باب الصمت

كان أعرابي يُجالس الشَّعبي يُطيل الصمت، فسُئل عن طول صمته، فقال: أسمع فأعلم، وأسكت فأسلم. وقالوا: لو كان الكلام من فِضة لكان السكوت من ذهب. وقالوا: مَقتل المرء بين لَحيَيه وفكَّيه. وأخذ أبو بكر الصدِّيق، رضي الله عنه، بطرف لسانه وقال: هذا الذي أوردني الموارد. وقالوا: ليس شيءٌ أحقَّ بطول سجن من لسان. وقالوا: اللسان سبُعٌ عَقور.

وقال النبي : «وهل يكبُّ الناسَ على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائدُ ألسنتهم.»

وقال ابن الأعرابي عن بعض أشياخه: تكلَّم رجل عند النبي فخطل في كلامه، فقال النبي : «ما أُعطيَ العبد شرًّا من طلاقة اللسان.»

وقال العايشي وخالد بن خداش،١ حدَّثنا مهدي بن ميمون، عن غيلان بن جرير، عن مطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، عن أبيه، قال: قَدِمنا على رسول الله في وفد، فقلنا: يا رسول الله، أنت سيدنا، وأنت أطوَلنا علينا طَولًا، وأنت الجَفنة الغرَّاء. فقال النبي : «أيها الناس، قولوا بقولكم ولا يستفزَّنكم الشيطان؛ فإنما أنا عبد الله ورسوله.»

وقال خالد بن عبد الله القَسْري لعمر بن عبد العزيز رحمه الله: من كانت الخلافة زانَته فقد زِنتَها، ومن شرَّفَته فقد شرَّفتَها؛ فأنت كما قال الشاعر:

وتَزِيدينَ أطيَبَ الطِّيبِ طِيبًا
أنْ تَمسِّيه أينَ مِثلُك أيْنا
وإذا الدُّرُّ زانَ حُسْنَ وُجوهٍ
كان للدُّرِّ حُسْنُ وَجهِك زَيْنا

فقال عمر: إن صاحبكم أُعطيَ مَقولًا، ولم يُعطَ معقولًا. وقال الشاعر:

لسانُك معسولٌ ونفسُك شَحَّةٌ
ودُونَ الثُّريَّا مِن صديقِك مالُكا

وأخبرنا بإسناد له أن ناسًا قالوا لابن عمر: ادعُ الله لنا بدعوات. فقال: اللهم ارحمنا وعافِنا وارزقنا. فقالوا: لو زِدتنا يا أبا عبد الرحمن. قال: نعوذ بالله من الإسهاب.

وقال أبو الأسود الدؤلي في ذكر الإسهاب، يقولها في الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة، والحارث هو القُباع، وكان خطيبًا من وجوه قريش ورجالهم، وإنما سُمِّي القُباع لأنه أتي بمكتل لأهل المدينة، فقال: إن هذا المكتل لَقُباع. فسُمِّي به، والقُباع: الواسع الرأس القصير. وقال الفرزدق لجرير:

وقبْلَكَ ما أعيَيتُ كاسِرَ عينِه
زيادًا فلمْ تَقدِرْ عليَّ حبائلُه
فأقسمتُ لا آتِيه تِسعينَ حِجَّةً
ولو كُسِرتْ عُنْقُ القُباعِ وكاهلُه

قال أبو الأسود:

أميرَ المؤمِنِين جُزيتَ خيرًا
أرِحْنا من قُباعِ بَنِي المُغِيرةْ
بَلَوناه فلُمْناه فأعْيا
علينا ما يُمِرُّ لنا مَريرةْ٢
على أنَّ الفتى نِكْحٌ أكُولٌ
ومِسهابٌ مَذاهبُه كثيرةْ

وقال الشاعر:

إيَّاكَ إيَّاكَ المِراءَ فإنَّه
إلى الشرِّ دعَّاءٌ وللصَّرمِ جالبُ

وقال أبو العتاهية:

والصمتُ أجمَلُ بالفتى
من مَنطقٍ في غيرِ حِينِه
كلُّ امرئٍ في نفسِه
أعلى وأشرَفُ من قَرينِه
وكان سهل بن هارون يقول: سياسة البلاغة أشدُّ من البلاغة، كما أن التوقِّي على الدواء أشدُّ من الدواء. وكانوا يأمرون بالتبيُّن والتثبُّت، وبالتحرُّز من زلل الكلام، ومن زلل الرأي، ومن الرأي الدَّبَري. والرأي الدَّبَري هو الذي يَعرِض من الصواب بعد مُضيِّ الرأي الأول وفوت استدراكه. وكانوا يأمرون بالتحلُّم والتعلُّم، وبالتقدُّم في ذلك أشد التقدم. وقال الأحنف،٣ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تفقَّهوا قبل أن تسودوا. وكان يقول رضي الله عنه: السُّؤدد مع السَّواد. وأنشدوا لكُثيِّر عزَّة:
وفي الحِلمِ والإسلامِ للمرءِ وازعٌ
وفي تركِ طاعاتِ الفؤادِ المُتيَّمِ
بصائرُ رُشدٍ للفتى مُستبِينةٌ
وأخلاقُ صِدقٍ عِلمُها بالتعلُّمِ

الوازع: الناهي. والوزَعة: جمع وازع، وهم الناهون والكافُّون.

وقال الأفوه الأودي:

أضْحتْ قرينةُ قد تَغيَّرَ بِشرُها
وتجهَّمتْ بتَحيَّةِ القومِ العِدا
ألوَتْ بإصبعِها وقالت إنَّما
يَكفِيكَ ممَّا لا ترى ما قد ترى

وأنشد:

ابدَأ بنَفْسِك فانْهَها عن غَيِّها
فإذا انتهتْ عنه فأنتَ حَكيمُ
فهُناك تُعذَرُ إنْ وعظتَ ويُقتدى
بالقولِ منك ويُقبَلُ التعليمُ

قالوا: وكان الأحنف أشد الناس سلطانًا على نفسه، وكان الحسن أترك لما نُهي عنه. وقال الآخر:

لا تَعذِراني في الإساءةِ إنَّه
شرُّ الرجالِ من يُسيءُ فيُعذَرُ

وقال الكُميت بن زيد الأسدي:

ولم يُقَلْ بعدَ زلَّةٍ لهُمُ
عندَ المَعاذيرِ إنَّما حَسِبوا

وأنشدني الأحوص بن محمد:

قامت تُخاصِرُني بقُنَّتِها
خَودٌ تأطَّرُ غادةٌ بِكْرُ
كلٌّ يرى أنَّ الشبابَ له
في كلِّ مُبلِغِ لذَّةٍ عُذرُ

تخاصرني: آخذ بيدها وتأخذ بيدي. والقُنة: المواضع الغليظة من الأرض في صلابة. الخود: الحسنة الخلق. تأطر: تتثنى. والغادة: الناعمة اللينة.

وقال جرير في فوت الرأي:

ولا يتَّقونَ الشرَّ حتى يُصيبَهم
ولا يَعرِفونَ الأمرَ إلا تَدبُّرا

ومدح النابغة ناسًا بخلاف هذه الصفة، فقال:

ولا يَحسَبونَ الخيرَ لا شرَّ بعدَه
ولا يَحسَبونَ الشرَّ ضربةَ لازِبِ

اللازب واللازم واحد، واللازب في مكانٍ آخر: اليابس، قال الله عز وجل: مِنْ طِينٍ لَازِبٍ. واللزبات: السِّنون الجَدبة.

وأنشد:

هفا هَفوةً كانت من المرءِ بدعةً
وما مِثلُه من مِثلِها بسَليمِ
فإنْ يكُ أخطا في أخيكم فرُبَّما
أصابَ التي فيها صلاحُ تَميمِ

وقال قائل عند يزيد بن عمر بن هُبيرة: والله ما أتى الحارث بن شريح بيوم خير قط. فقال له التَّرجمان بن هُزيم: إلا يكُن أتى بيوم خير فقد أتى بيوم شر. وذهب الترجمان بن هزيم إلى مِثل معنى قول الشاعر:

وما خُلِقتْ بَنُو زِمَّانَ إلا
أخيرًا بعدَ خَلقِ الناسِ طُرَّا
وما فعلتْ بنو زِمَّانَ خيرًا
ولا فعلتْ بَنُو زِمَّانَ شَرَّا

ومن هذا الجنس من الأحاديث — وهو يدخل في باب المُلَح — قال الأصمعي: وصلت بالعلم، ونِلت بالمُلَح. قال رجلٌ مرةً: أبي الذي قاد الجيوش، وفتح الفتوح، وخرج على الملوك، واغتصب المنابر. فقال له رجل من القوم: لا جَرم، لقد أُسِر وقُتِل وصُلِب. فقال له المفتخِر بأبيه: دعني من أسْر أبي وقتله وصلبه، أبوك أنت حدَّث نفسه بشيء من هذا قط؟

قد سمعنا رواية القوم واحتجاجهم، وأنا أوصيك ألا تدع التماس البيان والتبيين إن ظننت أن لك فيهما طبيعة، وأنهما يُناسبانك بعض المناسبة، ويُشاكِلانك في بعض المشاكلة. ولا تُهمِل طبيعتك فيستوليَ الإهمال على قوة القريحة، ويستبدَّ بها سوء العادة. وإن كنت ذا بيان، وأحسست من نفسك بالنفوذ في الخطابة والبلاغة، وبقوة المُنة يوم الحفل، فلا تُقصِّر في التماس أعلاها سورة، وأرفعها في البيان منزلة، ولا يقطعنَّك تهييبُ الجُهلاء، وتخويف الجُبناء، ولا تصرفنَّك الروايات المعدولة عن وجوهها، والأحاديث المتناولة على أقبح مخارجها.

وكيف تُطيعهم بهذه الروايات المعدولة، والأخبار المدخولة، وبهذا الرأي الذي ابتدعوه من قِبل أنفسهم، وقد سمعتَ الله تبارك وتعالى ذكر داود النبي صلوات الله عليه، فقال: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ إلى قوله: وَفَصْلَ الْخِطَابِ؟ فجمع له بالحكمة البراعةَ في العقل، والرجاحةَ في الحِلم، والاتساع في العلم، والصواب في الحكم، وجمع له بفصل الخطاب تفصيلَ المُجمَل، وتخليص المُلتبِس،٤ والبصر بالحز في موضع الحز، والحسم في موضع الحسم. وذكر رسول الله شُعيبًا النبي عليه السلام، فقال: «كان شُعيبٌ خطيب الأنبياء.» وذلك عند بعض ما حكاه الله عنه في كتابه، وحلاه لأسماع عباده، فكيف تهاب منزلة الخُطباء وداودُ عليه السلام سلفُك، وشُعيب إمامك، مع ما تلَونا عليك في صدر هذا الكتاب من القرآن الحكيم، والآي الكريم؟ وهذه خُطَب رسول الله مدوَّنة محفوظة، ومخلَّدة مشهورة، وهذه خطب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وقد كان لرسول الله شعراء يُنافحون عنه وعن أصحابه بأمره، وكان ثابت بن قيس بن الشمَّاس الأنصاري خطيب رسول الله لا يدفع ذلك أحد.

فأما ما ذكرتم من الإسهاب والتكلُّف، والخطل والتزيُّد، فإنما يخرج إلى الإسهاب المتكلَّف، وإلى الخطل المتزيَّد، فأما أرباب الكلام، ورؤساء أهل البيان، والمطبوعون المُعاوِدون، وأصحاب التحصيل والمحاسبة، والتوقِّي والشفقة، والذين يتكلمون في صلاح ذات البَين، وفي إطفاء نائرة، أو في حمالة، أو على مِنبر جماعة، أو في عقد إملاك بين مسلم ومسلمة، فكيف يكون كلام هؤلاء يدعو إلى السلاطة والمراء، وإلى الهذر والبذاء، وإلى النفج والرياء؟ ولو كان هذا كما يقولون لكان علي بن أبي طالب وعبد الله بن عبَّاس، رضي الله عنهم، أكثر الناس فيما ذكرتم، فلِمَ خطب صَعصَعة بن صُوحان عند علي بن أبي طالب، وقد كان ينبغي للحسن البصري أن يكون أحق التابعين بما ذكرتم؟

قال الأصمعي: قيل لسعيد بن المُسيب: ها هنا قومٌ نُسَّاك يعيبون إنشاد الشعر. قال: نسَكوا نُسكًا أعجميًّا.

وزعمتم أن رسول الله قال: «شُعبتانِ من شُعَب النفاق؛ البذاء والبيان، وشُعبتانِ من شُعَب الإيمان؛ الحياء والعِي.»

ونحن نعوذ بالله من العي، ونعوذ بالله أن يكون القرآن يحثُّ على البيان ورسولُ الله يحثُّ على العي، ونعوذ بالله أن يجمع رسول الله بين البذاء والبيان، وإنما وقع النهي على كل شيء جاوَز المقدار، ووقع اسم العي على كل شيء قصر عن المقدار؛ فالعيُّ مذموم، والخطل مذموم، ودين الله تبارك وتعالى بين المقصِّر والغالي.

وها هنا رواياتٌ كثيرة مدخولة، وأحاديث معلولة. وروَوا أن رجلًا مدح الحياء عند الأحنف، وأن الأحنف قال: بمَ يعود ذلك ضعفًا والخيرُ لا يكون سببًا للشر؟ ولكنا نقول: إن الحياء اسم لمقدار من المقادير، ما زاد على ذلك المقدار فسمِّه ما أحببت. وكذلك الجود اسم لمقدار من المقادير؛ فالسَّرَف اسم لما فضَل عن ذلك المقدار. وللحزم مقدار؛ فالجبن اسم لما فضل عن ذلك المقدار. وللاقتصاد مقدار؛ فالبخل اسم لما خرج عن ذلك المقدار. وللشجاعة مقدار، فالتهوُّر والخَور اسم لما جاوَز ذلك المقدار.

وهذه الأحاديث ليست لعامتها أسانيد متَّصلة، فإن وجدتها متَّصلة لم تجدها محمودة، وأكثرها جاءت مطلقة ليس لها حاملٌ محمود ولا مذموم؛ فإذا كانت الكلمة حسنةً استمتعنا بها على قدر ما فيها من الحسن.

فإن أردت أن تتكلف هذه الصناعة، وتُنسَب إلى هذا الأدب، فقرضت قصيدة، أو حبرت خطبة، أو ألَّفت رسالة؛ فإيَّاك أن تدعوَك ثقتك بنفسك، ويدعوَك عُجبُك بثمرة عقلك، إلى أن تنتحله وتدَّعيه، ولكن اعرضْه على العلماء في عرض رسائل أو أشعار أو خطب؛ فإن رأيت الأسماع تُصغي له، والعيون تحدج إليه، ورأيت من يطلبه ويستحسنه، فانتحِلْه؛ فإن كان ذلك في ابتداء أمرك، وفي أول تكلُّفك، فلم ترَ له طالبًا ولا مُستحسِنًا، فلعله أن يكون — ما دام ريِّضًا قضيبًا — تعنيسًا أن يحلَّ عندهم محل المتروك؛ فإن عاودت أمثال ذلك مرارًا، فوجدت الأسماع عنه منصرفة، والقلوب لاهية، فخُذ في غير هذه الصناعة، واجعل رائدك الذي لا يكذبك حِرصَهم عليه أو زهدهم فيه. وقال الشاعر:

إنَّ الحديثَ تَغُرُّ القومَ خَلْوتُه
حتى يُلِحَّ بهم عِيٌّ وإكثارُ

وفي المثل المضروب: «كل مُجرٍ في الخلا مُسَرٌّ.» ولم يقولوا مسرور، وكلٌّ صواب.

فلا تثق في كلامك برأي نفسك؛ فإني ربما رأيت الرجل مُتماسكًا وفوق المُتماسك، حتى إذا صار إلى رأيه في شعره، وفي كلامه، وفي ابنه، رأيته مُتهافتًا وفوق المُتهافت.

وكان زُهير بن أبي سُلمى، وهو أحد الثلاثة المُتقدمين، يُسمِّي كبار قصائده «الحَوليَّات». وقال نوح بن جرير، قال الحُطيئة: خير الشعر الحَوليُّ المنقَّح. وقال البعيث الشاعر، وكان أخطب الناس: إني والله ما أُرسلُ الكلام قضيبًا خشيبًا، وما أريد أن أخطب يوم الحفل إلا بالبائت المحكَّك.

وكنت أظن أن قولهم «محكَّك» كلمةٌ مولَّدة، حتى سمعت قول الصعب بن علي الكناني:

أبلِغْ فَزارةَ أنَّ الذِّئبَ آكِلُها
وجائعٌ سَغِبٌ شرٌّ من الذِّيبِ
أدَلُّ أطلَسُ ذو نفْسٍ مُحكَّكةٍ
قد كان طارَ زمانًا في اليَعاسيبِ
وتكلَّم يزيد بن أبان الرقاشي ثم تكلَّم الحسن، وأعرابيان حاضران، فقال أحدهما لصاحبه: كيف رأيت الرجلَين؟ قال: أما الأول فقاصٌّ مُجيد، وأما الآخر فعربيٌّ محكِّك. ونظر أعرابي إلى الحسن، فقال له رجل: كيف تراه؟ قال: أرى خيشومَ حُر. وأرادوا عبد الله بن وهب الراسبي٥ على الكلام يوم عقدت له الخوارج الرياسة، فقال: وما أنا والرأيَ الفطير، والكلام القضيب؟ ولما فرغوا من البيعة له قال: دعوا الرأي يغبَّ؛ فإن غُبوبه يكشف لكم عن محضه. وقيل لابن التوءم الرقاشي: تكلَّمْ. فقال: ما أشتهي الخبز إلا بائتًا. وقال عُبيد الله بن سالم لرؤبة: مُت يا أبا الجحاف إذا شئت. قال: وكيف ذاك؟ قال: رأيت اليوم عُقبة بن رؤبة يُنشد شعرًا له أعجبني. فقال رؤبة: نعم إنه ليقول، ولكن ليس لشِعره قِران. وقال الشاعر:
مَهاذبةٌ مَناجبةٌ قِرانٌ
مَنادبةٌ كأنَّهم الأُسودُ

يريد بقوله: قِران، التشابه والموافقة.

وقال عمر بن لجأ لبعض الشعراء: أنا أشعر منك. قال: وبمَ ذاك؟ قال: لأني أقول البيت وأخاه، وتقول البيت وابن عمه. وذكر بعضهم شعر النابغة الجعدي فقال: مِطرفٌ بآلاف، وخِمار بوافٍ. وكان الأصمعي يفضِّله من أجل ذلك، وكان يقول: الحُطيئة عبدٌ لشعره. عاب شِعره حين وجده كله متخيَّرًا منتخَبًا مُستويًا، لمكان الصنعة والتكلف والقيام عليه. وقالوا: لو كان شعر صالح بن عبد القُدُّوس٦ وسابق البَربري كان مفرَّقًا في أشعارٍ كثيرة لصارت تلك الأشعار أرفع مما هي عليه بطبقات، ولصار شعرهما نوادر سائرة في الآفاق، ولكن القصيدة إذا كانت كلها أمثالًا لم تَسِر ولم تجرِ مجرى النوادر، ومتى لم يخرج السامع من شيء إلى شيء لم يكن لذلك النظام عنده موقع. وقال بعض الشعراء لرجل: أنا أقول في كل ساعة قصيدةً، وأنت تقرضها في كل شهر، فلِمَ ذلك؟ قال: لأني لا أقبل من شيطاني مِثل الذي تقبل من شيطانك.٧ قالوا: وأنشد عُقبة بن رؤبة أباه رؤبة بن العجَّاج شعرًا، وقال له: كيف تراه؟ قال له: يا بُنيَّ، إن أباك ليَعرِض له مِثل هذا يمينًا وشمالًا فما يلتفت إليه.

وقد روَوا ذلك في زُهير وابنه كعب.

وقيل لعقيل بن عُلَّفة: لِمَ لا تُطيل الهجاء؟ قال: يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق. وقيل لأبي المهوس: لِمَ لا تُطيل الهجاء؟ قال: لم أجد المثل النادر إلا بيتًا واحدًا، ولم أجد الشعر السائر إلا بيتًا واحدًا. وقال مَسلمة بن عبد الملك لنُصَيب: يا أبا الحجناء، أمَا تُحسِن الهجاء؟ قال: أمَا تراني أحسن مكان «عافاك الله» «لا عافاك الله»؟ ولاموا الكُميت بن زيد على الإطالة، فقال: أنا على القِصار أقدر. وقيل للعجَّاج: ما لك لا تُحسِن الهجاء؟ قال: هل في الأرض صانع إلا وهو على الإفساد أقدر؟ وقال رؤبة: الهدم أسرع من البناء.

وهذه الحُجج التي ذكروها عن نُصيب والكُميت والعجَّاج ورؤبة، إنما ذكروها على وجه الاحتجاج لهم، وهذا منهم جهل إن كانت هذه الأخبار صادقة. وقد يكون الرجل له طبيعة في الحساب وليس له طبيعة في الكلام؛ ويكون له طبيعة في التجارة وليست له طبيعة في الفِلاحة، ويكون له طبيعة في الحُداء أو في التعبير أو في القراءة بالألحان وليس له طبيعة في الغناء، وإن كانت هذه الأنواع كلها ترجع إلى تأليف اللحون، ويكون له طبيعة في الناي وليس له طبيعة في السرناي، ويكون له طبيعة في قصبة الراعي ولا يكون له طبيعة في القصبتَين المضمومتين، ويكون له طبع في صناعة اللحون ولا يكون له طبع في غيرها، ويكون له طبع في تأليف الرسائل والخطب والأسجاع ولا يكون له طبع في قرض بيت شعر، ومِثل هذا كثير جدًّا.

وكان عبد الحميد الأكبر وابن المقفع، مع بلاغة أقلامهما وألسنتهما، لا يستطيعان من الشعر إلا ما لا يُذكَر مِثله. وقيل لابن المقفع في ذلك، فقال: الذي أرضاه لا يجيئني، والذي يجيئني لا أرضاه. وهذا الفرزدق وكان مُشتهرًا بالنساء، وكان زير غوانٍ، وهو في ذلك ليس له بيتٌ واحد في النسيب مذكور، ومع حسده لجرير، وجرير عفيف لم يعشق امرأةً قط، وهو مع ذلك أغزل الناس شعرًا. وفي الشعراء من لا يستطيع مجاوزة القصيد إلى الرجز، ومنهم من لا يستطيع مجاوزة الرجز إلى القصيد، ومنهم من يجمعهما كجرير وعمر بن لجأ، وأبي النجم، وحُميد الأرقط، والعماني. وليس الفرزدق في طواله بأشعر منه في قصاره. وفي الشعراء من يخطب، وفيهم من لا يستطيع الخطابة، وكذلك حال الخطباء في قرض الشعر، وشاعرٌ نفسه قد تختلف حالاته. وقال الفرزدق: أنا عند الناس أشعر الناس، وربما مرَّت عليَّ ساعة ونزعُ ضِرسي أهوَنُ عليَّ من أن أقول بيتًا واحدًا. وقال العجَّاج: لقد قلت أرجوزتي التي أولها:

بكَيتُ والمُحتزَنُ البَكِيُّ
وإنَّما يأتي الصِّبا الصبيُّ
أطَرَبًا وأنت قَنسَريُّ
والدهرُ بالإنسانِ دوَّاريُّ

وأنا بالرمل، فانثالت عليَّ قوافيها انثيالًا، وإني لأريد اليوم دونها في الأيام الكثيرة فما أقدر عليه. وقال لي أبو يعقوب الخزيمي: خرجت من منزلي أريد الشمَّاسية، فابتدأت القول في مرثية لأبي التَّختاخ، فرجعت والله وما أمكنني بيتٌ واحد. وقال الشاعر:

وقد يَقرِضُ الشِّعرَ البَكيءُ لسانُه
وتُعيِي القوافي المرءَ وهْو خَطيبُ

(١) باب من القول في القوافي الظاهرة واللفظ الموجز من ملتقطات كلام النُّساك

قال بعض الناس: من التوقِّي تركُ الإفراط في التوقِّي. وقال بعضهم: إذا لم يكُن ما تريد فأرِدْ ما يكون.

وقال الشاعر:

قَدَرُ اللهِ وارِدٌ
حينَ يُقضى وُرُودُهُ
فأرِدْ ما يكونُ إنْ
لم يَكُنْ ما تُرِيدُهُ

وقيل لأعرابي في شَكاته: كيف تجدك؟ قال: أجد ما لا أشتهي، وأشتهي ما لا أجد، وأنا في زمان من جاد لم يَجِد، ومن وجد لم يَجُد. وقال بعض النُّسَّاك: أنا لِما لا أرجو أرجى مني لِما أرجو. وقال بعضهم: أعجبُ من العَجب، تركُ التعجُّب من العَجب. وقال عمر بن عبد العزيز، رحمه الله، لعبد بني مخزوم: إني أخاف الله فيما تقلَّدت. قال: لست أخاف عليك أن تخاف، وإنما أخاف عليك ألا تخاف. وقال الأحنف لمعاوية: أخافك إن صدَقتك، وأخاف الله إن كذَبتك. وقال رجل من النساك لصاحب له وهو يجود بنفسه: أما ذنوبي فإني أرجو لها مغفرة الله، ولكني أخاف على بناتي الضيعة. فقال له صاحبه: فالذي ترجوه لمغفرة ذنوبك فارجُه لحفظ بناتك. وقال رجل من النساك لصاحب له: ما لي أراك حزينًا؟ قال: كان عندي يتيمٌ أربِّيه لأوجَر فيه، فمات فانقطع عنا أجره؛ إذ بطل قيامنا بمؤنته. فقال له صاحبه: فاجتلِبْ يتيمًا آخر يقوم لك مقام الأول. قال: أخاف ألا أصيب يتيمًا في سوء خُلُقه. قال له صاحبه: أما أنا فلو كنت في موضعك منه لما ذكرت سوء خُلُقه. وقال آخر، وسمعه أبو هريرة النحوي وهو يقول: ما يمنعني من تعلُّم القرآن إلا أني أخاف أن أضيعه. قال: أما أنت فقد عجَّلت له التضييع، ولعلك إذا تعلَّمته لم تُضيعه. وقال عمر بن عبد العزيز لرجل: من سيِّد قومك؟ قال: أنا. قال: لو كنت كذلك لم تقُل.

(٢) باب آخَر

وقالوا في حسن البيان، وفي التخلُّص من الخصم بالحق والباطل، وفي تخليص الحق من الباطل، وفي الإقرار بالحق، وفي ترك الفخر بالباطل:

قال أعرابي وذكر حِماس بن ثامل:

بَرِئتُ إلى الرَّحمنِ من كلِّ صاحبٍ
أُصاحِبُه إلا حِماسَ بنَ ثامِلِ
وظنِّي به بيْنَ السِّماطَينِ أنَّه
سيَنجُو بحقٍّ أو سيَنجُو بباطِلِ

وقال العُجير السَّلولي:

وإنَّ ابنَ زَيدٍ لَابْنُ عمِّي وإنَّه
لَبَلَّالُ أيدي جِلَّةِ الشَّولِ بالدَّمِ
طَلُوعُ الثَّنايا بالمَطايا وإنَّه
غَداةَ المَرادي للخَطيبِ المُقدَّمُ
يَسُرُّكَ مَظلومًا ويُرضِيكَ ظالمًا
ويَكفِيكَ ما حُمِّلتَه حينَ تَغرَمُ

الشول: جمع شائلة، وهي الناقة التي قد جفَّ لبنها، وإذا شالت بذنَبها بعد اللقاح فهي شائل، وجمعها شُول.

المرادي: المصادع والمقارع، يُقال: رديت الحجر بصخرة أو بمِعول، إذا ضربته بها لتكسره. والمرادة: الصخرة التي تُكسر بها الحجارة.

وقال ابن رُبْع الهُذلي:

أعَيْني ألَا فابْكِي رُقَيبةَ إنَّه
وَصُولٌ لأرحامٍ ومِعطاءُ سائلِ
فأُقسمُ لو أدركتُه لحَميتُه
وإنْ كانَ لم يَترُكْ مَقالًا لقائلِ

وقال بعض اليهود، وهو الربيع بن أبي الحُقيق من بني النضير، وبعثه رسول الله إلى خيبر فقتلوه:

سائِلْ بِنا خابِرَ أكْفائِنا
والعِلمُ قد يُلْفى لدى السَّائلِ
إنَّا إذا مالتْ دَواعي الهَوى
وأنصَتَ السَّامِعُ للقائلِ
واصطرعَ الناسُ بألبابِهم
نَقْضي بحُكمٍ عادلٍ فاصلِ
لا نَجعَلُ الباطلَ حقًّا ولا
نُلِطُّ دُونَ الحقِّ بالباطلِ
نَكرَهُ أنْ تَسْفَه أحلامُنا
فنَخمُلَ الدَّهرَ مع الخاملِ

وقال الآخر، وذكر حِماسًا أيضًا:

أتاني حِماسٌ بابْنِ ماهٍ يَسُوقُه
ليَبغِيَه خيرًا وليس بفاعلِ
ليُعطيَ عَبسًا مالَنا وصدورُنا
من الغيظِ تَغْلي مِثلَ غَليِ المَراجِلِ
وقافيةٍ قِيلَتْ لَكُم لم أجِدْ لها
جوابًا إذا لم تَضرِبوا بالمَناصِلِ
فأنطِقَ في حقٍّ بحقٍّ ولم يَكُنْ
ليَرحَضَ عنكم قالةَ الخِزيِ باطِلي

ليرحض: أي ليغسل، والراحض: الغاسل، والمرحاض: الموضع الذي يُغسل فيه.

وقال عمرو بن معد يكرب:٨
فلوْ أنَّ قَوْمي أنطَقَتْني رِماحُهم
نطقتُ ولكنَّ الرِّماحَ أجَرَّتِ

الجرار: عود يعرض في فم الفصيل أو يُشَق به لسانه لئلا يرضع. فيقول: قومي لم يطعنوا بالرماح فأُثني عليهم، ولكنهم فرُّوا فأمسكت كالمُجَر الذي في فمه جِرار.

وقال أبو عُبيدة: صاح رؤبة في بعض الحروب التي كانت بين تميم والأزد: يا معشر بني تميم، أطلقوا من لساني! قال: أبصر رجلًا منهم قد طعن فارسًا طعنةً فصاح: لا عيًّا ولا شللًا. والعرب تقول: عيٌّ أبأسُ من شلل. كأن العيَّ فوق كل زمانة. وقالت الجهضمية:

ألَا هلَكَ الحُلوُ الحَلالُ الحُلاحِلُ
ومن عِندَه عِلمٌ وحِلمٌ ونائلُ
وذو خُطَبٍ يومًا إذا القومُ أُفحِموا
تُصِيبُ مَرادي قولِه ما يُحاوِلُ
بَصيرٌ بعَوراتِ الكلامِ إذا الْتَقى
شَريجانِ بينَ القومِ حقٌّ وباطلُ
أتيٌّ لِما يأتي الكريمُ بسَيفِه
وإنْ أسلَمَتْه جُندُه والقبائلُ
وليس بمِعطاءِ الظُّلامةِ عن يدٍ
ولا دُونَ أعلى سورةِ المَجدِ قابلُ

الحُلاحل: السيد. شريجان: جنسان، ويقال: الناس شَرجان وشريجان؛ أي فرقتان، ومنه حديث النبي أنه لما بلغ الكديد أمر الناس بالفطر، فأصبح الناس شرجَين؛ أي بعضهم صائمًا وبعضهم مُفطرًا.

وأنشد أبو عُبيدة في الخطيب يطول كلامه، ويكون ذكورًا لأول خطبته وللذي بنى عليه أمره، وإن شغب شاغب فقطع عليه كلامه، أو حدث عند ذلك حدث يحتاج فيه إلى تدبيرٍ آخر، وصل الثاني من كلامه بالأول حتى لا يكون أحد كلامَيه أجود من الآخر:

فإنْ أحدَثوا شَغْبًا يُقطِّعُ نَظْمَها
فإنَّك وصَّالٌ لِما قَطَعَ الشَّغْبُ
ولو كنتَ نسَّاجًا سدَوتَ خِطابَها
بقولٍ كطعمِ الشَّهدِ بالباردِ العَذبِ

وقال نُصيب:

وما بذَلتُ ابتذالَ الثَّوبِ ودَّكمُ
وعائدٌ خَلَقًا ما كانَ يُبتذَلُ
وعِلمُك الشيءَ تَهْوى أنْ تَبيَّنَه
أشْفى بقلبِكَ من أخبارِ مَن تَسَلُ

وقال الآخر:

لَعَمرُكَ ما ودُّ اللِّسانِ بنافعٍ
إذا لم يَكُنْ أصلُ المودَّةِ في الصَّدرِ

وقال الآخر:

تَعلَّمْ فليسَ المرءُ يُولَدُ عالِمًا
وليسَ أخو عِلمٍ كمَن هو جاهِلُ
وإنَّ كبيرَ القومِ لا عِلمَ عندَه
صغيرٌ إذا التفَّتْ عليه المَحافِلُ

وقال الآخر:

فتًى مِثلُ صَفوِ الماءِ ليس بِباخلٍ
عليكَ ولا مُهدٍ مَلامًا لِباخلِ
ولا قائلٍ عَوْراءَ تؤذي رفيقَه
ولا رافعٍ رأسًا بعَوْراءِ قائلِ
ولا مُسلِمٍ مَولًى لأمرٍ يُصِيبُه
ولا خالطٍ حقًّا مُصِيبًا بباطلِ
ولا رافعٍ أُحدوثةَ السُّوءِ مُعجَبًا
بها بين أيدي المَجلسِ المُتقابِلِ
ترى أهلَه في نعمةٍ وهْو شاحبٌ
طَوِي البطنِ مِخماصُ الضُّحى والأصائلِ

وقالت أخت يزيد بن الطَّثرية:

أرى الأثْلَ من بَطنِ العَقيقِ مُجاوِري
قريبًا وقد غالتْ يَزيدَ غوائلُه
فتًى قُدَّ قَدَّ السَّيفِ لا مُتضائلٌ
ولا رَهِلٌ لَبَّاتُه وبَآدِلُه
فتًى لا يُرى خَرْقُ القَميصِ بخَصْرِه
ولكنَّما تُوهي القميصَ كواهِلُه
إذا نَزَلَ الأضيافُ كانَ عَذوَّرًا
على الحيِّ حتى تَستقِلَّ مَراجِلُه
مضى فوَرِثْناه دَرِيسَ مُفاضةٍ
وأبيضَ هِنديًّا طويلًا حمائلُه
يَسُرُّكَ مَظلومًا ويُرضِيكَ ظالمًا
وكلُّ الذي حُمِّلتَه فهْو حامِلُه
أخو الجِدِّ إنْ جَدَّ الرِّجالُ وشمَّروا
وذو باطلٍ إنْ شئتَ ألْهاكَ باطِلُه

يصير هذا الشعر وما أشبهه مما وقع في هذا الباب إلى الشعر الذي في أول الفصل.

(٣) باب شعر وغير ذلك من الكلام مما يدخل في باب الخطب

قال الشاعر:

عجبتُ لأقوامٍ يَعِيبون خُطْبتي
وما منهمُ في مَوقفٍ بخَطيبِ

وقال الآخر:

إنَّ الكَلامَ لفي الفؤادِ وإنَّما
جُعِلَ اللسانُ على الفؤادِ دليلا
لا يُعجِبنَّك من خَطيبٍ قولُه
حتى يكونَ مع اللسانِ أصيلا

وأنشد الآخر:

أبرَّ فما يزدادُ إلا حَماقةً
ونَوكًا وإن كانت كثيرًا مَخارِجُه

وقد يكون رديء العقل جيِّد اللسان.

وكان أبو العباس الأعمى يقول:

إذا وصَفَ الإسلامَ أحسَنَ وصْفَه
بفِيه ويأبى قلبُه ويُهاجِرُه
وإنْ قامَ قالَ الحقَّ ما دامَ قائمًا
تَقيُّ اللسانِ كافرٌ بَعدُ سائرُه

يقول إنه يَتِيه عن قوله ويأباه ويهجره، ويقول الحق على منبره بلسانه وسائرُه كافر.

وقال قيس بن عاصم المِنقري يذكُر ما في بني مِنقر من الخطابة:

إنِّي امرُؤٌ لا يَعتَري خُلُقي
دَنَسٌ يُفنِّدُه ولا أفْنُ
من مِنقرٍ في بَيتِ مَكرُمةٍ
والأصلُ يَنبُتُ حولَه الغُصنُ
خُطباءُ حينَ يَقومُ قائلُهم
بِيضُ الوُجوهِ مَصاقِعٌ لُسْنُ
لا يَفطِنون لعَيبِ جارِهمِ
وهُمُ لحُسنِ جِوارِهم فُطْنُ

ومن هذا الباب، وليس منه في الجملة، قول الآخر:

أشارتْ بطَرْفِ العَينِ خِيفةَ أهلِها
إشارةَ مَذعورٍ ولم تَتكلَّمِ
فأيقنتُ أنَّ الطَّرْفَ قد قالَ مَرحبًا
وأهلًا وسهلًا بالحبيبِ المُسلَّمِ

وقال نُصيب:

يقولُ فيُحسِنُ القولَ ابنُ ليلى
ويفعلُ فوقَ أحسنِ ما يقولُ

وقال آخر:

ألَا رُبَّ خَصْمٍ ذي فُنونٍ عَلوْتُه
وإنْ كانَ ألْوى يُشبِهُ الحقَّ باطِلُه

فهذا هو معنى قول العتابي: البلاغة إظهار ما غمض من الحق، وتصوير الباطل في صورة الحق. وقال الشاعر، وهو كما قال:

عَجِبتُ لإدلالِ العَيِيِّ بنفْسِه
وصَمتِ الذي قد كانَ بالقولِ أعلَمَا
وفي الصَّمتِ سَترٌ للعَيِيِّ وإنَّما
صحيفةُ لُبِّ المَرءِ أنْ يَتكلَّما

وموضع الصحيفة من هذا البيت موضع ذكر العنوان في شعره الذي رثى به عثمان بن عفان، رضي الله تعالى عنه، يقول:

ضحَّوا بأشمَطَ عُنوانُ السُّجودِ به
يُقطِّعُ الليلَ تَسبيحًا وقُرآنا

وأنشد أيضًا:

تَرى الفِتيانَ كالنَّخلِ
وما يُدرِيكَ ما الدَّخْلُ
وكلٌّ في الهوى لَيثٌ
وفيما نابَه فَسْلُ
وليسَ الشأنُ في الوَصلِ
ولكنْ أن يُرى الفَضلُ

وقال كِسرى أنوشِروان لبُزُرجمِهر: أي الأشياء خير للمرء العيي؟ قال: عقلٌ يعيش به. قال: فإن لم يكن له عقل؟ قال: فإخوانٌ يسترون عليه. قال: فإن لم يكن له إخوان؟ قال: فمالٌ يتحبَّب به إلى الناس. قال: فإن لم يكن له مال؟ قال: فعيٌّ صامت. قال: فإن لم يكن ذلك؟ قال: فموتٌ مُريح.

وقال موسي بن يحيى بن خالد، قال أبو علي: رسائل المرء في كُتُبه أدَلُّ على مقدار عقله، وأصدق شاهد على غيبه لك، ومعناه فيك، من أضعاف ذلك على المشافهة والمواجهة.

(٤) وباب آخر

ووصفوا كلامهم في أشعارهم فجعلوه كبُرود العَصْب، وكالحُلل والمعاطف، والديباج والوَشي، وأشباه ذلك.

وأنشدني أبو الجماهر جُندب بن مُدرك الهلالي:

لا يُشْترى الحَمدُ أُمنيَةً
ولا يُشْترى الحمدُ بالمَقصرِ
ولكنَّما يُشْترى غاليًا
فمَن يُعطِ قيمتَه يَشْترِ
ومن يَعتطِفْه على مِئزَرٍ
فنِعْمَ الرِّداءُ على المِئزرِ

وأنشدني لابن ميَّادة:

نَعَمْ إنَّني مُهدٍ ثناءً ومِدحةً
كبُردِ يَمانٍ يُربِحُ البَيعَ تاجِرُه

وأنشدني:

فإنْ أهلِكْ فقدْ أبقَيتُ بعدي
قوافيَ تُعجِبُ المُتمثِّلينا
لَذيذاتِ المَقاطعِ مُحكَماتٍ
لوَ انَّ الشِّعرَ يُلبَسُ لَارْتُدِينا

وقال أبو قردودة يرثي ابن عمَّار قتيل النُّعمان، ووصف كلامه، وقد كان نهاه عن مُنادَمته:

إنِّي نهَيتُ ابنَ عمَّارٍ وقلتُ له
لا تأمَنَنْ أحمَرَ العَينَينِ والشَّعَرةْ
إنَّ المُلوكَ متى تَنزِلْ بساحتِهم
تَطِرْ بِنارِكَ من نِيرانِهم شَرَرةْ
يا جَفنةً كإزاءِ الحَوضِ قد هَدَموا
ومَنطِقًا مِثلَ وَشْيِ اليُمْنةِ الحَبَرةْ

وقال الشاعر في مديح أحمد بن أبي دؤاد:

وعويصٌ من الأمورِ بَهيمٌ
غامضُ الشخصِ مُظلِمٌ مَستورُ
قد تَسهَّلتَ ما تَوعَّرَ منه
بلسانٍ يَزِينُه التَّحبيرُ
مِثلُ وَشيِ البُرودِ هَلهَلَه النَّسْـ
ـجُ وعِندَ الحِجاجِ دُرٌّ نَثِيرُ
حَسَنُ الصَّمتِ والمَقاطعِ إمَّا
أنصَتَ القومُ والحديثُ يَدُورُ
ثُم مِن بعدُ لَحظةٌ تُورِثُ اليُسْـ
ـرَ وعِرضٌ مُهذَّبٌ موفورُ

ومما يُضم إلى هذا وليس منه بعينه، قول جميل بن مَعمر:

نَمَتْ في الرَّوابي من مَعَدٍّ وأفلجَتْ
على الخَفِراتِ الغُرِّ وهْي وَرِيدُ
أناةٌ على نِيرَينِ أضْحى لِداتُها
بَلِينَ بَلاءَ الرَّيطِ وهْي جَديدُ

نمت: شبت. الروابي من معد: البيوت الشريفة، وأصل الرابية والرباوة ما ارتفع من الأرض. وأفلجت: ظهرت وقهرت. الخفرات: الحييَّات.

الأناة: المرأة التي فيها فتور عند القيام. وقوله على نيرين: وصفها بالقوة، كالثوب الذي يُنسج على نيرين، وهو الثوب الذي له سديان، كالديباج وما أشبهه. أضحى لداتها، اللدة: القرينة في المولد والمنشأ. فيقول: إن أقرانها قد بلين، وهي جديد لحسن غذائها ودوام نعمتها.

ومن هذا الشكل وليس منه بعينه قول الشاعر:

على كلِّ ذي نِيرَينِ زِيدَ مَحالُه
مَحالًا وفي أضلاعِه زِيدَ أضْلُعا

المحال: محال الظهر، وهي فِقاره، واحدها محالة.

وقال أبو يعقوب الخزيمي الأعور: أول شعر قلتُه هذان البيتان:

بقلبي سَقامٌ لستُ أُحسِنُ وصْفَه
على أنَّه ما كانَ فهْو شَديدُ
تَمرُّ به الأيامُ تَسحَبُ ذيْلَها
فتَبْلى به الأيامُ وهْو جَديدُ

وقال آخر، وهو أبو الأسود الدؤلي:

أبى القلبُ إلَّا أمَّ عَمرٍو وحُبَّها
عَجوزًا ومن يَحبِبْ عَجوزًا يُفنَّدِ
كبُردِ اليَماني قد تَقادَمَ عَهدُه
ورُقْعتُه ما شئتَ في العَينِ واليَدِ

وقال ابن هرمة:

إنَّ الأديمَ الذي أصبحتَ تَعرُكه
جهلًا لَذو نَغَلٍ بادٍ وذو حَلَمِ
ولن يُبَطَّ بأيدي الخالِقِين ولا
أيدي الخوالِقِ إلا جيِّدُ الأدَمِ

وفي غير هذا الباب وهو قريب منه قول ذي الرُّمَّة:

وفي قَعرِ حَجْرٍ من ذؤابةِ عامرٍ
إمامُ هُدًى مُستبصِرُ الحُكمِ عادِلُه
كأنَّ على أعطافِه ماءَ مُذهَبٍ
إذا سَمَلُ السِّربالِ طارتْ رَعابِلُه

الرعابل: القطع، وشواء مرعبَل أي مقطَّع، ورعبلت الشيء أي قطَّعته. ويُقال: ثوبٌ سَملٌ وأسمال، وأسمل الثوب وسمَل، إذا أخلق.

وهو الذي يقول:

حَوْراءُ في دَعَجٍ صَفْراءُ في نَعَجٍ
كأنَّها فِضَّةٌ قد مسَّها ذهبُ

الحور: شدة بياض العين. والدعج: شدة سواد الحدقة. والنعج: اللين. قالوا: لأن المرأة الرقيقة اللون يكون بياضها بالغداة يضرب إلى الحُمرة، وبالعشي يضرب إلى الصفرة؛ ولذلك قال الأعشى:

بَيضاءُ ضَحْوتَها وصَفْـ
ـراءُ العشيَّةِ كالعَرارةْ

وقال آخر:

قد عَلِمتْ بَيضاءُ صَفراءُ الأُصُلْ
لأُغنِيَنَّ اليومَ ما أغْنى رَجُلْ

وقال بشَّار بن بُرد:

وخُذي مَلابسَ زِينةٍ
ومُصبَّغاتٍ فهْي أفْخَرْ
وإذا دخَلتِ تَقنَّعي
بالحُمْرِ إنَّ الحُسْنَ أحَمَرْ

وهذان أعميان قد اهتديا من حقائق هذا الأمر إلى ما لا يبلغه تمييز البصير، ولبشار خاصةً في هذا الباب ما ليس لأحد، ولولا أنه في «كتاب الرجل والمرأة» وفي «باب القول في الإنسان» في «كتاب الحيوان» أليَقُ وأذكى لذكَرناه في هذا الموضع. ومما ذكروا فيه الوزن قوله:

زِنِي القومَ حتى تَعرِفي عندَ وَزنِهم
إذا رُفِعَ المِيزانُ كيفَ أميلُ

وقال ابن الزُّبير الأسدي:

أعاذِلَ غُضِّي بعضَ لَومِك إنَّني
أرى الموتَ لا يَرْضى بدَينٍ ولا رَهنِ
وإنِّي أرى دهرًا تَغيَّرَ صَرفُه
ودُنيا أراها لا تَقُومُ على وَزنِ

(٥) باب آخر

ويذكُرون الكلام الموزون ويمدحون به، ويفضِّلون إصابة المقادير، ويذمُّون الخروج من التبويل. قال جعفر بن سليمان: ليس يطيب الطعام بكثرة الإنفاق وجودة التوابل، وإنما الشأن في إصابة القدر. وقال الشاعر، وهو عارق بن أُثال الطائي:

ما إنْ يَزالُ ببغدادٍ يُزاحِمُنا
على البراذينِ أشْباهِ البراذينِ
أعطاهم اللهُ أموالًا ومَنزلةً
من المُلوكِ بلا عقلٍ ولا دِينِ
ما شئتَ من بَغلةٍ شَقْراءَ ناجيةٍ
أو من أثاثٍ وقولٍ غيرِ موزونِ

وأنشد بعض الشعراء:

رأتْ رَجلًا أوْدى السِّفارُ بجِسمِه
فلمْ يَبْقَ إلا مَنطِقٌ وجَناجِنُ
إذا حُسِرتْ عنه العِمامةُ راعَها
جَميلُ الخُفوقِ أغفَلَتْه الدَّواهنُ
فإنْ أكُ مَعروقَ العِظامِ فإنَّني
إذا ما وزنتُ القومَ بالقومِ وازِنُ

الجناجن: عظام الصدر.

قال مالك بن أسماء في بعض نسائه، وكانت تُصيب الكلام كثيرًا، وربما لحنت:٩
أمُغطًّى منِّي على بَصَري للـ
ـحُبِّ أم أنتِ أكمَلُ النَّاسِ حُسْنا
وحديثٍ ألَذُّه هو ممَّا
يَنعَتُ الناعِتون يُوزَنُ وَزْنا
مَنطِقٌ عاقلٌ وتَلحَنُ أحْيا
نًا وخيرُ الحديثِ ما كانَ لَحْنا

وقال طرَفة في المقدار وإصابته:

فسَقى ديارَك غيْرَ مُفسِدِها
صَوْبُ الرَّبيعِ ودِيمةٌ تَهْمي

طلب الغيث على قدر الحاجة؛ لأن الفاضل ضار. وقال النبي في دعائه: «اللهم اسقِنا سقيًا نافعًا.» لأن المطر ربما جاء في غير إبَّان الزراعات، وربما جاء والتمرُ في الجُرن، والطعام في البيادر، وربما كان في الكثرة مُجاوزًا لمقدار الحاجة. وقال النبي : «اللهم حوالَينا ولا علينا.» وقال بعض الشعراء لصاحبه: أنا أشعر منك. قال: ولمَ؟ قال: لأني أقول البيت وأخاه، وتقول البيت وابن عمه. وعاب رؤبة شعر ابنه عُقبة، فقال: ليس له قِران. وجعل البيت أخا البيت إذا أشبهه وكان حقه أن يوضع إلى جنبه؛ وعلى ذلك التأويل قال الأعشى:

أبا مِسمَعٍ أقصِرْ فإنَّ قَصيدةً
متَّى تأتِكم تَلحَقْ بها أخواتُها

قال الله عز وجل: وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا.

وقال عمرو بن معد يكرب:

وكلُّ أخٍ مُفارِقُه أخُوه
لَعَمرُ أبيكَ إلَّا الفَرقَدانِ

وقالوا فيما هو أبعد معنًى وأقل لفظًا، قال الهُذلي:

أعامِرُ لا آلُوكَ إلَّا مُهنَّدًا
وجِلدُ أبي عِجلٍ وثيقُ القبائلِ

يعني بأبي عجل: الثور.

وقالوا ما هو أبعد من هذا، قال ابن عسلة الشيباني، واسمه عبد المسيح:١٠
وسَماعِ مُدجِنةٍ تُعلِّلُنا
حتى ننامَ تَناوُمَ العُجْمِ
فصحَوتُ والنَّمَريُّ يَحسَبُها
عمَّ السِّماكِ وخالةَ النَّجمِ

النجم: واحد وجمع، والنجم: الثريا في كلام العرب. مدجنة: أي سحابة دائمة.

وقال أبو النجم فيما هو أبعد من هذا، ووصف العَير والمعيور؛ الموضع الذي يكون فيه الأعيار:

وظَلَّ يُوفِي الأكَمَ ابنُ خالِها

فهذا مما يدل على توسُّعهم في الكلام، وحمل بعضه على بعض، واشتقاق بعضه من بعض. وقال النبي : «نِعمَت العمَّة لكم النخلة.» كأن بينها وبين الإنسان تشابُه وتشاكل من وجوه، وقد ذكرنا ذلك في «كتاب الزرع والنخل». وفي مِثل ذلك قال بعض الفصحاء:

شَهِدتُ بأنَّ التَّمرَ بالزُّبدِ طيِّبٌ
وأنَّ الحُبارى خالةُ الكِرْوانِ

لأن الحبارى، وإن كانت أعظم بدنًا من الكروان، فإن اللون وعمود الصورة واحد؛ فلذلك جعلها خالته، ورأى أن ذلك قرابةٌ تستحقُّ بها هذا القول.

(٦) باب آخر من الشعر

مما قالوا في الخُطب واللَّسَن والامتداح به والمديح عليه

قال كعب الأشقري:

إلَّا أكُنْ في الأرضِ أخطُبُ قائمًا
فإنِّي على ظهرِ الكُمَيتِ خَطيبُ

وقال ثابت قُطنة:

فإلَّا أكُنْ فيكم خطيبًا فإنَّني
بسُمْرِ القَنا والسَّيفِ جِدُّ لَعُوبِ

وقالت ليلى الأخْيليَّة:

حتى إذا رُفِعَ اللِّواءُ رأيتَه
تحتَ اللِّواءِ على الخَميسِ زَعيما

وقال الآخر:

عَجِبتُ لأقوامٍ يَعِيبونَ خُطْبتي
وما منهمُ في مأقِطٍ بخَطيبِ

وهؤلاء يفخرون بخطبهم التي عليها يعتمدون بالسيوف والرماح، وإن كانوا خُطباء.

وقال دُرَيد بن الصِّمَّة:

أبلِغْ نُعَيمًا وأوفى إنْ لَقَيتَهما
إنْ لم يَكُنْ كان في سَمْعَيهما صَمَمُ
فلا يَزالُ شِهابٌ يُستضاءُ به
يَهْدي المَقانِبَ ما لم يُهلِكِ الصِّمَمُ
عاري الأشاجِعِ مَعصوبٌ بلِمَّتِه
أمرُ الزَّعامةِ في عِرنِينِه شَمَمُ

المقانب: جمع مِقنب، والمقنب: الجماعة من الخيل ليست بالكثيرة. الأشاجع: عروق ظاهر الكف، وهي مغرز الأصابع. اللمة: الشعيرة التي ألمَّت بالمنكب. زعيم القوم: رأسهم وسيدهم الذي يتكلم عنهم. والزعامة: مصدر الزعيم الذي يسود قومه. وقوله: معصوب بلمته؛ أي يعصب برأسه كل أمر. عرنينه: أنفه.

وقال أبو العبَّاس الأعمى مولى بني بكر بن عبد مناف في بني عبد شمس:

ليتَ شِعري أفاحَ رائحةُ المِسـ
ـكِ ما إن إخالُ بالخَيفِ أُنْسي
حين غابتْ بنو أُميَّةَ عنه
والبهاليلُ من بَني عبدِ شمسِ
خُطباءٌ على المَنابرِ فُرْسَا
نٌ عليها وقالةٌ غيرُ خُرْسِ
لا يُعابُون صامِتِين وإن قا
لوا أصابوا ولم يَقولوا بلَبْسِ
بحُلومٍ إذا الحُلومُ استخفَّتْ
ووُجوهٍ مِثلُ الدنانيرِ مُلْسِ

وقال العجَّاج:

وحاصنٍ من حاصناتٍ مُلْسِ
من الأذى ومن قِرافِ الوَقْسِ

المحصنة: ذات الزوج، والحاصن: العفيفة. والوقس: الجرب.

وقال امرؤ القيس بن حجر:

ويا رُبَّ يومٍ قد أرُوحُ مُرجَّلًا
حبيبًا إلى البِيضِ الكواعبِ أمْلَسا

وقال أبو العبَّاس الأعمى:

ولم أرَ حيًّا مِثلَ حيٍّ تَحمَّلوا
إلى الشامِ مظلومينَ منذُ بُرِيتُ
أعَزَّ وأمضى حينَ تَشتجرُ القَنا
وأعلَمَ بالمِسكينِ حيثُ يَبِيتُ
وأرفَقَ بالدُّنيا بأولى سياسةٍ
إذا كادَ أمرُ المُسلِمينَ يَفُوتُ
إذا ماتَ منهم سيِّدٌ قامَ سيِّدٌ
بَصيرٌ بعَوْراتِ الكَلامِ زَمِيتُ

وقال آخر:

لا يُغسَلُ العِرضُ من تَدنُّسِه
والثَّوبُ إنْ مَسَّ مدنسًا غُسِلا
وزلَّةُ الرِّجلِ تُستقالُ ولا
يَكادُ رأيٌ يُقِيلُكَ الزَّلَلا

وقال آخر في الزلل:

ألَهْفي إذ عصَيتُ أبا يَزيدٍ
ولَهْفي إذ أطعتُ أبا العَلاءِ
وكانت هَفوةً من غيرِ رِيحٍ
وكانت زلَّةً من غيرِ ماءِ

وقال آخر:

فإنَّكَ لم يُنذِرْكَ أمرًا تَخافُه
إذا كنتَ فيه جاهلًا مِثلُ خابِرِ

وقال ابن وابصة — واسمه سالم — في مقامٍ قام فيه مع ناس من الخطباء:

يا أيُّها المُتحلِّي غيْرَ شِيمتِه
ومن سَجيَّتِه الإكثارُ والمَلَقُ
اعمِدْ إلى القَصدِ فيما أنتَ راكِبُه
إنَّ التَّخلُّقَ يأتي دُونَه الخُلُقُ
صدَّت هُنَيدةُ لمَّا جئتُ زائرَها
عنِّي بمَطروفةٍ إنسانُها غَرِقُ
وراعَها الشَّيبُ في رأسي فقلتُ لها
كذاك يَصفَرُّ بعدَ الخُضْرةِ الوَرَقُ
بل مَوقفٍ مِثلِ حدِّ السَّيفِ قُمتُ به
أحمي الذِّمارَ وتَرْميني به الحَدَقُ
فما زلَلتُ ولا أُلفِيتُ ذا خَطَلٍ
إذا الرجالُ على أمثالِها زَلِقوا

وأنشد أعرابي من باهلة:

سأُعمِلُ نصَّ العِيسِ حتى يَكُفَّني
غِنى المالِ يومًا أو غِنى الحَدَثانِ
فلَلموتُ خيرٌ من حياةٍ يُرى لها
على الحُرِّ بالإقلالِ وَسمُ هَوانِ
متى يَتكلَّمْ يُلْغَ حُكمُ كلامِه
وإنْ لم يَقُلْ قالوا عديمُ بَيانِ
كأنَّ الغِنى في أهلِه بُورِكَ الغِنى
بغَيرِ لِسانٍ ناطقٌ بلِسانِ

وفي مثلها، في بعض الوجوه، قال عُروة بن الورد:

ذَرِيني للغِنى أسْعى فإنِّي
رأيتُ الناسَ شرُّهم الفَقيرُ
وأهوَنُهم وأحقَرُهم لدَيهم
وإنْ أمسى له نَسبٌ وخِيرُ
ويُقْصى في النَّديِّ وتَزْدرِيه
حليلتُه ويَنهَرُه الصَّغيرُ
ويُلْقى ذو الغِنى وله جَلالٌ
يكادُ فؤادُ صاحِبِه يَطيرُ
قليلٌ ذنبُه والذَّنبُ جمٌّ
ولكنْ للغِنى ربٌّ غَفورُ

وقال ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنه: الهوى إلهٌ معبود. وتلا قوله عز وجل: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ.

وقال أبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل:

تِلك عِرْسايَ تَنطِقانِ على عَمْـ
ـدٍ إلى اليومِ قولَ زُورٍ وهِتْرِ
سالَتانِي الطَّلاقَ أنْ رأتَا ما
لي قليلًا قد جئتُماني بنُكْرِ
فلعلِّي أنْ يَكثُرَ المالُ عندي
ويُعَرَّى من المَغارِمِ ظَهْري
وتُرى أعبُدٌ لنا وأواقٍ
ومَناصيفُ من خوادِمَ عَشْرِ
ونَجُرُّ الأذيالَ في نِعمةٍ زَوْ
لٍ تقولانِ ضَعْ عَصاك لدَهرِ
وَيْكأنْ مَن يَكُنْ له نَشَبٌ يُحـ
ـبَبْ ومن يَفتقرْ يَعِشْ عَيشَ ضُرِّ
ويُجنَّبْ سِرَّ النَّجِيِّ ولكنَّ
أخا المالِ مُحضَرٌ كلَّ سِرِّ

المناصيف: الخدم، واحدهم مَنصف وناصف، وقد نصَف القوم ينصفهم نصافةً إذا خدمهم. نعمة زول: حسنة، والزول: الخفيف الظريف، وجمعه أزوال.

وقال عَبيد بن الأبرص في نحو هذا وليس كمثله:

تِلكَ عِرْسي غَضْبى تُريدُ زِيالي
ألِبَينٍ تُريدُ أم لدَلالِ؟
إنْ يَكُنْ طِبُّكِ الفِراقَ فلا أحـ
ـفِلُ أنْ تَعطِفي صُدورَ الجَمالِ
كنتِ بَيضاءَ كالمَهاةِ وإذْ
آتِيكَ نَشْوانَ مُرْخيًا أذْيالي
فاتْرُكي مَطَّ حاجِبَيك وعِيشي
معَنا بالرَّجاءِ والتَّأمالِ
زعَمتْ أنَّني كَبِرتُ وأنِّي
قلَّ مالي وضنَّ عنِّي الموالي
وصحا باطِلِي وأصبحتُ شيخًا
لا يُواتي أمثالَها أمثالي
إنْ تَرَيني تَغيَّرَ الرأسُ منِّي
وعلا الشَّيبُ مَفرِقِي وقَذالي
فبِما أدخُلُ الخِباءَ على مَهْـ
ـضومةِ الكَشحِ طَفْلةٍ كالغَزالِ
فتعاطيتُ جِيدَها ثم مالتْ
مَيَلانَ الكَثيبِ بينَ الرِّمالِ
ثم قالت فِدًى لنفْسِك نفْسي
وفِداءٌ لمالِ أهلِكَ مالي

الكشح: الخصر. وقوله: مهضومة، أراد لطيفة. والطفلة: الرَّخصة الناعمة.

وخرج عثمان بن عفان، رضي الله تعالى عنه، من داره يومًا، وقد جاء عامر بن عبد قيس فقعد في دهليزه، فلما رأى شيخًا دميمًا أشغى ثطًّا في عباءة فأنكره وأنكر مكانه، فقال: يا أعرابي، أين ربك؟ قال: بالمِرصاد.

والشغى: تراكُب الأسنان واختلافها. ثط: صغير اللحية.

يُقال إن عثمان بن عفان، رضي الله تعالى عنه، لم يُفحِمه أحدٌ قط غير عامر بن عبد قيس. ونظر معاوية إلى النخَّار بن أوس العُذري الخطيب الناسب في عباءة في ناحية من مجلسه، فأنكره وأنكر مكانه زرايةً منه عليه، فقال: من هذا؟ فقال النخَّار: يا أمير المؤمنين، إن العباءة لا تكلِّمك، إنما يكلِّمك من فيها.

قال، ونظر عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، إلى هَرِم بن قُطبة مُلتفًّا في بتٍّ في ناحية المسجد، ورأى دمامته وقلَّته، وعرف تقديم العرب له في الحكم والعلم، فأحبَّ أن يكشفه ويسبر ما عنده، فقال: أرأيت لو تنافرا إليك اليوم، أيهما كنت تنفِّر؟ يعني عَلقمة بن عُلاثة وعامر بن الطُّفيل. فقال: يا أمير المؤمنين، لو قلت فيهما كلمة لأعَدتُها جَذَعةً.١١ فقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: لهذا العقل تحاكَمت إليك العرب. ونظر عمر إلى الأحنف وعنده الوفد، والأحنف مُلتفٌّ في بتٍّ له، فترك جميع القوم واستنطقه، فلما تبعَّق منه ما تبعَّق، وتكلَّم بذلك الكلام البليغ المُصيب، وذهب ذلك المذهب، لم يزَل عنده في علياء، ثم صار إلى أن عقد له الرياسة ثابتًا له ذلك إلى أن فارَق الدنيا.

ونظر النُّعمان بن المُنذر إلى ضَمرة بن ضَمرة، فلما رأى دمامته وقلته قال: تسمع بالمُعَيدي لا أنْ تراه. هكذا تقول العرب. فقال ضمرة: أبَيتَ اللعن، إن الرجال لا تُكال بالقُفزان، وإنما المرء بأصغرَيه؛ لسانه وقلبه. وكان ضمرة خطيبًا، وكان فارسًا شاعرًا شريفًا سيدًا.

وكان الرَّمق بن زيد مدح أبا جُبيلة الغسَّاني، وكان الرَّمق دميمًا قصيرًا، فلما أنشده وحاوَره، قال: عسل طيِّب في ظرف سوء.

قال: وتكلَّم علباءُ بن الهيثم السَّدوسي لدى عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، وكان علباء أعوَر دميمًا، فلما رأى براعته وسمع بيانه، أقبل عمر يُصعِّد فيه بصره ويحدره، فلما خرج قال عمر: لكل أناس في جميلهم خبرة.

قال أبو عثمان: وأنشدت سهل بن هارون قول سلَمة بن خُرشُب وشعره الذي أرسل به إلى سُبيع التغلبي في شأن الرُّهن التي وُضعت على يدَيه في قتال عبس وذُبيان، فقال سهل بن هارون: والله لكأنه قد سمع رسالة عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، إلى أبي موسى الأشعري في سياسة القضاء وتدبير الحكم. والقصيدة قوله:

أبلِغْ سُبَيعًا وأنتَ سيِّدُنا
قِدمًا وأوفى رِجالِنا ذِمَما
أنَّ بَغيضًا وأنَّ إخوتَها
ذُبْيانَ قد ضرَّموا الذي اضطرما
نُبِّئتُ أنْ حَكَّموك بينهمُ
فلا يَقولُنَّ بئسَ ما حَكَما
إنْ كنتَ ذا خبرةٍ بشأنِهمُ
تَعرِفُ ذا حقِّهم ومن ظَلَما
وتُنزِلُ الأمرَ في مَنازِلِه
حُكمًا وعِلمًا وتُحضِرُ الفُهَما
ولا تُبالي من المُحِقُّ ولا الْـ
ـمُبطِلُ لا إلَّةً ولا ذِمَما
فاحكُمْ وأنتَ الحكيمُ بيْنهمُ
لن يَعدِموا الحُكمَ ثابتًا صَتما
واصدَعْ أديمَ السَّواءِ بيْنهمُ
على رضا مَن رَضِي ومَن رُغِما١٢
إنْ كان مالًا ففُضَّ عِدَّتَه
مالًا بمالٍ وإنْ دمًا فدَما
حتى ترى ظاهِرَ الحُكومةِ مِثـ
ـلَ الصُّبحِ جلَّى نهارُه ظُلَما
هذا وإنْ لم تُطِقْ حُكومتَهم
فانبِذْ إليهم أمورَهم سَلَما

الصتم: الصحيح القوي، يُقال: رجل صتم، إذا كان شديدًا.

وقال العايشي: كان عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، أعلم الناس بالشعر، ولكنه إذا ابتُلي بالحكم بين النجاشي والعَجلاني، وبين الحُطيئة والزِّبرِقان، كَرِه أن يتعرض للشعراء، واستشهد رجالًا للفريقين مثل حسَّان بن ثابت وغيره ممن تهون عليه سبالهم، فإذا سمع كلامهم حكم بما يعلم، وكان الذي ظهر من حكم ذلك الشاعر مُقنعًا للفريقَين، ويكون هو قد تخلَّص بعِرضه سليمًا؛ فلما رآه من لا علم له يسأل هذا وهذا ظن أن ذلك لجهله بما يعرف غيره. ولقد أنشدوه شعرًا لزُهير، وكان لشعره مقدِّمًا، فلما انتهَوا إلى قوله:

وإنَّ الحقَّ مَقطَعُه ثلاثٌ
يَمينٌ أو نِفارٌ أو جِلاءُ

قال عمر كالمُتعجب من علمه بالحقوق، وتفصيله بينها، وإقامته أقسامها:

وإنَّ الحقَّ مَقطَعُه ثلاثٌ
يَمينٌ أو نِفارٌ أو جِلاءُ

يردِّد البيت من التعجب.

وأنشدوه قصيدة عَبْدة بن الطبيب الطويلة التي على اللام، فلما بلغ المُنشد إلى قوله:

والمرءُ ساعٍ لأمرٍ ليس يُدرِكُه
والعيشُ شُحٌّ وإشفاقٌ وتأميلُ١٣

قال عمر مُتعجبًا:

والعيش شح وإشفاق وتأميل!

يُعجبهم من حسن ما قسَّم وفصَّل. وأنشدوه قصيدة أبي قيس بن الأسلت التي على العين، وهو ساكت، فلما انتهى المُنشد إلى قوله:

الكَيسُ والقوةُ خيرٌ من الـ
إشفاقِ والفَهَّةِ والهاعِ١٤

أعاد عمر البيت وقال:

الكَيسُ والقوةُ خيرٌ من الـ
إشفاقِ والفَهَّةِ والهاعِ

وجعل عمر يردِّد البيت ويتعجب منه. قال محمد بن سلَّام الجُمحي عن بعض أشياخه، قال: كان عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، لا يكاد يعرض له أمر إلا أنشد فيه بيت شعر.

وقال عمر بن العلاء: كان الشاعر في الجاهلية يُقدَّم على الخطيب بفرط حاجتهم إلى الشعر الذي يقيِّد عليهم مآثرهم، ويفخِّم شأنهم، ويهوِّل على عدوهم ومن غزاهم، ويهيِّب من فُرسانهم، ويخوِّف من كثرة عددهم، ويهابهم شاعر غيرهم فيُراقب شاعرهم؛ فلما كثُر الشعر والشعراء، واتخذوا الشعر مكسبةً، ورحلوا إلى السوقة، وتسرَّعوا إلى أعراض الناس، صار الخطيب عندهم فوق الشاعر؛ ولذلك قال الأول: الشعر أدنى مروءة السَّري، وأسرى مروءة الدَّني.

قال: ولقد وضع قول الشعر من قدر النابغة الذُّبياني، ولو كان في الدهر الأول ما زاده ذلك إلا رفعة.

وروى مجالد عن الشعبي قال: ما رأيت مِثلي، ما أشاء أن ألقى رجلًا أعلم مني بشيء إلا لقيته. وقال الحسن البصري: يكون الرجل عابدًا ولا يكون عاقلًا، ويكون عابدًا عاقلًا ولا يكون عالمًا، وكان مُسلم بن يسار عاقلًا عالمًا عابدًا. وكان يُقال: فقه الحسن، وورع ابن سيرين، وعقل مطرِّف، وحفظ قتادة. وذُكرت البصرة، فقيل: شيخها الحسن، وفتاها بكر بن عبد الله المُزني. والذين بثُّوا العلم في الدنيا أربعة؛ قتادة، والزُّهري، والأعمش، والكلبي. وجمع سليمان بن عبد الملك بين قتادة والزهري، فغلب قتادة الزهري، فقيل لسليمان في ذلك، فقال: إنه فقيهٌ مليح. فقال القحذمي: لا، ولكنه تعصَّب للقرشية، ولانقطاعه إليهم، ولروايته فضائلهم. وكان الأصمعي يقول: وصلت بالعلم، ونِلتُ بالمُلَح. وكان سهل بن هارون يقول: اللسان البليغ والشعر الجيد لا يكادان يجتمعان في واحد، وأعسر من ذلك أن يجتمع بلاغة الشعر وبلاغة القلم. والمسجديُّون١٥ يقولون: من تمنَّى رجلًا حسن العقل، وحسن اللسان، وحسن القلم، تمنَّى شيئًا عسيرًا.

(٧) باب

وكانوا يعيبون النَّوك والعِيَّ والحمق وأخلاق النساء والصِّبيان.

قال الشاعر:

إذا ما كنتَ مُتَّخِذًا خَليلًا
فلا تَثِقَنْ بكلِّ أخي إخاءِ
فإنْ خُيِّرتَ بيْنهمُ فألصِقْ
بأهلِ العقلِ منهم والحياءِ
فإنَّ العقلَ ليس له إذا ما
تفاضَلتِ الفضائلُ من كِفاءِ
فإنَّ النَّوكَ للأحسابِ غَوْلٌ
وأهوَنُ دائِه داءُ العَياءِ
ومن تركَ العواقبَ مُهمَلاتٍ
فأيسَرُ سَعيِه سَعيُ العَناءِ
فلا تَثِقنَّ بالنَّوكى لشَيءٍ
وإنْ كانوا بَني ماءِ السماءِ
فليسوا قابِلِي أدبٍ فدَعْهم
وكُنْ من ذاك مُنقطِعَ الرَّجاءِ

وقال الآخر في التضييع والنوك:

فعِشْ في حدِّ أنْوَكَ ساعَدَتْه
مَقاديرٌ يُخالِفُها الصوابُ
ذَهابُ المالِ في حَمدٍ وأجْرٍ
ذَهابٌ لا يُقالُ له ذَهابُ

وأنشد في ذلك:

أرى زمَنًا نَوْكاه أسعَدُ أهلِه
ولكنَّما يَشْقى به كلُّ عاقلِ
مشى فوقَه رِجْلاه والرأسُ تحتَه
فكبَّ الأعالي بارتفاعِ الأسافلِ

وقال الآخر:

ولم أرَ مِثلَ الفَقرِ أوضَعَ للفتى
ولم أرَ مِثلَ المالِ أرفَعَ للرَّذْلِ
ولم أرَ عزًّا لامْرِئٍ كعَشيرةٍ
ولم أرَ ذلًّا مِثلَ نأيٍ عن الأهلِ
ولم أرَ من عُدْمٍ أضرَّ على امرئٍ
إذا عاشَ وسْطَ الناسِ من عدمِ العقلِ

وقال الآخر:

تَحامَقْ مع الحَمْقى إذا ما لَقِيتَهم
ولا تَلقَهم بالعَقلِ إنْ كنتَ ذا عقلِ
فإنِّي رأيتُ المرءَ يَشْقى بعقلِه
كما كان قبلَ اليومِ يَسعَدُ بالعقلِ

وقال الآخر:

وأنزَلَني طُولُ النَّوى دارَ غُربةٍ
إذا شئتُ لاقَيتُ امرأً لا أُشاكِلُه
فحامَقتُه حتى يُقالَ سَجيَّةٌ
ولو كان ذا عقلٍ لكنتُ أُعاقِلُه

وقال بِشر بن المُعتمِر وأنشد:

وإذا الغبيُّ رأيتَه مُستغنِيًا
أعيا الطبيبَ وحِيلةَ المُحتالِ

وأنشدني آخر:

وللدَّهرِ أيامٌ فكُنْ في لِباسِه
كلِبْستِه يومًا أجَدَّ وأخلَقا
وكُنْ أكيَسَ الكَيْسى إذا كنتَ فيهم
وإنْ كنتَ في الحَمْقى فكُنْ أنتَ أحمَقا

وأنشدني آخر:

ولا تَقْربي يا بِنتَ عمِّي بُوهةً
من القومِ دِفْناسًا غبيًّا مُفنَّدا
وإنْ كان أعطى رأسَ سِتِّينَ بَكْرةً
وحُكمًا على حُكمٍ وعبدًا مُولَّدا
ألا فاحذري لا تُورِدنَّك هَجمةٌ
طِوالُ الذُّرى جِبسًا من القوم قُعْدُدا

وأنشدني آخر:

كسا اللهُ حيَّي تَغلِبَ ابنةِ وائلٍ
من اللؤمِ أظفارًا بَطيئًا نُصولُها
إذا ارتَحَلوا عن دارِ ضَيمٍ تَعاذَلوا
عليها وردُّوا وفْدَهم يَستقيلُها

وأنشدني آخر:

وإنَّ عَناءً أنْ تُفهِّمَ جاهلًا
ويَحسَبُ جَهلًا أنَّه منك أفهَمُ

وقال جرير:

ولا يَعرِفونَ الشَّرَّ حتى يُصِيبَهم
ولا يَعرِفونَ الأمرَ إلا تَدبُّرا

وقال الأعرج المعنيُّ الطائي:

لقد عَلِمَ الأقوامُ أنْ قد قدَرتُمُ
ولم تَبْدءُوهم بالمَظالمِ أوَّلا
فكُونوا كداعي كَرَّةٍ بعدَ فَرَّةٍ
ألَا رُبَّ من قد فرَّ ثُمَّتَ أقْبَلا
فإنْ أنتمُ لم تفعلوا فتبدَّلوا
بكلِّ سِنانٍ مَعشَرَ العُرْبِ مِغزَلا
وأعطوهمُ حُكْمَ الصَّبيِّ بأهلِه
وإنِّي لَأرجو أنْ يقولوا بأنَّ لا

ويُقال: أظلَمُ من صبي، وأكذبُ من صبي، وأخرقُ من صبي.

وأنشد:

ولا تَحكُما حُكْمَ الصَّبيِّ فإنَّه
كثيرٌ على ظهرِ الطريقِ مَجاهِلُه

سُئل دَغفَل عن بني عامر فقال: أعناق ظِباء، وأعجاز نساء. قيل: فما تقول في أهل اليمن؟ قال: سيِّد وأنوَك.

(٨) باب في ذِكر المعلِّمين

من أمثال العامة: أحمَقُ من مُعلِّم كُتاب. وقد ذكرهم صِقلاب [فقال]:

وكيف يُرجَّى العقلُ والرأيُ عند من
يَرُوحُ على أُنثى ويَغْدو على طِفلِ

وفي قول بعض الحكماء: لا تستشيروا معلِّمًا، ولا راعيَ غنم، ولا كثير القعود مع النساء. وقال: لا تدع أمَّ صبيِّك تضربه؛ فإنه أعقل منها وإن كانت أسنَّ منه.

وقد سمعنا في المثل: أحمَقُ من راعي ضأن ثمانين.

فأما استحماق رُعاة الغنم في الجملة، فكيف يكون ذلك صوابًا وقد رعى الغنمَ عدةٌ من جِلة الأنبياء عليهم السلام؟ ولَعَمْري إن الفدَّادين من أهل الوبر ورعاة الإبل ليتلوَّمون على رعاة الغنم، ويقول أحدهم لصاحبه: إن كنت كاذبًا فحلبت قاعدًا.

وقال الآخر:

ترى حالِبَ المِعزى إذا سُرَّ قاعدًا
وحالبُهنَّ القائمُ المُتطاوِلُ

وقالت امرأة من غامد، في هزيمة ربيعة بن مكدَّم، لجَمعِ غامدٍ وحده:

ألا هل أتاها على نأيِها
بما فضَحتْ قومَها غامِدُ
تمنَّيتمُ مائتَي فارسٍ
فرَدَّكمُ فارسٌ واحدُ
فليتَ لنا بارتباطِ الخُيو
لِ ضأنًا لها حالبٌ قاعدُ

وقد سمعنا قول بعضهم: الحُمق في الحاكة والمعلِّمين والغزَّالين. قال: والحاكة أقلُّ وأسقط من أن يُقال لها حَمْقى وكذلك الغزَّالون؛ لأن الأحمق هو الذي يتكلم بالصواب الجيِّد ثم يجيء بخطأٍ فاحش، والحائك ليس عنده صواب جيِّد في فعال ولا مقال، إلا أن يُجعل جودة الحياكة من هذا الباب، وليس هو من هذا في شيء.

(٩) وهذا باب آخر

ويُقال: فلانٌ أحمق. فإذا قالوا: مائق، فليس يريدون ذلك المعنى بعينه. وكذلك إذا قالوا: أنوَك. وكذلك إذا قالوا: رقيع. ويقولون: فلانٌ سليم الصدر. ثم يقولون: غبي. ثم يقولون: أبله. وكذلك إذا قالوا: معتوه، ومسلوس، وأشباه ذلك.

قال أبو عُبيدة: يُقال للفارس: شجاع. فإذا تقدَّم ذلك قيل: بطل. فإذا تقدَّم شيئًا قيل: بُهْمة. فإذا صار إلى الغاية قيل: أليَس.

قال العجَّاج: أليَسُ عن حَوبائِه سَخيُّ.

وهذا المأخذ يجري في الصفات كلها؛ من جود وبخل، وصلاح وفساد، ونقصان ورجحان. ومازلت أسمع هذا القول في المعلِّمين. والمعلِّمون عندي على ضربَين؛ منهم رجالٌ ارتفعوا عن تعليم أولاد العامة إلى تعليم أولاد الخاصة، ومنهم رجالٌ ارتفعوا عن تعليم أولاد الخاصة إلى تعليم أولاد الملوك أنفسهم المرشَّحين للخلافة، فكيف تستطيع أن تزعم أن مِثل علي بن حمزة الكسائي، ومحمد بن المُستنير١٦ الذي يُقال له قُطرب، وأشباه هؤلاء يُقال لهم حَمْقى؟ ولا يجوز هذا القول على هؤلاء ولا على الطبقة التي دونهم؛ فإن ذهبوا إلى مُعلمي كتاتيب القُرى فإن لكل قوم حاشيةً وسفلة، فما هم في ذلك إلا كغيرهم.

وكيف تقول مِثل ذلك في هؤلاء وفيهم الفقهاء والشعراء والخطباء، مثل: كميت بن زيد، وعبد الحميد الكاتب، وقيس بن سعد، وعطاء بن أبي رباح، ومثل: عبد الكريم بن أبي أمية، وحسين المعلم، وأبي سعيد المعلم؟

ومن المعلِّمين: الضحَّاك بن مُزاحم أبو معبد الجُهني، وعامر الشعبي، فكانا يعلِّمان أولاد عبد الملك بن مروان، وكان أبو معبد يعلِّم سعيدًا.

ومنهم: أبو سعيد المؤدِّب، وهو غير أبي سعيد المعلم، وكان يحدِّث عن هشام بن عُروة وغيرهم.

ومنهم: عبد الصمد بن عبد الأعلى، وكان معلِّم ولد عتبة بن أبي سفيان.

وكان إسماعيل بن علي ألزم بعض بنيه عبد الله بن المقفع ليعلِّمه.

وكان أبو بكر عبد الله بن كيسان مُعلمًا.

ومنهم: محمد بن السكن. وما كان عندنا بالبصرة رجلان أدرى بصنوف العلم، ولا أحسن بيانًا، من أبي الوزير وأبي عدنان المُعلمين، وحالهما من أول ما أذكر من أيام الصبا.

وقد قال الناس في أبي البيداء، وفي أبي عبد الله الكاتب، وفي الحجَّاج بن يوسف وأبيه ما قالوا.

وقد أنشدوا مع هذا الخبر شاهدًا من الشعر على أن الحجَّاج وأباه كانا مُعلمين بالطائف.

ثم رجع بنا القول إلى الكلام الأول. قالوا: أحقُّ الناس بالرحمة عالمٌ يجري عليه حكمُ جاهل. وكتب الحجَّاج إلى المُهلب يُعجله في حرب الأزارقة ويُسمعه، فكتب إليه المهلب: إن البلاء كل البلاء أن يكون الرأي لمن يملكه دون من يبصره.

(١٠) وباب آخر

وقال بعض الربَّانيين من الأدباء، وأهل المعرفة من البُلغاء، ممن يكره التشادق والتعمُّق، ويُبغض الإغراق في القول والتكلُّف والاجتلاب، ويعرف أكثر أدواء الكلام ودوائه، وما يعتري المتكلم من الفتنة بحسن ما يقول، وما يعرض للسامع من الافتتان بما يسمع، والذي يُورث الاقتدار من التحكُّم والتسلُّط، والذي يمكِّن الحاذق والمطبوع من التمويه للمعاني والخلَّابة وحسن المنطق. وقال في بعض مواعظه: أُنذِركم حسن الألفاظ، وحلاوة مخارج الكلام؛ فإن المعنى إذا اكتسى لفظًا حسنًا، وأعاره البليغ مخرجًا سهلًا، ومنحه المتكلم قولًا مُتعشقًا، صارفي قلبك أحلى، ولصدرك أملى. والمعاني إذا كُسيت الألفاظ الكريمة، وأُلبست الأوصاف الرفيعة، تحوَّلت في العيون عن مقادير صورها، وأربَت على حقائق أقدارها، بقدر ما زُيِّنت، وعلى حسب ما زُخرِفت؛ فقد صارت الألفاظ في معاني المعارض، وصارت المعاني في معنى الجواري، والقلب ضعيف، وسلطان الهوى قوي، ومدخل خدع الشيطان خفي.

فاذكُر هذا الباب ولا تنسَه، وتأمَّلْه ولا تفرِّط فيه؛ فإن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، لم يقُل للأحنف بن قيس، بعد أن احتبسه حولًا مجرَّمًا ليستكثر منه وليُبالغ في تصفُّح حاله والتنقير عن شأنه، «إن رسول الله قد كان خوَّفنا كل مُنافِق عليم، وقد خِفت أن تكون منهم»، إلا لما كان راعه من حسن منطقه، ومال إليه لما رأى من رفقه وقلة تكلُّفه؛ ولذلك قال رسول الله : «إن من البيان لسحرًا.»

وقال عمر بن عبد العزيز لرجلٍ أحسن في طلب حاجة، وتأتَّى لها بكلامٍ وجيز ومنطقٍ حسن: هذا والله السِّحرُ الحلال. وقال رسول الله : «لا خلابة.» فالقصد من ذلك أن تجتنب السوقي والوحشي، ولا تجعل همَّك في تهذيب الألفاظ، وشغلك في التخلص إلى غرائب المعاني، وفي الاقتصار بلاغ، وفي التوسط مجانبة للوعورة، والخروج من سبيل من لا يُحاسب نفسه، وقد قال الشاعر:

عليك بأوساطِ الأمورِ فإنَّها
نَجاةٌ ولا تَركَبْ ذَلولًا ولا صَعْبا

وقال الآخر:

لا تَذهَبَنَّ في الأمورِ فَرَطا
لا تَسألَنَّ إنْ سألتَ شَطَطا
وكُنْ من الناسِ جميعًا وَسَطا

وليكُن كلامك ما بين المقصِّر والغالي؛ فإنك تَسلَم من المحنة عند العلماء، ومن فتنة الشيطان. وقال أعرابي للحسن: علِّمني دينًا وسطًا، لا ذاهبًا شطوطًا، ولا هابطًا هبوطًا. فقال الحسن: لئن قلت ذاك إن خير الأمور أوساطها. وجاء في الحديث: «خالِطوا الناس وزايِلوهم.» وقال عبد الله بن مسعود في خطبته: وخير الأمور أوساطها، وما قل وكفى خيرٌ مما كثُر وألهى. نفسٌ تُنجيها، خير من إمارة لا تحصيها. وقال علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه: كُن في الناس وسطًا، وامْشِ جانبًا. وكانوا يقولون: اكْرَه الغُلو كما تكره التقصير. وكان رسول الله يقول لأصحابه: «قولوا بقولكم ولا يستحوذنَّ عليكم الشيطان.» وكان يقول: «وهل يكبُّ الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائدُ ألسنتهم؟»

(١١) باب من الخُطب القِصار

من خُطَب السلف ومواعظ النُّسَّاك وتأديب من تأديب العلماء

قال رجل لأبي هُريرة النحوي: أريد أن أتعلَّم العلم وأخاف أن أضيِّعه. قال: كفى بترك العلم إضاعةً. وسمع الأحنف رجلًا يقول: التعلُّم في الصِّغر كالنقش في الحجر. فقال الأحنف: الكبير أكبر الناس عقلًا، ولكنه أشغل قلبًا. وقال أبو الدرداء: ما لي أرى علماءكم يذهبون، وجُهالكم لا يتعلمون؟

وقال رسول الله : «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلماء، حتى إذا لم يبقَ عالمٌ اتَّخذ الناس رؤساء جهالًا، فسُئلوا فأفتَوا بغير علم، فضلُّوا وأضلُّوا.»

ولذلك قال عبد الله بن عبَّاس، رضي الله تعالى عنهما، حين دلَّى زيد بن ثابت في القبر: من سرَّه أن يرى كيف ذهاب العلم فلينظر؛ فهكذا ذهابه.

وقال بعض الشعراء لبعض العلماء:

أبْعَدتَ من يومِكَ الفِرارَ فما
جاوَزتَ حيثُ انتهى بكَ القَدَرُ
لو كان يُنجِي من الرَّدى حَذَرٌ
نجَّاكَ ممَّا أصابَك الحَذَرُ
يَرحَمُك اللهُ من أخي ثِقةٍ
لم يكُ في صفوِ ودِّه كَدَرُ
فهكذا يَفسُدُ الزَّمانُ ويَفْـ
ـنى العلمُ منه ويَدرُسُ الأثرُ

وقال قتادة: لو كان أحدٌ مُكتفيًا من العلم لاكتفى نبي الله موسى عليه السلام؛ إذ قال للعبد الصالح: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا.

أبو العبَّاس التميمي قال، قال طاوس: الكلمة الصالحة صدقة.

وعن عبد الله بن ثُمامة بن أنس، عن أبيه، عن النبي أنه قال: «فضل لسانك تعبِّر به عن أخيك الذي لا لسان له صدقة.»

وقال الخليل: تكثَّرْ من العلم لتَعرِف، وتقلَّلْ منه لتحفظ. وقال الفُضيل: نِعمَت الهدية الكلمة من الحكمة يحفظها الرجل حتى يُلقيَها إلى أخيه. وكان يُقال: اجعل ما في الكُتب بيت مال، وما في قلبك للنفقة. وكان يُقال: يكتب الرجل أحسن ما سمع، ويحفظ أحسن ما كتب. وقال أعرابي: حرفٌ في قلبك خير من عشرة في طومارك. وقال عمر بن عبد العزيز: ما قُرِن شيء بشيءٍ أفضل من علم إلى حِلم، ومن عفو إلى قدرة. وكان ميمون بن سِياه إذا جلس إلى قوم قال: إنا قومٌ منقطَع بنا، فحدِّثونا أحاديث نتجمَّل بها. وفخَر سليم مولى زياد بزياد عند معاوية، فقال معاوية: اسكت، فوالله ما أدرك صاحبك شيئًا بسيفه إلا وقد أدركت أكثر منه بلساني. وضرب الحجَّاج أعناق أسرى، فلما قدَّموا إليه رجلًا لتُضرَب عنقه قال: والله لئن كنَّا أسأنا في الذنب فما أحسنت في العفو. فقال الحجاج: أُفٍّ لهذه الجِيَف! أمَا كان فيها أحدٌ يُحسِن مِثل هذا؟ وأمسك عن القتل.

وقال بَشير الرَّحَّال: إني لأجدُ في قلبي حَرًّا لا يُذهِبه إلا بردُ العدل أو حر السِّنان. وقدَّموا رجلًا من الخوارج إلى عبد الملك بن مروان لتُضرَب عنقه، ودخل على عبد الملك ابنٌ صغير له قد ضربه المعلِّم وهو يبكي، فهمَّ عبد الملك بالمُعلم، فقال: دعه يبكي؛ فإنه أفتَحُ لجِرمه، وأصحُّ لبصره، وأذهب لصوته. فقال له عبد الملك: أمَا يشغلك ما أنت فيه عن هذا؟ قال الخارجي: ما ينبغي لمسلم أن يشغله عن قول الحق شيء. فأمر بتخلية سبيله. وقال إبراهيم بن أدهم: أعربنا في كلامنا فما نلحن حرفًا، ولحنَّا في أعمالنا فما نُعرِب حرفًا. وأنشد:

نُرقِّعُ دُنيانا بتمزيقِ دِينِنا
فلا دِينُنا يَبْقى ولا ما نُرقِّعُ

وقال زياد على المِنبر: إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يُقطَع بها ذنَبُ عنزٍ مَصُور، لو بلغت إمامه سفك بها دمه. وعزل عمر زيادًا عن كتابة أبي موسى في بعض قدماته، فقال له زياد: أعن عجز أم عن خيانة؟ قال: لا عن واحدة منهما، ولكن أكره أن أحمل على العامة فضل عقلك. وبلَغ الحجَّاجَ موتُ أسماء بن خارجة، فقال: هل سمعتم بالذي عاش ما شاء ومات حين شاء؟

وكان يُقال: كدرُ الجماعة خيرٌ من صفو الفُرقة. قال أبو الحسن: مرَّ عمر بن ذر، بعبد الله بن عيَّاش المنتوف، وقد كان سَفِه عليه ثم أعرض عنه، فتعلَّق بثوبه فقال: يا هناه، إنا لم نجد لك إذا عصيت الله فينا خيرًا من أن نُطيع الله فيك.

وهذا كلام أخذه عمر بن ذر عن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، حين قال عمر: إني والله لا أدَع حقًّا لله لشكايةٍ تظهر، ولا لغضبٍ يُحتمل، ولا لمُحاباة بشر، وإنك والله ما عاقبت من عصى الله فيك بمِثل أن تُطيع الله فيه. وكتب عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، إلى سعد بن أبي وقَّاص: يا سعدَ سعدَ بني وُهيب، إن الله إذا أحب عبدًا حبَّبه إلى خلقه، فاعتبِرْ منزلتك من الله بمنزلتك من الناس، واعلم أن ما لك عند الله مِثل الذي لله عندك.

ومات لعمر بن ذر ابنٌ فقال: أي بُنيَّ، شغَلني الحزن لك عن الحزن عليك. وقال رجل من مُجاشع: كان الحسن يخطب في دمٍ فينا، فأجابه رجل فقال: وقد تركت ذلك لله ولوجوهكم. فقال الحسن: لا تقُل هكذا، بل قل: لله ثم لوجوهكم، وآجَرك الله.

ومر رجل بأبي بكر، رضي الله تعالى عنه، ومعه ثوب فقال: أتبيع الثوب؟ فقال: لا، عافاك الله. فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: لقد علمتم لو كنتم تعلمون، قل: لا، وعافاك الله.

وسأل عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، رجلًا عن شيء فقال: الله أعلم. فقال عمر: لقد شقينا إن كنَّا لا نعلم أن الله أعلم. إذا سُئل أحدكم عن شيء لا يعلمه فليَقل: لا عِلم لي. وكان أبو الدرداء يقول: أبغض الناس إليَّ أن أظلمه من لا يستعين عليَّ بأحد إلا بالله.

وذكر ابن ذر الدنيا فقال: كأنكم إنما زادكم في حرصكم عليها ذمُّ الله عز وجل لها. ونظر أعرابي إلى مال له كثير من الماشية وغيرها، فقال: ينعة، ولكل ينعةٍ استحشاف. فباع ما هناك من ماله، ثم لزم ثغرًا من ثغور المسلمين حتى مات فيه. وتمنَّى قوم عند يزيد الرقاشي، فقال: أتمنَّى كما تمنَّيتم؟ قالوا: تمنَّه. قال: ليتنا لم نُخلَق، وليتنا إذ خُلِقنا لم نَعصِ، وليتنا إذ عصينا لم نمُت، وليتنا إذ مُتنا لم نُبعَث، وليتنا إذ بُعِثنا لم نُحاسَب، وليتنا إذ حُوسِبنا لم نُعذَّب، وليتنا إذ عُذِّبنا لم نُخلَّد.

وقال الحجَّاج: ليت الله إذ خلَقَنا للآخرة كفانا أمر الدنيا؛ فرفع عنا الهمَّ بالمأكل والمشرب والملبس والمنكح، أو ليته إذ وقعنا في هذه الدار كفانا أمر الآخرة؛ فرفع عنا الاهتمام بما يُنجي من عذابه. فبلغ كلامهما عبد الله بن حسن بن حسن، أو علي بن الحسين، فقال: ما عَلِما شيئًا في التمنِّي، ما اختار الله فهو خير. قال أبو الدرداء: من هوان الدنيا على الله أنه لا يُعصى إلا فيها، ولا يُنال ما عنده إلا بتركها. قال شريح: الحدة كناية عن الجهل. وقال أبو عُبيدة: العارضة كناية عن البذاء.

وإذا قالوا: فلان مُقتصد، فتلك كناية عن البخل. وإذا قالوا للعامل: مُستقصٍ، فهو كناية عن الجور. وقال حبيب بن أوس الشاعر أبو تمَّام الطائي:

كذبتُمُ ليس يُزهى من له حَسَبٌ
ومن له نَسَبٌ عمَّن له أدَبُ
إنِّي لَذُو عَجَبٍ منكم أردِّدُه
فيكم وفي عَجَبي من زَهوِكم عَجَبُ
لَجاجةٌ بيَ فيكم ليس يُشبِهُها
إلَّا لَجاجتُكم في أنَّكم عَرَبُ

وقيل لأعرابيةٍ مات ابنها: ما أحسنُ عزائك عن ابنك؟ قالت: إن مصيبته آمَنتني من المصائب بعده. وقال سعيد بن عثمان بن عفان لطُويس المغنِّي: أيُّنا أسَنُّ؛ أنا أو أنت يا طويس؟ فقال: بأبي أنت وأمي، لقد شهدت زفاف أمك المُبارَكة إلى أبيك الطيِّب، فانظر إلى حِذقه وإلى معرفته بمخارج الكلام، كيف لم يقُل: زفاف أمك الطيبة إلى أبيك المبارك؟ وهكذا كان وجه الكلام، فقلب المعنى.

وقال رجل من أهل الشام: كنت في حلقة أبي مُسهِر في مسجد دمشق، فذكرنا الكلام وبراعته، والصمت ونبالته، فقال: كلَّا، إن النجم ليس كالقمر، إنك تصف الصمت بالكلام، ولا تصف الكلام بالصمت. وقال الهيثم بن صالح لابنه وكان خطيبًا: يا بُنيَّ، إذا أقللتَ من الكلام أكثرت من الصواب، وإذا أكثرت من الكلام أقللت من الصواب. قال: يا أبَه، فإن أنا أكثرت وأكثرت؟ يعني كلامًا وصوابًا. قال: يا بُنيَّ، ما رأيت موعوظًا أحقَّ بأن يكون واعظًا منك.

وقال ابن عبَّاس: لولا الوسواس، ما بالَيت ألا أكلِّم الناس.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ما تستبقوا من الدنيا تجدوه في الآخرة. وقال رجل للحسن: إني أكره الموت. قال: ذلك أنك أخَّرت مالك، ولو قدَّمته لسرَّك أن تلحق به. وقال عامر بن الظَّرِب العَدْواني: الرأي نائم، والهوى يقظان؛ فمن هنا يغلب الهوى الرأي. وقال: مكتوب في الحكمة: اشكر لمن أنعمَ عليك، وأنعِمْ على من شكر لك. وقال أبو الدرداء: أيها الناس، لا يمنعكم سوءُ ما تعلمون منا أن تَقبَلوا أحسن ما تسمعون منا.

وقال عبد الملك على المنبر: ألا تُنصِفوننا يا معشر الرعية؟ تريدون منا سيرة أبي بكر وعمر، ولم تسيروا في أنفسكم ولا فينا سيرة رعية أبي بكر وعمر؟ نسأل الله أن يُعِين كلًّا على كلٍّ. وقال رجل من العرب: أربع لا يَشبَعن من أربع؛ أنثى من ذكر، وعين من نظر، وأرض من مطر، وأُذن من خبر.

وقال موسى عليه السلام لأهله: امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ. فقال بعض المُعترضين: فقد قال: أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ. قال أبو عَقيل: لم يعرف موقع النار من أبناء السبيل، ومن الجائع المقرور.

وقال لبيد بن ربيعة:

ومَقامٍ ضيِّقٍ فرَّجتُه
ببيانٍ ولسانٍ وجَدَلْ
لو يقومُ الفيلُ أو فيَّالُه
زلَّ عن مِثلِ مَقامي وزَحَلْ
ولدى النُّعمانِ منِّي مَوطِنٌ
بينَ فاثورِ أُفاقٍ فالدَّحَلْ
إذ دعَتْني عامرٌ أنصُرُها
فالْتَقى الألسُنُ كالنَّبلِ الدَّوَلْ
فرمَيتُ القومَ رَشْقًا صائبًا
ليس بالعُصْلِ ولا بالمُقثعِلْ
وانتضَلْنا وابنُ سَلْمى قاعدٌ
كعَتيقِ الطَّيرِ يُغْضي ويُجَلْ
وقبيلٌ من لُكَيزٍ شاهدٌ
رهْطَ مرجومٍ ورهْطَ ابنِ المُعَلْ

وقال:

وأبيضَ يَجتابُ الخُروقَ على الوَجى
خطيبًا إذا التفَّ المَجامعُ فاصِلا

وقال لبيد:

لو كان حيٌّ في الحياةِ مُخلَّدًا
في الدهرِ أدركَه أبو يَكسُومِ
بكتائبٍ خُرْسٍ تَعوَّدَ كَبْشَها
نَطْحَ الكِباشِ شبيهةٍ بنُجومِ
ولقد بلَوتُك وابتلَيتُ خليقتي
ولقد كفَاك مُعلِّمي تَعليمي

وقد قال أيضًا لبيد:

ذهبَ الذين يُعاشُ في أكنافِهم
وبقيتُ في خَلْفٍ كجِلدِ الأجربِ
يَتأكَّلونَ مَغالةً وخيانةً
ويُعابُ قائلُهم وإنْ لم يَشغَبِ١٧

وقال زيد بن جُندب في ذِكر الشغب:

ما كان أغْنى رجالًا ضلَّ سعيُهمُ
عن الجِدالِ وأغْناهم عن الشَّغَبِ

وقال آخر في الشغب:

إنِّي إذا عاقبتُ ذو عِقابِ
وإنْ تُشاغِبْني فذُو شِغابِ

وقال أحمر بن العمرَّد:

وكم حلَّها من تَيِّحانٍ سَمَيذعٍ
مُصافي النَّدى ساقٍ بسَهْماءَ مُطعِمِ١٨
طَوِي البطنِ مِتلافٍ إذا هبَّتِ الصَّبا
على الأمرِ غوَّاصٍ وفي الحيِّ شَيظَمِ١٩

وقال:

هل لامَني قومٌ لمَوقِفِ سائلٍ
أو في مُخاصَمةِ اللَّجوجِ الأصيَدِ

وقال في التطبيق:

فلمَّا أنْ بَدا القَعْقاعُ لَجَّتْ
على شَرَكٍ تُناقِلُه نِقالا
تَعاوَرنَ الحديثَ وطبَّقتْه
كما طبَّقتَ بالنَّعلِ المِثالا

وهذا التطبيق غير التطبيق الأول.

وقال آخر:

لو كنتُ ذا عِلمٍ عَلِمتُ وكيف لي
بالعِلمِ بعدَ تَدبُّرِ الأمرِ

وقال المُعترِض على أصحاب الخطابة والبلاغة:

قال لقمان لابنه: يا بُنيَّ، إني قد ندمت على الكلام، ولم أندم على السكوت.

وقال الشاعر:

ما إنْ نَدِمتُ على سُكوتي مَرَّةً
ولقد نَدِمتُ على الكِلامِ مِرارا

وقال آخر:

خلِّ جَنْبَيكَ لِرامِ
وامْضِ عنه بسَلامِ
مُتْ بِداءِ الصَّمتِ خيرٌ
لكَ من داءِ الكَلامِ
إنَّما المُسلِمُ من ألْـ
ـجَمَ فاهُ بلِجامِ

وقال آخر في التحذير والاحتراس:

اخفِضِ الصَّوتَ إن نطَقتَ بلَيلٍ
والتَفِتْ بالنَّهارِ قبلَ الكَلامِ

وقال في مثل ذلك:

لا أسألُ الناسَ عمَّا في ضمائرِهم
ما في ضميري لهم منِّي سيَكْفِيني
وقال حَمزة بن بيض:٢٠
لم يَكُنْ عن جِنايةٍ لَحِقَتْني
لا يَساري ولا يَميني جَنَتْني
بل جَناها أخٌ عليَّ كريمٌ
وعلى أهلِها بَراقِشُ تَجْني

لأن هذه الكلبة — وهي براقش — إذا نبحت غزيًّا وقد مرُّوا من ورائهم، وقد رجعوا خائبين مُخفِقين، فلما نبحتهم استدلوا بنباحها على أهلها فاستباحوهم، ولو سكتت كانوا قد سلموا؛ فضرب ابن بيض به المَثل.

وقال الأخطل:

تَنِقُّ بلا شيءٍ شيوخُ مُحارِبٍ
وما خِلتُها كانت تَرِيشُ ولا تَبْري
ضفادعُ في ظَلْماءِ لَيلٍ تَجاوَبتْ
فدلَّ عليها صوتُها حيَّةَ النَّهرِ

النقيق: صياح الضفادع.

وقالوا: الصمت حُكْم وقليلٌ فاعله. وقالوا: استكثرَ من الهيبة صامت. وقيل لرجل من كلبٍ طويل الصمت: بحقٍّ ما سمَّتكم العلماء خُرْس العرب. فقال: أسكت فأسلم، وأسمع فأعلم. وكانوا يقولون: لا تَعدِلوا بالسلامة شيئًا. ولا تسمع الناس يقولون: جُلِد فلان حين صمت، ولا قُتِل حين سكت؛ وتسمعهم يقولون: جُلِد فلان حين قال كذا وكذا، وقُتِل حين قال كذا وكذا. وفي الحديث المأثور: رحم الله من سكت فسَلِم، أو قال خيرًا فغَنِم. والسلامة فوق الغنيمة؛ لأن السلامة أصل، والغنيمة فرع.

وقال النبي : «إن الله يُبغض البليغ الذي يتخلَّل بلسانه كما تتخلل الباقرة بلسانها.»

وقيل: إن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب. وقال صاحب البلاغة والخطابة وأهل البيان وحب التبيين: إنما عاب النبي المُتشادِقين والثَّرثارين، والذي يتخلل بلسانه كما تتخلل الباقرة بلسانها، والأعرابي المُتشادق، وهو الذي يصنع بفكَّيه وشِدقَيه ما لا يستجيزه أهل الأدب من خطباء أهل المدر؛ فمن تكلَّف ذلك منهم فهو أعيَب، والذم له ألزم. وقد كان الرجل من العرب يقف الموقف فيُرسل عدة أمثال سائرة، ولم يكن الناس جميعًا يتمثَّلون بها إلا لِما فيها من المرفق والانتفاع، ومدار العلم على الشاهد والمَثل.

وإنما حثُّوا على الصمت لأن العامة إلى معرفة خطأ القول أسرَعُ منهم إلى معرفة خطأ الصمت، ومعنى الصامت في صمته أخفى من معنى القائل في قوله، وإلا فالسكوت عن قول الحق في معنى النطق بالباطل.

ولعَمْري إن الناس إلى الكلام لأسرع؛ لأن في أصل التركيب أن الحاجة إلى القول والعمل أكثر من الحاجة إلى ترك العمل والسكوت عن جميع القول. وليس الصمت كله أفضل من الكلام كله، ولا الكلام كله أفضل من السكوت كله، بل قد عَلِمنا أن عامة الكلام أفضل من عامة السكوت، وقد قال الله عز وجل: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ. فجعل سمعه وكذبه سواءً.

وقال الشاعر:

بَنِي عَديٍّ ألَا يُنْهى سَفيهُكمُ
إنَّ السَّفيهَ إذا لم يُنْهَ مأمورُ

وقال الآخر:

فإنْ أنا لم آمُرْ ولم أنْهَ عنكما
ضَحِكتُ له حتى يَلِجَّ ويَسْتشري

وكيف يكون الصمت أنفع، والإيثار له أفضل، ونفعه لا يكاد يُجاوز رأس صاحبه، ونفع الكلام يعمُّ ويخص؟ والرُّواة لم يروُوا سكوت الصامتين كما روت كلام الناطقين. وبالكلام أرسل الله أنبياءه لا بالصمت. ومواضع الصمت المحمودة قليلة، ومواضع الكلام المحمودة كثيرة. وطول الصمت يُفسِد اللسان. وقال بكر بن عبد الله المُزني: طول الصمت حُبْسة. كما قال عمر: ترك الحركة عُقْلة. وإذا ترك الإنسان القول ماتت خواطره، وتبلَّدت نفسه، وفسد حِسُّه. وكانوا يُرَوُّون صِبيانهم الأرجاز، ويعلِّمونهم المناقلات، ويأمرونهم برفع الصوت وتحقيق الإعراب؛ لأن ذلك يفتق اللَّهاة، ويفتح الجِرم. واللسان إذا أكثرت تحريكه رقَّ ولان، وإذا أقللت تقليبه وأطلت إسكاته جسأ وغلظ. وقال عُباية الجُعفي: لولا الدُّربة وسوء العادة لأمرت فِتياننا أن يُماريَ بعضهم بعضًا. وأية جارحة منعتها الحركة، ولم تمرِّنها على الأعمال، أصابها من التعقُّد على حسب ذلك المنع.

فلِمَ قال رسول الله للنابغة الجعدي «لا يَفضُض اللهُ فاك»؟ ولِمَ قال لكعب بن مالك «ما نسي اللهُ لك مقالك ذلك»؟ ولِمَ قال لهيذان بن شيخ «رُبَّ خطيب من عبس»؟ ولِمَ قال لحسَّان لما هيَّج الغطاريف على بني عبد مناف «والله لشِعرُك أشد عليهم من وقع السهام في غبش الظلام»؟

وما نشك أنه، عليه وعلى آله السلام، قد نهى عن المِراء، وعن التزيُّد والتكلُّف، وعن كل ما ضارَع الرياء أو السُّمعة، والنفج والبذخ، وعن التهاتر والتشاغب، وعن المغالبة والمماتنة؛ فأما نفس البيان، فكيف ينهى عنه وأبيَنُ الكلام كلام الله، وهو الذي مدح التبيين وأهل التفصيل؟ وفي هذا كفاية إن شاء الله.

قال دغفل بن حنظلة: إن للعلم أربعًا؛ آفة، ونكدًا، وإضاعة، واستجاعة؛ فآفته النِّسيان، ونكده الكذب، وإضاعته وضعه في غير موضعه، واستجاعته أنك لا تشبع منه. وإنما عاب الاستجاعة لسوء تدبير أكثر العلماء، ولخرق سياسة أكثر الرُّواة؛ لأن الرواة إذا شغلوا عقولهم بالازدياد والجمع، عن تحفُّظ ما قد حصَّلوه، وتدبُّر ما قد دوَّنوه، كان ذلك الازدياد داعيًا إلى النقصان، وذلك الربح سببًا للخسران.

وقد جاء في الحديث: «منهومان لا يشبعان؛ منهوم في العلم، ومنهوم في المال.»

وقالوا: علِّمْ عِلمك، وتعلَّمْ عِلم غيرك؛ فإذا أنت قد عَلِمت ما جَهِلت، وحَفِظت ما عَلِمت. وقال الخليل بن أحمد:٢١ اجعل تعليمك دراسة لعِلمك، واجعل مناظرة المُتعلم تنبيهًا لك على ما ليس عندك. وقال بعضهم، وأظنُّه بكر بن عبد الله المُزني: لا تكدُّوا هذه القلوب ولا تُهمِلوها؛ فخير الفكر ما كان عَقِب الجَمام، ومن أكره بصره عَشِي، وعاوِدُوا الفكرة عند نبوات القلوب، واشحذوها بالمذاكرة، ولا تيئَسوا من إصابة الحكمة إذا امتُحنتم ببعض الاستغلاق؛ فإن من أدام قرع الباب ولج.

وقال الشاعر:

إذا المرءُ أعيَتْه المُروءةُ ناشئًا
فمَطلَبُها كَهْلًا عليه شَديدُ

وقال الأحنف: السؤدد مع السواد. وتقول الحكماء: من لم ينطق بالحكمة قبل الأربعين لم يبلغ فيها.

وأنشد:

ودُونَ النَّدى في كلِّ قلبٍ ثَنيَّةٌ
لها مَصعَدٌ حَزْنٌ ومُنحدَرٌ سَهْلُ
وودَّ الفتى في كلِّ نَيلٍ يُنِيلُه
إذا ما انقضى لو أنَّ نائلَه جَزْلُ

وقال الهُذلي:

وإنَّ سيادةَ الأقوامِ فاعلَمْ
لها صُعَداءُ مَطلَبُها طويلُ
أتَرْجُو أنْ تَسُودَ ولنْ تُعنَّى
وكيف يَسُودُ ذو الدَّعةِ البَخيلُ؟

صالح بن سليمان، عن عتبة بن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، قال: ما رأيت عقول الناس إلا قريبًا بعضها من بعض، إلا ما كان من الحجَّاج وإياس بن معاوية؛ فإن عقولهما كانت ترجح على عقول الناس. أبو الحسن قال: سمعت أبا الضُّعري الحارثي يقول: كان الحجَّاج أحمق، بنى مدينة واسط في بادية النبط ثم قال لهم: لا تدخلوها. فلما مات دلفوا إليها من قريب. سمعت قَحطبة الجُشمي يقول: كان أهل البصرة لا يشكُّون أنه لم يكن بالبصرة رجلٌ أعقل من عُبيد الله بن الحسن وعُبيد الله بن سالم. وقال معاوية لعمرو بن العاص: إن أهل العراق قد قرنوا بك رجلًا طويل اللسان قصير الرأي، فأجِدِ الحز وطبِّق المَفصل، وإيَّاك أن تلقاه برأيك كله.

(١٢) باب ما قالوا فيه من الحديث الحسن المُوجَز المحذوف القليل الفضول

قال الشاعر:

لها بَشَرٌ مِثلُ الحريرِ ومَنطِقٌ
رَخيمُ الحواشي لا هُراءٌ ولا نَزْرُ

وقال ابن أحمر:

تَضَعُ الحديثَ على مَواضِعِه
وكلامُها من بَعدِه نَزْرُ

وقال الآخر:

حديثٌ كطَعمِ الشَّهدِ حُلوٌ صُدورُه
وأعجازُه الخُطبانُ دُونَ المَحارِمِ

وقال بشَّار:

أُنُسٌ غَرائرُ ما هَمَمْنَ بِرِيبةٍ
كظِباءِ مكَّةَ صَيدُهنَّ حَرامُ
يُحسَبنَ من أُنْسِ الحديثِ زوانيًا
ويَصُدُّهنَّ عنِ الخَنا الإسلامُ

وقال بشَّار:

فنَعِمْنا والعَينُ حيٌّ كَمَيْتٍ
بحديثٍ كنَشْوةِ الخَندَرِيسِ٢٢

وقال بشَّار:

وكأنَّ رَفْضَ حديثِها
قِطَعُ الرِّياضِ كُسِينَ زَهْرا٢٣
وتَخالُ ما جمَعتْ عليـ
ـه ثِيابَها ذَهَبًا وعِطْرا
وكأنَّ تحتَ لِسانِها
هارُوتَ يَنفثُ فيه سِحْرا

وقال بشَّار العُقيلي:

وفتاةٍ صُبَّ الجَمالُ عليها
بحديثٍ كلَذَّةِ النَّشْوانِ

وقال بشَّار:

وبِكْرٍ كنُوَّارِ الرِّياضِ حديثُها
تَرُوقُ بوَجهٍ واضحٍ وقَوَامِ

وقال بشَّار:

وحديثٍ كأنَّه قِطَعُ الرَّو
ضِ وفيه الصَّفراءُ والحَمراءُ

وقال الأخطل:

فأسْرَينَ خَمسًا ثُم أصبَحنَ غُدْوةً
يُخبِّرْنَ أخبارًا ألَذَّ من الخَمرِ

أخبرنا عامر بن صالح أن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز كتب إلى امرأته وعنده إخوان له:

إنَّ عِندي أبْقاكِ رَبُّكِ ضَيفًا
واجبًا حقُّهم كُهُولًا ومُرْدا
طرَقوا جارَكِ الذي كان قِدْمًا
لا يرى من كرامةِ الضَّيفِ بُدَّا
فلَدَيه أضيافُه قد قَرَاهم
وهُمُ يَشتَهونَ تَمرًا وزُبْدا
فلِهَذا جرى الحديثُ ولكنْ
قد جعَلْنا بعضَ المزاحةِ جِدَّا

وأنشد الهُذلي:

كُرُّوا الأحاديثَ عن ليلى إذا بَعُدَتْ
إنَّ الأحاديثَ عن ليلى لتُلْهِيني

وقال الهُذلي في حلاوة الحديث:

وإنَّ حديثًا منكِ لو تَبذُلِينَه
جَنَى النَّحلِ أو ألبانُ عُوذٍ مَطافِلِ
مَطافيلُ أبكارٌ حديثٌ نِتاجُها
تُشابُ بماءٍ مِثلِ ماءِ المَفاصِلِ

العوذ: جمع عائذ، وهي الناقة إذا وضعت، فإذا مشى ولدها فهي مُرشح، فإذا تبعها فهي مُتلِية لأنه يتلوها، وهي في هذا كله مُطفِل، فإن كان أول ولد لها ولدته فهي بِكر.

ماء المفاصل فيه قولان؛ أحدهما أن المفاصل ما بين الجبلين، واحدها مَفصِل، وإنما أراد صفاء الماء لأنه ينحدر عن الجبال ولا يمرُّ بطِين ولا تراب، ويُقال إنها مفاصل البعير، وذكروا أن فيها ماءً له صفاء وعذوبة.

وفي الكلام الموزون يقول عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر:

فالْزَمِ الصَّمتَ إنَّ في الصَّمتِ حُكمًا
وإذا أنتَ قلتَ قولًا فزِنْهُ

وقال أبو ذؤيب:

وسِرْبٍ يُطلَّى بالعَجيرِ كأنَّه
دِماءُ ظِباءٍ بالنُّحورِ ذَبيحُ
بذَلتَ لهنَّ القولَ إنَّك واجدٌ
لِما شئتَ من حُلوِ الكلامِ فَصيحُ

السِّرب: الجماعة من النساء والبقر والطير والظباء، بكسر السين، ويُقال: فلان آمِنُ السَّرب، بفتح السين، وخليُّ السرب، وواسع السرب؛ أي المسالك والمذاهب، وإنما هو مثلٌ مضروب للصدر والقلب، وعن الأصمعي: فلانٌ واسع السرب، مكسور؛ أي واسع الصدر، بطيء التأنيب.

وأنشد للحكم بن ريحان من بني عمرو بن كلاب:

يا أجدَلَ الناسِ إنْ جادَلتُه جَدَلا
وأكثَرَ الناسِ إنْ عاتَبتُه عِلَلا
كأنَّما عَسلٌ رُجْعانُ مَنطِقِها
إنْ كانَ رَجعُ الكَلامِ يُشبِهُ العَسَلا
وقال القطامي:٢٤
وفي الخُدورِ غَمَاماتٌ بَرَقنَ لَنا
حتى تَصيَّدْنَنا من كلِّ مُصْطادِ
فهُنَّ يَنبِذنَ من قولٍ يُصِبنَ به
مَواقعَ الماءِ من ذي الغُلَّةِ الصَّادي

ينبذن: يلقين. الغلة والغليل: العطش الشديد. والصادي: العطشان أيضًا، والاسم الصدى.

وقال الأخطل:

شُمْسٌ إذا خَطِلَ الحديثُ أوانسٌ
يَرقُبنَ كلَّ مُجذِّرٍ تِنْبالِ
أُنْفٌ كأنَّ حديثَهنَّ تَنادُمٌ
بالكأسِ كلُّ عقيلةٍ مِكْسالِ

التنبال: القصير، والمجذر مثله. والشُّمس: النوافر. الأنف: جمع الآنفة، وهي المنكرة للشيء غير راضية عنه. العقيلة: المصونة في أهلها، وعقيلة كل شيء خيرتُه. والمكسال: ذات الكسل عن الحركة.

وقال أبو العَمَيثل:

لقيتُ ابنةَ السَّهميِّ زينبَ من غُفرِ
ونحن حرامٌ مُسْيَ عاشرةِ العَشْرِ
وإنِّي وإيَّاها لَحَتمٌ مَبِيتُنا
جميعًا ومَسْرانا مُغِذٌّ وذو فَتْرِ
فكلَّمتُها ثِنتَينِ كالثَّلجِ منهما
على اللَّوحِ والأخرى أحَرُّ من الجَمْرِ

تقول: ما يلقانا فلان إلا عن غُفرٍ؛ أي بعد مدة. مسي: أي وقت المساء. ويقال: أغذ السير، إذا جدَّ فيه وأسرع. واللوح، بالفتح: العطش، يُقال: لاح الرجل يلوح لوحًا، والْتاح يلتاح التياحًا، إذا عطش. واللوح أيضًا: الذي يُكتب فيه. واللوح، بالضم: الهواء، يُقال: لا أفعل ذلك ولو نزوت في اللوح، أو حتى تنزو في اللوح.

وأنشد:

وإنَّا لنُجرِي بيْنَنا حينَ نَلتَقي
حديثًا له وَشْيٌ كوَشيِ المَطارفِ
حديثٌ كطَعمِ القَطرِ في المَحْلِ يُشْتفى
به من جَوًى في داخلِ القلبِ لاطِفِ

وقال الشمَّاخ بن ضِرار التغلبي:

يَقِرُّ بعَيْني أنْ أُنبَّأَ أنَّها
وإنْ لم أنَلْها أيِّمٌ لم تَزوَّجِ
وكنتُ إذا لاقَيتُها كان سِرُّنا
وما بيْنَنا مِثلَ الشِّواءِ المُلَهوَجِ

يريد أنهما من خوف الرُّقباء كانا على عجلة. والملهوج: المعجل الذي لم يُنتظر به النضج.

وقال جِران العَود:

فنِلْنا سِقاطًا من حديثٍ كأنَّه
جَنَى النَّحلِ أو أبكارُ كَرمٍ يُقطَّفُ
حديثًا لوَ انَّ البَقْلَ يُولى بمِثلِه
زَها البَقلُ واخضرَّ العِضاهُ المُصيِّفُ

وقال الكُميت:

وحديثُهنَّ إذا التَقَيـ
ـنَ تَهانُفُ٢٥ البِيضِ الغرائرْ
فإذا ضَحِكنَ عنِ العِذا
بِ لَنا المُسَفَّاتِ الثواغِرْ٢٦
كانَ التَّهلُّلُ بالتَّبسُّـ
ـمِ لا الفهاهةُ بالقراقِرْ٢٧

وقال الآخر:

ولما تَلاقَينا جرى من عُيونِنا
دُموعٌ كفَفْنا غَرْبَها بالأصابِعِ
ونِلْنا سِقاطًا من حديثٍ كأنَّه
جَنَى النَّحلِ مَمزوجًا بماءِ الوقائعِ٢٨

وقال الأشعث بن سُمَي:

هل تَعرِفُ المَبْدا إلى السَّنامِ
ناطَ به سواحِرُ الكَلامِ
كَلامُهنَّ بُرءُ ذي السَّقامِ

وقال الراجز، ووصف عيون الظِّباء بالسحر، وذكر قوسًا صفراء، فقال:

صفراءُ فَرْعٌ خطَموها بوَتَرْ
لأْمٍ مُمَرٍّ مِثلِ حُلقومِ النُّغَرْ٢٩
حَدَتْ ظُباتِ أسهُمٍ مِثلِ الشَّرَرْ
فصَرَعَتْهنَّ بأكنافِ الحفَرْ
حُورُ العُيونِ بابليَّاتِ النَّظَرْ
يِحسَبُها الناظرُ من وَحشِ البشرْ

ويُروى: «البقر.»

(١٣) باب آخر من الأسجاع في الكلام

قال عمر بن ذر: الله المستعان على ألسنةٍ تَصِف، وقلوبٍ تَعرِف، وأعمالٍ تُخلِف.

ولما مدح عُتيبة بن مِرداس عبد الله بن عبَّاس قال: لا أعطي من يعصي الرحمن، ويُطيع الشيطان، ويقول البُهتان.

وفي الحديث المأثور: «يقول العبد: مالي مالي. وإنما لك من مالك ما أكلت فأفنَيت، أو أعطيت فأمضيت، أو لبِست فأبليت.»

وقال النَّمِر بن تَولَب:

أعاذِلُ إنْ يُصبِحْ صَدايَ بقَفْرةٍ
بَعيدًا فآتي صاحِبِي وقريبي
تَرَيْ أنَّ ما أبقيتُ لم أكُ رَبَّه
وأنَّ الذي أنفقتُ كانَ نَصِيبي

الصدى: طائر يخرج من قبر الميت فينعى إليه ضعفَ وليِّه وعَجْزه، وهذا كانت العرب تقوله في الجاهلية، وهو ها هنا مُستعار؛ أي إن أصبحت أنا.

ووصف أعرابي رجلًا فقال: صغير القَدْر، قصير الشَّبْر، ضيِّق الصدر، لئيم النَّجْر، عظيم الكِبر، كثير الفَخر.

الشبر: القامة. والنجر: الطباع.

ووصف بعض الخُطباء رجلًا فقال: ما رأيت أضرَبَ لمَثل، ولا أركَبَ لجَمل، ولا أصعدَ في قُلَل، منه. وسأل بعض الأعراب رسولًا قَدِم من أهل السِّند: كيف رأيتم البلاد؟ فقال: ماؤها وَشَل، ولِصُّها بَطَل، وتَمرُها دَقَل. إن كَثُر الجند بها جاعوا، وإن قلُّوا بها ضاعوا.

وقيل لصعصعة بن معاوية: من أين أقبلت؟ قال: من الفج العميق. قيل: فأين تريد؟ قال: البيت العتيق. قيل: هل من مطر؟ قال: نعم، حتى عفَّا الأثر، وأنضر الشجر، ودهده الحجر. واستجار عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود بمحمد بن مروان بنصيبين، وتزوج بها امرأةً، فقال محمد: كيف ترى نصيبين؟ قال: كثيرة العقارب، قليلة الأقارب.

يريد بقوله: قليلة، كقول القائل: فلانٌ قليل الحياء؛ ليس يريد أن هنالك حياءً وإن قل، يضعون قليلًا في موضع ليس.

وولِيَ العلاء الكلابي عملًا خسيسًا بعد أن كان على عملٍ جسيم، فقال: العُنوق بعد النُّوق؟ قال: ونظر رجل من العُبَّاد إلى باب بعض الملوك، فقال: بابٌ جديد، وموتٌ عتيد، ونزعٌ شديد، وسفرٌ بعيد. وقيل لبعض العرب: أيَّ شيء تمنَّى، وأيُّ شيء أحبُّ إليك؟ قال: لواءٌ منشور، والجلوس على السرير، والسلام عليك أيها الأمير. وقيل لآخر، وصلَّى ركعتَين وأطال فيهما، وقد كان أُمر بقتله: أجَزِعتَ من الموت؟ فقال: إن أجزع فقد أرى كفنًا منشورًا، وسيفًا مشهورًا، وقبرًا محفورًا. وقال عبد الملك بن مروان لأعرابي: ما أطيبُ الطعام؟ قال: بَكْرةٌ سَنِمة، مُعتبَطة غير ضَمِنة، في قُدورٍ رَذِمة، بشِفارٍ خَذِمة، في غداةٍ شَبِمة.٣٠ فقال عبد الملك: وأبِيكَ لقد أطبتَ.

والشبم: البرد.

وقالوا: لا تَغترَّ بمناصحة الأمير، إذا غشَّك الوزير. وقالوا: من صادَق الكُتاب أغنَوه، ومن عاداهم أفقروه. وقالوا: اجعل قول الكذَّاب ريحًا، تكُن مُستريحًا.

وقيل لعبد الصمد بن الفضل بن عيسى الرقاشي: لمَ تؤثِر السجع على المنثور، وتُلزِم نفسك القوافيَ وإقامة الوزن؟ قال: إن كلامي لو كنت لا آمل فيه إلا سماع الشاهد لقلَّ خلافي عليك، ولكني أريد الغائب والحاضر، والراهن والغابر؛ فالحفظ إليه أسرع، والآذان لسماعه أنشط؛ وهو أحق بالتقييد وبقلَّة التفلُّت، وما تكلَّمت به العرب من جيِّد المنثور أكثَرُ مما تكلَّمت به من جيِّد الموزون؛ فلم يُحفظ من المنثور عُشْره، ولا ضاع من الموزون عُشْره.

قالوا: فقد قيل للذي قال: يا رسول الله، أرأيت من لا شَرِب ولا أكَل، ولا صاح فاستهل، أليس مِثل ذلك يُطَل، فقال رسول الله : «أسجْعٌ كسجع الجاهلية؟»

قال عبد الصمد: لو أن هذا المُتكلم لم يُرِد إلا الإقامة لهذا الوزن لمَا كان عليه بأس، ولكنه عسى أن يكون أراد إبطالًا لحق فتشادَق في كلامه.

وقال غير عبد الصمد: وجدنا الشعر من القصيد والرجز قد سمعه رسول الله ، واستحسنه وأمر به شعراءه، وعامة أصحاب رسول الله قد قالوا شعرًا، قليلًا كان ذلك أم كثيرًا، واستمعوا واستنشدوا؛ فالسجع والمزدوج دون القصيد والرجز، فكيف يحل ما هو أكثر ويحرم ما هو أقل؟ وقال غيرهما: إذا لم يَطُل ذلك، ولم تكُن القوافي مطلوبةً مجتلَبة، أو ملتمَسة متكلَّفة، وكان ذلك كقول الأعرابي لعامل الماء: حُلبت ركابي، وخُرقت ثيابي، وضُربت صحابي، ومُنعت إبلي من الماء والكلأ.

والركاب: ما يُركب من الإبل.

قال: أوَسجعٌ أيضًا؟ فقال الأعرابي: فكيف أقول؟

لأنه لو قال: حُلبت إبلي أو جمالي أو نوقي أو بعراني أو صرمتي، لكان لم يعبِّر عن حقِّ معناه، وإنما حُلبت ركابه، فكيف يدع الركاب إلى غير الركاب؟ وكذا قوله: خُرقت ثيابي، وضُربت صحابي؛ لأن الكلام إذا قلَّ وقع وقوعًا لا يجوز تغييره، وإذا طال وجدت في القوافي ما يكون مجتلَبًا ومطلوبًا مستكرَهًا.

وفي الحديث المأثور — ويدخل على من طعن في قوله تعالى: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وزعم أنه شعر؛ لأنه في تقدير مستفعلن مفاعلن — وطعن في قوله عليه السلام: «هل أنتِ إلا إصبعٌ دَمِيتِ، وفي سبيل الله ما لقيتِ؟»

فيُقال له: اعلم أنك لو اعترضت أحاديث الناس وخطبهم ورسائلهم، لوجدت فيها مثل «مستفعلن فاعلن» كثيرًا، وليس أحد في الأرض يجعل ذلك المقدار شعرًا. ولو أن رجلًا من الباعة صاح: من يشتري باذنجان؟ لقد كان تكلَّم بكلام في وزن «مستفعلن مفعولان»، فكيف يكون هذا شعرًا وصاحبه لم يقصد إلى الشعر؟ ومِثل هذا المِقدار من الوزن قد يتهيَّأ في جميع الكلام. وإذا جاء المقدار الذي يُعلم أنه من نتاج الشعر والمعرفة بالأوزان والقصد إليها، كان ذلك شعرًا، وهذا قريب، والجواب فيه سهل بحمد الله. وسمعت غلامًا لصديق لي، وكان قد سقى بطنه، يقول لغلمان مولاه: اذهبوا بي إلى الطبيب، وقولوا قد اكتوى. وهذا الكلام يخرج وزنه: فاعلاتن مفاعلن، مرَّتَين. وقد علمت أن هذا الغلام لم يخطر على بباله قطُّ أن يقول بيت شعر أبدًا، ومثل هذا كثير لو تتبعته في كلام حاشيتك وغلمانك لوجدته.

وكان الذي كرَّه الأسجاع بعينها، وإن كانت دون الشعر في التكلُّف والصنعة، أن كُهَّان العرب الذين كان أكثر الجاهلية يتحاكمون إليهم، وكانوا يدَّعون الكهانة، وأن مع كل واحد منهم رئيًّا من الجن، مثل «حازي جُهينة»، ومثل «شِق» و«سطيح»، و«عُزَّى سلمة» وأشباههم، كانوا يتكهَّنون ويحكمون بالأسجاع، كقوله: والأرض والسماء، والعُقاب والصَّقعاء، واقعةً ببقعاء، لقد نفَّر المجد بني العُشراء، للمجد والسَّناء. وهذا الباب كثير، ألا ترى أن «ضَمْرة بن ضَمْرة»، و«هَرِم بن قُطبة»، و«الأقرع بن حابس»، و«نُفيل بن عبد العُزَّى»، كانوا يَحكُمون وينفِّرون بالأسجاع، وكذلك «ربيعة بن حذار»؟ فوقع النهي في ذلك لقرب عهدهم بالجاهلية، ولبقيتها فيهم وفي صدور كثير منهم؛ فلما زالت العلة زال التحريم.

وقد كان الخُطباء تتكلم عند الخُلفاء الراشدين، فتكون في تلك الخطب أسجاعٌ كثيرة، فلم ينهَوا منهم أحدًا.

وكان الفضل بن عيسى الرقاشي سجَّاعًا في قصصه، وكان عمرو بن عُبيد، وهشام بن حسَّان، وأبان بن أبي عيَّاش، يأتون مجلسه. قال له داود بن أبي هند: لولا أنك تُفسر القرآن برأيك لأتيناك في مجلسك. قال: فهل تراني أحرِّم حلالًا وأُحلَّ حرامًا؟

وإنما كان يتلو الآية التي فيها ذِكر النار والجنة، والحشر والموت، وأشباه ذلك.

وقد كان عبد الصمد بن الفضل، وأبو العبَّاس القاسم بن يحيى، وعامة قُصَّاص البصرة، وهم أخطب من الخطباء، يجلس إليهم عامة الفقهاء. وقد كان النهي ظاهرًا عن مرثية أميَّة بن أبي الصَّلت لقتلى أهل بدر، كقوله:

هلَّا بَكَيتَ على الكِرَا
مِ بَنِي الكِرامِ أُولي المَمادِحْ

وروى ناس شبيهًا بذلك في هجاء الأعشى لعلقمة بن علاثة؛ فلما زالت العلة زال النهي.

وقال أبو واثلة بن خليفة في عبد الملك بن المُهلب:

لقد صبَرتْ للذُّلِّ أعوادُ مِنبَرٍ
تَقُومُ عليها في يدَيكَ قَضيبُ
بَكى المِنبرُ الغربيُّ إذ قَمْتَ فوقَه
فكادتْ مَساميرُ الحديدِ تَذُوبُ
رأيتُك لمَّا شِبتَ أدركَكَ الذي
يُصِيبُ سَراةَ الأزدِ حينَ تَشِيبُ
سفاهةُ أحلامٍ وبُخلٌ بِنائلٍ
وفيكَ لمَن عابَ المُزونَ عُيوبُ

وخطب الوليد بن عبد الملك فقال: إن أمير المؤمنين عبدَ الملك كان يقول: إن الحَجَّاج جِلدةُ ما بين عينيَّ، ألا وإنه جلدة وجهي كله. وخطب الوليد بعد وفاة الحجَّاج وتوليته يزيد بن أبي مسلم، فقال: إنما مَثلي ومَثل يزيد بن أبي مسلم بعد الحجَّاج كمن سقط منه درهم فأصاب دينارًا.

شبيب بن شيبة قال، حدَّثني خالد بن صفوان قال، خطبنا يزيد بن المهلَّب بواسط فقال: إني قد أسمع قول الرَّعاع: قد جاء مَسلمة، وقد جاء العبَّاس، وقد جاء أهل الشام. وما أهل الشام إلا تسعة أسياف؛ سبعة منها معي واثنان عليَّ، وأما مَسلمة فجرادةٌ صَفراء، وأما العبَّاس فنسطوس بن نسطوس، أتاكم في برابرة وصقالبة، وجرامقة وجراجمة، وأقباط وأنباط وأخلاط من الناس. إنما أقبل إليكم الفلَّاحون والأوباش كأشلاء اللُّجم. والله ما لقوا قومًا قطُّ كحدِّكم وحديدكم، وعدِّكم وعديدكم. أعِيروني سواعدكم ساعةً من نهارٍ تصفقون بها خراطيمهم؛ فإنما هي غَدوة أو رَوحة حتى يحكم الله بيننا وبين القوم الفاسقين.

ومدح بشَّارٌ هَزار مُرْد العَتكي بالخُطب وركوبه المنابر، بل رثاه وأبَّنه، فقال:

ما بالُ عينِك دمعُها مسكوبُ
سَهِرتْ فأنتَ بنَومِها محروبُ
وكذاك من صَحِبَ الحوادثَ لم يَزَلْ
تأتي عليه سلامةٌ ونُكوبُ
يا أرضُ وَيحَكِ أكْرِميه فإنَّه
لم يَبْقَ للعَتْكيِّ فيكِ ضريبُ
أبْهى على خَشبِ المَنابرِ قائمًا
يومًا وأحزَمُ إذ تُشَبُّ حُروبُ

خطباء البصرة

كان سوَّار بن عبد الله أول تميمي خطب على منبر البصرة، ثم خطب عُبيد الله بن الحسن. وولِيَ منبرَ البصرة أربعةٌ من القضاة، فكانوا قُضاةً أُمراء؛ بلال، وسوار، وعبيد الله، وأحمد بن رباح. وكان بلال قاضيًا ابن قاضٍ ابن قاضٍ.

وقال رؤبة:

فأنتَ يا ابْنَ القاضِيَينِ قاضِ
مُعتزمٌ على الطريقِ ماضِ

قال أبو الحسن المدائني: كان عُبيد الله بن الحسن حيث وفد على المهدي معزِّيًا أعدَّ له كلامًا، فبلَغه أن الناس قد أعجبهم كلامه، فقال لشبيب بن شيبة: إني والله ما ألتفت إلى هؤلاء، ولكن سَل لي عنها أبا عبيد الله الكاتب. فسأله فقال: ما أحسنَ ما تكلَّم به! على أنه أخذ مواعظ الحسن ورسائل غيلان فلقَّح بينهما كلامًا، فأخبره بذلك شبيب، فقال عبيد الله: لا والله إنْ أخطأ حرفًا واحدًا.

وكان محمد بن سليمان له خطبة لا يغيِّرها، وكان يقول: إن الله وملائكتُه. فكان يرفع الملائكة، فقيل له [في] ذلك، فقال: خرِّجوا لها وجهًا، ولم يكن يدع الرفع.

قال: وصلَّى بنا خُزيمة يوم النحر، فخطب، فلم يُسمع من كلامه إلا ذِكر أمير المؤمنين الرشيد ووليِّ عهده محمد. قال: وكان زُهير بن محمد الضبِّي يُدار به إذا قرع المنبر.

وقال الشاعر:

أميرَ المؤمِنِين إليكَ نَشْكو
وإنْ كنَّا نقولُ بغيرِ عُذْرِ
غفَرتَ ذُنوبَنا وعفَوتَ عنَّا
وليستْ مِنكَ أنْ تَعفُو ببِكْرِ
فإنَّ المِنبَرَ البصريَّ يَشْكو
على العِلَّاتِ إسحاقَ بن شِمْرِ
أضبِّيٌّ على خشَباتِ مُلْكٍ
كمَركَبِ ثَعلبٍ ظهْرَ الهِزَبْرِ

وقال بعض شُعراء العسكر يهجو رجلًا من أهل العسكر:

ما زِلتَ تركبُ كلَّ شيءٍ قائمٍ
حتى اجترأتَ على رُكوبِ المِنبَرِ
ما زالَ مِنبَرُكَ الذي دنَّستَه
بالأمسِ مِنكَ كحائضٍ لم تَطهُرِ

وقال آخر:

فما مِنبَرٌ دنَّستَه باسْتِ أفكَلٍ
بِزَاكٍ ولو طهَّرتَه بابْنِ طاهِرِ

(١٤) باب أسجاع

عبد الله بن المُبارَك، عن بعض أشياخه، عن الشعبي قال، قال عيسى بن مريم عليه السلام: «البِرُّ ثلاثة؛ المنطق، والمنظر، والصمت؛ فمن كان منطقه في غير ذِكر فقد لغا، ومن كان نظره في غير اعتبار فقد سها، ومن كان صمته في غير فِكر فقد لها.» وقال علي بن أبي طالب كرَّم الله تعالى وجهه: أفضل العبادة الصمت وانتظار الفرج. وقال يزيد بن المهلَّب وهو في الحبس: وا لَهفاه على طليَّة بمائة ألف، وفرْجٍ في جبهة الأسد! وقال عمر رضي الله تعالى عنه: استغزِروا الدموع بالتذكُّر.

وقال الشاعر:

ولا يَبعثُ الأحزانَ مِثلُ التَّذكُّرِ

حفص قال، سمعت عيسى بن عمر يقول، سمعنا الحسن يقول: اقدعوا هذه النفوس؛ فإنها طُلَعة، واعصوها؛ فإنكم إن أطعتموها تنزع بكم إلى شر غاية، وحادِثوها بالذِّكر؛ فإنها سريعة الدثور.

اقدعوا: كُفوا. طُلعة: أي تطلَّع إلى كل شيء. حادثوا: أي اجلوا واشحذوا. والدثور: الدروس، يُقال: دثر أثر فلان؛ أي ذهب، كما يُقال: درس وعفا.

قال: فحدَّثت بهذا الحديث أبا عمرو بن العلاء، فتعجَّب من كلامه.

وقال الشاعر:

سَمِعْنا بِهَيْجا أوجَفَتْ فذكَرتُه
ولا يَبعَثُ الأحزانَ مِثلُ التَّذكُّرِ

الوجيف: السير الشديد، يُقال: وجف الفرس والبعير وأوجفته، ومِثله الإيضاع، وهو الإسراع. أراد بهيجاء: أقبلت مسرعة.

ومن الأسجاع قول أيوب بن القِرِّيَّة، وقد كان دُعي للكلام فاحتبس القول عليه، فقال: قد طال السَّمَر، وسقط القمر، واشتدَّ المطر، فماذا يُنتظر؟ فأجابه فتًى من عبد القيس فقال: قد طال الأرَق، وسقط الشفق، وكَثُر اللَّثَق، فلينطق من نطق.

اللثق: الندى الوحل.

وقال أعرابي لرجل: نحن والله آكَلُ منكم للمأدوم، وأكسَبُ منكم للمعدوم، وأعطى منكم للمحروم. ووصف أعرابي رجلًا فقال: إن رِفدَك لنجيح، وإن خيرك لسريح، وإن منعك لمُريح سريح.

عَجِل مريح: أي مريح من كد الطلب.

وقال عبد الملك لأعرابي: ما أطيَبُ الطعام؟ فقال: بَكرةٌ سَنِمة، في قدورٍ رَذِمة، بشِفارٍ خَذِمة، في غداةٍ شَبِمة. فقال عبد الملك: وأبيكَ لقد أطبتَ.

وسئل أعرابي فقيل له: ما أشدُّ البرد؟ فقال: ريحٌ جِربِياء، في طلِّ عماء، في غِبِّ سماء.

ودعا أعرابي فقال: اللهم إني أسألك البقاء، والنماء، وطيب الإتاء، وحط الأعداء، ورفع الأولياء.

الإتاء: الرزق.

وقال إبراهيم النخَعي لمنصور بن المعتمر: سَل مسألة الحَمقى، واحفظ حِفظ الكَيسى. ووصفت عمةُ حاجزٍ اللص حاجزًا، ففضَّلتْه وقالت: كان حاجزٌ لا يشبع ليلةَ يُضاف، ولا ينام ليلةَ يخاف.

ووصف بعضهم فرسًا فقال: أقبل بزُبْرة الأسد، وأدبر بعَجُز الذئب.

الزبرة: مغرز العنق، ويُقال للشعر الذي بين كتفَيه. ووصفه بأنه محطوط الكفل.

ولما اجتمع الناس، وقامت الخطباء لبيعة يزيد، وأظهر قومٌ الكراهة قام رجل يُقال له يزيد بن المقنَّع، فاخترط من سيفه شبرًا ثم قال: هذا أمير المؤمنين — وأشار بيده إلى معاوية — فإن مات فهذا — وأشار بيده إلى يزيد — فمن أبى فهذا — وأشار بيده إلى سيفه — فقال معاوية: أنت سيِّد الخطباء.

ولما قامت خطباء نِزار عند معاوية فذهبت في الخطب كل مذهب، قام صَبِرة بن شَيمان فقال: يا أمير المؤمنين، إنا حيُّ فَعَال، ولسنا حيَّ مَقال؛ ونحن نبلغ بفعالنا أكثر من مقال غيرنا.

ولما وفد الأحنف في وجوه أهل البصرة إلى عبد الله بن الزُّبير، تكلَّم أبو حاضر الأسيدي وكان خطيبًا جميلًا، فقال له عبد الله بن الزبير: اسكت، فوالله لوددت أن لي بكل عشرة من أهل العراق رجلًا من أهل الشام، صرف الدينار بالدرهم. قال: يا أمير المؤمنين، إن لنا ولك مثلًا، أفتأذن في ذِكره؟ قال: نعم. قال: مَثلُنا ومثلك ومثل أهل الشام قول الأعشى حيث يقول:

عُلِّقتُها عَرَضًا وعُلِّقتْ رجلًا
غَيْري وعُلِّقَ أخرى غيْرَها الرَّجلُ

أحبَّك أهل العراق، وأحببتَ أهل الشام، وأحب أهل الشام عبد الملك بن مروان.

علي بن مجاهد، عن حُميد بن أبي البَختري، قال: ذكر معاوية لابن الزبير بيعة يزيد، فقال ابن الزبير: إني أناديك ولا أناجيك، إن أخاك من صدَقك، فانظر قبل أن تُقدِم، وتفكَّرْ قبل أن تندم؛ فإن النظر قبل التقدم، والتفكر قبل التندم. فضحك معاوية ثم قال: تعلَّمتَ أبا بكر السِّجاعةَ عند الكِبَر؟ إن في دون ما سجعت به على أخيك ما يكفيك. ثم أخذ بيده فأجلسه معه على السرير.

أخبرنا ثُمامة بن أشرَس، قال: لما صرفت اليمانية — من أهل مِزَّة — الماء عن أهل دمشق ووجَّهوه إلى الصحاري، كتب إليهم أبو الهَيذام: إلى بني استِها أهل مِزَّة، ليُمسِّيَنَّني الماء أو لتُصبِّحنَّكم الخيل. قال: فوافاهم الماء قبل أن يُعتموا.

أي يصيرون في وقت عتمة الليل. وعتمته: ظلامه، يُقال: عتَم الليل يَعتِم، إذا أظلم، وأعتم الناس صاروا في وقت العتمة.

فقال أبو الهيذام: الصِّدق يُنْبي عنك لا الوعيد.

وحدَّثني ثُمامة عمَّن قَدِم عليه من أهل دمشق، قال: لما بايَع الناس يزيد بن الوليد، وأتاه الخبر عن مروان بن محمد ببعض التلكُّؤ والتحبُّس، كتب إليه:

بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله أمير المؤمنين يزيد بن الوليد، إلى مروان بن محمد. أما بعد، فإني أراك تُقدِّم رِجلًا وتؤخِّر أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمِدْ على أيهما شئت، والسلام.

وها هنا مذاهب تدل على أصالة الرأي، ومذاهب تدل عل تمام النفس، وعلى الصلاح والكمال، لا أرى كثيرًا من الناس يقفون عليها.

واستعمل عبد الملك بن مروان نافع بن علقمة بن نضلة بن صفوان بن محرِّث خال مروان على مكة، فخطب ذات يوم — وأبان بن عثمان بحذاء المنبر — فشتم طلحة والزبير، فلما نزل قال لأبان: أرضَيتُك من المُدهِنين في أمير المؤمنين؟ قال: لا والله، ولكن سُؤتَني، حَسْبي أن يكونا شركاء في أمره.

فما أدري أيهما أحسن؛ كلام أبان بن عثمان هذا أم إسحاق بن عيسى؛ فإنه قال: أعيذ عليًّا أن يكون قتل عثمان، وأعيذ عثمان بالله أن يقتله علي. فمدح عليًّا بكلامٍ سديدٍ غير نافر، ومقبولٍ غير وحشي. وذهب إلى معنى الحديث في قول رسول الله : «أشد أهل النار عذابًا من قتل نبيًّا أو قتله نبي.»

يقول: لا يتَّفق أن يقتله نبي بنفسه إلا وهو أشد خلق الله معاندةً، وأجرؤهم على معصيته. فيقول: لا يجوز أن يقتله علي إلا وهو مستحقٌّ للقتل.

خُطبة من خُطَب النبي

خطب النبي بعشر كلمات؛ حَمِد الله وأثنى عليه، ثم قال:

«أيها الناس، إن لكم مَعالم فانتهوا إلى مَعالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم. إن المؤمن بين مَخافتَين؛ بين عاجل قد مضى لا يدري ما الله صانع به، وبين آجل قد بقي لا يدري ما الله قاضٍ فيه؛ فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكَبْرة، ومن الحياة قبل الموت؛ فوالذي نفس محمد بيده، ما بعد الموت من مُستعتَب، ولا بعد الدنيا من دار، إلا الجنة أو النار.»

أبو الحسن المدائني قال: تكلَّم عمَّار بن ياسر يومًا فأوجز، فقيل له: لو زِدْتنا. قال: أمرنا رسول الله بإطالة الصلاة وقِصر الخُطبة.

محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عُتبة، عن شيخ من الأنصار من بني زُريق، أن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، لما أُتي بسيف النُّعمان بن المُنذر دعا جُبير بن مُطعِم فسلَّحه إياه، ثم قال: يا جُبير، ممن كان النُّعمان؟ قال: من أشلاء قَنَص بن مَعَد. وكان جُبير أنسبَ العرب، وكان أخذ النَّسب عن أبي بكر الصدِّيق، رضي الله تعالى عنه، وعن جبير أخذ سعيد بن المسيب. وروى عن بعض ولد طلحة قال، قلت لسعيد بن المسيب: علِّمني النَّسب. قال: أنت رجلٌ تريد أن تُسابَّ الناس. وثلاثة في نسقٍ واحد كانوا أصحاب نسب؛ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أخذ ذلك عن الخطَّاب، وكان كثيرًا ما يقول: سمعت ذلك من الخطَّاب، ولم أسمع ذلك من الخطَّاب. والخطَّاب بن نُفيل، ونُفيل بن عبد العُزَّى، تنافر إليه عبد المطلب وحرب بن أمية، فنفَّر عبد المطلب؛ أي حكم لعبد المطلب. والمنافرة المحاكمة.

والنُّسَّاب أربعة؛ دَغفَل بن حنظلة، وعُميرة أبو ضَمْضام، وصُبح الحنفي، وابن الكيِّس النَّمري.

وقال الأصمعي: دغفل بن حنظلة، النسَّابة البكري، وكان نصرانيًّا. ولم يُسمِّه.

خطب سليمان بن عبد الملك فقال:

اتَّخِذوا كتاب الله إمامًا، وارضَوا به حَكمًا، واجعلوه قائدًا؛ فإنه ناسخ لما قبله، ولم ينسخه كتابٌ بعده. وأول كلام بارع سمعوه منه: الكلام فيما يَعنيك خيرٌ من السكوت عما يضرُّك، والسكوت عما لا يَعنيك خيرٌ من الكلام فيما يضرُّك.

خلَّاد بن يزيد الأرقط قال، سمعت من يُخبرنا عن الشعبي قال: ما سمعت مُتكلمًا على مِنبر قطُّ تكلَّم فأحسن إلا تمنَّيت أن يسكت خوفًا من أن يُسيء، إلا زيادًا؛ فإنه كلما كان أكثر كان أجود كلامًا.

وكان نَوفل بن مُساحق إذا دخل على امرأته صمت، وإذا خرج من عندها تكلَّم، فرأته يومًا كذلك فقالت: أما عندي فتُطرِق، وأما عند الناس فتَنطِق. قال: لأني أدِقُّ عن جليلك، وتجلِّين عن دقيقي.

قال أبو الحسن: قاد عيَّاش بن الزِّبرِقان بن بدرٍ إلى عبد الملك بن مروان خمسًا وعشرين فرسًا، فلما جلس لينظر إليها نسب كل فرس منها إلى جميع آبائه وأمهاته، وحلف على كل فرس بيمينٍ غير اليمين التي حلف بها على الفرس الآخر، فقال عبد الملك بن مروان: عجبي من اختلاف أيمانه أشدُّ من عجبي من معرفته بأنساب الخيل.

وقال: كان للزبرقان بن بدر ثلاثة أسماء؛ القمر، والزبرقان، والحصين. وكانت له ثلاث كُنًى؛ أبو شَذرة، وأبو عيَّاش، وأبو العبَّاس. وكان عيَّاش ابنه خطيبًا ماردًا، شديد العارضة، شديد الشكيمة، وجيهًا، وله يقول جرير:

أعيَّاشُ قد ذاقَ القُيونُ مَرارتي
وأوقدتُ نارًا فادْنُ دُونَكَ فاصْطَلِ

فقال عيَّاش: إني إذًا لَمَقرور. قالوا: فغلَّب عليه.

(١٥) باب أسماء الخُطباء والبُلغاء والأبْيِناء وذِكر قبائلهم وأنسابهم

كان التدبير في أسماء الخطباء وحالاتهم وأوصافهم أن نذكر أسماء أهل الجاهلية على مراتبهم، وأسماء أهل الإسلام على منازلهم، ونجعل لكل قبيلة منهم خطباء، ونقسِّم أمورهم بابًا بابًا على حدته، ونقدِّم من قدَّمه الله عز وجل ورسوله في النسب، وفضَّله في الحسب، ولكني لما عجزت عن نظمه وتنضيده، تكلَّفت ذكرهم في الجملة، والله المستعان، وبه التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا به.

كان الفضل بن عيسى الرَّقاشي من أخطب الناس، وكان مُتكلمًا، وكان قاصًّا مُجيدًا. وكان يجلس إليه عمرو بن عُبيد، وهشام بن حسَّان، وأبان بن أبي عيَّاش، وكثير من الفقهاء. وهو رئيس الفضيلية وإليه يُنسَبون. وخطب إليه ابنتَه سوادة بنت الفضل سليمانُ بن طَرخان التيمي، فولدت له المُعتمر بن سليمان. وكان سليمان مُباينًا للفضل في المقالة، فلما ماتت سوادة شهد الجنازةَ المعتمرُ وأبوه فقدَّما الفضل.

وكان الفضل لا يركب إلا الحمير، فقال له عيسى بن حاضر: إنك لتؤثِر الحمير على جميع المركوب، فلِمَ ذلك؟ قال: لِما فيها من المَرافق والمنافع. قلت: مِثل أي شيء؟ قال: لا تستبدل بالمكان على قدر اختلاف الزمان، ثم هي أقلُّها داءً وأيسرها دواءً، وأسلم صريعًا، وأكثر تصريفًا، وأسهل مُرتقًى، وأخفض مَهوًى، وأقل جِماحًا، وأشهر فارهًا، وأقل نظيرًا، يَزهى راكبه وقد تواضع بركوبه، ويكون مُقتصدًا وقد أسرف في ثمنه. قال: ونظر يومًا إلى حمارٍ فارهٍ تحت سالم بن قُتيبة، فقال: قِعْدة نبي، وبِذْلة جبَّار. قال عيسى بن حاضر: ذهب إلى حمار عُزير، وإلى حمار مسيح الدجَّال، وإلى حمار بلعم، وكان يقول: لو أراد أبو سيَّارة عُمَيلة بن أعزلة أن يدفع بالموسم على فرسٍ عربي، أو جملٍ مهري، لفعل، ولكنه ركب عَيرًا أربعين عامًا لأنه كان يتألَّه. وقد ضُرِب به المثل فقالوا: أصحُّ من عَيْر أبي سيَّارة.

والفضل هو الذي يقول في قصصه: سَلِ الأرض فقُل: من شقَّ أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك؟ فإن لم تُجِبك حِوارًا، أجابتك اعتبارًا.

وكان عبد الصمد بن الفضل أغزر من أبيه وأعجب وأبيَن وأخطب. وحدَّثني أبو جعفر الصوفي القاص قال: تكلَّم عبد الصمد في خلق البعوضة وفي جميع شأنها ثلاثة مجالس تامة.

وكان يزيد بن أبان، عم الفضل بن عيسى بن أبان الرقاشي، من أصحاب أنَس والحسن، وكان يتكلم في مجلس الحسن، وكان زاهدًا عابدًا، وعالمًا فاضلًا، وكان قاصًّا مُجيدًا. قال أبو عبيدة: كان أبوهم خطيبًا، وكذلك جدهم، وكانوا خُطباء الأكاسرة؛ فلما سُبُوا ووُلِد لهم الأولاد في بلاد الإسلام وفي جزيرة العرب نزعهم ذلك العِرق، فقاموا في أهل هذه اللغة كمقامهم في أهل تلك اللغة، وفيهم شعر وخُطب، وما زالوا كذلك حتى أصهر الغُرباء إليهم، ففسد ذلك العِرق ودخله الخوَر.

ومن خطباء إياد «قُسُّ بن ساعدة»، وهو الذي قال فيه النبي : رأيته بسوق عُكاظ على جملٍ أحمر وهو يقول: «أيها الناس، اجتمِعوا، فاسمعوا وعوا. من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آتٍ آتٍ.» وهو القائل في هذه: «آياتٌ مُحكَمات، مطر ونبات، وآباء وأمَّهات، وذاهب وآتٍ؛ ونجومٌ تمور، وبحورٌ لا تغور؛ وسقفٌ مرفوع، ومهادٌ موضوع؛ وليلٍ داجٍ، وسماءٍ ذات أبراج. ما لي أرى الناس يموتون ولا يرجعون؟ أرضوا فأقاموا، أم حُبسوا فناموا؟» وهو القائل: «يا معشر إياد، أين ثمود وعاد، وأين الآباء والأجداد؟ أين المعروف الذي لم يُشكر، والظلم الذي لم يُنكر؟ أقسم قُسٌّ قسمًا بالله أن لله دينًا هو أرضى له من دينكم هذا.» وأنشدوا له هذه:

في الذاهِبِينَ الأوَّليـ
ـنَ من القرونِ لنا بَصائِرْ
لمَّا رأيتُ مَواردًا
للموتِ ليس لها مَصادِرْ
ورأيتُ قومي نحوَها
تَمضي الأكابرُ والأصاغِرْ
لا يرجعُ الماضي ولا
يَبقى من الباقينَ غابِرْ
أيقنتُ أني لا مَحا
لةَ حيث صارَ القومُ صائِرْ

ومن الخطباء «زيد بن علي بن الحسين». وكان خالد بن عبد الله أقرَّ على زيد بن علي، وداود بن علي، وأيوب بن سلمة المخزومي، وعلي بن محمد بن عمر بن علي، وعلي بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف؛ فسأل هشام زيدًا عن ذلك فقال: أحلف لك؟ قال: وإذا حلفت أصدِّقك؟ قال زيد: اتقِ الله. قال: أوَمِثلُك يا زيد يأمر مِثلي بتقوى الله؟ قال زيد: لا أحد فوق أن يُوصى بتقوى الله، ولا دون أن يُوصِي بتقوى الله. قال هشام: بلَغني أنك تريد الخلافة، ولا تصلح لها لأنك ابن أمَة. قال زيد: فقد كان إسماعيل بن إبراهيم، صلوات الله عليه، ابن أمَة، وإسحاق عليه السلام ابن حُرة، فأخرج الله عز وجل من صُلبِ إسماعيل عليه السلام خير ولد آدم محمدًا . فعندها قال له: قم. قال: إذًا لا تراني إلا حيث تكره. ولما خرج من الدار قال: ما أحبَّ أحدٌ الحياة قطُّ إلا ذل. فقال له سالمٌ مولى هشام: لا يسمعن هذا الكلامَ منك أحد.

وقال محمد بن عُمير: إن زيدًا لما رأى الأرض قد طُبِّقت جورًا، ورأى قلة الأعوان، ورأى تخاذل الناس، كانت الشهادة أحبَّ المنيَّات إليه. وكان زيد كثيرًا ما يُنشِد:

شرَّدَه الخوفُ وأزْرى به
كذاك من يَكرَهُ حَرَّ الجِلادْ
مُنخرِقُ الخُفَّينِ يَشكو الوجى
تَنكُبُه أطرافُ مَروٍ حِدادْ
قد كان في الموتِ له راحةٌ
والموتُ حَتمٌ في رِقابِ العِبادْ

قال: وكان كثيرًا ما يُنشِد شعر العبسي في ذلك:

إنَّ المُحكَّمَ من لم يَرتقبْ حسَبًا
أو يَرهَبِ السيفَ أو حدَّ القنا جَنَفا
من عاذَ بالسيفِ لاقى فُرصةً عَجبًا
موتًا على عَجَلٍ أو عاشَ مُنتصِفا

ولما بعث يوسف بن عمر برأس زيد ونصر بن خزيمة مع شيبة بن عقال، وكلَّف آل أبي طالب أن يبرءوا من زيد ويقوم خطباؤهم بذلك، فأول من قام عبد الله بن الحسن فأوجز في كلامه ثم جلس، ثم قام عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر فأطنب في كلامه، وكان شاعرًا بيِّنًا وخطيبًا لسِنًا، فانصرف الناس وهم يقولون: ابن الطيَّار أخطب الناس. فقيل لعبد الله بن الحسن في ذلك، فقال: لو شئت أن أقول لقلت، ولكن لم يكن مقام سرور. فأعجب الناس ذلك منه.

ومن أهل الدهاء والنَّكراء، ومن أهل اللَّسَن واللَّقَن، والجواب العجيب، والكلام الصحيح، والأمثال السائرة، والمخارج العجيبة: «هند بنت الخُس»، وهي الزرقاء، و«خمعة بنت حابس».٣١ ويُقال إن حابسًا من إياد. وقال عامر بن عبد الله الفزاري: جُمِع بين هند وخمعة، فقيل لخمعة: أي الرجال أحب إليك؟ قالت: الشَّنِق الكبد، الظاهر الجَلَد، الشديد الجَذْب بالمَسَد. فقيل لهند: أي الرجال أحب إليك؟ قالت: القريب الأمد، الواسع البلد، الذي يُوفَد إليه ولا يَفِد. وقد سئلت هند عن حر الصيف وبرد الشتاء، فقالت: من جعل بؤسًا كأذًى! وقد ضُرب بها المثل، فمن ذلك قول ليلى بنت النضر الشاعرة:
وكنزَ ابنُ جُدْعانٍ دلالةَ أمِّه
وكانت كبِنتِ الخُسِّ أو هي أكبَرُ

وقال ابن الأعرابي: يُقال بنت الخس، وبنت الخص، وهي الزرقاء، وبنت الخسف. وقال يونس: لا يُقال إلا بنت الأخس، وهي الزرقاء. وقال أبو عمرو بن العلاء: داهيتا نساء العرب هند الزرقاء، وعنز الزرقاء. وهي زرقاء اليمامة.

قال اليَقطُري، قيل لعبد الله بن الحسن: ما تقول في المِراء؟ قال: ما عسى أن أقول في شيء يُفسِد الصداقة القديمة، ويحتل العقدة الوثيقة؟ وإن كان لأقل ما فيه أن يكون دُرْبةً للمغالبة، والمغالبة من أمتن أسباب الفتنة. إن رسول الله لما أتاه السائب بن صيفي فقال: أتعرفني يا رسول الله؟ قال: كيف لا أعرف شريكي الذي كان لا يُشاريني ولا يُماريني؟ قال: فتحوَّلت إلى زيد بن علي فقلت له: الصمت خير أم الكلام؟ قال: أخزى الله المساكتة؛ فما أفسدها للبيان، وأجلبها للحصَر، والله لَلمماراة أسرع في هدم العي من النار في يَبس العرفج، ومن السيل في الحدور.

وقد عرف زيد أن المماراة مذمومة، ولكنه قال: المماراة على ما فيها أقل ضررًا من المساكتة التي تُورث البلدة، وتحل العقدة، وتُفسد المُنَّة، وتُورث عِللًا، وتولِّد أدواءً أيسرها العي؛ فإلى هذا المعنى ذهب زيد.

ومن الخطباء خالد بن سلمة المخزومي من قريش، وأبو حاضر، وسالم، وقد تكلَّم عند الخلفاء.

ومن خطباء بني أُسيد الحكمُ بن يزيد بن عُمير، وقد رأس.

ومن أهل اللسن منهم والبيان الحجَّاج بن عمير بن زيد.

ومن الخطباء سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية.

وقيل لسعيد بن المسيب: من أبلغ الناس؟ قال: رسول الله . فقيل له: ليس عن هذا نسألك. قال: معاوية وابنه، وسعيد وابنه، وما كان ابن الزبير بدونهم، ولكن لم يكن لكلامه طلاوةٌ مقبولة.

فمن العجب أن ابن الزبير ملأ دفاتر العلماء كلامًا، وهم لا يحفظون لسعيد بن العاص وابنه من الكلام إلا ما لا بال له.

وكان سعيد جوادًا، ولم ينزع قميصه قط، وكان أسود نحيفًا، وكان يُقال له: عُكَّة العسل.

وقال الحطيئة:

سعيدٌ فلا يَغرُرْكَ قِلَّةُ لَحمِه
تَخدَّدَ عنه اللَّحمُ فهْو صليبُ

وكان أول من خش الإبل في نفس عظم الأنف، وكان في تدبيره اضطراب. وقال قائل من أهل الكوفة:

يا وَيلَنا قد ذهبَ الوليدُ
وجاءنا مُجوِّعًا سعيدُ
يَنقُصُ في الصاعِ ولا يزيدُ

والأُمراء تتحبَّب إلى الرعية بزيادة المكاييل، ولو كان المذهب في الزيادة في الأوزان كالمذهب في زيادة المكاييل ما قصَّروا، كما سأل الأحنف عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه الزيادة في المكاييل؛ ولذلك اختلفت أسماء المكاييل، كالزيادي، والفالج، والخالدي، حتى صِرنا إلى هذا المُلجَم اليوم.

ثم من الخطباء «عمرو بن سعيد»، وهو الأشدق. يُقال إن ذلك إنما قيل له لتشادُقه في الكلام. وقال آخرون: بل كان أفقم مائل الذقن؛ ولذلك قال عُبيد الله بن زياد حين أهوى إلى عبد الله بن معاوية: يدَك عنه يا لطيم الشيطان، ويا عاصي الرحمن.

وقال الشاعر:

وعمرٌو لَطيمُ الجنِّ وابنُ محمَّدٍ
بأسوأِ هذا الأمرِ مُلتبِسانِ

ذُكِر ذلك عن عوانة، وهذا خلاف قول الشاعر:

تشادَقَ حتى مالَ بالقولِ شِدقُه
وكلُّ خطيبٍ لا أبا لكَ أشدَقُ

وكان معاوية قد دعا به في غِلمة من قريش، فلما استنطقه قال: إن أول كل مركب صعب، وإن مع اليوم غدًا. وقال له: إلى من أوصى بك أبوك؟ قال: إن أبي أوصى إليَّ ولم يوصِ بي. قال: وبأي شيء أوصاك؟ قال: بألا يفقد إخوانه منه إلا شخصه. فقال معاوية عند ذلك: إن ابن سعيد هذا لَأشدَق. فهذا يدل عندهم على أنه إنما سُمِّي بالأشدق لمكان التشادق.

ثم كان بعد عمرو بن سعيد «سعيد بن عمرو بن سعيد»، وكان ناسبًا خطيبًا، وأعظم الناس كِبرًا. وقيل له عند الموت: إن المريض ليستريح إلى الأنين، وإلى أن يصف ما به إلى الطبيب. فقال:

أجاليدُ من رَيبِ المَنونِ فلا ترى
على هالكٍ عَينًا لنا الدهرَ تَدمَعُ

ودخل على عبد الملك مع خطباء قريش وأشرافهم، فتكلَّموا من قيام، وتكلَّم وهو جالس، فتبسَّم عبد الملك وقال: لقد رجوت عثرته، ولقد أحسن حتى خِفت عثرته. فسعيد بن عمرو بن سعيد، خطيب ابن خطيب ابن خطيب.

ومن الخطباء «سُهيل بن عمرو الأعلم»، أحد بني حسل بن مَعِيص، وكان يُكنى أبا يزيد، وكان عظيم القدر، شريف النفس، صحيح الإسلام. وكان عمر رضي الله تعالى عنه قال للنبي : يا رسول الله، انزِعْ ثَنيَّتَيه السُّفليَين حتى يدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبًا أبدًا. فقال رسول الله : «لا أمثِّل فيمثِّل الله بي وإن كنت نبيًّا، دَعْه يا عمر؛ فعسى أن يقوم مقامًا نحمده.» فلما هاج أهل مكة عند الذي بلغهم من وفاة رسول الله قام خطيبًا فقال: أيها الناس، إن يكن محمد قد مات فإن الله حي لم يمت، وقد علمتم أني أكثركم قتَبًا في بَر، وجاريةً في بحر، فأقِرُّوا أميركم وأنا ضامنٌ إن لم يتم الأمر أن أردَّها عليكم. فسكن الناس. وهو الذي قال يوم خرج آذِن عمر، وهو بالباب وعُيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وفلان وفلان، فقال الآذن: أين بلال، أين صهيب، أين سلمان، أين عمَّار؟ فتمعَّرت وجوه القوم، فقال سُهيل: لمَ تتمعَّر وجوهكم؟ دُعوا ودُعِينا، فأسرعوا وأبطأنا، ولئن حسدتموهم على باب عمر، لما أعدَّ الله لهم في الجنة أكثر.

ومن الخطباء «عبد الله بن عُروة بن الزُّبير». قالوا: كان خالد بن صفوان يشبَّه به. وما علمت أنه كان في الخطباء أحدٌ أجود خطبًا من خالد بن صفوان وشبيب بن شيبة؛ للذي يحفظه الناس ويدور على ألسنتهم من كلامهما، وما علِمنا أن أحدًا ولَّد لهما حرفًا واحدًا.

ومن النسَّابين من بني العنبر ثم من بني المُنذر «الختف بن زيد بن جَعوَنة»، وهو الذي تعرَّض له دغفل بن حنظلة العلَّامة عند ابن عامر بالبصرة، فقال له: متى عهدُك بسَجاحِ أمِّ صادر؟ فقال له: ما لي بها عهد منذ أضلَّت أم حِلس. وهي بعض أمهات دغفل. فقال له:

أنشدتُك بالله، أنحن كنَّا لكم أكثر غزوًا في الجاهلية أم أنتم لنا؟ قال: بل أنتم؛ فلم تُفلِحوا ولم تنجحوا. غزانا فارسُكم وسيدكم وابن سيدكم، فهزمناه مرةً وأسرناه مرة، وقتلناه مرة، وأخذنا في فدائه خِدر أمه. وغزانا أكثركم غزوًا، وأنبهكم في ذلك ذِكرًا، فأعرجناه ثم أرجلناه. فقال ابن عامر: أسألكما بالله لمَّا كفَفتُما.

وكان عبد الله بن عامر ومصعب بن الزبير يُحبَّان أن يعرفا حالات الناس، فكانا يُغْريان بين الوجوه وبين العلماء؛ فلا جَرَم أنهما كانا إذا سبَّا أوجعا.

وكان أبو بكر، رضي الله تعالى عنه، أنسب هذه الأمة، ثم عمر، ثم جُبير بن مُطعِم، ثم سعيد بن المُسيب، ثم محمد بن سعيد بن المُسيب. ومحمد هو الذي نفى آل عنكة المخزوميين، فرُفع ذلك إلى والي المدينة فجلده الحد. وكان يُنشد:

ويَربوعُ بن عَنكةَ ابنُ أرضٍ
وأعتَقَه هُبيرةُ بعدَ حِينِ

يعني هُبيرة بن أبي وهب المخزومي.

ومن النسَّابين العلماء «عُتبة بن عمرو» بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وكان من ذوي الرأي والدهاء، وكان ذا منزلة من الحجَّاج بن يوسف. وعمر بن عبد الرحمن خامس خمسة في الشرف. وكان هو الساعيَ بين الأزد وتميم في الصلح.

ومن بني الحُرقوس «شُعبة بن القَلعَم»، وكان ذا لسان وجواب وعارضة، وكان وصَّافًا فصيحًا. وبنوه، عبد الله وعمر وخالد، كلهم كانوا في هذه الصفة، غير أن خالدًا كان قد جمع مع اللسان العلمَ والحلاوة والظَّرف. وكان الحجَّاج لا يصبر عنه.

ومن بني أُسيد بن عمرو بن تميم «أبو بكر بن الحكم»، كان ناسبًا راوية شاعرًا، وكان أحلى الناس لسانًا، وأحسنهم منطقًا، وأكثرهم تصرفًا، وهو الذي يقول له رؤبة:

لقد خَشِيتُ أنْ تكونَ ساحِرَا
راويةً طَورًا وطَورًا شاعِرَا

ومنهم «مُعلَّل بن خالد»، أحد بني أنمار بن الهُجيم، وكان نسَّابة علَّامة راويةً صدوقًا مُقلدًا، وذُكِر للمُنتجِع بن نَبْهان فقال: كان لا يُجارى ولا يُمارى.

ومنهم من بني العَنبر ثم من بني عمرو بن جندب «أبو الخنساء عبَّاد بن كُسيب»، وكان شاعرًا علَّامة، وراويةً نسَّابة، وكانت له حُرمة بأبي جعفر المنصور.

ومنهم «عمرو بن خَولة»، كان ناسبًا خطيبًا، وراوية فصيحًا، من ولد سعيد بن العاص.

والذي أتى سعيدَ بن المسيب ليعلِّمه النسب هو «إسحاق بن يحيى بن طلحة».

وكان «يحيى بن عُروة بن الزبير» ناسبًا عالمًا، ضربه «إبراهيم بن هشام المخزومي» والي المدينة حتى مات لبعض القول.

وكان «مصعب بن عبد الله بن ثابت» ناسبًا عالمًا، ومن ولده «الزبيري» عامل الرشيد على المدينة واليمن.

ومنهم ثم من قريش «محمد بن جعفر بن حفص»، وهو ابن عائشة، ويُكنى أبا بكر، وابنه «عُبيد الله» كان يجري مَجراه، يُكنى أبا عبد الرحمن.

ومن خُزاعة بن مازن «أبو عمرو» و«أبو سفيان»، ابنا العلاء بن عمَّار بن العريان.

فأما «أبو عمرو» فكان أعلم الناس بأمور العرب، مع صحة سماع، وصدق لسان. وحدَّثني الأصمعي قال: جلست إلى أبي عمرو عشرَ حِججٍ ما سمعته يحتجُّ ببيتٍ إسلامي. قال، وقال مرةً: لقد كثر هذا المُحدَث وحَسُن حتى هممت أن آمر فِتياننا بروايته.

يعني شعر جرير والفرزدق وأشباههما.

وحدَّثني أبو عُبيدة قال: كان أبو عمرو أعلمَ الناس بالعرب والعربية، وبالقراءة والشعر وأيام الناس، وكانت داره خلف دار جعفر بن سليمان، وكانت كُتُبه التي كتب عن العرب الفصحاء قد ملأت بيتًا له إلى قريب من السقف، ثم إنه تقرَّأها فأحرقها كلها، فلما رجع بعدُ إلى علمه الأول لم يكن عنده إلا ما حفظه بقلبه. وكانت عامة أخباره عن أعراب قد أدركوا الجاهلية.

وفي أبي عمرو بن العلاء يقول الفرزدق:

ما زِلتُ أفتحُ أبوابًا وأُغلِقُها
حتى أتيتُ أبا عمرِو بنَ عمَّارِ

فإذا كان الفرزدق وهو راوية الناس وشاعرهم وصاحب أخبارهم يقول فيه مثل هذا القول، فهو الذي لا يُشَك في خطابته وبلاغته.

وقال يونس: لولا شِعر الفرزدق لذهب نِصف أخبار الناس.

وقال في أبي عمرٍو مكي بن سَوادة:

الجامعُ العِلمَ نَنْساه ويَحفَظُه
والصادقُ القولَ إنْ أندادُه كَذَبوا

وكان «أبو سفيان بن العلاء» ناسبًا، وكلاهما كُناهما أسماؤهما، وكذلك «أبو عمرو بن لبيد». و«أبو سفيان بن العلاء» بن لبيد التغلبي خليفة «عيسى بن شبيب المازني» على شرط البصرة.

وكان «عَقيل بن أبي طالب» ناسبًا عالمًا بالأمهات، بيِّن اللسان، شديد الجواب، لا يقوم له أحد.

وكان «أبو الجهم بن حُذيفة العدوي» ناسبًا شديد العارضة، كثير الذِّكر للأمهات بالمثالب.

ورؤساء النسَّابين «دَغفَل بن حنظلة»، أحد بني عمرو بن شيبان، لم يدرك الناس مِثله لسانًا وعلمًا وحفظًا.

ومن هذه الطبقة «زيد بن الكيِّس النَّمري». ومن نسَّابي كلب «محمدُ بن السائب»، و«هشام بن محمد بن السائب»، و«شرقي بن القطامي».

وكان أعلاهم في العلم ومن ضُرب به المثل «حمَّاد بن بشر».

قال سماك العُكلي:

فسائِلْ دَغفلًا وأخا هلالٍ
ونخَّارًا يُنبئك اليقينا

وقد ذكرنا دغفلًا. وأخو هلال هو زيد بن الكيِّس، وبنو هلال حي من النمر بن قاسط.

وقال مِسكين بن أنيف الدارمي في ذلك:

وعندَ الكيِّسِ النَّمريِّ عِلمٌ
ولو أمْسى بمُنخرِقِ الشِّمالِ

وقال ثابت قُطنة:

فما العِضَّانِ لو سُئلا جميعًا
أخو بكرٍ وزيدُ بني هِلالِ
ولا الكلبيُّ حمَّادُ بنُ بِشرٍ
ولا من قادَ في الزمنِ الخوالي

وقال زياد الأعجم:

بل لو سألتَ أخا ربيعةَ دغفلًا
لَوَجدتَ في شَيبانَ نِسبةَ دَغفَلِ
إنَّ الأحايِنَ والذين يَلُونُهم
شرُّ الأنامِ ونَسلُ عبدِ الأعزلِ

يهجو فيها بني الخنساء.

ومنهم «إياس النصري»، كان أنسب الناس، وهو الذي قال: كانوا يقولون أشعرُ العرب أبو دواد الإيادي، وعدي بن زيد العبادي.

وكان «أبو نَوفل بن أبي عقرب» علَّامة ناسبًا خطيبًا فصيحًا، وهو رجل من كنانة، أحد بني عُريج.

ومن بني كِنانة ثم من بني الشدَّاخ «يزيد بن بكر بن دأب»، وكان يزيد عالمًا ناسبًا، وراويةً شاعرًا، وهو القائل:

اللهُ يَعلَمُ في عَليٍّ عِلمَه
وكذاك عِلمُ اللهِ في عُثمانِ

وولدَ يزيدُ «يحيى» و«عيسى»، هو الذي يُعرف في العامة ﺑ «ابن دأبٍ»، وكان من أحسن الناس حديثًا وبيانًا، وكان شاعرًا راوية، وصاحب رسائل وخطب، وكان يُجيدها جدًّا.

ومن آل دأب «حُذيفةُ بن دأب»، وكان عالمًا ناسبًا. وفي آل دأب علمٌ بالنسب والخبر.

وكان «أبو الأسود الدؤلي» — واسمه ظالم بن عمرو بن جندل بن سفيان — خطيبًا عالمًا، وكان قد جمع شدة العقل، وصواب الرأي، وجودة اللسان، وقول الشعر، والظرف، وهو يُعَد في هذه الأصناف، وفي الشيعة، وفي العُرجان، وفي المفاليج.

وعلى كل شيء من هذا شاهدٌ سيقع في موضعه إن شاء الله تعالى.

وقال الخُس لابنته هند: أريد شراء فحل لإبلي. قالت: إن اشتريته فاشترِه أسجح الخدَّين، غائر العينَين، أرقب، أحزم، أعكى، أكوم، إن عُصي غشَم، وإن أُطيع تجرثم. وهي التي قالت لما قيل لها: ما حمَلكِ على أن زنَيتِ بعبدك؟ قالت: طول السِّواد، وقرب الوِساد.

السواد: السِّرار. أسجح: سهل واسع، يُقال: ملكت فأسجح. أرقب: غليظ الرقبة. أحزم: منتفخ موضع المحزم. أعكى، العكوة: مَغرز الوركَين في المؤخر، تصفه بشدة الوركين. إن عُصي غشم: إن عصته الناقة غصبها نفسها. تجرثم: أي بقي، مأخوذ من الجرثومة، وهي الطين والتراب يُجمع حول النخلة ليُقويها، تصفه بالصبر والقوة على الضراب. أكوم: عظيم السنام.

وقال الشاعر في السِّواد:

ويَفهَمُ قولَ الحُكْلِ لو أنَّ ذَرَّةً
تُساوِدُ أخرى لم يَفُتْه سِوادُها

يقال: في لسانِ فلانٍ حُكلة، إذا كان شديد الحُبسة مع لثغ.

قالوا: وعاتَب هشام بن عبد الملك زيد بن علي، فقال له: بلَغني عنك شيء. فقال: يا أمير المؤمنين، أحلف لك؟ قال: وإذا حلفت لي أصدِّقك؟ قال: نعم، إن الله لم يرفع أحدًا فوق ألا يرضى به، ولم يضع أحدًا دون ألا يرضى منه به.

كان «زياد بن ظُبْيان» التيمي العايشي خطيبًا، فدخل عليه ابنه عُبيد الله وهو يكيد٣٢ بنفسه، قال: ألا أوصي بك الأمير زيادًا؟ قال: لا. قال: ولِمَ؟ قال: إذا لم يكن للحي إلا وصية الميت فالحيُّ هو الميت.

وكان «عُبيد الله» أفتك الناس، وأخطب الناس. وهو الذي أتى باب «مالك بن مِسمَع» ومعه نار ليحرق عليه داره، وقد كان نابه أمرٌ فلم يرسل إليه قبل الناس، فأشرف عليه مالك فقال: مهلًا يا أبا مطر، فوالله إن في كِنانتي سهمًا أنا به أوثق مني بك. قال: وإنك لتعُدُّني في كِنانتك؟ فوالله لو أن قمت فيها لطُلْتها، ولو قعدت فيها لخرقتها. قال مالك: مهلًا، أكثر الله في العشيرة مِثلك. قال: لقد سألت الله شططًا.

ودخل «عُبيد الله» على «عبد الملك بن مروان» بعد أن أتاه برأس مُصعَب بن الزُّبير، ومعه ناس من وجوه بكر بن وائل، فأراد أن يقعد معه على سريره، فقال له عبد الملك: ما بال الناس يزعمون أنك لا تُشبِه أباك؟ قال: والله لَأنا أشبه بأبي من الليل بالليل، والغراب بالغراب، والماء بالماء، ولكن إن شئت أنبأتك بمن لا يُشبِه أباه. قال: ومن ذاك؟ قال: من لم يُولَد لتمام، ولم تُنضِجه الأرحام، ومن لم يُشبِه الأخوال والأعمام. قال: ومن ذاك؟ قال: ابن عمي سُويد بن منجوف. قال عبد الملك: أوَكذلك أنت يا سُويد؟ قال: نعم. فلما خرجا من عنده أقبل عليه سُويد فقال: وَرِيتْ بك زِنادي، والله ما يسرُّني أنك نقصته حرفًا واحدًا مما قلت له وأن لي حُمْر النَّعم. قال: وأنا والله ما يسرُّني بحِلمك اليوم عني سُود النَّعم. وأتى «عُبيد الله» عتَّاب بن ورقاء، وعتابٌ على أصبهان، فأعطاه عشرين ألف درهم، فقال: والله ما أحسنتَ فأحمدَك، ولا أسأتَ فأذُمَّك، وإني لأقرب البُعداء، وأبعد القُرباء. وقال أشيم بن شقيق بن ثور لعُبيد الله بن زياد بن ظبيان: ما أنت قائل لربِّك وقد حمَلت رأس مصعب بن الزبير إلى عبد الملك بن مروان؟ قال: اسكت، فأنت يوم القيامة أخطب من صعصعة بن صوحان إذا تكلَّمت الخوارج.

فما ظنُّك ببلاغة رجل عُبيد الله بن زياد يُضرب به المثل؟

وإنما أردنا بهذا الحديث خاصةً الدلالة على تقديم صعصعة بن صوحان في الخطب، وأولى من كل دلالة استنطاق علي له.

وكان «عثمان بن عُروة» أخطب الناس، وهو الذي قال: والشكر وإنْ قل، ثمنٌ لكل نوال وإنْ جل.

وكان «ثابت بن عبد الله بن الزبير» من أبين الناس، ولم يكن خطيبًا.

وكان «قَسامة بن زُهير» أحد بني رِزام بن مازن، مع زُهده ونُسكه ومَنطقه، من أبين الناس، وكان يعدل بعامر بن عبد قيس في زهده ومنطقه، وهو الذي قال: روِّحوا هذه القلوب تَعِ الذِّكر. وهو الذي قال: يا معشر الناس، إن كلامكم أكثر من صمتكم، فاستعينوا على الكلام بالصمت، وعلى الصواب بالفكر. وهو الذي كان رسول عمر في البحث عن شأن المُغيرة وشهادة أبي بَكرة.

وكان «خالد بن يزيد بن معاوية» خطيبًا شاعرًا، وفصيحًا جامعًا، وجيِّد الرأي كثير الأدب، وكان أول من ترجم كُتُب النجوم والطب والكيمياء.

ومن خطباء قريش «خالد بن سلَمة المخزومي»، وهو ذو الشفة. وقال الشاعر في ذلك:

فما كان قائلُهم دَغفَلٌ
ولا الحَيقُطانُ ولا ذو الشَّفةْ

ومن خطباء العرب «عُطارد بن حاجب بن زُرارة»، وهو كان الخطيب عند النبي ، وقال فيه الفرزدق بن غالب:

ومنَّا خطيبٌ لا يُعابُ وحاملٌ
أغَرُّ إذا التفَّت عليه المَجامعُ

ومن الخطباء «عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود»، وكان مع ذلك راوية ناسبًا شاعرًا. ولما رجع عن قول المرجئة إلى قول الشيعة قال:

وأوَّلُ ما نُفارِقُ غيْرَ شكٍّ
نُفارِقُ ما يَقولُ المُرجِئونا
وقالوا مؤمِنٌ من آلِ جَورٍ
وليس المؤمِنونَ بجائرِينا
وقالوا مؤمنٌ دَمُه حَلالٌ
وقد حَرُمتْ دِماءُ المؤمِنِينا

وكان حين هرب إلى محمد بن مروان في فلِّ ابن الأشعث ألزمه ابنَه يؤدِّبه ويقوِّمه، فقال له يومًا: كيف ترى ابن أخيك؟ قال: ألزمتَني رجلًا إن غِبتُ عنه عَتَب، وإن أتيتُه حُجِب، وإن عاتبتُه غَضِب. ثم لزم عمر بن عبد العزيز، وكان ذا منزلة منه. قالوا: وله يقول جرير:

يا أيُّها الرَّجلُ المُرخِي عِمامتَه
هذا زمانك إني قد مضى زمني
أبلِغْ خليفتَنا إنْ كنتَ لاقِيَه
أنِّي لدى البابِ كالمشدودِ في قَرَنِ
وقد رآكَ وُفودُ الخافقَينِ معًا
ومُذ ولِيتَ أمورَ الناسِ لم ترَني

وكان «الجارود بن أبي سبرة» — ويُكنى أبا نوفل — من أبيَنِ الناس وأحسنهم حديثًا، وكان راويةً علَّامة شاعرًا مفلِّقًا، وكان من رجال الشيعة. ولما استنطقه الحجاج قال: ما ظننت أن بالعراق مِثل هذا. وكان يقول: ما أمكنني والٍ قط من أذنه إلا غلبت عليه، ما خلا هذا اليهودي. يعني بلال بن أبي بردة. وكان عليه مُتحاملًا، فلما بلغه أنه دهق حتى دُقَّت ساقه، وجُعل الوتر في خُصيَيه، أنشأ يقول:

لقد قرَّ عَيْني أنَّ ساقَيه دُقَّتا
وأنَّ قُوى الأوتارِ في البَيضةِ اليُسْرى
بَخِلتَ وراجعتَ الخيانةَ والخَنا
فيسَّرَكَ اللهُ المقدَّسُ للعُسْرى
فما جِذعُ سُوءٍ خرَّبَ السُّوسُ جَوفَه
يُعالِجُه النجَّارُ يُبْرى كما تُبْرى

وإنما ذكر الخصية اليسرى لأن العامة تقول: إن الولد منها يكون.

ومن الخطباء الذين لا يُضاهَون ولا يُجارَون «عبد الله بن عبَّاس». قالوا: خطبَنا بمكة — وعثمان رضي الله تعالى عنه مُحاصَر — خطبةً لو شهدتْها التُّرك والديلم لأسلمتا. وذكره حسَّان بن ثابت فقال:

إذا قالَ لم يَترُكْ مَقالًا لقائلٍ
بمُلتقَطاتٍ لا ترى بيْنَها فَصْلا
كفى وشفى ما في النُّفوسِ ولم يَدَعْ
لذي إربةٍ في القولِ جِدًّا ولا هَزْلا
سمَوتَ إلى العَليا بغيرِ مَشقَّةٍ
فنِلتَ ذُراها لا دَنِيًّا ولا وَغْلا

وقال الحسن: كان عبد الله بن عبَّاس أول من عُرِف بالبصرة صَعِد المِنبر فقرأ البقرة وآل عمران ففسَّرهما حرفًا حرفًا، وكان والله مِثجًّا يسيل غَربًا، وكان يُسمَّى «البحر» و«حبر قريش». وقال النبي : «اللهم فقِّهْه في الدين، وعلِّمه التأويل.» وقال عمر: غُصْ غوَّاصُ. ونظر إليه يتكلم فقال:

شِنشِنةٌ أعرِفُها من أخزَمِ

الشعر لأبي أخزم الطائي، وهو جد أبي حاتم طيئ أو جد جده، وكان له ابن يُقال له أخزم فمات وترك بنين، فوثبوا يومًا على جدهم أبي أخزم فأدمَوه، فقال:

إنَّ بَنيَّ زمَّلوني بالدَّمِ
شِنشِنةٌ أعرِفُها من أخزَمِ

أي إنهم أشبهوا أباهم في طبيعته وخُلُقه. وأحسبه كان به عاقًّا. فهكذا ذكر ابن الكلبي. والشنشنة مثل الطبيعة والسجيَّة. فأراد عمر رضي الله تعالى عنه: إني أعرف فيك مشابهةً في أبيك في رأيه وعقله. ويُقال: إنه لم يكن لقرشي مِثلُ رأي العبَّاس.

ومن خطباء بني هاشم أيضًا «داود بن علي»، وكان يُكنى أبا سليمان، وكان أنطق الناس وأجودهم ارتجالًا واقتضابًا للقول. ويُقال: إنه لم يتقدم في تحبير خطبة قط. وله كلامٌ كثير معروف محفوظ؛ فمن ذلك خطبته على أهل مكة: شكرًا شكرًا، أمَا والله ما خرَجنا لنحتفر فيكم نهرًا، ولا لنَبنيَ فيكم قصرًا. أظَنَّ عدوُّ الله أن لم نظفر به أن أُرخيَ له في زمامه، حتى عثر في فضل خِطامه؟ فالآن عاد الأمر في نِصابه، وطلعت الشمس من مطلعها، وأخذ القوسَ باريها، وعاد النَّبْل إلى النَّزَعة، ورجع الأمر إلى مستقَرِّه، في أهل بيت نبيكم؛ أهل بيت الرأفة والرحمة.

ومن خطباء بني هاشم «عبد الله بن الحسن»، وهو القائل لابنه إبراهيم أو محمد: أيْ بُني، إني مؤدٍّ إليك حق الله في تأديبك، فأدِّ إليَّ حق الله في حُسن الاستماع. أيْ بُني، كُفَّ الأذى، وارفض البذا، واستعِن على الكلام بطول الفكر في المَواطن التي تدعوك نفسك فيها إلى القول؛ فإن للقول ساعاتٍ يَضرُّ فيها الخطأ ولا ينفع فيها الصواب، واحذر مشورة الجاهل وإن كان ناصحًا، كما تحذر مشورة العاقل إذا كان غاشًّا؛ يوشك أن يورِّطاك بمشورتهما، فيسبق إليك مكر العاقل، وغرارة الجاهل.

قال الحسن بن خليل: كان المأمون قد استثقل «سهل بن هارون»، فدخل عليه سهل يومًا والناس عنده على منازلهم، فتكلَّم المأمون بكلام فذهب فيه كل مذهب، فلما فرغ المأمون من كلامه أقبل سهل بن هارون على ذلك الجمع فقال: ما لكم تسمعون ولا تعون، وتُشاهدون ولا تفهمون، وتفهمون ولا تعجبون، وتنظرون ولا تُبصرون؟ والله إنه ليفعل ويقول في اليوم القصير مِثل ما فعل بنو مروان وقالوا في الدهر الطويل. عربكم كعجمهم، وعجمكم كعبيدهم، ولكن كيف يعرف الدواءَ من لا يشعر بالداء؟ قال: فرجع له المأمون بعد ذلك إلى الرأي الأول.

ومن خطباء بني هاشم ثم من ولد جعفر بن سليمان «سليمانُ بن جعفر» والي مكة. قال المكي: سمعت مشايخنا من أهل مكة يقولون: إنه لم يَرِد عليهم أمير منذ عقلوا الكلام إلا وسليمان أبيَنُ منه قاعدًا، وأخطَبُ منه قائمًا.

وكان «داود بن جعفر» إذا خطب اسحنفر فلم يرُدَّه شيء، وكان في لسانه شبيه بالرُّتَّة.

وكان «أيوب» فوق داود في الكلام والبيان، ولم تكن له مقامات داود في الخطب. قال عيسى بن إسحاق لداود بن جعفر: بلَغني أن معاوية قال للنخَّار بن أوس: ابغِني محدِّثًا. قال: ومعي يا أمير المؤمنين تريد محدِّثًا؟ قال: نعم، أستريح منك إليه، ومنه إليك، وأنا لا أستريح إلى غير حديثك، ولا يكون صمتك في حال من الحالات أوفق لي من كلامك.

وكان «إسماعيل بن جعفر» من أدقِّ الناس لسانًا وأحسنهم بيانًا.

ومن خطباء بني هاشم «جعفر بن حسن» بن الحسين بن علي، وكان أحد من يُنازع زيدًا في الوصية، فكان الناس يجتمعون ليسمعوا مجاوباتهما فقط.

وجماعة من ولد العبَّاس في عصرٍ واحد لم يكن لهم نُظراء في أصالة الرأي، وفي الكمال والجلالة، وفي العلم بقريش والدولة، وبرجال الدعوة، مع البيان العجيب، والغَور البعيد، والنفوس الشريفة، والأقدار الرفيعة، وكانوا فوق الخطباء، وفوق أصحاب الأخبار، وكانوا يَجلُّون عن هذه الأسماء إلا أن يصف الواصف بعضهم ببعض ذلك.

منهم «عبد الملك بن صالح»، سأله الرشيد — وسليمان بن أبي جعفر وعيسى بن جعفر شاهدان — فقال له: كيف رأيت أرض كذا وكذا؟ قال: مَسافي رِيح، ومَنابت شِيح. قال: فأرض كذا وكذا؟ قال: هِضابٌ حُمْر، وبِراثٌ عُفْر. حتى أتى على جميع ما أراد، فقال عيسى لسليمان: والله ما ينبغي لنا أن نرضى لأنفسنا بالدُّون من الكلام.

الهضبة: الجبل ينبسط على الأرض، وجمعها هضاب. والبراث: الأماكن اللينة السهلة، واحدها بَرْث. وقوله: عفر؛ أي حمرتها كحمرة التراب، والظبي الأعفر: الأحمر؛ لأن حمرته كذلك، والعَفَر والعَفْر: التراب؛ ومنه قيل: ضربه حتى عفره؛ أي ألحقه بالتراب.

ومن هؤلاء «عبد الله بن صالح»، و«العبَّاس بن محمد»، و«إسحاق بن عيسى»، و«إسحاق بن سليمان»، و«أيوب بن جعفر»، هؤلاء كانوا أعلم بقريش وبالدولة وبرجال الدعوة من المعروفين برواية الأخبار، وكان إبراهيم بن السندي يحدِّثني عن هؤلاء بشيء هو خلاف ما في كُتُب الهيثم بن عدي وابن الكلبي، وإذا سمعته علمت أنه ليس من المؤلَّف المزوَّر.

وكان «عبد الله بن علي» و«داود بن علي» يُعدَلان بأمَّة من الأمم.

ومن مواليهم «إبراهيم» و«نصر» ابنا «السِّندي».

فأما «نصر» فكان صاحب أخبار وأحاديث، وكان لا يعدو حديث ابن الكلبي والهيثم.

وأما «إبراهيم» فإنه كان رجلًا لا نظير له، وكان خطيبًا، وكان ناسبًا، وكان فقيهًا، وكان نحويًّا عَروضيًّا، وحافظًا للحديث، راويةً للشعر، شاعرًا، وكان فخم الألفاظ شريف المعاني، وكان كاتب القلم كاتب العمل، وكان يتكلم بكلام رؤبة، ويعمل في الخراج بعمل زاذان فروح الأعور، وكان مُنجمًا طبيبًا، وكان من رؤساء المُتكلمين، وعالمًا بالدولة وبرجال الدعوة، وكان أحفظ الناس لما سمع، وأقلَّهم نومًا وأصبرهم على السهر.

ومن خطباء تميم «جَحدَب»، وكان خطيبًا راوية، وكان قضى على جرير في بعض مذاهبه، فقال جرير:

قَبَحَ الإلهُ ولا يُقبِّحُ غيرُه
بَظْرًا تَفلَّقَ عن مَفارقِ جَحدَبِ

وهو الذي كان لقيَه خالد بن سلمة المخزومي الخطيب الناسب، فقال: والله ما أنت من حنظلة الأكرمين، ولا سعد الأكثرين، ولا عمرو الأسدين، وما في تميم خيرٌ بعد هؤلاء. فقال له جحدب: والله إنك لمن قريش، وما أنت من بيتها ولا من ثبوتها، ولا من شورها وخلافتها، ولا من أهل سِدانتها وسِقايتها.

وهو شبيه بما قال خالد بن صفوان للعَبْدري؛ فإنه قال له: هشَمتْك هاشم، وأمَّتْك أميَّة، وخزَمتْك مخزوم، وأنت من عبد دارها، ومنتهى عارها، تفتح لها الأبواب إذا أقبلتْ، وتُغلِقها إذا أدبرتْ.

ومن ولد المُنذر «عبدُ الله بن شُبرُمة» بن طُفيل بن هُبيرة بن المُنذِر، وكان فقيهًا عالمًا قاضيًا، وكان راويةً شاعرًا، وكان خطيبًا ناسبًا، وكان حاضر الجواب مفوَّهًا، وكان لاجتماع هذه الخصال فيه يُشبَّه بعامر الشعبي، وكان يُكنى أبا شبرمة. وقال يحيى بن نوفل:

لمَّا سألتُ الناسَ أينَ المَكرُمةْ
والعزُّ والجُرثومةُ المقدَّمةْ
وأين فاروقُ الأمورِ المُحكَمةْ
تَتابَعَ الناسُ على ابنِ شُبرُمةْ

وابن شبرمة الذي يقول في ابن أبي ليلى:

وكيف تُرجَّى لفصلِ القضاءِ
ولم تُصِبِ الحُكمَ في نَفْسِكا
فتَزعُمُ أنَّك لابنِ الجُلاحِ
وهيهاتَ دَعواك من أصلِكا

وقال رجل من فقهاء المدينة: من عندِنا خرج العلم. فقال ابن شبرمة: نعم، ثم لم يرجع إليكم. وقال عيسى بن موسى: دُلُّوني على رجلٍ أُولِيه مكان كذا وكذا. فقال ابن شبرمة: أصلح الله الأمير، هل لك في رجل إن دعوتموه أجابكم، وإن تركتموه لم يأتكم، ليس بالمُلحِّ طلبًا، ولا بالمُمعِن هربًا؟

وسئل عن رجل، فقال: إن له شرفًا وبيتًا وقَدمًا. ونظروا فإذا هو ساقط من السِّفلة، فقيل له في ذلك، فقال: ما كذبت، شرفه أذناه، وقدمه التي يمشي عليها، ولا بد من أن يكون له بيتٌ يأوي إليه.

قال أبو إسحاق: بل كذبت، إنما هو كقول القائل حين سأله بعض من أراد تزويج حرمة عن رجل، فقال: هو يبيع الدواب. فلما نظروا في أمره وجدوه يبيع السنانير، فلما سئل عن ذلك قال: ما كذبت؛ لأن السِّنَّور دابة. قال أبو إسحاق: بل لعَمْري لقد كذب. وهذا مِثل القائل حين سئل عن رجل في تزويج امرأة فقال: رزين المجلس، نافذ الطعنة. فحسبوه سيدًا فارسًا، فنظروا فوجوده خيَّاطًا، فسئل عن ذلك، فقال: ما كذبت؛ إنه لطويل الجلوس، جيِّد الطعن بالإبرة. فقال أبو إسحاق: بل لعَمْري لقد كذب؛ لأنه قد غرَّهم منه. وكذلك لو سأله رجل عن رجل يريد أن يُسلفه مالًا عظيمًا، فقال: هو يملك مالًا كان يبيعه بمائة ألف ومائة ألف. فلما بايَعه الرجل وجده مُعدمًا ضعيف الحيلة، فلما قيل له في ذلك قال: ما كذبك؛ لأنه يملك عينَيه وأذنَيه وأنفه وشفتَيه. حتى عد جميع أعضائه وجوارحه.

ومن قال للمُستشير هذا القول فقد غرَّه، وذلك مما لا يحلُّ في دين، ولا يَحسُن في الحرية، وهذا القول معصية لله، والمعصية لا تكون صدقًا. وأدنى منازل هذا الخبر ألا يُسمَّى صدقًا، فأما التسمية له بالكذب فإن فيها كلامًا يطول.

ومن الخطباء المشهورين في العوام والمقدَّمين في الخواص «خالد بن صفوان الأهتمي»، زعموا جميعًا أنه كان عند أبي العبَّاس أمير المؤمنين، وكان من سُمَّاره وأهل المنزلة عنده، ففخر عليه ناس من بَلْحارث بن كعب وأكثروا في القول، فقال أبو العباس: لِمَ لا تتكلم يا خالد؟ فقال: أخوال أمير المؤمنين وعصبته. قال: فأنتم أعمام أمير المؤمنين وعصبته. قال خالد: وما عسى أن أقول لقومٍ كانوا بين ناسجِ بُرد، ودابغِ جِلد، وسائسِ قرد، وراكبِ عَرد؛ دل عليهم هُدهد، وغرَّقتهم فأرة، وملَكتهم امرأة؟

فلئن كان خالد قد فكَّر وتدبَّر هذا الكلام إنه للراوية الحافظ، والمؤلِّف المُجيد؛ ولئن كان هذا شيئًا حضره حين حرك وبسط فما له نظير في الدنيا. فتأمَّلْ هذا الكلام فإنك ستجده مليحًا مقبولًا، وعظيم القدر جليلًا. ولو خطب اليماني بلسان سحبان وائل حولًا كَريتًا،٣٣ ثم صُكَّ بهذه الفقرة ما قامت له قائمة.

وكان أذكر الناس لأول كلامه، وأحفظهم لكل شيء سلف من منطقه. قال مكي بن سوادة في صفته له:

عليمٌ بتنزيلِ الكلامِ مُلقَّنٌ
ذَكورٌ لِما سدَّاه أوَّلَ أوَّلا
يَبُذُّ قريعَ القومِ في كلِّ مَحفِلٍ
وإنْ كان سحبانَ الخطيبَ ودَغفَلا
ترى خُطباءَ الناسِ يومَ ارتجالِه
كأنَّهم الكِرْوانُ عايَنَّ أجدَلا

الكِروان: جمع كَرَوان، وهو ذكر الحُبارى. والأجدل: الصقر.

وكان يُقارض «شبيب بن شيبة» لاجتماعهما على القرابة والمجاورة والصناعة، فذُكِر شبيب عنده مرةً فقال: ليس له صديق في السر، ولا عدو في العلانية.

وهذا كلام ليس يعرف قدرَه إلا الراسخون في هذه الصناعة.

وكان خالد جميلًا ولم يكن بالطويل، فقالت له امرأة: إنك لجميل يا أبا صفوان. قال: وكيف تقولين هذا وما فيَّ عمود الجمال ولا رداؤه ولا بُرنُسه. فقيل له: ما عمود الجمال؟ قال: الطول، ولست بطويل؛ ورداؤه البياض، ولست بأبيض؛ وبرنسه سواد الشعر، وأنا أشمط. ولكن قولي: إنك لمليحٌ ظريف. وخالد يُعَد في الصُّلعان.

ولكلام خالد كتابٌ يدور في أيدي الورَّاقين.

وكان «الأزهر بن عبد الحارث» بن ضِرار بن عمرو الضبِّي، عالمًا ناسبًا.

ومن خطباء بني ضبَّة «حنظلة بن ضِرار»، وقد أدرك الإسلام وطال عمره حتى أدرك يوم الجمل. وقيل له: ما بقي منك؟ قال: أذكر القديم، وأنسى الحديث، وآرق بالليل، وأنام وسط القوم.

ومن خطباء بني ضبة وعلمائهم «مثجور بن غَيلان» بن خَرَشة، وكان مقدَّمًا في المنطق، وهو الذي كتب إلى الحجَّاج: إنهم قد عرضوا عليَّ الذهب والفضة، فما ترى أن آخذ؟ قال: أرى أن تأخذ الذهب. فذهب عنه هاربًا ثم قتله بعد.

وذكره القُلاح بن حَزن المِنقَري فقال:

مِثالُ مَثجورٍ قليلٌ ومِثلُه
فتى الصِّدقِ إنْ صفَّقتَه كلَّ مَصفَقِ
وما كنتُ أشريه بدُنيا عريضةٍ
ولا بابْنِ خالٍ بين غربٍ ومَشرِقِ
إذا قال بَذَّ القائلينَ مقالُه
ويأخذُ من أكْفائه بالمُخنَّقِ

ومن خطباء الخوارج «قَطَري بن الفُجاءة»، له خطبةٌ طويلة مشهورة، وكلامٌ كثير محفوظ، وكانت له كُنْيتان؛ كنية في السِّلم، وهو أبو محمد؛ وكنية في الحرب، وهو أبو نعامة.

وكانت كنية «عامر بن الطفيل» في الحرب غير كنيته في السِّلم، كان يُكنى في الحرب بأبي عقيل، وفي السلم بأبي علي.

وكان «يزيد بن مَزيَد» يُكنى في السلم بأبي خالد، وفي الحرب بأبي الزبير.

وقال مسلم بن الوليد الأنصاري:

لولا سيوفُ أبي الزُّبيرِ وخيلُه
بَشَرَ الوليدُ لسيفِه الضحَّاكا

وفيه يقول:

لولا يزيدُ ومِقدارٌ له سَببٌ
عاشَ الوليدُ مع الغاوينَ أعواما
سَلَّ الخليفةُ سيفًا من بني مطرٍ
يمضي فيَخترقُ الأرواحَ والهاما
إذا الخلافةُ عُدَّت كنتَ أنت لها
عزًّا وكان بنو العبَّاس حُكَّاما

ألا تراه قد ذكر قتل الوليد؟

وقد كان «خالد بن يزيد» اكتنى بها في الحرب في بعض أيامه بمصر.

وهذا الباب مستقصًى مع غيره في أبواب الكُنى والأسماء، وهو وارد عليكم إن شاء الله تعالى.

ومن خطباء الخوارج «ابن صُدَيقة»، وهو القاسم بن عبد الرحمن بن صديقة، وكان صُفريًّا، خطيبًا ناسبًا، ويشوبه ببعض الظَّرف والهزل.

ومن علماء الخوارج «شُبَيل بن غَرْزة الضَّبُعي» صاحب الغريب، وكان راويةً خطيبًا، وشاعرًا ناسبًا، وكان سبعين سنةً رافضيًّا، ثم انتقل خارجيًّا صُفريًّا.

ومن علماء الخوارج «الضحَّاك بن قيس الشيباني»، ويُكنى أبا سعيد، وهو الذي ملك العراق، وسار في خمسين ألفًا، وبايَعه عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وسليمان بن هشام بن عبد الملك وصلَّيا خلفه.

وقال شاعرهم:

ألمْ ترَ أنَّ اللهَ أظهَرَ دِينَه
وصلَّت قريشٌ خَلْفَ بَكرِ بنِ وائلِ؟

وكان «ابن عطاء الليثي» يُسامر الرشيد، وكان صاحب أخبار وأسمار وعلم بالأنساب، وكان أظرف الناس وأحلاهم.

وكان «عبد العزيز بن عبد الله بن عامر» بن كُريز، راويةً ناسبًا، وعالمًا بالعربية فصيحًا.

وكان «عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر» من أبيَنِ الناس وأفصحهم، وكان مَسلمة بن عبد الملك يقول: إني لأنحِّي كَور العِمامة عن أذني لأسمع كلام عبد الأعلى بن عبد الله. وقال بعض الأمراء — وأظنُّه بلال بن أبي بُردة — لأبي نوفل الجارود بن أبي سبرة: ماذا تصنعون عند عبد الأعلى إذا كنتم عنده؟ قال: يُشاهدنا بأحسن استماع، وأحسن حديث، ثم يأتي الطبَّاخ فيمثل بين عينَيه فيقول: ما عندك؟ فيقول: عندي لون كذا، وجدي كذا، ودجاجة كذا، ومن الحُلو كذا. قال: ولمَ يسأل عن ذلك؟ قال: ليُقصِر كل رجل عما لا يشتهي حتى يأتيَه ما يشتهي. ثم يأتون بالخوان فيتضايق ونتَّسع، ويقصِّر ونجتهد، فإذا شبعنا خوى تخوية الظليم، ثم أقبل يأكل أكل الجائع المقرور.

والجارود هو الذي قال: سوء الخُلُق يُفسد العمل، كما يُفسِد الخل العسل. وهو الذي قال: عليكم بالمربد؛ فإنه يطرد الفكر، ويجلو البصر، ويجلب الخبر، ويجمع بين ربيعة ومُضَر.

وصَعِد عثمان المِنبر فأُرتجَ عليه، فقال: إن أبا بكر وعمر كانا يُعدَّان لهذا المقام مقالًا، وأنتم إلى إمامٍ عادل أحوَجُ منكم إلى إمامٍ خطيب، وستأتيكم الخُطب على وجهها، وتعلمون إن شاء الله تعالى.

وشخَص «يزيد بن عمر بن هُبيرة» إلى هشام بن عبد الملك فتكلَّم، فقال هشام: ما مات من خلَّف مِثل هذا. فقال «الأبرش الكلبي»: ليس هناك، أمَا تراه يَرشَح جبينُه لضِيق صدره؟ قال يزيد: ما لذلك رشح، ولكن لجلوسك في هذا الموضع.

وكان الأبرش ثلَّابة نسَّابة، وكان مُصاحبًا لهشام بن عبد الملك، فلما أفضت إليه الخلافة سجد وسجد من كان عنده من جلسائه، والأبرش شاهد لم يسجد، فقال له هشام: ما منعك أن تسجد يا أبرش؟ قال: ولِمَ أسجد وأنت اليوم معي ماشيًا وغدًا فوقي طائرًا؟ قال: فإن طِرت بك معي؟ قال: أتُراك فاعلًا؟ قال: نعم. قال: فالآن طاب السجود. ودخل يزيد بن عمر على المنصور — وهو يومئذٍ أمير — فقال: أيها الأمير، إن عهد الله لا يُنكَث، وعقده لا يُحَل، وإن إمارتكم بِكر؛ فأذيقوا الناس حلاوتها، وجنِّبوهم مرارتها.

قال سهل بن هارون: دخل قُطرُب النحوي على المخلوع فقال: يا أمير المؤمنين، كانت عِدَتك أرفع من جائزتك. وهو يتبسم. قال سهل: فاغتاظ الفضل بن الربيع. فقلت له: إن هذا من الحصَر والضعف، وليس هذا من الجَلَد والقوة، أمَا تراه يفتل أصابعه، ويرشح جبينه؟

وقال عبد الملك لخالد بن سلمة المخزومي: من أخطَبُ الناس؟ قال: أنا. قال: ثم من؟ قال: سيِّد جُذام. يعني رَوح بن زِنباع. قال: ثم من؟ قال: أُخَيفش ثقيف. يعني الحجَّاج. قال: ثم من؟ قال: أمير المؤمنين. قال: ويحك، جعلتني رابع أربعة. قال: نعم، هو ما سمعت.

ومن خطباء الخوارج وعلمائهم ورؤسائهم في الفُتيا، وشعرائهم ورؤساء قعدهم، «عِمرانُ بن حِطَّان».

ومن علمائهم وشعرائهم وخطبائهم «حبيب بن خُدرة الهلالي»، وعداده في بني شيبان.

وممن كان يرى رأيَ الخوارج «أبو عُبيدة» النحوي مَعمر بن المثنَّى، مولى تيم بن مُرة، ولم يكن في الأرض خارجي ولا جماعي أعلمَ بجميع العلم منه.

وممن كان يرى رأيَ الخوارج «الهيثم بن عدي» الطائي ثم البحتري.

وممن كان يرى رأى الخوارج «شُعيب بن رباب» الحنفي، أبو بكَّار، صاحب أحمد بن أبي خالد ومحمد بن حسان السَّكسَكي.

ومن الخوارج من علمائهم ورُواتهم «مسلم بن كُرزين»، وكُنيته أبو عُبيدة، وكان إباضيًّا.

ومن علمائهم الصُّفرية، وممن كان مقنعًا في الأخبار لأصحاب الخوارج والجماعة جميعًا، «مُليل»، وأظنه من بني ثعلبة.

ومن أهل هذه الصنعة «أصفر بن عبد الرحمن»، من أخوال «طوق بن مالك».

ومن خطبائهم وفقهائهم وعلمائهم «المُقعطِل»، قاضي عسكر الأزارقة أيام قَطَري.

ومن شعرائهم ورؤسائهم وخطبائهم «عبيدة بن هلال اليَشكري». وكان في بني السَّمين ومن بني شيبان خطباء العرب، وكان فيهم ذاك فاشيًا؛ ولذلك قال الأخطل:

فأينَ السَّمينُ لا يقومُ خطيبُها
أين ابنُ ذي الجَدَّينِ لا يَتكلَّمُ

وقال سُحيم بن حفص: كان «يزيد بن عبد الله بن رؤبة الشيباني» من أخطب الناس عند «يزيد بن الوليد»، فأمر للناس بعطاءين.

ومن الخطباء «مَعبد بن طَوق العَنبري»، دخل على بعض الأمراء فتكلَّم وهو قائم فأحسن، قال: فلما جلس تلهيع في كلامه. فقال له: ما أظرَفَك قائمًا وأموَقَك قاعدًا! قال: إني إذا قمت جدَدت، وإذا قعدت هزلت. قال: ما أحسن ما خرجت منها!

ومن خطباء عبد القيس «مَصقلة بن رقَبة بن مَصقلة» و«كَرِب بن رقَبة».

والعرب قد ذكروا من خطب العرب «العجوز»، وهي خطبة لآل رقبة، ومتى تكلَّموا فلا بد لهم منها أو من بعضها؛ «والعذراء»، وهي خطبة «قيس بن خارجة» لأنه كان أبا عُذْرها؛ «والشَّوهاء»، وهي خطبة «سحبان وائل»، وقيل ذلك لها من حسنها؛ وذلك أنه خطب بها عند معاوية فلم يُنشد شاعر ولم يخطب خطيب.

وكان «أبو عمَّار الطائي» خطيب مَذحِج كلها، فبلَغ النُّعمانَ حُسنُ حديثه فحمَله على منادمته. وكان النُّعمان أحمر العينَين، أحمر الجلد، أحمر الشعر، وكان شديد العَربدة قتَّالًا للنُّدماء، فنهاه أبو قردودة الطائي عن منادمته، فلما قتله رثاه فقال:

إنِّي نهَيتُ ابنَ عمَّارٍ وقلتُ له
لا تأمَنَنْ أحمَرَ العينَينِ والشَّعَرةْ
إنَّ المُلوكَ متى تَنزِلْ بِساحتِهم
تَطِرْ بِنارِكَ من نِيرانِهم شَرَرةْ
يا جَفنةً كإزاءِ الحَوضِ قد هدَموا
ومَنطقًا مِثلَ وَشيِ اليُمْنةِ الحَبَرةْ

وقال الأصمعي: هو كقوله:

ومنطقٌ خُرِّقَ بالعواسلِ
لذَّ كوَشيِ اليُمْنةِ المَراحِلِ

وسأل رسول الله عمرو بن الأهتم عن الزبرقان بن بدر، فقال: إنه لَمانعٌ لحوزته، مُطاع في أذينه. قال الزبرقان: يا رسول الله، إنه ليعلم مني أكثر مما قال، ولكنه حسدني يا رسول الله في شرفي فقصَّر بي. فقال عمرو: هو والله زَمِر المروءة، ضيِّق العطن، لئيم الخال. فنظر النبي في عينَيه، فقال: يا رسول الله، رضيتُ فقلت أحسن ما علمت، وغضبتُ فقلت أقبح ما علمت، وما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الآخرة. فقال رسول الله : «إن من البيان لسحرًا.»

وتكلَّم رجل في حاجة عند عمر بن عبد العزيز — وكانت حاجته في قضائها مشقَّة — فتكلَّم الرجل بكلامٍ رقيق موجز وتأتَّى لها، فقال عمر: والله إن هذا للسِّحرُ الحلال.

ومن أصحاب الأخبار والآثار «أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة»، وكان القاضيَ قبل أبي يوسف.

ومن أصحاب الأخبار والآثار: «أبو هُنَيدة» و«أبو نعامة» العَدويَّان.

ومن الخطباء «أيوب بن القِرِّيَّة»، وهو الذي لما دخل على الحجَّاج قال له: ما أعددت لهذا الموقف؟ قال: ثلاثة حروف، كأنهن ركْبٌ وقوف؛ دنيا وآخرة ومعروف. ثم قال له في بعض القول: أقِلْني عثرتي، وأسِغْني ريقي؛ فإنه لا بد للجواد من كَبوة، وللسيف من نَبوة، وللحليم من هَفوة. قال: كلا والله حتى أوردك جهنم. ألست القائل برُستاقاباد «تغدَّوا الجَديَ قبل أن يتعشَّاكم»؟

ومن خطباء غَطفان في الجاهلية «خُوَيلِد بن عمرو»، و«العُشَراء بن جابر» بن عقيل بن هلال بن سُمَي بن مازن بن فزارة. وخويلد خطيب يوم الفِجار.

ومن أصحاب الأخبار والنَّسب والخُطب وأهل البيان «الوضَّاح بن خيثمة».

ومن أصحاب الأخبار والنَّسب والخُطب والحكام عند أصحاب النفورات «بنو الكوَّاء»، وإياهم يعني مِسكينُ بن أُنيف الدارمي حين ذكر أهل هذه الطبقة فقال:

كِلانا شاعرٌ من حيِّ صِدقٍ
ولكنَّ الرَّحى فوقَ الثِّفالِ
وحكِّمْ دَغفَلًا وارحَلْ إليه
ولا تُرِحِ المَطيَّ من الكَلالِ
تعالَ إلى بني الكوَّاءِ يقضوا
بعِلمِهمُ بأنسابِ الرِّجالِ
تعالَ إلى ابنِ مذعورٍ شِهابٍ
يُنبِّي بالسَّوافلِ والعوالي
وعندَ الكيِّسِ النَّمري عِلمٌ
ولو أضْحى بمُنخرِقِ الشِّمالِ

ومن الخطباء القدماء «كعب بن لؤي»، وكان يخطب على العرب عامة، ويحضُّ كنانة خاصةً على البر، فلما مات أكبروا موته، فلم تزَل كنانة تؤرِّخ بموت كعب بن لؤي إلى عام الفيل.

ومن الخطباء الأبْيِناء العلماء الذين جرَوا من الخطابة على أعراقٍ قديمة، «شبيب بن شيبة»، وهو الذي يقول في صالح بن أبي جعفر المنصور، وقد كان المنصور أقام صالحًا فتكلَّم، فقال شبيب: ما رأيت كاليوم أبيَنَ بيانًا، ولا أجوَد لسانًا، ولا أربط جَنانًا، ولا أبلَّ ريقًا، ولا أحسن طريقًا، ولا أغمض عروقًا، من صالح. وحُقَّ لمن كان أمير المؤمنين أباه، والمهدي أخاه، أن يكون كما قال زهير:

يَطلُبُ شأوَ امرَأينِ قدَّما حَسنًا
نالا المُلوكَ وبَذَّا هذه السُّوقا
هو الجوادُ فإنْ يَلحَقْ بشأوِهِما
على تكاليفِه فمِثلُه لَحِقا
أو يَسْبِقاه على ما كانَ من مَهَلٍ
فمِثلُ ما قدَّما من صالحٍ سَبَقا

وخرج شبيب من دار الخلافة يومًا فقال له قائل: كيف رأيت الناس؟ قال: رأيت الداخل راجيًا، والخارج راضيًا. وقال خالد بن صفوان: اتقوا مجانيق الضعفاء. يريد الدعاء. وقال شبيب: اطلب الأدب؛ فإنه دليل على المروءة، وزيادة في العقل، وصاحب في الغُربة، وصلة في المجلس. وقال شبيب للمهدي يومًا: أراك الله في بَنِيك ما أرى أباك فيك، وأرى الله بَنِيك فيك ما أراك في أبيك.

وقال أبو الحسن، قال زيد بن علي بن الحسين: اطلب ما يعنيك، واترك ما لا يعنيك؛ فإن في ترك ما لا يعنيك دَرَكًا لما يعنيك، وإنما تُقدَّم على ما قدَّمتَ، ولستَ تُقدَّم على ما أخَّرت؛ فآثر ما تلقاه غدًا على ما لا تراه أبدًا. أبو الحسن، عن إبراهيم بن سعد قال، قال خالد بن صفوان: ما الإنسان لولا اللسان إلا صورةٌ ممثَّلة، أو بهيمةٌ مُهمَلة.

أبو الحسن قال: كان «أبو بكر خطيبًا»، وكان «عمر» خطيبًا، وكان «عثمان» خطيبًا، وكان «علي» خطيبًا.

وكان من الخطباء «معاوية» و«يزيد» و«عبد الملك» و«معاوية بن يزيد» و«مروان» و«سليمان» و«يزيد بن الوليد» و«الوليد بن يزيد» و«الوليد بن عبد الملك» و«عمر بن عبد العزيز».

ومن خطباء بني هاشم «زيد بن علي» و«عبد الله بن حسن» و«عبد الله بن معاوية»، خطباء لا يُجارَون.

ومن خطباء النُّسَّاك والعُبَّاد «الحسن بن أبي الحسن البصري»، و«مطرِّف بن عبد الله الحَرَشي»، و«مؤرِّق العِجلي»، و«بكر بن عبد الله المُزني»، و«محمد بن واسع الأزدي»، و«يزيد بن أبان الرقاشي»، و«مالك بن دينار السامي».

وليس الأمر كما قال؛ في هؤلاء القاصُّ المُجيد، والواعظ البليغ، وذو المنطق الوجيز؛ فأما الخُطب فإنا لا نعلم أحدًا يتقدم الحسن البصري فيها، وهؤلاء وإن لم يُسمَّوا خطباء فإن الخطيب لم يكن يشقُّ غُبارهم.

أبو الحسن قال، حدَّثني أبو سليمان الحميري قال، كان هشام بن عبد الملك يقول: إني لأستصفق العمامة الرقيقة تكون على أذني إذا كان «عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر» يتكلم؛ مَخافةَ أن يسقط عني من حديثه شيء.

ومن الخطباء من بني عبد الله بن غطفان «أبو البلاد»، وكان راوية ناسبًا.

ومنهم «هاشم بن عبد الأعلى» الفَزاري.

ومن الخطباء «حفص بن معاوية الغلابي»، وكان خطيبًا، وهو الذي قال حين أشرك سليمان بن علي بينه وبين مولًى له على دارة القتب: أشركتَ بيني وبين غير الكَفِي، وولَّيتَني غيرَ السَّنِي.

ومن بني هلال بن عامر «زُرعة بن ضَمرة»، وهو الذي قيل: لولا غُلوٌّ فيه ما كان كلامه إلا الذهب. وقام عند معاوية بالشام خطيبًا، فقال معاوية: يا أهل الشام، هذا خالي فَأْتوني بخالٍ مِثله.

وكان ابنه «النعمان بن زُرعة» بن ضمرة من أخطب الناس، وهو أحد من كان تخلَّص من الحجَّاج من فلِّ ابن الأشعث بالكلام اللطيف.

قال سُحيم بن حفص: ومن الخطباء «عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي»، تكلَّم هو و«عبد الله بن الأهتم» عند عمر بن هُبيرة يُفضل عاصمًا عليه، فقال قائل يومئذٍ: الخلُّ الحامض ما لم يكن ماءً.

ومن خطباء بني تميم «عمرو بن الأهتم»، وكان يُدعى المكحَّل لجماله، وهو الذي قيل فيه: إنما شعره حُللٌ منشَّرة بين أيدي الملوك تأخذ منه ما شاءت. ولم يكن في بادية العرب في زمانه أخطب منه.

ومن بني مِنقر «عبد الله بن الأهتم»، وكان خطيبًا ذا مقامات ووفادات.

ومن الخطباء «صفوان بن عبد الله بن الأهتم»، وكان خطيبًا رئيسًا، وابنه «خالد بن صفوان»، وقد وفد إلى هشام، وكان من سُمَّار أبي العبَّاس.

ومنهم «عبد الله بن عبد الله بن الأهتم»، قد ولِيَ خراسان، ووفد على الخلفاء، وخطب عند الملوك.

ومن ولده «شبيب بن شيبة» بن عبد الله بن عبد الله بن الأهتم، و«عبد الله بن عبد الله بن عبد الله بن الأهتم»، و«خاقان بن الأهتم»، وهو عبد الله بن عبد الله بن عبد الله بن الأهتم.

ومن خطبائهم «محمد الأحول بن خاقان»، وكان خطيب بني تميم، وقد رأيته وسمعت كلامه.

ومن خطبائهم «مَعمر بن خاقان»، وقد وفد.

ومن خطبائهم «مؤمَّل بن خاقان».

وقال أبو الزبير الثقفي: ما رأيت خطيبًا من خطباء الأمصار أشبه بخطباء البادية من المؤمَّل بن خاقان.

ومن خطبائهم «خاقان بن المؤمَّل بن خاقان».

وكان «صباح بن خاقان» ذا علم وبيان ومعرفة، وشدة عارضة، وكثرة رواية، مع سخاء واحتمال، وصبر على الحق، ونصرة للصديق، وقيام بحق الجار.

ومن بني مِنقر «الحكَم بن النَّضر»، وهو «أبو العلاء المِنقري»، وكان يصرِّف لسانه حيث شاء، مع جهارة واقتدار.

ومن خطباء بني صُريم بن الحارث «الخَزرَج بن الصدي».

ومن خطباء بني تميم ثم من مُقاعس «عمارة بن أبي سليمان».

ومن ولد مالك بن سعيد «عبد الله» و«خير» ابنا حبيب، كانا ناسبَين عالمين أديبين ديِّنَين.

ومن ولد مالك بن سعيد «عبد الله» و«العبَّاس» ابنا رؤبة، وكان «العبَّاس» علَّامة ناسبًا راوية، وكان «عبد الله» أرجز الناس وأفصحهم، ويُكنى «أبا الشعثاء»، وهو «العجَّاج».

ومن أصحاب الأخبار والنسب «أبو بكر الصدِّيق» رضي الله عنه، ثم «جُبير بن مُطعِم»، ثم «سعيد بن المسيب»، ثم «محمد بن سعيد» بن المسيب، ثم «قتادة»، و«عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة المسعودي» الذي قال في كلمة له في عمر بن عبد العزيز وعبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان رضي الله عنه:

فمُسَّا تُرابَ الأرضِ منه خُلِقتَما
وفيه المعادُ والمصيرُ إلى الحَشرِ
ولا تأنَفا أنْ تَرجِعا فتُسلِّما
فما حُشِيَ الإنسانُ شرًّا من الكِبْرِ
فلو شئتُ أُولي فيكما غيْرَ واحدٍ
علانيةً أو قالَ عنديَ في سِرِّ
فإنْ أنا لم آمُرْ ولم أنْهَ عنكما
ضَحِكتُ له حتى يَلِجَّ ويَستشري

وهو الذي قيل له: كيف تقول الشعر مع النُّسك والفقه؟ فقال: إن المصدور لا يملك أن ينفث.

وقد ذكر المصدورَ أبو زُبيد الطائي في صفة الأسد فقال:

للصَّدرِ منه عَويلٌ فيه حَشرَجةٌ
كأنَّما هو من أحشاءِ مَصدورِ

ومن خطباء هذيل «أبو المليح الهُذلي» أسامة بن عُمير.

ومنهم «أبو بكر الهُذلي»، كان خطيبًا قاصًّا، وعالمًا بيِّنًا، وعالمًا بالأخبار والآثار، وهو الذي لما فاخَر أهلَ الكوفة قال: لنا الساج، والعاج، والديباج، والخراج، والنهر العجَّاج.

(١٦) باب من أسماء الكُهان والحُكام والخطباء والعلماء من قَحْطان

قالوا: أكهَنُ العرب وأسجَعُهم «سَلمة بن أبي حيَّة»، وهو الذي يُقال له «عُزَّى سلمة».

ومنهم ومن خطباء عُمان «مُرَّة بن فَهْم التليد»، وهو الخطيب الذي أوفده المهلَّب إلى الحجَّاج.

ومن العتيك «بِشر بن المُغيرة بن أبي صُفرة»، وهو الذي قال لبني المهلَّب: يا بني عمِّي، إني والله قد قصَّرت عن شَكاة العاتب، وجاوزت شكاة المُستعتِب، حتى كأني لست موصولًا ولا محرومًا؛ فعِدوني امرأً خِفتم لسانه، أو رجوتم شكره، وإني وإن قلت هذا فلَمَا أبلاني الله بكم أعظم مما أبلاكم بي.

ومن خطباء اليمن ثم من حِميَر «الصبَّاح بن شُقي الحِميري»، كان أخطب العرب.

ومنهم ثم من الأنصار «قيس بن الشمَّاس»، ومنهم «ثابت بن قيس بن الشمَّاس» خطيب النبي .

ومنهم «رَوح بن زِنباع»، وهو الذي لمَّا همَّ به معاوية قال: لا تُشمِتنَّ بي عدوًّا أنت وقَمتَه، ولا تسوءنَّ بي صديقًا أنت سرَرتَه، ولا تهدمنَّ مني ركنًا أنت بنَيتَه. هلَّا أتى حِلمك وإحسانك على جهلي وإساءتي؟

ومن خطبائهم «الأسود الكذَّاب بن كعب العَنسي». وكان «طُليحة» خطيبًا وشاعرًا، وسجَّاعًا كاهنًا ناسبًا. وكان «مُسيلمة الكذَّاب» بعيدًا من ذلك كله.

و«ثابت بن قيس بن شماس» هو الذي قال لعامر حين قال: أمَا والله لئن تعرَّضتَ لعنِّي وفنِّي، وذكاء سِنِّي، لتُولِّينَّ عني. فقال له ثابت: أمَا والله لئن تعرَّضتَ لسِبابي، وشبا أنيابي، وسرعة جوابي، لتكرهنَّ جَنابي. فقال النبي : «يكفيك الله وأبناء قَيلة.»

وأخذت هذا الحديث من رجلٍ يصنع الأخبار فأنا أتَّهمه.

ومن خطباء الأنصار «بِشر بن عمرو بن محصن»، وهو أبو عَمرة الخطيب.

ومن خطباء الأنصار «سعد بن الربيع»، وهو الذي اعترضت ابنته النبي ، فقال لها: من أنت؟ قالت: ابنة الخطيب النقيب الشهيد؛ سعد بن الربيع.

ومنهم «خال حسَّان بن ثابت»، وفيه يقول حسان:

إنَّ خالي خطيبُ جابيةِ الجَو
لانِ عندَ النُّعمانِ حيثُ يقومُ

وإياه يعني حسان بقوله:

رُبَّ خالٍ ليَ لو أبصَرتِه
سَبِطِ المِشيةِ في اليومِ الخَصِرْ

ومنهم من الرُّواة والنسَّابين والعلماء «شرقيُّ بن القطامي الكلبي»، و«محمد بن السائب الكلبي»، و«عبد الله عيَّاش الهَمْداني»، و«هشام بن محمد بن السائب الكلبي»، و«الهيثم بن عدي الطائي»، و«أبو رَوق الهَمْداني» واسمه «عطية بن الحارث»، و«أبو مِخنف لوط بن يحيى الأزدي»، و«محمد بن عمر الأسلمي الواقدي»، و«عَوانة الكلبي»، و«ابن عُيينة المهلَّبي»، و«الخليل بن أحمد» الفراهيدي، و«خلف بن حيَّان الأحمر» الأشعري.

قالوا: ومنا في الجاهلية «عُبيد بن شَريَّة»، ومنا «شِقُّ بن الصعب»، ومنا «ربيع بن ربيعة السطيح الذئبي»، ومنا «المأمور الحارثي»، و«الديَّان بن عبد المدان الحارثي»؛ الشريفان الكاهنان.

ومنهم «عمرو بن حنظلة بن نَهد الحَكَم»، وله يقول القائل:

حنظلةُ بنُ نَهْدِ
خيرُ ناسٍ من مَعَدِّ

ومنهم: «أبو الشطَّاح اللخمي»، وجمع معاوية بينه وبين دَغفل بن حنظلة البكري.

ومنهم «أبو الكُناس الكندي»، ومنهم «أبو مِخوَس الكندي»، وكانا ناسبَين عالمين.

ومن أصحاب الأخبار والآثار «عبد الله بن عتبة بن لهيعة»، ويُكنى أبا عبد الرحمن.

ومن القُدماء في الحكمة والخطابة والرياسة «عُبيد بن شريَّة» الجُرهمي، و«أسقف نجران»، و«أُكَيدِر» صاحب دُومة الجندل، و«أُفيعى نجران»، و«ذَرِب بن حوط»، و«عُلَيم بن جناب»، و«عمرو بن ربيعة»، وهو لُحَي بن حارثة بن عمرو مُزيقيا، و«جَذيمة بن مالك الأبرش»، وهو أول من أسرج الشَّمع ورمى بالمنجنيق.

(١٧) باب ذِكر النُّسَّاك والزُّهَّاد من أهل البيان

«عامر بن عبد قيس»، و«صلة بن أشيَم»، و«عثمان بن أدهم»، و«صفوان بن محرز»، و«الأسود بن كلثوم»، و«الربيع بن خيثم»، و«عمرو بن عتبة بن فرقد»، و«هرم بن حيان»، و«مؤرِّق العجلي»، و«بكر بن عبد الله بن الشِّخير الحرشي».

وبعد هؤلاء «مالك بن دينار»، و«حبيب أبو محمد»، و«يزيد الرقاشي»، و«صالح المُرِّي»، و«أبو حازم الأعرج»، و«زياد» مولى عيَّاش بن أبي ربيعة، و«عبد الواحد بن زياد»، و«حيَّان أبو الأسود»، و«دهثم أبو العلاء».

ومن النساء «رابعة القيسية»، و«مُعاذة العدوية» امرأة صلة بن أشيم، و«أم الدرداء».

ومن نساء الخوارج «البَلجاء»، و«غزالة»، و«قطام»، و«حمَّادة»، و«كُحيلة».

ومن نساء الغالية «ليلى الناعطية»، و«الصَّدوف»، و«هند».

وممن كان من النُّساك ممن أدركناه «أبو الوليد»، وهو «الحَكم الكِندي»، و«محمد بن محمد الحمراني».

ومن القدماء ممن كان يُذكَر بالقدر والرياسة، والبيان، والخطابة، والحكمة، والدهاء والنكراء؛ «لقمان بن عاد»، و«لُقيم بن لقمان»، و«مُجاشع بن دارم»، و«سليط بن كعب» بن يربوع، سمَّوه بذلك لسلاطة لسانه، وقال جرير:

إنَّ سَليطًا كاسْمِه سليطُ

و«لؤي بن غالب»، و«قُس بن ساعدة»، و«قُصي بن كلاب».

ومن الخطباء البلغاء والحكام الرؤساء «أكثَمُ بن صَيفي»، و«ربيعة بن حُذار»، و«هَرِم بن قُطبة»، و«عامر بن الظَّرِب»، و«لبيد بن ربيعة».

وكان من الشعراء وأسماء الصوفية من النُّساك ممن يُجيد الكلام «كِلاب»، و«كُليب»، و«هاشم الأوقص»، و«أبو هاشم الصوفي»، و«صالح بن عبد الجليل».

ومن القدماء العلماء بالنسب وبالغريب «الخَطَفى»، وهو جد جرير بن عطية بن الخطَفى، وهو حذيفة بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع، وإنما سُمِّي الخطَفى لأبياتٍ قالها:

يَرفَعنَ بالليلِ إذا ما أسْدَفا
أعناقَ جِنَّانٍ وهامًا رُجَّفا
وعَنَقًا باقي الرَّسيمِ خَيطَفا

العَنق: ضربٌ من السير، وهو المُسبطِر؛ فإذا ارتفع عن العنق قليلًا فهو التزيد، فإذا ارتفع عن ذاك فهو الذميل، والرسيم فوق الذميل. والخيطف: السريع؛ أي يخطف كما يخطف البرق، وخيطف من الخطف، والياء زائدة في خيطف، كما قالوا: رجل صيرف من الصرف، ورجل جيدر من الجدر وهو القِصر، وأصل الخطف الأخذ في سرعة، ثم استُعير لكل سريع.

(١٨) ذكر القُصَّاص

قصَّ «الأسود بن سريع»، وهو الذي قال:

فإنْ تَنجُ منها تَنجُ من ذي عظيمةٍ
وإلا فإنِّي لا إخالُكَ ناجِيا

وقص «الحسن» و«سعيد» بن أبي الحسن.

وكان «جعفر بن الحسن» أول من اتَّخذ في مسجد البصرة حلقة وأقرأ القرآن [فيها]، وقص «إبراهيم التيمي».

وقص «عُبيد بن عُمير الليثي»، وجلس إليه «عبد الله بن عمر». حدَّثني بذلك «عمرو بن فائد» بإسناد له.

ومن القُصَّاص «أبو بكر الهُذلي»، وهو «عبد الله بن أبي سليمان»، وكان خطيبًا بيِّنًا، صاحب أخبار وآثار.

وقص ابنه «مطرِّف بن عبد الله» بن الشِّخِّير في مكان أبيه.

ومن كبار القُصاص ثم من هُذيل «مُسلم بن جُندب»، وكان قاصَّ مسجد النبي بالمدينة، وكان إمامهم وقارئهم، وفيه يقول عمر بن عبد العزيز: من سرَّه أن يسمع القرآن غضًّا فليسمع قراءة مسلم بن جندب.

ومن القُصاص «عبد الله بن عَرادة» بن عبد الله بن الوضين، وله مسجد في بني شيبان.

ومن القُصاص «موسى الأُسواري»، وكان من أعاجيب الدنيا، كانت فصاحته بالفارسية في وزن فصاحته بالعربية، وكان يجلس في مجلسه المشهور به، فيقعد العرب عن يمينه، والفُرس عن يساره، فيقرأ الآية من كتاب الله ويُفسرها للعرب بالعربية، ثم يحوِّل وجهه إلى الفُرس فيُفسرها لهم بالفارسية، فلا يُدرى بأي لسان هو أبيَن. واللغتان إذا الْتَقتا في اللسان الواحد أدخلت كل واحدة منهما الضَّيم على صاحبتها، إلا ما ذكروا من لسان «موسى بن سيَّار الأسواري»، ولم يكن في هذه الأمة بعد «أبي موسى الأشعري» أقرأ في مِحراب من «موسى بن سيار».

ثم «عثمان بن سعيد بن أسعد».

ثم «يونس النحوي»، ثم «المعلَّى».

ثم قصَّ في مسجده «أبو علي الأسواري»، وهو «عمرو بن فائد»، ستًّا وثلاثين سنة، فابتدأ لهم في تفسير سورة البقرة، فما ختم القرآن حتى مات؛ لأنه كان حافظًا للسِّيَر ولوجوه التأويلات، فكان ربما فسَّر آيةً واحدة في عدة أسابيع، كأن الآية ذُكر فيها يوم بدر، وكان هو يحفظ مما يجوز أن يلحق في ذلك من الأحاديث الكثيرة، وكان يقصُّ في فنونٍ كثيرة من القصص، ويجعل للقرآن نصيبًا من ذلك، وكان «يونس بن حبيب» يسمع منه كلام العرب ويحتجُّ به، وخصاله المحمودة كثيرة.

ثم قص من بعده «القاسم بن يحيى»، وهو «أبو العبَّاس الضرير»، لم يُدرَك في القُصَّاص مِثله.

وكان يقصُّ معهما وبعدهما «مالك بن عبد الحميد المكفوف»، ويزعمون أن «أبا علي» لم يسمع منه كلمة غيبة قط، ولا عارض أحدًا قط من المخالفين والحُساد والبُغاة بشيء من المكافأة.

فأما «صالح المُرِّي» فإنه كان يُكنى «أبا بشر»، وكان صحيح الكلام رقيق المجلس، فذكر أصحابنا أن «سُفيان بن حبيب» لما دخل البصرة وتوارى عند «مرحوم العطار» قال له مرحوم: هل لك أن تأتيَ قاصًّا عندنا فتتفرج بالخروج والنظر إلى الناس والاستماع منه؟ فأتاه على تكرُّه كأنه ظنَّه كبعض من يبلغه شأنه، فلما أتاه وسمع منطقه، وسمع تلاوته للقرآن، وسمعه يقول: حدَّثنا سعيد عن قتادة، وحدَّثنا قتادة عن الحسن، رأى بيانًا لم يحتسبه، ومذهبًا لم يكن يُدانيه، فأقبل سُفيان على مرحوم فقال: هذا ليس قاصًّا، هذا نذير.

(١٩) باب ما قيل في المَخاصر والعِصِي وغيرهما

كانت العرب تخطب بالمخاصر، وتعتمد على الأرض بالقِسِي، وتُشير بالعِصِي والقنا، نعم حتى كانت المخاصر لا تُفارق أيدي الملوك في مجالسها؛ ولذلك قال الشاعر:

في كفِّه خَيزُرانٌ رِيحُها عَبِقٌ
بكفِّ أروَعَ في عِرنينِه شَمَمُ
يُغْضي حياءً ويُغْضى من مَهابتِه
فما يُكلَّمُ إلَّا حينَ يَبتسمُ
إنْ قالَ قالَ بما يَهْوى جميعُهمُ
وإنْ تَكلَّمَ يومًا ساحتِ الكَلِمُ
يكادُ يُمسِكُه عِرْفانَ راحتِه
رُكنُ الحَطيمِ إذا ما جاءَ يَستلمُ
كم هاتفٍ لك من داعٍ وداعيةٍ
يَدعُونَ يا قُثَمَ الخيراتِ يا قُثَمُ

وقال الشاعر قولًا فسَّر فيه ما قلنا، قال:

مَجالسُهم خَفضُ الحديثِ وقولُهم
إذا ما قضَوا في الأمرِ وَحيُ المَخاصِرِ

وقال الكُميت بن زيد:

ونَزُورُ مَسْلمةَ المُهذَّ
بَ بالمؤيَّدةِ السوائرْ
بالمُذهَباتِ المُعجَبا
تِ لمُفحَمٍ منَّا وشاعِرْ
أهلِ التَّجاوُبِ والمَحا
فِلِ والمَقاوِلِ بالمَخاصِرْ
فهُمُ كذلك في المَجا
لِسِ والمَحافِلِ والمَشاعِرْ

وكما قال الأنصاري في المجامع حيث يقول:

وسارتْ بنا سيَّارةٌ ذاتُ سورةٍ
بِكُومِ المَطايا والخُيولِ الجَماهِرِ
يؤمُّون مُلْكَ الشَّامِ حتى تَمكَّنوا
مُلوكًا بأرضِ الشامِ فوقَ المَنابِرِ
يُصيبون فصْلَ القولِ في كلِّ خُطبةٍ
إذا وصلوا أيمانَهم بالمَخاصِرِ

وفي المخاصر والعِصي، وفي خد وجه الأرض بأطراف القِسي، قال الحطيئة:

أم من لخَصمٍ مُضجِعِينَ قِسِيَّهم
صُعْرٍ خُدودُهمُ عِظامِ المَفخَرِ

وقال لبيد بن ربيعة في الإشارة:

غُلْبٌ تَشذَّرُ بالدُّخولِ كأنَّها
جِنُّ البَدِيِّ رواسيًا أقدامُها

وقال في خد وجه الأرض بالعِصي والقِسي:

يَشِينُ صِحاحَ البِيدِ كلَّ عَشيَّةٍ
بِعُوجِ السَّراءِ عندَ بابٍ مُحجَّبِ

عوج: جمع عوجاء، وهي ها هنا القوس. والسراء: شجر يُعمل منه القوس، وفي مِثله يقول الشاعر:

إذا اقتسمَ الناسُ فضْلَ الفَخَارِ
أطَلْنا على الأرضِ مَيْلَ العصا

وقال الآخر:

كتَبتْ لنا في الأرضِ يومَ مُحرِّقٍ
أيَّامُنا في الأرضِ يومًا فَيصَلا

وقال لبيد بن ربيعة في ذكر القِسي:

ما إنْ أهابُ إذا السُّرادِقُ عمَّه
قَرعُ القِسِيِّ وأُرعِشَ الرِّعدِيدُ

وقال مَعنُ بن أوس المُزني:

ألَا من مُبلِغٌ عنِّي رسولًا
عُبيدَ اللهِ إذ عَجِلَ الرِّسالا
تُغافِلُ دُونَنا أبناءَ ثَورٍ
ونحن الأكثرونَ حَصًى ومالا
إذا اجتمعَ القبائلُ جئتَ رِدْفًا
أمامَ الماسِحِين لك السِّبالا
فلا تُعطى عصا الخُطباءِ فيهم
وقد تُكْفى المَقادةَ والمَقالا

ومما قالوا في حمل القناة قوله:

إلى امرئٍ لا تَخطَّاه الرِّقابُ ولا
حُدْبِ الخوانِ إذا ما استُنشئَ العرقُ
صُلْبُ الحيازيمِ لا هَذرُ الكلامِ إذا
هزَّ القناةَ ولا مُستعجِلٌ زَهِقُ

وكما قال جرير بن الخطَفى:

من للقناةِ إذا ما عيَّ قائلُها
أم للأعِنَّةِ يا شَيبُ بنَ عمَّارِ
وقال: ومِثل هذا قول «أبي المُجيب الرَّبَعي»: ما تزال تحفظ أخاك حتى يأخذ القناة، فعند ذلك يفضحك أو يسرُّك. يقول: إذا قام يخطب. وفي كتاب جبل بن يزيد: احفظ أخاك إلا من نفسه. وقال عبد الله بن رؤبة: سأل رجل رؤبة عن أخطب بني تميم، فقال: «خِداش بن بشر بن لبيد.»٣٤ يعني البَعيث، وإنما قيل له «البعيث» لقوله:
تبعَّث منِّي ما تبعَّث بعدما
أُمِرَّت حِبالي كلَّ مِرَّتِها شَزْرا٣٥

وزعم سُحيم بن حفص أنه كان يُقال: أخطَبُ بني تميم البعيثُ إذا أخذ القناة. وقال يونس: لعَمْري لئن كان مغلَّبًا في الشعر لقد كان غُلِّب في الخطب.

ومن الشعراء من يَغلِب شيءٌ قاله في شعره على اسمه وكُنيته فيُسمَّى به، وهم كثير.

فمنهم «البعيث» هذا.

ومنهم عوف بن حِصن٣٦ بن حذيفة بن بدر، غلب عليه «عويف القوافي» لقوله:
سأُكذِبُ من قد كانَ يَزعُمُ أنَّني
إذا قلتُ شِعرًا لا أُجيدُ القوافيا

فسُمِّي «عويف القوافي».

ومنهم «يزيد بن ضِرار» التغلبي، غلب عليه «المزرِّد» لقوله:

فقلتُ تَزرَّدْها عُبَيدُ فإنَّني
لِدُرْدِ الموالي في السِّنِينَ مُزرِّدُ

فسُمِّي «المزرِّد».

ومنهم «عمرو بن سعيد» بن مالك، غلب عليه «المرقِّش»؛ وذلك لقوله:

الدَّارُ قَفرٌ والرُّسومُ كما
رقَّشَ في ظَهرِ الأديمِ قَلَمْ

فسُمِّي «مرقشًا».

ومنهم: «شاس بن نهار العبدي»، غلب عليه «الممزَّق» لقوله:

فإنْ كنتُ مأكولًا فكُنْ خيرَ آكِلٍ
وإلَّا فأدرِكْني ولمَّا أُمزَّقِ

فسُمِّي «الممزق».

ومنهم «جرير بن عبد المسيح» الضبعي، غلب عليه «المتلمِّس» لقوله:

فهذا أوانُ العِرضِ طنَّ ذُبابُه
زنابيرُه والأزرقُ المتلمِّسُ

ومنهم «عمرو بن رباح» بن عمرو السُّلمي، أبو خنساء بنت عمرو، غلب «الشريد» على اسمه لقوله:

تولَّى إخوَتي وبَقِيتُ فَردًا
وحيدًا في ديارِهمُ شَريدا

فسُمِّي «الشريد». وهذا كثير.

ودخل رجل من قيس عيلان على عبد الملك بن مروان، فقال: زُبَيريٌّ عُمَيري، والله لا يُحبُّك قلبي أبدًا. قال: يا أمير المؤمنين، إنما يجزع من فُقدان الحب المرأة، ولكن عدل وإنصاف.

وقال عمر لأبي مريم الحنفي السلولي قاتل زيد بن الخطاب: لا يُحبُّك قلبي أبدًا حتى تحب الأرض الدم المسفوح.

وهذا مثل قول الحجَّاج: والله لأقلعنَّك قلع الصمغة. لأن الصمغة اليابسة إذا فُرقت عن الشجرة انقلعت انقلاع الجُلْبة، والأرض لا تنشف الدم المسفوح ولا تمصُّه، فمتى جف الدم وتجلَّب لم ترَه أخذ من الأرض شيئًا.

ومن الخطباء: «الغضبان بن القَبَعثَرى»، وكان محبوسًا في سجن الحجَّاج، فدعا به يومًا، فلما رآه قال: إنك لسمين. قال: القَيد والرَّتعة، ومن يكن ضيفًا للأمير يَسمَن.

وقال يزيد بن عياض: لما نَقم الناس على عثمان خرج يتوكَّأ على مروان وهو يقول: لكلِّ أمَّةٍ آفة، ولكلِّ نعمةٍ عاهة، وإن آفة هذه الأمَّة عيَّابون طعَّانون، يُظهرون لكم ما تُحبُّون، ويُسرُّون ما تكرهون، طغام مثل النعام، يتبعون أول ناعق. لقد نقموا عليَّ ما نقموه على عمر، ولكن قمعهم ووقمهم. والله إني لأقرب ناصرًا وأعز نفرًا، فضَل فضلٌ من مالي، فما لي لا أفعل في الفضل ما أشاء؟

ورأيت الناس يتداولون رسالة «يحيى بن يعمر» على لسان «يزيد بن المهلَّب»: إنا لقينا العدو فقتَلْنا طائفة وأسَرْنا طائفة، ولحقت طائفة بعراعر الأودية وأهضام الغيطان، وبِتْنا بعُرعُرة الجبل، وبات العدو بحضيضه، فقال الحجَّاج: ما يزيد بأبي عُذرة هذا الكلام. فقيل له: إن معه يحيى بن يعمر. فحُمِل إليه، فلما أتاه قال: أين وُلدت؟ قال: بالأهواز. قال: فأنَّى لك هذه الفصاحة؟ قال: أخذتها عن أبي.

عراعر الأودية: أسافلها، وعراعر الجبال: أعاليها. وأهضام الغيطان: مداخلها. والغيطان: جمع غائط، وهو الحائط ذو الشجر.

ورأيتهم يُديرون في كُتُبهم أن امرأةً خاصمت زوجها إلى يحيى بن يعمر فانتهرها مرارًا، فقال له يحيى: إن سألتْك ثمن شَكْرها وشَبْرك، أنشأتَ تطلُّها وتَضهَلها؟

قالوا: الضهل: القليل. والشكر: الجماع. والشبر: البضع. تطلها: تذهب بحقها، يُقال: دم مطلول، ويُقال: بئر ضهول؛ أي قليلة الماء.

فإن كانوا إنما روَوا هذا الكلام لأنه يدل على فصاحة فقد باعَده الله من صفة البلاغة والفصاحة، وإن كانوا إنما دوَّنوه في الكُتب وتذاكروه في المجالس لأنه غريب، فأبيات من شعر العجَّاج أو شعر الطِّرمَّاح أو أشعار هُذيل تأتي لهم مع حسن الرصف على أكثر مما ذكروا. ولو خاطب بقوله «إن سألتْك ثمن شَكرها وشَبرك أنشأت تطلها وتضهلها؟» الأصمعي، لظننت أنه سيجهل بعض ذلك؛ فهذا ليس من أخلاق الكُتاب ولا من آدابهم.

أبو الحسن: كان غلامٌ يُقعر في كلامه، فأتى أبا الأسود الدؤلي يلتمس بعض ما عنده، فقال له أبو الأسود: ما فعل أبوك؟ قال: أخذته الحمَّى فطبخته طبخًا، وفتخته فتخًا، وفضخته فضخًا، فتركته فرخًا.

فتخته: أضعفته، والفتيخ: الرخو الضعيف. وفضخته: دقته.

فقال أبو الأسود: فما فعلت امرأته التي كانت تُشارُّه وتُمارُّه وتُهارُّه وتُزارُّه؟ قال: طلَّقها وتزوَّجتْ غيره، فرضِيت وحظِيت وبظِيت. قال أبو الأسود: قد عرفنا رضيت وحظيت، فما بظيت؟ قال: بظيت حرفٌ من الغريب لم يبلغْك. قال أبو الأسود: يا بُنيَّ، كل كلمة لا يعرفها عمُّك فاسترها كما تستر السِّنَّور خرءها.

قال أبو الحسن: مر «أبو علقمة النحوي» ببعض طرق البصرة، وهاجت به مِرَّة، فوثب عليه قوم منهم فأقبلوا يعضُّون إبهامه ويؤذِّنون في أذنه، فأفلت من أيديهم فقال: ما لكم تَتكأكئُون عليَّ كما تتكأكئُون على ذي جِنَّة؟ افرنقِعوا عنِّي. قالوا: دعوه؛ فإن شيطانه يتكلم بالهندية. وقال أبو الحسن: وهاج بأبي علقمة الدم فأُتي بحجَّام، فقال للحجَّام: اشدُد قصب المَلازم، وأرهِفْ ظُبات المشارط، وأسرِعِ الوضع، وعجِّلِ النزع، وليكن شرطك وخزًا، ومصُّك نهزًا، ولا تُكرِهنَّ أبيًّا، ولا تردَّنَّ أتيًّا. فوضع الحجَّام محاجمه في جُونته وانصرف.

فحديث أبي علقمة فيه غريب، وفيه أنه لو كان حجَّامًا مرةً ما زاد على ما قال. وليس في كلام يحيى بن يعمر شيء من الدنيا إلا أنه غريب، وهو أيضًا من الغريب بغيض.

وذكروا عن محمد بن إسحاق قال: لما جاء ابنَ الزبير — وهو بمكة — قتلُ مروان الضحَّاك بمرج راهط، قام فينا خطيبًا فقال: إن ثعلب بن ثعلب حفر بالصحصحة، فأخطأت استه الحفرة، وا لهفَ أم لم تلدني على رجل من مُحارب كان يرعى في جبال مكة، فيأتي بالشربة من اللبن فيبيعها بالقبضة من الدقيق، فيرى ذلك سدادًا من عيش، ثم أنشأ يطلب الخلافة ووراثة النبوة!

وأول هذا الكلام مُستكرَه، وهو موجود في كل كتاب، وجارٍ على لسان كل صاحب خبر، وقد سمعت لابن الزبير كلامًا كثيرًا ليس هذا في سبيله ولا يتعلق به.

وقال أبو يعقوب الأعور السُّلمي:

وخَلجةِ ظنٍّ يَسبِقُ الطَّرْفَ حَزمُها
تُشيفُ على غَيمٍ وتُمكِنُ من زَحلِ
صدَعتُ بها والقومُ فوضى كأنَّهم
بِكارةُ مِرباعٍ تُبصبِصُ للفَحلِ

خلجة ظن: أي ظن سريع. تُشيف: تُشرف. بكارة مرباع: أي نوق صغار قد أذلَّت للفحل. مرباع: أي نوق ربيع، والمرباع: ربع الغنيمة في الجاهلية لصاحب الجيش، قال ابن عثمة:

لك المِرباعُ منها والصفايا
وحُكمُك والنشيطةُ والفُضولُ

وقال رجل من بني يربوع:

إلى اللهِ أشكو ثُم أشكو إليكما
وهل تَنفعُ الشكوى إلى من يَزيدُها؟
حَزَازاتِ حُبٍّ في الفؤادِ وعَبْرةً
أظلُّ بأطرافِ البَنانِ أذُودُها
يَحِنُّ فؤادي من مَخافةِ بَينِكم
حنينَ المزجَّى وِجهةً لا يُريدُها

وقد أحسن الآخَر حيث يقول:

وأُكرِمُ نَفْسي عن مَناكحَ جَمَّةٍ
ويَقصُرُ مالي أن أنالَ الغواليا

وقال الآخر:

وإذا العبدُ أغلقَ البابَ دُوني
لم يُحرَّمْ عليَّ مَتنُ الطَّريقِ

وقال الخليع العطاردي: كنا بالبادية إذ نشأ عارض، وما في السماء قزَعة معلَّقة، وجاء السَّيل فاكتسح أبياتًا من بني سعد، فقلت:

فَرِحْنا بوَسْميِّ تألَّقَ وَدقُه
عَشاءً فأبْكانا صباحًا فأسرَعا
له ظُلَّةٌ كأنَّ ريِّقَ وَبلِها
عَجاجةُ صَيفٍ أو دُخانٌ تَرفَّعا
فكان على قومٍ سلامًا ونعمةً
وألحَقَ عادًا آخَرينَ وتُبَّعا

وقال أبو عطاء السِّندي لعُبيد الله بن عبَّاس الكِندي:

إلى مَعشَرٍ أرْدَوا أخاكَ وكَفَّروا
أباكَ فماذا بعدَ ذاك تقولُ؟
وقُل لعُبيدِ اللهِ لو كانَ جَعفرٌ
هو الحيُّ لم يَبرَحْ وأنتَ قَتيلُ

فقال عُبيد الله: أقول عضَّ أبو عطاء ببَظْر أمه. فغُلِّب عليه.

قال أبو عبيدة، قال أبو البصير في أبي رهم السدوسي، وكان يلي الأعمال لأبي جعفر:

رأيتُ أبا رَهمٍ يُقرِّبُ مُنجِحًا
غُلامَ أبي بِشرٍ ويَجفو أبا بِشرِ
فقلتُ ليحيى كيف قرَّب مُنجِحًا؟
فقال له أيْرٌ يَزيدُ على شِبرِ

وقال أبو عثمان: وقد طعنت الشعوبية على أخذ العرب المخصرة في خُطبها، والقنا والقضيب، والاتكاء والاعتماد على القوس، والخد في الأرض، والإشارة بالقضيب، بكلامٍ مُستكرَه نذكُره إن شاء الله تعالى في الجزء الثالث.

ولا بد من أن نذكُر فيه بعض كلام معاوية، ويزيد، وعبد الملك، وابن الزبير، وسليمان، وعمر بن عبد العزيز، والوليد بن يزيد، ويزيد بن الوليد؛ لأن الباقين من ملوكهم لم يُذكَر لهم من الكلام الذي يُلحق بالخُطب وبصناعة المنطق إلا اليسير.

ولا بد من أن نذكُر فيه أقسام تأليف جميع الكلام، وكيف خالَف القرآن جميع الكلام الموزون والمنثور، وهو منثورٌ غير مقفًّى على مخارج الأشعار والأسجاع، وكيف صار نظمه من أعظم البرهان، وتأليفه من أكبر الحُجج.

ولا بد من أن يكون فيه ذِكر شأن إسماعيل، على نبيِّنا وعليه السلام، وانقلاب لغته وبيانه بعد أربع عشرة سنة، وكيف نسي لغته التي رُبي فيها وجرى على أعراقها، وكيف لفَظَ بجميع حاجاته بالعربية عن غير تلقين وترتيب، وحتى لم تدخله عُجمة ولا لُكنة ولا حُبسة، ولا تعلَّق بلسانه شيء من تلك العادة.

ولا بد من ذِكر بعض كلام المأمون ومذاهبه، وبعض ما يحضرني من كلام آبائه وجِلَّة رهطه.

ولا بد أيضًا من ذِكر من صَعِد المِنبر فحَصِر وخلط، أو قال فأحسن؛ ليكون الكتاب أكمل إن شاء الله تعالى.

ولا بد من ذِكر المنابر ولِمَ اتُّخذت، وكيف كانت الخطباء من العرب في الجاهلية وفي صدور الإسلام، وهل كانت المنابر لأمَّةٍ غير أمتنا، وكيف كانت الحال في ذلك.

وقد ذكرنا أن الأمم التي فيها الأخلاق والآداب والحِكَم والعلم أربع، وهي العرب والهند وفارس والروم.

وقال حُكيم بن عيَّاش الكلبي:

ألمْ يكُ مُلكُ أرضِ اللهِ طُرًّا
لأربعةٍ له مُتميِّزِينا
لحِميَرَ والنجاشي وابنِ كِسرى
وقيصرَ غيْرَ قولِ المُمتَرِينا

فما أدري بأي سبب وضَع الحبشة في هذا الموضع، وأما ذِكره لحِميَر فإن كان إنما ذهب إلى تُبَّع نفسه في الملوك فهذا له وجه، وأما النجاشي فليس هو عند الملوك في هذا المكان، ولو كان النجاشي في نفسه فوق تُبَّع وكِسرى وقيصر لمَا كان أهل مملكته من الحبش في هذا الموضع، وهو لم يفضِّل النجاشي لمكان إسلامه، يدل على ذلك تفضيله لكِسرى وقيصر، وكان وضع كلامه على ذِكر الممالك، ثم ترك الممالك وأخذ في ذكر الملوك.

والدليل على أن العرب أنطق، وأن لُغتها أوسع، وأن لفظها أدل، وأن أقسام تأليف كلامها أكثر، والأمثال التي ضُربت فيها أجوَد وأسيَر.

والدليل على أن البديهة مقصورة عليها، وأن الارتجال والاقتضاب خاصٌّ فيها، وما الفرق بين أشعارهم وبين الكلام الذي تُسميه الفُرس والروم شعرًا، وكيف صار النسيب في أشعارهم وفي كلامهم الذي أدخلوه في غنائهم وفي ألحانهم إنما يُقال على ألسنة نسائهم، وهذا لا يُصاب في العرب إلا القليل اليسير، وكيف صارت العرب تقطع الألحان الموزونة على الأشعار الموزونة، فتضع موزونًا على موزون، والعجم تُمطط الألفاظ فتقبض وتبسط حتى تدخل في وزن اللحن فتضع موزونًا على غير موزون.

وسنذكُر في الجزء الثاني من أبواب اللحن والعِي والغلط والغفلة أبوابًا ظريفة، ونذكُر فيه النَّوكى من الوجوه، ومجانين العرب، ومن ضُرِب به المَثل منهم، ونوادر من كلامهم، ومجانين الشعراء، لست أعني مثل «مجنون بني عامر» و«مجنون بي جَعدة»، وإنما أعني مثل «أبي حيَّة» في أهل البادية، ومثل «جُعيفِران» في أهل الأمصار، ومثل «أرسيموس» اليوناني.

وسنذكُر أيضًا بقيَّة أسماء الخطباء والنساك، وأسماء الظرفاء والملحاء، إن شاء الله سبحانه وتعالى.

وسنذكر من كلام الحجَّاج وغيره ما أمكننا في بقية هذا الجزء إن شاء الله تعالى.

وقال أبو الحسن المدائني: قال الحجَّاج لأنس بن مالك، حين دخل عليه في شأن ابنه عبد الله، وكان خرج مع ابن الأشعث: لا مرحبًا بك ولا أهلًا، لعنة الله عليك من شيخٍ جوَّال في الفتنة، مرةً مع أبي تُراب، ومرةً مع ابن الأشعث، والله لأقلعنَّك قلع الصمغة، ولأعصبنَّك عصب السَّلمة، ولأجرِّدنَّك تجريد الضب. قال أنس: مَن يعني الأمير أبقاه الله؟ قال: إيَّاك أعني، أصمَّ الله صداك. قال: فكتب أنس بذلك إلى عبد الملك، فكتب عبد الملك إلى الحجَّاج: بسم الله الرحمن الرحيم، يا ابن المُستفرِمة بعَجَم الزَّبيب، والله لقد همَمتُ أن أركلك برِجلي ركلةً تهوي بها في نار جهنم، قاتَلَك الله، أُخيفشَ العينَين، أصكَّ الرِّجلين، أسود الجاعرتين، والسلام.

وكان الحجَّاج أخيفش، مُسلق الأجفان؛ ولذلك قال إمام بن أرقم النُّميري، وكان الحجَّاج جعله على بعض شُرُط أبان بن مروان ثم حبسه، فلما خرج قال:

طليقُ اللهِ لم يَمنُنْ عليه
أبو داودَ وابنُ أبي كثيرِ
ولا الحجَّاجُ عَينَي بِنتِ ماءٍ
تُقلِّبُ طَرْفَها حذَرَ الصُّقورِ

لأن طير الماء لا يكون أبدًا إلا مُنسلق الأجفان. والخَفش دون العَمش. والعصب: أن تُعصب الشجرة ذات الشوك بالعِصاب. وأصك الرجلين: تصك إحداهما الأخرى.

وخطب الحجَّاج يومًا فقال في خطبته: والله ما بقي من الدنيا إلا مِثل ما مضى، ولهُوَ أشبه به من الماء بالماء، والله ما أُحبُّ أن ما مضى من الدنيا لي بعمامتي هذه.

المفضَّل بن محمد الضبِّي قال: كتب الحجَّاج إلى قُتيبة بن مُسلم أنِ ابعث إليَّ بالآدم الجعدي الذي يفهمني ويفهم عني. فبعث إليه غدام بن شُتير. فقال الحجَّاج: لله دَرُّه! ما كتبت إليه في أمرٍ قط إلا فهم عني وعرف ما أريد.

قال أبو الحسن وغيره: أراد الحجَّاج الحج، فخطب الناس فقال: أيها الناس، إني أريد الحج، وقد استخلفت عليكم ابني محمدًا هذا، وأوصيته فيكم بخلاف ما أوصى به رسول الله في الأنصار. إن رسول الله أوصى أن يُقبَل من مُحسِنهم ويُتجاوز عن مُسيئهم، ألا وإني قد أوصيته ألا يَقبَل من مُحسِنكم ولا يتجاوز عن مُسيئكم، ألا وإنكم ستقولون بعدي مقالةً ما يمنعكم من إظهارها إلا مخافتي، ألا وإنكم ستقولون بعدي: لا أحسن الله له الصحابة. ألا وإني معجِّل لكم الإجابة، لا أحسن الله الخلافة عليكم. ثم نزل.

وكان يقول في خطبته: أيها الناس، إن الكفَّ عن مَحارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله.

وقال عمرو بن عُبيد رحمه الله: كتب عبد الملك بن مروان وصية زياد بيده، وأمر الناس بحفظها وتدبُّر معانيها: إن الله عز وجل جعل لعباده عقولًا عاقَبهم بها على معصيته، وأثابهم بها على طاعته؛ فالناس بين مُحسِن بنعمة الله عليه، ومُسيء بخذلان الله إياه، ولله النعمة على المُحسن والحُجة على المُسيء، فما أولى من تمَّت عليه النعمة في نفسه، ورأى العِبرة في غيره، بأن يضع الدنيا بحيث وضعها الله فيُعطي ما عليه منها، ولا يتكثَّر بما ليس له فيها؛ فإن الدنيا دار فناء ولا سبيل إلى بقائها، ولا بد من لقاء الله، فأحذِّركم الله الذي حذَّركم نفسه، وأوصيكم بتعجيل ما أخَّرته العجَزة قبل أن تصيروا إلى الدار التي صاروا إليها، فلا تقدروا على توبة، وليس لكم منها أوبة، وأنا أستخلف الله عليكم وأستخلفه منكم.

وقد رُوي هذا الكلام عن الحجَّاج، وزيادٌ أحق به منه.

(٢٠) باب ما ذكروا فيه من أن أثر السيف يمحو أثر الكلام

قال جرير:

يُكلِّفُني ردَّ العواقبِ بعد ما
سبَقنَ كسَبقِ السيفِ ما قالَ عاذِلُه

وقال الكُميت بن معروف:

خُذوا العقلَ إنْ أعطاكم العقلَ قومُكم
وكُونوا كمن سِيمَ الهوانَ فأربَعا
ولا تُكثِروا فيه الضِّجاجَ فإنَّه
محا السيفُ ما قالَ ابنُ دارةَ أجمَعا

والمثل السائر من قبل هذا: سبَقَ السيفُ العَذَل.

ومن أهل الأدب «زكريا بن درهم»، مولى بني سُليم بن منصور، صاحب سعيد بن عمرو الحرشي، وزكريا هو الذي يقول:

لا تُنكِروا لسعيدٍ فضْلَ نعمتِه
لا يَشكُرُ اللهَ من لا يَشكُرُ النَّاسا

ومن أهل الأدب ممن وجَّهه هشام إلى الحرشي «السُّرادق بن عبد الله السَّدوسي» الفارسي، ولما ظفِر سَلْم بن قُتيبة بالأزد كان من الجند في دور الأزد انتهاب وإحراق وآثار قبيحة، فقام شبيب بن شيبة إلى سلم بن قتيبة فقال: أيها الأمير، إن هُريم بن عدي بن أبي طَحمة — وكان غير مِنطيق — قال ليزيد بن عبد الملك في شأن المهالبة: يا أمير المؤمنين، إنا والله ما رأينا أحدًا ظلم ظلمك، ولا نصر نصرك، فافعل الثالثة نقُلْها.

قال الهيثم بن عدي: قام «عبد الله بن الحجَّاج» التغلبي إلى عبد الملك بن مروان، وقد كان أراد الاتصال به، وقد كان عبد الملك حنِقًا عليه، فأقام ببابه حولًا لا يصل إليه، ثم ثار في وجهه في بعض رَكباته فقال:

أدنُو لتَرحمَني وتَرتُقَ خَلَّتي
وأراكَ تَدفعُني فأينَ المَدفَعُ

فقال عبد الملك: إلى النار. فقال:

ولقد أذَقتَ بني سعيدٍ حَرَّها
وابنَ الزُّبيرِ فرأسُه مُتضعضِعُ

فقال عبد الملك: قد كان بعض ذاك، وأنا أستغفر الله.

وقال أبو عُبيدة: كان بين الحجَّاج وبين «العُدَيل بن فَرْخ» العجلي بعض الأمر، فتوعَّده الحجَّاج بالقتل، فقال العُديل:

أُخوَّفُ بالحجَّاجِ حتَّى كأنَّما
يُحرَّكُ عَظمٌ في الفؤادِ مَهِيضُ
ودُونَ يدِ الحجَّاجِ من أنْ تَنالَني
بِساطٌ لأيدي اليَعمُلاتِ عَريضُ
مَهامِهُ أشباهٌ كأنَّ سَرابَها
مُلاءٌ بأيدي الغاسلاتِ رَحيضُ

ثم ظَفِر به الحجَّاج فقال له: يا عُدَيل، هل نجَّاك بساطك العريض؟ فقال: أيها الأمير، أنا الذي أقول فيك:

ولو كنتُ بالعَنْقاءِ أو بأسُومِها
لكانَ لحجَّاجٍ عليَّ دليلُ
خليلُ أميرِ المؤمِنِينَ وسيفُه
لكلِّ إمامٍ مُصطفًى وخليلُ
بنى قُبَّةَ الإسلامِ حتَّى كأنَّما
هدى الناسَ من بعدِ الضلالِ رَسولُ

فقال له الحجاج: اربح نفسك، واحقن دمك، وإيَّاك وأختها؛ فقد كان الذي بيني وبين قتلك أقصَرَ من إبهام الحُبارى.

قال أبو الحسن: وقام الوليد بن عُتبة بن أبي سفيان خطيبًا بالمدينة، وكان والِيَها، يَنْعى معاوية ويدعو إلى بيعة يزيد، فلما رأى رَوح بن زِنباع إبطاءهم قال: أيها الناس، إنا لا ندعوكم إلى لخم وجُذام وكلب، ولكنا ندعوكم إلى قريش ومن جعل الله له هذا الأمر واختصَّه به، وهو يزيد بن معاوية، ونحن أبناء الطعن والطاعون وفضلات الموت، وعندنا إن أجبتم وأطعتم من المعونة والفائدة ما شئتم. فبايَع الناس.

قال: وخطب إبراهيم بن إسماعيل، من ولد المُغيرة المخزومي، فقال:

أنا ابنُ الوغى من شاء أحزَرَ نفسه
«صقرًا يلوذُ حَمامُه بالعَرفَجِ»

ثم قال:

استوثِقي أحمِرةَ الوَجِينْ
سَمِعنَ حِسَّ أسدٍ حَرُونْ
فهنَّ يَضرِطنَ ويَنتزِينْ

ثم قال: والله إني لأُبغض القرشيَّ أن يكون فظًّا، يا عجبًا لقومٍ يُقال لهم: من أبوكم؟ فيقولون: أمُّنا من قريش. فتكلم رجل من عُرْض الناس وهو يخطب، فقال له غيره: صه؛ فإن الإمام يخطب. فقال: إنما أُمِرنا بالإنصات عند قراءة القرآن، لا عند ضُراط أحمِرة الوجين.

وقال آخر: سمعت «ابن هُبيرة» على هذه الأعواد وهو يقول في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من عدوٍّ يَسري، ومن جليسٍ يفري، ومن صديقٍ يُطري.

قال أبو الحسن: كان «نافع بن علقمة» بن نضلة بن صفوان بن مُحرث، خال مروان، واليًا على مكة والمدينة، وكان شاهرًا سيفه لا يُغمده، وبلَغه أن فتًى من بني سهم يذكُره بكل قبيح، فلما أُتي به وأمر بضرب عنقه قال الفتى: لا تَعجلْ عليَّ، ودعني أتكلَّم. قال: أوَبِك كلام؟ قال: نعم وأزيد. يا نافع وُليت الحرمين تحكم في دمائنا وأموالنا، وعندك أربع عقائل من العرب، وبنيت ياقوتة بين الصفا والمروة — يعني داره — وأنت نافع بن علقمة بن نضلة بن صفوان بن محرث، أحسن الناس وجهًا، وأكرمهم حسبًا، وليس لنا من ذلك إلا التراب، فلم نحسدك على شيء منه ولم ننفسه عليك، ونفِست علينا أن نتكلم؟! فقال: تكلَّمْ حتى ينفكَّ فكَّاك.

علي بن مجاهد، عن جعد بن أبي الجعد، قال صعصعة بن صوحان: ما أعياني جوابُ أحدٍ ما أعياني جواب عثمان، دخلت عليه فقلت له: أُخرِجنا من ديارنا وأموالنا أن قلنا ربنا الله. قال: نحن الذين أخرجنا من ديارنا وأموالنا أن قلنا ربنا الله؛ فمنا من مات بأرض الحبشة، ومنا من مات بالمدينة.

وقال الحجَّاج على مِنبره: والله لألحُوَنَّكم لَحْو العصا، ولأعصبنَّكم عَصْب السَّلَمة، ولأضربنَّكم ضرب غرائب الإبل. يا أهل العراق، يا أهل الشقاق والنفاق، ومساوئ الأخلاق، إني سمعت تكبيرًا ليس بالتكبير الذي يُراد به الله في الترغيب، ولكنه التكبير الذي يُراد به الترهيب، وقد عرفت أنها عَجاجةٌ تحتها قصفُ فتنة. أيْ بَني اللكيعة، وعبيد العصا، وبني الإماء، والله لئن قرعت عصًا لأتركنَّكم كأمس الدابر.

مالك بن دينار قال: ربما سمعت الحجَّاج يخطب ويذكر ما صنع به أهل العراق وما صنع بهم، فيقع في نفسي أنهم يظلمونه وأنه صادق؛ لبيانه وحسن تخلُّصه بالحُجج.

وقسَّم الحجاج مالًا، فأعطى منه مالك بن دينار فقَبِل، وأراد أن يدفع منه إلى حبيبٍ أبي محمد فأبى أن يقبل منه شيئًا، ثم مر حبيب بمالك، وإذا هو يقسِّم ذلك المال، فقال له مالك: أبا محمد، لهذا قبِلناه. فقال له حبيب: دعني مما هناك، أسألك بالله، آلحجَّاج اليوم أحبُّ إليك أم قبل اليوم؟ قال: بل اليوم. فقال حبيب: فلا خير في شيء حبَّب إليك الحجَّاج.

ومر «غَيلان بن خَرَشة» الضبِّي مع «عبد الله بن عامر» على نهر عبد الله الذي يشقُّ البصرة، فقال عبد الله: ما أصلَحَ هذا النهرَ لأهل هذا المِصر! فقال غيلان: أجَل أيها الأمير، يعلِّم القوم فيه صِبيانهم السباحة، ويكون لشفاههم ومسيل مياههم، وتأتيهم فيه مِيرتهم. قالوا: ثم مر غيلان يُساير زيادًا على ذلك النهر، وكان قد عادى ابن عامر، فقال زياد: ما أضرَّ هذا النهرَ بأهل هذا المِصر! فقال غيلان: أجَل والله أيها الأمير، تنزُّ منه دُورهم، ويغرق فيه صِبيانهم، ومن أجله تَكثُر بعوضهم.

فالذين كرِهوا البيان إنما كرهوا مِثل هذا المذهب، فأما نفس حسن البيان فليس يذمُّه إلا من عجز عنه، ومن ذم البيان مدح العِي، وكفى بذلك جهلًا وخبالًا.

ولخالد بن صفوان في الجبن المأكول كلامٌ ذهب فيه شبيهًا بهذا المذهب.

ورجع طاوس عن مجلس محمد بن يوسف، وهو يومئذٍ والي اليمن، فقال: ما ظننت أن قول «سبحان الله» يكون معصية لله حتى كان اليوم، سمعت رجلًا أبلغ ابنَ يوسف عن رجل كلامًا، فقال له رجل في المجلس «سبحان الله»، كالمستعظِم لذلك الكلام، فغضب ابن يوسف.

قال أبو الحسن وغيره: دخل يزيد بن أبي مسلم على سليمان بن عبد الملك، وكان دميمًا، فلما رآه قال: على رجلٍ أجَرَّك رَسَنك وسلَّطك على المسلمين لعنةُ الله. فقال: يا أمير المؤمنين، إنك رأيتني والأمرُ عني مُدبِر، ولو رأيتني والأمر عليَّ مُقبِل لاستعظمت من أمري ما استصغرت. فقال سليمان: أفَتَرى الحجَّاج بلَغ قعر جهنم بعدُ؟ فقال: يا أمير المؤمنين، يجيء الحجَّاج يوم القيامة بين أبيك وأخيك، قابضًا على يمين أبيك وشمال أخيك، فضعه من النار حيث شئت.

وذكر يزيد بن المهلَّب يزيد بن أبي مُسلم بالعِفَّة عن الدينار والدرهم، وهمَّ أن يستكفيَه مهمًّا من أمره، فقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: ألا أدلُّك على من هو أزهد في الدينار والدرهم منه وهو شرُّ الخلق؟ قال: بلى. قال: إبليس.

وقال أُسيلِم بن الأحنف للوليد بن عبد الملك قبل أن يُستخلف: أصلح الله الأمير، إذا ظننت ظنًّا فلا تُحققه، وإذا سألت الرجال فسَلْهم عما تعلم، فإذا رأوا سرعة فهمك لما تَعلَم ظنُّوا بك ذلك فيما لا تعلم، ودُسَّ من يسأل لك عما لا تعلم.

وكان أُسيلم بن الأحنف الأسدي ذا بيانٍ وأدب وعقل وجاه، وهو الذي يقول فيه الشاعر:

ألا أيُّها الرَّكبُ المُحِثُّون هل لكم
بسيِّدِ أهلِ الشامِ تُحبَوا وترجعوا؟
أُسَيلِمُ ذاكم لا خفا بمكانِه
لعَينٍ تَدجَّا أو لأُذنٍ تَسمَّعُ
من النَّفَرِ البِيضِ الذين إذا انتمَوا
وهابَ الرجالُ حَلْقةَ البابِ قَعقَعوا
جلا الأذفَرُ الأحوى من المِسكِ فَرْقَه
وطِيبُ الدِّهانِ رأسَه فهْو أنزَعُ
إذا النَّفَرُ السُّودُ اليمانونَ حاوَلوا
له حَوكَ بُردَيه أرقُّوا وأوسعوا

وهذا الشعر من أشعار الحفظ والمذاكرة.

الهيثم بن عدي قال: قَدِمت وُفود العراق على سليمان بن عبد الملك بعدما استُخلف، فأمرهم بشتم الحجَّاج، فقاموا يشتمونه، فقال بعضهم: إن عدوَّ الله الحجَّاج كان عبدًا زبَّابًا، قَنوَّر ابن قَنوَّر، لا نسب له في العرب. قال سليمان: أيُّ شتمٍ هذا؟ إن عدوَّ الله الحجَّاج كتب إليَّ: إنما أنت نقطة من مِداد، فإن رأيت فيَّ ما رأى أبوك وأخوك كنتُ لك كما كنت لهما، وإلا فأنا الحجَّاج وأنت النقطة، فإن شئتُ محَوتُك وإن شئتُ أثبتُك. فالْعَنوه لعنه الله. فأقبل الناس يلعنونه، فقام ابن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري فقال: يا أمير المؤمنين، إنا نُخبرك عن عدو الله بعلم. قال: هات. قال: كان عدوُّ الله يتزيَّن تزيُّن المُومِسة، ويصعد المِنبر فيتكلم بكلام الأخيار، فإذا نزل عَمِل عَمَل الفراعنة، وأكذب في حديثه من الدجَّال. فقال سليمان لرجاء بن حَيوة: هذا وأبيك الشتم، لا ما تأتي به السفلة.

وعن عوانة قال: قطع ناس من عمرو بن تميم وحنظلة على الحجَّاج بن يوسف، فكتب إليهم: من الحجَّاج بن يوسف، أما بعد، فإنكم استخلصتم الفتنة، فلا عن حقٍّ تُقاتلون، ولا عن منكرٍ تنهوَن. وايم الله، إني لأهُمُّ أن يكون أولَ ما يَرِد عليكم من قِبلي خيلٌ تنسف الطارف والتالد، وتدع النساء أيامى، والأبناء يتامى، والديار خرابًا، والسواد بياضًا. فأيُّما رفقةٍ مرَّت بأهل ماء فأهل ذلك الماء ضامنون لها حتى تصير إلى الماء الذي يليه، تقدمةً مني إليكم، والسعيد من وُعظ بغيره. والسلام.

مَسلمة بن مُحارب قال، كان الحجَّاج يقول: أخطَبُ الناس صاحب العمامة السوداء بين أخصاص البصرة، إذا شاء خطب، وإذا شاء سكت.

يعني الحسن. يقول: إنه لم يُنصب نفسه للخطب.

ولما اجتمعت الخطباء عند معاوية في شأن يزيد وفيهم الأحنف، قام رجل من حِمير فقال: إنا لا نُطيق أفواه الكمال — يريد الجمال — عليهم المقال، وعلينا الفعال.

وهذا من الحِميري يدل على تشادُق خطباء نِزار.

سفيان بن عُيينة قال، قال ابن عبَّاس: إذا ترك العالم قول «لا أدري» أُصيبت مَقاتله. وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: من قال «لا أدري» فقد أحرز نصف العلم. لأن الذي له على نفسه هذه القوة فقد دلَّنا على جودة التثبت، وكثرة الطلب، وقوة المُنة.

وقيل للمسيح ابن مريم صلوات الله عليه: من نُجالس؟ قال: من يزيد في عِلمكم مَنطقُه، وتُذكِّركم اللهَ رؤيتُه، ويرغِّبكم في الآخرة عمله. ومر المسيح بقوم يبكون فقال: ما لهؤلاء يبكون؟ قالوا: يخافون ذنوبهم. قال: اتركوها يُغفر لكم.

قال الوصافي: دخل الهيثم بن الأسود بن العُريان، وكان خطيبًا شاعرًا، على عبد الملك بن مروان فقال له: كيف نجدك؟ قال: أجدني قد ابيضَّ مني ما كنت أُحبُّ أن يَسودَّ، واسودَّ مني ما كنت أُحبُّ أن يَبيضَّ، واشتدَّ مني ما كنت أُحبُّ أن يلين، ولانَ مني ما كنت أُحبُّ أن يشتد. ثم أنشد:

اسمَعْ أُنبِّئْكَ بآياتِ الكِبَرْ
نَومُ العِشاءِ وسُعالٌ بالسَّحَرْ
وقِلَّةُ النَّومِ إذا الليلُ اعتكَرْ
وقِلَّةُ الطَّعمِ إذا الزَّادُ حَضَرْ
وسُرعةُ الطَّرفِ وتَحميجُ النَّظَرْ
وحَذرًا أزدادُه إلى حَذَرْ
وتَركِيَ الحَسناءَ في قَبلِ الطُّهُرْ
والنَّاسُ يَبلَونَ كما يَبْلى الشَّجَرْ

وقالوا: مُروا الأحداث بالمِراء، والكهول بالفكر. وقال عبد الله بن الحسين: المِراء رائد الغضب؛ فأخزى الله عقلًا يأتيك به الغضب.

وقالوا: أربعة تشتدُّ معاشرتهم؛ الرجل المُتواني، والرجل العالم، والفرس المَرِح، والملك الشديد المملكة. وقال غازٍ أبو مجاهد يُعارضه: أربعة تشتدُّ مؤنتهم؛ النديم المُعربد، والجليس الأحمق، والمغنِّي التائه، والسفلة إذا نفروا.

وقال أبو شِمر الغسَّاني: أقبل عليَّ فلان باللحظ واللفظ، وما الكلام إلا زجر أو وعيد.

قال عُمير بن الحُباب، وروى ذلك عنه مِسعر: ما أغَرتُ على حي في الجاهلية أحزَمَ امرأةً ولا أعجز رجلًا من كلب، وأحزم رجلًا وأعجز امرأةً من تغلب. وقامت امرأة من تغلب إلى الجحَّاف بن حكيم — حين أوقع بالبشر فقتل الرجال وبقر بطون النساء — فقالت له: فضَّ الله فاك، وأصمَّك وأعماك، وأطال سُهادك، وأقلَّ رُقادك؛ فوالله إن قتلتَ إلا نساءً أسافلُهن دُميٌّ، وأعاليهن ثُديٌّ. فقال الجحَّاف لمن حوله: لولا أن تلد مِثلَها لخلَّيت سبيلها. فبلغ ذلك الحسن فقال: إنما الجحَّاف جذوة من نار جهنم.

وكان عامر بن الظَّرِب العَدواني حكيمًا، وكان خطيبًا رئيسًا، وهو القائل: يا معشر عدوان، إن الخير ألوفٌ عَزوف، ولن يُفارق صاحبه حتى يُفارقه، وإني لم أكن حكيمًا حتى اتبعت الحكماء، ولم أكُ سيِّدكم حتى تعبَّدت لكم.

وقال أعشى بني شيبان:

ولا أنا في أمْري ولا في خليقتي
بمُهتضَمٍ حقِّي ولا قارِعٍ سِنِّي
ولا مُسلِمٍ مولاي من شرِّ ما جنى
ولا خائفٍ مولايَ من شرِّ ما أجْني
وإنَّ فؤادًا بيْن جَنبيَّ عالِمٌ
بما أبصرتْ عَيني وما سَمِعتْ أُذْني
وفضَّلَني في العقلِ والشِّعرِ أنَّني
أقولُ بما أهوى وأعرِفُ ما أعني

وقال رجل من ولد العبَّاس: ليس ينبغي للقُرشي أن يستغرق في شيء من العلم إلا علم الأخبار، فأما غير ذلك فالنُّتف والشذر من القول.

وقال آخر:

وصافيةٍ تُعشِي العُيونَ رقيقةٍ
رهينةِ عامٍ في الدِّنانِ وعامِ
أدَرْنا بها الكاسَ الرويَّةَ بيْنَنا
من الليلِ حتى انجابَ كلُّ ظلامِ
فما ذرَّ قرنُ الشمسِ حتى كأنَّنا
من العِيِّ نحكي أحمدَ بنَ هشامِ

ومر رجل من قريش بفتًى من ولد عتَّاب بن أسيد وهو يقرأ كتاب سيبويه، فقال: أف لكم، عِلم المؤدِّبين وهِمة المُحتاجين! وقال ابن عتَّاب: يكون الرجل نحويًّا عَروضيًّا، وقسَّامًا فرضيًّا، وحسن الكتاب، جيِّد الحساب، حافظًا للقرآن، راوية للشعر، وهو يرضى أن يُعلِّم أولادنا بستِّين درهمًا. ولو أن رجلًا كان حسن البيان، حسن التخريج للمعاني، ليس عنده غير ذلك، لم يرضَ بألف درهم.

لأن النحوي الذي لا إمتاع عنده كالنجَّار الذي يُدعى ليعلِّق بابًا وهو أحذق الناس ثم يفرغ من تعليقه ذلك الباب، فيُقال له: انصرِف. وصاحب الإمتاع يُراد في الحالات كلها.

وقال عبد الله بن يزيد السُّفياني: عوِّد نفسك الصبر على جليس السوء؛ فإنه لا يكاد يُخطئك. وقال سهل بن عبد العزيز: من ثقل عليك بنفسه، وغمَّك في سؤاله، فألزِمْه أذنًا صمَّاء، وعينًا عمياء. سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، قال: كان أبو هريرة إذا استثقل رجلًا قال: اللهم اغفر له وأرِحْنا منه. وقال ابن أبي أميَّة:

شَهِدتُ الرَّقاشيَّ في مَجلِسٍ
وكانَ إليَّ بَغيضًا مَقيتا
فقالَ اقترِحْ كلَّ ما تَشتهي
فقلتُ اقترحتُ عليك السُّكوتا

وقال ابن عبَّاس: العلم أكثر من أن يُحصى، فخُذوا من كل شيء أحسَنَه.

المدائني، عن العبَّاس بن عامر، قال: خطب محمد بن الوليد بن عتبة إلى عمر بن عبد العزيز رحمه الله أخته، فقال: الحمد لله رب العزة والكبرياء، وصلَّى الله على محمدٍ خاتم الأنبياء. أما بعد، فقد أحسن بك ظنًّا من أودَعك حُرْمته، واختارك ولم يختَر عليك، وقد زوَّجْناك على ما في كتاب الله؛ إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.

وخطب أعرابي وأعجله القول وكرِه أن تكون خطبته بلا تحميد ولا تمجيد، فقال: الحمد لله، غير مَلَال لذِكر الله، ولا إيثار غيره عليه. ثم ابتدأ القول في حاجته.

وسأل أعرابي ناسًا فقال: جعل الله حظكم في الخير، ولا جعل حظ السائل منكم عِذرةً صادقة.

وكتب إبراهيم بن سيابة إلى صديق له كثير المال، كثير الدَّخل، كثير النض، إما مُستسلفًا وإما سائلًا، فكتب إليه الرجل: العيال كثير، والدَّين ثقيل، والدَّخل قليل، والمال مكذوب عليه. فكتب إليه إبراهيم: إن كنت كاذبًا فجعلك الله صادقًا، وإن كنت محجوجًا فجعلك الله محذورًا.

وقال الشاعر:

لعلَّ مُفِيداتِ الزَّمانِ يُفِدنَني
بَنِي صامتٍ في غيرِ شيءٍ يَضِيرُها

وقال أعرابي: اللهم لا تُنزِلني ماء سوء فأكون امرأ سوء. وقال أعرابي: اللهم قِني عثرات الكرام. وسمع مُجاشع الرَّبعي رجلًا يقول: الشحيح أعذر من الظالم. فقال: أخزى الله شيئين خيرُهما الشُّح.

وأنشدنا أبو فروة:

إنِّي مَدحتُك كاذبًا فأثَبتَني
لمَّا مدحتُك ما يُثابُ الكاذبُ

وأنشد علي بن معاذ:

ثالَبَني عمرٌو وثالَبتُه
فأثِمَ المَثلوبُ والثالبُ
قلتُ له خيرًا وقال الخنا
كلٌّ على صاحِبِه كاذبُ

أبو معشر، قال: لما بلَغ عبدَ الله بن الزبير قتلُ عبد الملك بن مروان عمرو بن سعيد، قام خطيبًا فقال: إن أبا ذِبَّان قتل لطيم الشيطان، كذلك نولِّي بعض الظالمين بعضًا بما كانوا يكسبون.

ولما جلس عثمان بن عفان، رضي الله تعالى عنه، على المنبر قال: يا أيها الناس، إن الله قد فتح عليكم إفريقية، وقد بعث إليكم ابن أبي سرح عبدَ الله بن الزبير بالفتح. قم يا ابن الزبير. قال: فقمت وخطبت، فلما نزلت قال: يا أيها الناس، أنكحوا النساء على آبائهن وأخواتهن؛ فإني لم أرَ لأبي بكر الصدِّيق ولدًا أشبه به من هذا.

وقال الجرمي:

وأعدَدتُه ذُخرًا لكلِّ مُلِمَّةٍ
وسهمُ المنايا بالذخائرِ مُولَعُ

وذكر أبو العَيزار جماعة من الخوارج بالأدب والخطب:

ومُسوِّمٍ للموتِ يَركَبُ دِرعَه
بينَ القواضبِ والقنا الخطَّارِ
يَدنو وترفعُه الرِّماحُ كأنَّه
شِلوٌ تَنشَّبَ في مَخالبِ ضارِ
فثَوى صريعًا والرِّماحُ تَنُوشُه
إنَّ الشُّراةَ قصيرةُ الأعمارِ
أُدباءُ إمَّا جئتُهم خطباءُ
ضُمناءُ كلِّ كتيبةٍ جرَّارِ

ولما خطب «سفيان بن الأبرد» الأصم الكلبي، فبلغ في الترغيب والترهيب المبالغ، ورأى «عبد الله بن هلال اليشكري» أن ذلك قد فتَّ في أعضاد أصحابه، أنشأ يقول:

لَعَمرِي لقد قامَ الأصمُّ بخُطبةٍ
لها في صُدورِ المُسلِمِين غليلُ
لَعَمرِي لئن أعطيتُ سُفيانَ بَيْعتي
وفارَقتُ دِيني إنَّني لَجَهُولُ

فت في عضدي: أي غرَّني وخوَّفني.

وقال أحد الخطباء الذين تكلَّموا عند الإسكندر ميتًا: كان أمسِ أنطَقَ منه اليوم، وهو اليوم أوعَظُ منه أمس. فأخذ أبو العتاهية هذا المعنى بعينه فقال:

بَكَيتُك يا عليُّ بِدَرِّ عَيْني
فلمْ يُغنِ البُكاءُ عليك شَيَّا
طوَتْكَ خُطوبُ دَهرِك بعدَ نَشرٍ
كذاك خُطوبُه نَشرًا وطيَّا
كفى حُزنًا بدَفنِك ثُم إنِّي
نفَضتُ تُرابَ قَبرِك من يديَّا
وكانت في حياتِك لي عِظاتٌ
وأنتَ اليومَ أوعَظُ مِنكَ حيَّا

ومن الأسجاع الحسنة قول الأعرابية لابنها حين خاصَمته إلى عامل الماء: أمَا كان بطني لك وعاءً؟ أمَا كان حجري لك فِناءً؟ أمَا كان ثديي لك سقاءً؟ فقال ابنها: أصبحتِ خطيبة، رضي الله تعالى عنك.

لأنها قد أتت على حاجتها بالكلام الوجيز المُتخير كما يبلغ ذلك الخطيب بخطبته.

وقال النَّمر بن تَولب:

وقالت ألا فاسمَعْ للَفْظي وخُطبتي
فقلتُ سَمِعْنا فانطِقِي وأصِيبي
فلمْ تَنطِقي حقًّا ولستِ بأهلِه
فقُبِّحتِ ممَّا قائلٍ وخطيبِ

وقال أبو عياد كاتب أبي خالد: ما جلس أحدٌ قط بين يديَّ إلا تَمثَّل لي أني سأجلس بين يدَيه.

قال الله عز وجل: وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا. ليس يريد بلاغة اللسان، وإن كان اللسان لا يبلغ من القلوب حيث يريد إلا بالبلاغة.

وكانت خطبة قريش في الجاهلية، يعني خطبة النساء: باسْمِك اللهم، ذكرت فلانة وفلان بها مشغوف. باسِمِك اللهم، لك ما سألت ولنا ما أعطيت.

ولما مات عبد الملك بن مروان صَعِد المِنبر الوليد ابنه، فحَمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: لم أرَ مِثلها مُصيبةً، ولم أرَ مِثلها ثوابًا؛ موت أمير المؤمنين، والخلافة بعده. إنا لله وإنا إليه راجعون على المصيبة، والحمد لله على النعمة. انهضوا فبايِعوا على بركة الله، رحمكم الله. فقام إليه عبد الله بن همَّام فقال:

اللهُ أعطاكَ التي لا فوقَها
وقد أرادَ المُلحِدونَ عَوقَها
عنكَ ويأبى اللهُ إلا سَوقَها
إليكَ حتَّى قلَّدوك طَوقَها

فبايَع الناس.

وقيل لعمرو بن العاص في مرضه الذي مات فيه: كيف تجدك؟ قال: أجدني أذوب ولا أثوب، وأجد نجوي أكثر من رُزئي، فما بقاء الشيخ على ذلك؟

وقيل لأعرابي كانت به أمراضٌ عِدَّة: كيف تجدك؟ قال: أما الذي يَعمِدني فحُصْر وأُسْر.

وقال مُقاتل: سمعت يزيد بن المهلَّب يخطب بواسط، فقال: يا أهل العراق، يا أهل السبق والسباق، ومَكارم الأخلاق، إن أهل الشام في أفواههم لقمةٌ دسِمة قد رُتبت لها الأشداق، وقاموا لها على ساق، وهم غير تاركيها لكم بالمِراء والجدال؛ فالْبَسوا لهم جلود النُّمور.

(انتهى الجزء الأول ويتلوه الجزء الثاني، وأوله «استدراك وتكميل لترجمة الجاحظ».)
١  كان في الأصل خالد بن حداس، وهذا خطأ، والصواب ما أثبتناه. وهو خالد بن خداش بن عجلان، يُكنى أبا الهيثم، وكان مولى المهلب بن أبي صُفرة. تُوفي سنة ٢٢٣ﻫ/٨٣٧م.
٢  في الأصل: ما يمر لنا هريرة، وليس بذاك، والصواب ما أثبتناه. ومعنى ما يمر مريرة: أي إنه غير مُحكِم فيما وليه من الأمر.
٣  الأحنف: هو الأحنف بن قيس، ويُقال إن اسمه الضحَّاك أو صخر، ويُكنى أبا بحر، وبه يُضرَب المثل في الحِلم والسيادة. وكان رسول الله قد بعث إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، فلما لم يُجيبوا قال لهم الأحنف: إنه يدعوكم إلى الإسلام وإلى مكارم الأخلاق وينهاكم عن ملايمها. فأسلموا وأسلم. ولم يَفِد فيمن وفدوا على النبي، حتى إذا كان عهد عمر وفد عليه، وبعثه عمر إلى خراسان فبيَّتهم العدو ليلًا، فكان أول من ركب الأحنف وهو يقول: إن على كل رئيس حقَّا، أن يخضب الصَّعدة أو تَندقَّا. ثم حمل عليهم فقتل صاحب الطبل، وانهزم القوم ومضوا في آثارهم حتى فتحوا مَرو الروذ في خلافة عثمان. ثم شهد صِفِّين مع علي، كرَّم الله وجهه، وكان سيِّد تميم في عهد معاوية، ثم خرج مع مصعب بن الزبير إلى الكوفة فمات وقد كبر جدًّا، وكانت وفاته في سنة ٦٩ﻫ/٦٨٨م.
٤  وتخليص الملتبس. في الأصل: وتلخيص، وليس هذا مكانها والصواب ما أثبتناه.
٥  في الأصل: الراسي، وليس كذلك، وهو الراسبي كما أثبتناه.
٦  صالح بن عبد القدوس: زعموا أنه كان زِنديقًا، وأنه كان يتظاهر بمذهب الثنوية القائلين بمبدأ النور والظلمة. جرَت بينه وبين أبي الهُذيل العلَّاف مناظراتٌ كان نصيبه فيه الخِذلان. وزعموا أنه رؤي يُصلي صلاةً تامة الركوع والسجود، فقيل له: ما هذا ومذهبك معروف؟ فقال: سُنة البلد، وعادة الجسد، وسلامة الأهل والولد. ولما شاع عنه ما شاع من انتحال الزندقة طلبه المهدي العبَّاسي ونُوظِر بين يدَيه، ثم حبسه وصلبه. وكان شاعرًا من شعراء الحكمة.
٧  ذكَّرني هذا بما يُروى عن هوميروس الشاعر اليوناني أنه جاءه يومًا الشاعر أبرخس يُفاخره بكثرة شعره وسرعة عمله، ويعيِّره بالبطء وقلة الشعر، فقال له هوميروس: بلَغني أن خنزيرة بأنطاكية عيَّرت لبؤة بطول زمن الحمل وقلة الولد، وفاخَرتها بالسرعة والكثرة، فقالت لها اللبؤة: لقد صدقت، إني ألد الولد بعد الولد، ولكن أسدًا.
٨  عمرو بن معد يكرب: هو فارس اليمن بلا مُنازع، وبطل من أبطال العرب في الجاهلية والإسلام. له غارات في الجاهلية معروفة، ومشاهد في الإسلام موصوفة. مات غازيًا بنهاوند عن سنٍّ عالية.
٩  راجع: [الجزء الأول – باب البيان – (١) باب ذِكر ناس من البُلغاء والخطباء والأبيناء والفقهاء والأمراء ممن لا يكاد يسكت مع قلة الخطأ والزلل، الهامش رقم ٢٩].
١٠  انظر قصيدة عبد المسيح بن عسلة مشروحة بقلمنا في المفضَّليات ص١٣٣.
١١  يعني لأعاد فتنة المنافرة بين قبائلهما كما كانت في أول أمرها.
١٢  في الأصل: «زعما»، وخطؤها بيِّن، والصواب «رُغِما» كما أثبتناه.
١٣  انظر القصيدة بأكملها مشروحة بقلمنا في المفضليات التي شرحناها ونشرناها حديثًا.
١٤  في المفضليات: الفكة، بدل الفهة. وانظر القصيدة بها مشروحة بقلمنا.
١٥  كان المسجديون قومًا يجلسون في مسجد البصرة، كما كان أهل الصُّفَّة يجلسون في مسجد المدينة، ولهم أحاديث.
١٦  محمد بن المستنير: سمَّاه سيبويه «قطرب». أخذ النحو عن سيبويه وعن عيسى بن عمر، وأخذ علم الكلام عن النظَّام، واتصل بأبي دُلف العجلي وأدَّب ولده. وله تصانيف كثيرة. وكان ابن السِّكِّيت لا يوثِّقه. مات سنة ٢٠٦ﻫ/٨٢٤م.
١٧  المغالة: الاغتيال.
١٨  التيحان هنا: الذي يتاح للأمور فيعرض لقضائها. السميذع: السيد الكريم.
١٩  الشيظم: الشبيه بالهزبر.
٢٠  حمزة بن بيض: شاعرٌ إسلامي كوفي من شعراء الدولة الأموية، وكان خليعًا ماجنًا يُعَد من فحول طبقته. وكان مُنقطعًا إلى المهلب بن أبي صفرة ثم إلى أبان بن الوليد وبلال بن أبي بردة، وأفاد مالًا عظيمًا، ولم يدرك الدولة العباسية.
٢١  الخليل بن أحمد بن عمرو الفراهيدي الأزدي، يُكنى أبا عبد الرحمن. كان إمامًا في اللغة والنحو، وهو مُخترِع علم العَروض، وأول من صنَّف في علم اللغة؛ وضع كتابه «العين» ولم يتمه. وكان عفيفًا مُتزهدًا صالحًا. وله كُتبٌ كثيرة، وشعره لا بأس به. وُلِد بالبصرة سنة ١٠٠ﻫ/٧١٨م، وتُوفي سنة ١٦٠ﻫ/٧٧٦م.
٢٢  العين: الرقيب.
٢٣  وكأن «رفض» حديثها: الرفض القليل. والرواية المتداولة «رجع»، ولعل هذه روايةٌ أخرى. ولست أرى داعيًا يدعو شاعرًا كبشَّار إلى أن يغيِّر ألفاظًا من شعره وهو المشهور بانتقاء الكلمات، غير أنني أرى أن التغيير من الجاحظ نفسه، وقد خبرته فوجدته قليل التحري للرواية، أو قليل العناية برواية الشعر على وجهه، وهذا شأن الكثير من بُلغاء الكُتاب، ولا سيَّما من غزرت مادته منهم.
٢٤  القطامي: هو عُمَير بن شُيَيم، شاعرٌ إسلامي فَحْل مُقلٌّ مُجِيد. لُقب القطامي لقوله:
يَصكُّهنَّ جانبًا فجانِبا
صكَّ القطاميِّ القطا القوارِبا
وقد يُلقَّب «صريع الغواني» لقوله:
صريعُ غوانٍ راقَهنَّ ورُقْنَه
لَدُنْ شَبَّ حتى شابَ سودُ الذوائبِ
كان نصرانيًّا، وقيل إنه أسلم. تُوفي سنة ١٠١ﻫ/٧١٩م.
٢٥  التهانف: التضاحك بدل.
٢٦  عن العذاب: عن الثنايا العذاب. المسفات الثواغر: الذوات الثغور اللطاف.
٢٧  القراقر: الضحك المسموع.
٢٨  الوقائع هنا بمعنى: المنابع العذبة.
٢٩  صفراء فرع: قوس غير مشقوقة. خطموها: ربطوها. لأمم ممر: يعني أن الوتر قوي الفتل، وهو شبيه بحلقوم النغر الذي هو البلبل.
٣٠  بكرة سنمة: ناقة فتيَّة ذات سنام عظيم. معتبطة غير ضمنة: نُحِرت لغير علة ولا زمانة ولا ضعف. القدور الرذمة: أي الممتلئة. بشفار خذمة: بسكاكين حادَّة قاطعة. في غداة شبمة: في صبيحة باردة ليِّنة.
٣١  راجع ما كتبناه عنها محقَّقًا في: [الجزء الأول – (٢) ذكر الحروف التي تدخلها اللثغة وما يحضرني منها، الهامش رقم ٧٤].
٣٢  يكيد بنفسه: يُقاسي المشقة في سياقه عند الاحتضار.
٣٣  حولًا كريتًا: أي عامًا كاملًا.
٣٤  كان في الأصل: خداش بن لبيد بن بيلبة، وهذا غلط، والصواب ما أثبتناه. انظر [الجزء الأول – (٢) ذكر الحروف التي تدخلها اللثغة وما يحضرني منها].
٣٥  البعيث، نقل صاحب المزهر عن وشاح بن دريد أن البيت هكذا:
تبعَّث منِّي ما تبعَّث بعدما
أُمِرَّت قُواي واستتمَّ غريمي
٣٦  عوف بن حصن: كان في الأصل: عوف بن حصين، وهو خطأ صوابُه ما أثبتناه. وهو عوف بن معاوية بن عقبة بن عيينة بن حصن الفزاري، شاعرٌ فَحْل من شعراء الدولة الأموية ومن ساكني الكوفة، وهو من أحد بيوت العرب المقدمة الفاخرة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤