وَضَعْتُ رَأْسِي عَلَى كَتِفِهَا. فَظَهَرَ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنَ الْخَوْفِ، وَلَكِنْ سُرْعَانَ مَا اطْمَأَنَّتْ وَأَخْلَدَتْ إِلَيَّ بِالثِّقَةِ، حِينَ رَأَتْنِي سَاكِنًا هَادِئًا. فَتَبَدَّلَ ارْتِيَابُهَا (شَكُّهَا) ثِقَةً، وَخَوْفُهَا اطْمِئْنَانًا، وَأَقْبَلَتْ عَلَيَّ تُؤَسِّينِي (تُوصِينِي بِالصَّبْرِ) وَتُرَبِّتُ وَجْهِي قَائِلَةً: «لَقَدْ شَاخَ حِمَارِي «دُكَيْنٌ» وَأَسْلَمَتْهُ الشَّيْخُوخَةُ إِلَى الْهَلَاكِ، فَمَاتَ مَأْسُوفًا عَلَيْهِ، وَتَعَطَّلَتْ أَعْمَالِي مُنْذُ أَيَّامٍ، فَلَمْ أَسْتَطِعِ الذَّهَابَ إِلَى السُّوقِ، لِبَيْعِ مَا لَدَيَّ مِنَ الْخُضَرِ وَالْبَيْضِ وَالزُّبْدِ. وَلَكِنَّ رَحْمَةَ اللهِ وَلُطْفَهُ أَدْرَكَانِي، فَبَعَثَا إِلَيَّ بِهَذَا الْحِمَارِ الْوَدِيعِ، فَلْأَبْحَثْ أَوَّلًا عَنْ أَصْحَابِهِ لِأَشْتَرِيَهُ مِنْهُمْ، وَإِلَّا أَبْقَيْتُهُ عِنْدِي حَتَّى أَهْتَدِي إِلَى مَالِكِيهِ.»

(١٤) مُدَاعَبَةُ الْحَفِيدِ

وَكَأَنَّمَا سَمِعَ حَفِيدُهَا شَيْئًا مِنْ حَدِيثِهَا مَعِي، فَخَرَجَ مِنَ الدَّارِ يَسْأَلُهَا عَنْ أَمْرِي، فَأَخْبَرَتْهُ بِجَلِيَّةِ الْأَمْرِ (بِحَقِيقَةِ الْخَبَرِ). وَكَانَ الطِّفْلُ فِي السَّابِعَةِ مِنْ عُمْرِهِ، فَاسْتَأْذَنَ جَدَّتَهُ فِي مُدَاعَبَتِي (مُمَازَحَتِي) فَقَالَتْ لَهُ: «يَظْهَرُ أَنَّهُ حِمَارٌ وَدِيعٌ، وَلَكِنَّنَا لَا نَسْتَطِيعُ الِاطْمِئْنَانَ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ نُجَرِّبَهُ.» فَاقْتَرَبْتُ مِنَ الطِّفْلِ، وَلَحَسْتُ يَدَهُ مُتَرَفِّقًا وَلَبِثْتُ — حَيْثُ أَنَا — سَاكِنًا لَا أَتَحَرَّكُ. فَازْدَادَ اطْمِئْنَانُ الْجَدَّةِ وَحَفِيدِهَا إِلَيَّ.

(١٥) السُّنُونَ الْأَرْبَعُ

ثُمَّ قَالَتِ الْجَدَّةُ لِحَفِيدِهَا «عِصَامٍ»: «اذْهَبْ إِلَى السُّوقِ وَطُفْ بِهِ أَرْجَاءَ الْقَرْيَةِ (نَوَاحِيَهَا) وَبُيُوتَهَا. فَإِنْ كَانَ لَهُ صَاحِبٌ فَسَلِّمْهُ إِلَيْهِ، وَإِلَّا فَعُدْ (ارْجِعْ) بِهِ إِلَيْنَا، لِنَرَى مَاذَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِهِ!»

فَمَشَى «عِصَامٌ» أَمَامِي، وَمَشَيْتُ خَلْفَهُ. ثُمَّ حَلَا لَهُ الرُّكُوبُ، فَلَمْ يَجِدْ مِنِي غَيْرَ الْوَدَاعَةِ. وَطَافَ بِي أَنْحَاءَ الْقَرْيَةِ، وَسَأَلَ كُلَّ مَنْ فِيهَا، فَلَمْ يَعْثُرْ لِي عَلَى صَاحِبٍ. وَبَقِيتُ عِنْدَهُمْ نَحْوَ سَنَوَاتٍ أَرْبَعٍ. وَقَدْ سُعِدْتُ بِهِمْ — كَمَا سُعِدُوا بِي — وَقَنِعْتُ مِنْ زَادِهِمْ — فِي الصَّيْفِ — بِمَا لَدَيْهِمْ مِنَ الْفَضَلَاتِ الَّتِي لَا يَأْكُلُهَا الْبَقَرُ وَالْخَيْلُ: مِنَ الْحَشَائِشِ وَقُشُورِ الْخُضَرِ. وَفِي الشِّتَاءِ بِحُفَنٍ مِنَ الشَّعِيرِ، أَظْفَرُ بِهَا حَفْنَةً بَعْدَ أُخْرَى (وَالْحَفْنَةُ: مِلْءُ الْكَفِّ)، وَأَشْتَاتٍ مِنْ وَرَقِ الْكُرُنْبِ، وَبَقَايَا مَا يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ، مِنْ قِشْرِ الْبَطَاطِسِ وَالْكُرَّاثِ؛ وَمَا إِلَى ذَلِكَ مِنْ النُّفَايَاتِ (مِنْ رَدِيءِ الْأَشْيَاءِ).

وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَا أَشْكُوهُ مِنْ هَذِهِ الْحَيَاةِ الْجَدِيدَةِ إِلَّا شَيْءٌ وَاحِدٌ، هُوَ: اضْطِرَارُ سَيِّدَتِي — بِسَبَبِ فَقْرِهَا — إِلَى أَنْ تُعِيرَنِي لِبَعْضِ الصِّبْيَةِ، لِيَتَنَزَّهُوا فِي مُقَابَلَةِ مَا يَدْفَعُونَ لَهَا مِنَ الْأَجْرِ. وَلَقَدْ لَقِيتُ مِنْ بَعْضِهِمْ شَيْئًا مِنَ الْإِعْنَاتِ (الْمَشَقَّةِ وَالْجُهْدِ وَالشِّدَّةِ) بَيْنِ حِينٍ وَآخَرَ.

(١٦) الْجِسْرُ الْمُتَهَدِّمُ

وَمَا أَنْسَ لَا أَنْسَ يَوْمًا اسْتَأْجَرَنِي — مَعَ خَمْسَةٍ مِنْ رِفَاقِي (صِحَابِي) — سِتَّةُ أَوْلَادٍ، لِيَتَنَزَّهُوا بِنَا فِي الْحُقُولِ وَالْمَرَاعِي. وَتَسَابَقْنَا، فَكُنْتُ أَسْبَقَ الصِّحَابِ، وَأَسْرَعَهُنَّ جَرْيًا، حَتَّى بَلَغْنَا جِسْرًا مُتَدَاعِيًا (مُتَهَدِّمًا)، فَوَقَفْتُ عَنِ السَّيْرِ حَتَّى لَا أَهْوِي (لَا أَسْقُطَ) بِرَاكِبِي فِي الْمَاءِ. فَانْهَالَ عَلَيَّ ذَلِكَ الصَّبِي الْغَبِي بِعَصَاهُ يَسْتَحِثُّنِي (يَسْتَعْجِلُنِي) بِهَا عَلَى السَّيْرِ، فَلَمْ أَزْدَدْ إِلَّا حُرُونًا. وَحَاوَلْتُ أَنْ أُعَبِّرَ لَهُمْ عَنِ الْخَطَرِ الَّذِي يَعْرِضُونَ لَهُ، فَنَهَقْتُ، وَهَزَزْتُ رَأْسِي وَذَيْلِي، وَدَبَبْتُ بِقَوَائِمِي عَلَى الْأَرْضِ، وَقَفَزْتُ عِدَّةَ مَرَّاتٍ فِي الْهَوَاءِ. فَلَمْ يَفْطُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَى شَيْءٍ مِمَّا أُرِيدُ، وَلَمْ يَفْهَمُوا عَنِي — لِغَبَاوَتِهِمْ — مَا كُنْتُ أَعْنِيهِ (أَقْصِدُهُ).

(١٧) نَجَاةُ الْغَرِيقِ

figure

عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَلْبَثُوا أَنْ تَكَشَّفُوا غَفْلَتَهُمْ وَخَطَأَهُمْ، حِينَ انْدَفَعَ بِحِمَارِهِ طِفْلٌ غَبِيٌّ مِنْهُمُ اسْمُهُ «الْوَكْوَاكُ» لِيَجْتَازَ الْجِسْرَ. وَلَمْ يَكَدْ يَفْعَلُ حَتَّى هَوَى (سَقَطَ) بِهِ إِلَى الْمَاءِ. فَسَبَحَ (عَامَ) الْحِمَارُ حَتَّى بَلَغَ الشَّاطِئَ، وَأَشْرَفَ الصَّبِي عَلَى الْغَرَقِ. وَصَاحَ الْأَوْلَادُ مَذْعُورِينَ (خَائِفِينَ)، وَحَاوَلُوا إِنْقَاذَ «الْوَكْوَاكِ» جَاهِدِينَ. وَكَانَ أَحَدُهُمْ — وَهُوَ ابْنُ صَيَّادٍ — يَحْمِلُ مَعَهُ — لِحُسْنِ الْحَظِّ — شَبَكَةَ الصَّيْدِ إِلَى أَبِيهِ، فَأَلْقَاهَا عَلَى «الْوَكْوَاكِ» وَرَاحَ يَجْذِبُهَا — مَعَ رِفَاقِهِ — لِيُنْقِذُوهُ مِنَ الْغَرَقِ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا. وَخَشِيتُ أَنْ يَغْرَقُوا مَعَهُ، فَنَحَّيْتُهُمْ (صَرَفْتُهُمْ عَنْهُ). وَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ، فَشَدَدْتُ الشَّبَكَةَ بِأَسْنَانِي إِلَى الْبَرِّ.

(١٨) عَهْدٌ لَا يُنْسَى

فَأَدْرَكُوا بُعْدَ نَظَرِي حِينَ أَحْجَمْتُ عَنِ السَّيْرِ فَوْقَ ذَلِكَ الْجِسْرِ الْبَالِي، وَأَقْبَلُوا عَلَيَّ يَتَوَدَّدُونَ (يَتَحَبَّبُونَ) إِلَيَّ. مُعْتَذِرِينَ عَنْ فَرْطِ جَهَالَتِهِمْ (شِدَّةِ جَهْلِهِمْ). ذَلِكَ عَهْدٌ (زَمَنٌ) لَا أَنْسَاهُ. وَقَدْ مَرَّ بِي عَلَى عِلَّاتِهِ (عَلَى كُلِّ حَالٍ) إِلَى غَيْرِ عَوْدَةٍ، كَمَا تَمُرُّ الْأَحْلَامُ.

(١٩) أَبْغَضُ الْأَيَّامِ

وَكَانَ وَالِدُ الطِّفْل: «عِصَامٍ» جُنْدِيًّا، فَلَمّا عَادَ إِلَى بَيْتِهِ آثَرَ أَنْ يَنْتَقِلَ — بِأُسْرَتِهِ — مِنَ الرِّيفِ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَاضْطُرَّ — حِينَئِذٍ — إِلَى بَيْعِي لِبَعْضِ الْأَهْلِينَ. وَكَانَ صَاحِبِي الْجَدِيدُ يُرْهِقُنِي (يَحْمِلُنِي عَلَى مَا لَا أُطِيقُ)، وَيُكَلِّفُنِي مَا لَا أَسْتَطِيعُ، وَلَا يُبَالِي مَا أَنُوءُ بِهِ (مَا يُعْجِزُنِي) مِنَ الْأَثْقَالِ.

فَتَارَةً أَحْمِلُ السِّمَادَ، وَمَرَّةً أَحْمِلُ أَكْدَاسًا لَا أُطِيقُ حَمْلَهَا مِنْ مِشَنَّاتِ الْخُضَرِ وَالْبَيْضِ وَالْجُبْنِ — وَمَا إِلَى ذَلِكَ — لِبَيْعِهِ.

وَكَانَتْ أَيَّامُ السُّوقِ أَبْغَضَ أَيَّامِ حَيَاتِي، لِأَنَّ صَاحِبِي يَتْرُكُنِي — فِي أَثْنَائِهَا — بِلَا طَعَامٍ، مِنْ وَقْتِ الصَّبَاحِ إِلَى وَقْتِ الْأَصِيلِ، وَلَا يَذْكُرُنِي إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَبِيعَ كُلَّ مَا جَلَبَهُ (أَحْضَرَهُ).

(٢٠) فِي بَعْضِ الْحُفَرِ

وَكَانَ — فِي عُقُوقِهِ (جُحُودِهِ) وَنُكْرَانِهِ لِلْجَمِيلِ، وَنِسْيَانِ حَقِّي عَلَيْهِ — يُذَكِّرُنِي بِـ«أُمِّ عِرْبِدَ»: تِلْكَ السَّيِّدَةِ النَّصَفِ الَّتِي أَسْلَفْتُ الْإِشَارَةَ إِلَيْهَا. فَاشْتَدَّ حِقْدِي عَلَى الرَّجُلِ الْأَنَانِي (الَّذِي لَا يُحِبُّ إِلَّا نَفْسَهُ)، وَزَهِدْتُ فِي خِدْمَتِهِ. فَدَبَّرْتُ — لِلْخَلَاصِ مِنَ الْعَنَاءِ (التَّعَبِ) — خُطَّةً بَارِعَةً، تُرِيحُنِي مِنَ الذَّهَابِ إِلَى السُّوقِ. فَلَمَّا دَنَتْ سَاعَةُ الْخُرُوجِ، تَخَيَّرْتُ حُفْرَةً وَاسِعَةً فِي مَكَانٍ قَصِي (بَعِيدٍ) مِنَ الْمَرْعَى، يَكْتَنِفُهَا (يُحِيطُ بِهَا) النَّبَاتُ، فَاخْتَبَأْتُ فِيهَا. وَحَاوَلَ الزَّارِعُ وَأَوْلَادُهُ وَأَقَارِبُهُ أَنْ يَهْتَدُوا إِلَى مَكَانِي، فَخَابَ سَعْيُهُمْ.

(٢١) حِوَارُ الْأُسْرَةِ

وَسَمِعْتُهُمْ يَتَحَاوَرُونَ (يُنَاقِشُونَ) فِي أَمْرِي. وَقَدْ حَسِبَ (ظَنَّ) صَاحِبِي أَنَّ لِصًّا سَرَقَنِي. وَخَشِي أَنْ تَضِيعَ مِنْهُ فُرْصَةُ السُّوقِ، فَشَدَّ إِلَى مَرْكَبَتِهِ فَرَسًا قَوِيًّا يُدْعَى «ذَا الْعُقَالِ». وَصَبَرْتُ سَاعَةً، ثُمَّ خَرَجْتُ مِنَ الْحُفْرَةِ، وَذَهَبْتُ مُيَمِّمًا (قَاصِدًا) الدَّارَ، حَتَّى دَانَيْتُهَا (قَرُبْتُ مِنْهَا)، فَنَهَقْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي. فَأَسْرَعَ إِلَيَّ مَنْ فِي الدَّارِ، وَفَرِحُوا بِخَلَاصِي مِنَ السَّارِقِ، وَأَقْبَلُوا عَلَيَّ مُبْتَهِجِينَ مُتَوَدِّدِينَ. وَلَمْ يَكَدْ سَيِّدُ الدَّسْكَرَةِ (صَاحِبُ الْمَزْرَعَةِ) يَعُودُ إِلَى دَارِهِ، حَتَّى أَفْضَوْا إِلَيْهِ (أَخْبَرُوهُ) بِمَا عَرَفُوهُ مِنْ أَمْرِي. فَشَاعَتِ الْبَهْجَةُ (الْفَرَحُ) فِي نَفْسِهِ، وَتَطَلَّقَتْ أَسَارِيرُهُ (خُطُوطُ جَبِينِهِ)، وَبَحَثَ عَنْ كُلِّ نَقْرَةٍ فِي سِيَاجِ الدَّسْكَرَةِ (سُورِ الْمَزْرَعَةِ)، فَأَحْكَمَ سِدَادَهَا، حَتَّى لَا يَسْرِقَنِي اللِّصُّ مَرَّةً أُخْرَى.

(٢٢) بَدْءُ الشَّكِّ

فَلَمَّا جَاءَ يَوْمُ السُّوقِ التَّالِيَةِ، اخْتَبَأْتُ فِي تِلْكَ الْحُفْرَةِ. وَأَعَادُوا بَحْثَهُمْ عَنِي — كَمَا فَعَلُوا فِي الْمَرَّةِ السَّابِقَةِ — فَلَمْ يَظْفَرُوا مِنْ بَحْثِهِمْ بِطَائِلٍ (لَمْ يَحْصُلُوا مِنْهُ عَلَى فَائِدَةٍ). فَأَيْقَنَ صَاحِبِي أَنَّنِي لَنْ أَعُودَ إِلَى الدَّارِ — بَعْدَ هَذِهِ الْمَرَّةِ — وَقَالَ لِبَنِيهِ (لِأَوْلَادِهِ) وَأَهْلِيهِ، فِي لَهْجَةِ الْآسِفِ الْحَزِينِ: «لَقَدْ أَفْلَتَ (هَرَبَ) مِنَ اللِّصِّ — فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى — فَتَرَبَّصَ بِهِ اللِّصُّ (انْتَظَرَ بِهِ، وَصَبَرَ عَلَيْهِ) حَتَّى أَوْقَعَهُ فِي حِبَالَتِهِ (شَبَكَتِهِ)، وَمَا أَظُنُّهُ يَنْجُو بَعْدَ ذَلِكُمْ أَبَدًا.»

فَلَمَّا خَرَجْتُ مِنَ الْحُفْرَةِ، ظَلِلْتُ أَرْعَى الْحَشَائِشَ فِي الْمَزْرَعَةِ حَتَّى وَقَعَتْ أَبْصَارُهُمْ (أَنْظَارُهُمْ) عَلَيَّ، فَلَمْ يَهَشُّوا إِلَيَّ — فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ — وَلَمْ يَبَشُّوا (لَمْ يَفْرَحُوا). وَبَدَتِ الْحَيْرَةُ عَلَى سِيمَاهُمْ (ظَهَرَتْ عَلَى مَرْآهُمْ) وَخَامَرَهُمُ الشَّكُّ فِي أَمْرِي، فَضَاعَفُوا مِنْ يَقَظَتِهِمْ، وَضَيَّقُوا عَلَيَّ بِمُرَاقَبَتِهِمْ حَتَّى لَا أُخَادِعَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ.

(٢٣) افْتِضَاحُ السِّرِّ

فَلَمَّا جَاءَ يَوْمُ السُّوقِ، وَاخْتَبَأْتُ فِي الْحُفْرَةِ — عَلَى عَادَتِي — هَالَنِي (خَوَّفَنِي وَفَزَّعَنِي) مَا سَمِعْتُهُ مِنْ صَيْحَاتِ سَيِّدِي، وَمِنْ نُبَاحِ كَلْبِهِ، وَهُوَ يُغْرِيهِ بِي، وَيَحْفِزُهُ فِي أَثَرِي، وَيُوصِيهِ بِأَنْ يُمَزِّقَ جِلْدِي وَلَحْمِي، حَتَّى يُخْرِجَنِي مِنَ الْحُفْرَةِ. وَرَأَيْتُ كَلْبَهُ: «ابْنَ وَازِعٍ» يُلَبِّي أَمْرَهُ، فَيُنْحِي عَلَى جِسْمِي عَضًّا وَتَمْزِيقًا فَلَمْ أَرَ بُدًّا (لَمْ أَجِدْ مَفَرًّا) مِنَ الْخُرُوجِ.

(٢٤) عِقَابُ الْهَارِبِ

وَمَا كِدْتُ أَفْعَلُ، حَتَّى تَلَقَّانِي سَيِّدِي بِدِرَّتِهِ (ضَرَبَنِي بِسَوْطِهِ)، فَأَلْهَبَ جِسْمِي. وَلَمَّا شَفَى غَلِيلَهُ (غَيْظَهُ) مِنِي أَعَادَنِي إِلَى الزَّرِيبَةِ. وَسَاءَ ظَنُّهُ بِي — مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ — وَأَحْفَظَهُ عَلَيَّ مَا فَعَلْتُ (جَعَلَهُ يَحْقِدُ)، فَتَمَادَى (اسْتَمَرَّ) فِي إِهَانَتِي (إِذْلَالِي) وَتَحْقِيرِي وَالْإِزْرَاءِ بِي (تَنَقُّصِي).

(٢٥) مُبَارَاةٌ فِي الْعِنَادِ

فَلَمْ يَزِدْنِي بِقَسْوَتِهِ إِلَّا تَمَادِيًا فِي الْعِنَادِ وَالْغَيْظِ. فَأَجْمَعْتُ أَمْرِي عَلَى الِانْتِقَامِ. وَأَقْسَمْتُ لَأُنَغِّصَنَّ عَلَيْهِمْ عَيْشَهُمْ (لَأُكَدِّرَنَّ حَيَاتَهُمْ) كَمَا نَغَّصُوا عَلَيَّ عَيْشِي، وَلَأُشْقِيَنَّهُمْ بِي كَمَا أَشْقَوْنِي بِهِمْ (لَأَجْلُبَنَّ عَلَيْهِمُ الشَّقَاءَ، كَمَا جَلَبُوهُ عَلَيَّ). فَلَمْ أَتْرُكْ — مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ — فُرْصَةً تَسْنَحُ (تَعْرِضُ) لِلتَّنْكِيلِ بِهِمْ (لِإِيذَائِهِمْ) إِلَّا انْتَهَزْتُهَا، وَأَسْرَعْتُ إِلَيْهَا. فَلَمْ آلُ جُهْدًا فِي تَخْرِيبِ مَزْرَعَتِهِمْ وَإِفْسَادِ حَدِيقَتِهِمْ وَأَكْلِ شُجَيْرَاتِهَا، وَالْتِهَامِ ثَمَرَاتِهَا، وَتَقْتِيلِ أَرَانِبِهَا وَدَجَاجِهَا، وَرَفْسِ خِرْفَانِهَا وَنِعَاجِهَا، وَإِلْقَاءِ كُلِّ مَنْ يَرْكَبُنِي مِنْ أَطْفَالِهِمْ. حَتَّى ضَجِرُوا بِي، وَيَئِسُوا مِنْ إِصْلَاحِي. فَلَمْ يَجِدُوا وَسِيلَةً لِلْخَلَاصِ مِنْ شُرُورِي إِلَّا أَنْ يَبِيعُونِي، وَيَشْتَرُوا بِثَمَنِي حِمَارًا آخَرَ.

(٢٦) بِنْتُ السَّيِّدِ الْجَدِيدِ

وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَحْسَنُوا مُعَامَلَتِي، وَضَاعَفُوا الْعِنَايَةَ بِأَمْرِي، فَمَنَحُونِي مِنَ الزَّادِ (الطَّعَامِ) أَطْيَبَهُ، وَأَرَاحُونِي مِنْ عَنَاءِ الْعَمَلِ، حَتَّى يَضْمَنُوا ثَمَنًا كَثِيرًا حِينَ يَبِيعُونَنِي. وَلَمْ أَلْبَثْ أَنِ اسْتَرْدَدْتُ (اسْتَرْجَعْتُ) قُوَّتِي، وَسَمِنْتُ بَعْدَ هُزَالٍ، وَقَوِيتُ بَعْدَ ضَعْفٍ. فَكَفَفْتُ عَنْ إِيذَائِهِمْ حَتَّى أَسْلَمُونِي إِلَى سَيِّدٍ آخَرَ.

وَكَانَ لِذَلِكَ السَّيِّدِ صَبِيَّةٌ جَمِيلَةٌ كَرِيمَةُ النَّفْسِ، يَنْطَبِقُ فِعْلُهَا عَلَى اسْمِهَا. فَقَدْ كَانَتْ تُدْعَى «إِحْسَانَ»، وَلَوْ مُثِّلَ (لَوْ صُوِّرَ) الْإِحْسَانُ شَخْصًا لَكَانَ إِيَّاهَا.

وَلَقِيتُ عِنْدَهَا حُظْوَةً (حَظًّا)، فَأَحَبَّتْنِي، وَعُنِيَتْ بِأَمْرِي، وَلَمْ تَأْلُ جُهْدًا فِي الْإِحْسَانِ إِلَيَّ. وَأَبَتْ أَنْ تُنَادِيَنِي إِلَّا بِأَحَبِّ الْأَلْقَابِ وَالْكُنَى إِلَيَّ. فَاخْتَارَتْ لِي كُنْيَةً تُطْلِقُهَا عَلَيَّ، لِتُكَرَّمَنِي بِهَا، وَتُكْبِرَ مِنْ شَأْنِي، فَصَارَتْ تَدْعُونِي «أَبَا تَوْلَبٍ» — مُنْذُ حَلَلْتُ عِنْدَهَا — وَهِيَ أَحَبُّ كُنْيَةٍ يَعْتَزُّ بِهَا جِنْسُنَا النَّافِعُ الْكَرِيمُ: مِنْ بَنَاتِ «شَحَّاجٍ» وَ«زِيَادٍ» وَأَبْنَائِهِمَا الْأَعِزَّاءِ.

(٢٧) لَيْلَةُ الْحَرِيقِ

وَمَرَّتِ الْأَيَّامُ هَنِيئَةً مُتَعَاقِبَةً، وَسَيِّدَتِي «إِحْسَانُ» تَزِيدُنِي — مِنْ بِرِّهَا وَعَطْفِهَا — مَا يَبْهَجُ نَفْسِي، حَتَّى حَدَثَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْحُسْبَانِ (مَا لَمْ يَخْطُرْ عَلَى الْبَالِ، وَلَمْ يَدُرْ بِالظَّنِّ). فَفِي ذَاتِ لَيْلَةٍ، انْتَبَهْتُ (اسَتَيْقَظْتُ) مِنْ نَوْمِي مُتَفَزِّعًا مَذْعُورًا، وَسَمِعْتُ صَيْحَاتٍ عَالِيَةً تَنْبَعِثُ مُدَوِّيَةً فِي الْفَضَاءِ، تُرَدِّدُ: «الْحَرِيقَ. الْحَرِيقَ.» وَرَأَيْتُ دُخَانًا وَنَارًا يَنْبَعِثَانِ عَلَى مَسَافَةٍ غَيْرِ بَعِيدَةٍ. فَتَفَزَّعْتُ وَهَالَنِي (فَزَّعَنِي) مَا أَنَا قَادِمٌ عَلَيْهِ.

وَأَسْرَعْتُ إِلَى الْحَبْلِ — الَّذِي شَدُّونِي بِهِ إِلَى الْمَرْبَطِ — فَقَرَضْتُهُ بِأَسْنَانِي عَلَى عَجَلٍ. وَحَاوَلْتُ الْخُرُوجَ مِنَ الْحَظِيرَةِ (الزَّرِيبَةِ). فَرَأَيْتُ بَابَهَا مُغْلَقًا (مُقْفَلًا). فَذَكَرْتُ — حِينَئِذٍ — سَيِّدَتِي «إِحْسَانَ». وَدَهِشْتُ كَيْفَ تَنْسَانِي فِي وَقْتِ الشِّدَّةِ، وَتَذْكُرُنِي فِي سَاعَاتِ الرَّخَاءِ.

(٢٨) سَاعَةُ الْخَطَرِ

وَمَا كَادَ يَمُرُّ بِبَالِي هَذَا الْخَاطِرُ حَتَّى رَأَيْتُهَا تَفْتَحُ بَابَ الْحَظِيرَةِ، وَتَخْرُجُ بِي مُسْرِعَةً إِلَى الْخَلَاءِ. كَيْفَ أَنْسَى لَهَا ذَلِكَ الصَّنِيعَ (الْمَعْرُوفَ)؟ لَقَدْ جَازَفَتْ (خَاطَرَتْ) بِنَفْسِهَا — فِي سَبِيلِ إِنْقَاذِي — وَعَرَّضَتْ حَيَاتَهَا لِلْهَلَاكِ، لِتُنْجِيَنِي مِنْ عَذَابِ الْحَرِيقِ. وَاشْتَدَّ اللَّهِيبُ، وَاقْتَرَبَ الْخَطَرُ مِنْ كِلَيْنَا، وَكَادَتِ النَّارُ تَكْتَنِفُنَا (تُحِيطُ بِنَا) مِنْ كُلِّ مَكَانٍ.

(٢٩) مِنْطَقَةُ اللَّهَبِ

وَأُغْمِي عَلَى الصَّبِيَّةِ — مِنْ هَوْلِ مَا تَعَرَّضَتْ لَهُ — وَكَادَ يَخْنُقُهَا الدُّخَانُ. فَلَمْ أَجِدْ مَنَاصًا (مَفَرًّا) مِنَ التَّشَبُّثِ (التَّعَلُّقِ) بِثِيَابِهَا، وَالْقَبْضِ بِأَسْنَانِي عَلَى جِلْبَابِهَا، وَالْجَرْي بِأَقْصَى مَا أَسْتَطِيعُ مِنْ سُرْعَةٍ، وَأَنَا أَحْذَرُ — جُهْدَ طَاقَتِي — أَنْ تَعْلَقَ النَّارُ بِأَطْرَافِ ثَوْبِهَا، وَأَتَمَنَّى لَوْ فَدَيْتُهَا بِنَفْسِي مِنَ الْهَلَاكِ.

(٣٠) النَّجَاةُ مِنَ الْحَرِيقِ

وَمَا زِلْتُ أَجْرِي حَتَّى اجْتَزْتُ — بِحَمْدِ اللهِ وَتَيْسِيرِهِ — مِنْطَقَةَ اللَّهَبِ، وَوَضَعْتُهَا إِلَى جَانِبِ جَدْوَلٍ مِنَ الْمَاءِ. فَلَمْ تَلْبَثِ الصَّبِيَّةُ أَنْ أَفَاقَتْ مِنْ إِغْمَائِهَا، وَشَكَرَتْ لِي مَا أَسْدَيْتُ إِلَيْهَا مِنْ صَنِيعٍ (مَا قَدَّمْتُهُ لَهَا مِنْ مَعْرُوفٍ)، وَأَنَا أَوَدُّ لَوْ أَسْتَطِيعُ الْكَلَامَ، فَأَصُوغَ لَهَا — مَا هِي أَهْلُهُ مِنَ الثَّنَاءِ وَالشُّكْرِ — عَلَى مَا أَسْلَفَتْ إِلَيَّ مِنْ جَمِيلٍ لَا أَنْسَاهُ مَا حَيِيتُ.

(٣١) نَوْمٌ عَمِيقٌ

وَمَا زَالَتِ النَّارُ تَشْتَعِلُ، حَتَّى أَتَتْ عَلَى كُلِّ مَا تَحْوِيهِ الضَّيْعَةُ مِنْ دُورٍ وَحَظَائِرَ (بُيُوتٍ وَزَرَائِبَ).

وَكَانَتْ لَيْلَةً هَائِلَةً (مُخِيفَةً). فَلَمْ تَلْبَثْ «إِحْسَانُ» أَنْ نَامَتْ عَلَى الْحَشَائِشِ لِتَسْتَرِيحَ مِمَّا بَذَلَتْهُ مِنْ عَنَاءٍ. ثُمَّ أَخَذَتْنِي سِنَةٌ مِنَ النَّوْمِ، وَبَعْدَ قَلِيلٍ اسْتَسْلَمْتُ لِنَوْمٍ عَمِيقٍ. وَمَا زِلْنَا نَائِمَيْنِ حَتَّى لَاحَ ضَوْءُ الْفَجْرِ، فَاسْتَيْقَظْتُ. وَرَأَيْتُ الصَّيْحَاتِ قَدْ هَدَأَتْ وَالنِّيرَانَ قَدْ خَمَدَتْ، فَتَلَطَّفْتُ حَتّى أَيْقَظْتُ سَيِّدَتِي. فَلَمَّا أَفَاقَتْ ذَهَبْنَا مَعًا إِلَى وَالِدَيْهَا، فَابْتَهَجَا لِنَجَاتِهَا. وَنَسِيَا مَا أَلَمَّ بِهِمَا مِنَ الْخَسَارَةِ، وَكَانَا قَدْ يَئِسَا مِنْ عَوْدَتِهَا إِلَيْهِمَا، وَحَسِبَاهَا ذَهَبَتْ طَعَامًا لِلنَّارِ.

(٣٢) خَرَابُ الضَّيْعَةِ

وَكَانَتْ هَذِهِ الصَّبِيَّةُ ضَعِيفَةَ الْجِسْمِ، تَنْتَابُهَا الْأَمْرَاضُ — بَيْنَ حِينٍ وَآخَرَ — وَقَدْ أَسْلَمَهَا الْجَهْدُ (شِدَّةُ التَّعَبِ) إِلَى الْحُمَّى. فَاشْتَغَلَ أَهْلُهَا بِأَمْرِهَا، وَقَرَّرُوا الْعَوْدَةَ بِهَا إِلَى الْمَدِينَةِ لِيُشْرِفَ الْأَطِبَّاءُ عَلَى فَتَاتِهِمْ، وَيُعْنَوْا بِشِفَائِهَا. وَأَقْفَرَتْ (خَلَتْ) الضَّيْعَةُ مِنْ سَاكِنِيهَا، وَنَسُوا أَمْرِي، فَلَمْ أَجِدْ لِي — فِي غَيْرِ الْغَابَةِ — مَأْوًى، حَتَّى لَا أَهْلِكَ عَطَشًا وَجُوعًا. وَهَكَذَا مَرَّتْ بِي ذِكْرَيَاتٌ كَثِيرَةٌ مُتَعَاقِبَةٌ، بَعْضُهَا مُؤْلِمٌ بَغِيضٌ، وَبَعْضُهَا سَارٌّ بَهِيجٌ.

(٣٣) مُبَارَاةُ الْحَمِيرِ

figure

وَمَا أَنْسَ لَا أَنْسَ يَوْمَ السِّبَاقِ فِي بَعْضِ الْقُرَى. فَقَدِ اشْتَرَكْتُ فِي مُبَارَاةٍ لَا يَقِلُّ مَنِ اشْتَرَكَ فِيهَا مِنَ الْحَمِيرِ عَنْ سِتَّةَ عَشَرَ. وَسَبَقْتُهَا جَمِيعًا، حَتَّى — إِذَا قَارَبْتُ آخِرَ الشَّوْطِ — أَسْرَعَ إِلَيَّ حِمَارٌ شَرِسٌ غَضُوبٌ، فَنَفَسَ عَلَيَّ ذَلِكَ (حَسَدَنِي، وَلَمْ يَرَنِي أَهْلًا لَهُ)، وَغَاظَهُ مَا كِدْتُ أَظْفَرُ بِهِ مِنْ شَرَفِ السَّبْقِ، فَعَضَّ ذَيْلِي عَضَّةً كَادَتْ تُذْهِلُنِي (تُنْسِينِي). وَلَكِنَّنِي — عَلَى فَرْطِ مَا أَحْسَسْتُهُ مِنْ أَلَمٍ — ضَاعَفْتُ مِنْ سُرْعَتِي حَتَّى سَبَقْتُ كُلَّ مُنَافِسٍ تَصَدَّى (تَعَرَّضَ) لِسِبَاقِي.

(٣٤) شِجَارٌ مَعَ كَلْبَيْنِ

figure

وَرَأَيْتُ — ذَاتَ يَوْمٍ — كَلْبَيْنِ كَبِيرَيْنِ يُطَارِدَانِ وَلَدًا مِنْ أَبْنَاءِ الْجِيرَانِ، وَهُوَ يُحَاوِلُ أَنْ يَتَسَلَّقَ شَجَرَةً قَرِيبَةً مِنْهُ لِيَنْجُوَ مِنْ أَذَاهُمَا. فَعَضَضْتُ أَكْبَرَهُمَا عَضَّةً أَوْشَكَتْ أَنْ تُودِي بِهِ (كَادَتْ تُهْلِكُهُ). وَرَأَيْتُ الثَّانِي يُسْرِعُ إِلَى الطِّفْلِ، فَيَجُرُّهُ بِأَسْنَانِهِ مِنْ ثِيَابِهِ. وَكَانَ الطِّفْلُ يُحَاوِلُ — حِينَئِذٍ — أَنْ يَتَسَلَّقَ الشَّجَرَةَ، فَأَمْسَكْتُ ذَيْلَهُ بِأَسْنَانِي لِأُعْجِزَهُ عَنِ الْهَرَبِ، ثُمَّ عَضَضْتُهُ فِي وَجْهِهِ عَضَّةً كَادَتْ تَقْتُلُهُ.

فَشَكَرَ لِي ذَلِكَ الصَّبِي مَا أَسْدَيْتُ إِلَيْهِ مِنْ جَمِيلٍ. وَقَصَّ عَلَى إِخْوَانِهِ مَا حَدَثَ، فَازْدَادَ حُبُّهُمْ إِيَّايَ، وَتَعَلُّقُهُمْ بِي، مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠