تلميذ روكامبول

١

كانت أنقاض المنزل الذي تهدم متراكمة، وحجارة المنزل الذي يبنونه متكدسة، وبينهما نار مشبوبة يتألق لهيبها في ظلام الليل الدامس.

وكان قرب هذه النار رجلان، أحدهما حارس أدوات البناء، وهو جندي قديم، قطعت رجله في حرب القرم، والآخر بنَّاء لا يتجاوز عشرين عامًا.

وكان هذا الفتى قد اشتغل كل النهار بملء الاجتهاد، ولكنه على فرط تعبه وعلى تقدم الليل لم يكن نائمًا، بل كان ملتفًا بردائه ومضطجعًا قرب تلك النار وهو يحاول الرقاد فلا يستطيع، ويتقلب من جنب إلى جنب متأوِّهًا متنهدًا كأنما هو في عذاب أليم.

وكان الحارس يراقب هذا الفتى مراقبة المشفق عليه من حين إلى حين، فلما طال تنهده قال له: ماذا أصابك يا ليمسون، وما لي أراك منذ أيام تبيت هنا في حين أن جميع زملائك يبيتون في منازلهم؟

– ذلك لأنه ليس لي منزل.

– كيف يكون ذلك، ألا تقبض أجرتك في كل أسبوع أم أنك تنفقها على الملاهي؟

– بل أرسل نصفها إلى أمي ويكفيني الباقي لاستئجار غرفة وللمعيشة كسائر رفاقي، ولكني أؤثر النوم بالهواء الطلق.

– عجبًا كيف تؤثره في مثل هذه الليالي الباردة؟

– ذلك لأني لا أخاف البرد.

فعجب الحارس لأمره وقال: ليكن ولكن ما لي أراك لا تعرف طعم الرقاد منذ أسبوع، وأنت لا تزال في مقتبل الشباب؟

فتنهد الفتى، وقال: إن النعاس لا يجد سبيلًا إلى أجفاني.

فابتسم الحارس وقال: بل ذلك لأن أشعة الغرام قد نفذت إلى قلبك.

فاهتز الفتى وجلس متربعًا على الأرض وقال: كيف عرفت ذلك، ومن أنبأك أني من العشاق؟

– إن دلائل العشق لا تخفى على أحد يا بني، كحامل المسك لا يخلو من العبق. وأنا لم أبلغ بعد حد الكهولة، فأبسط لي يا بني أمرك عساي أنفعك برأي صالح، فقد طالما تقلبت على مهاد هذا الغرام حتى بت خبيرًا بأدواء القلوب.

فعاد ليمسون إلى التنهد وقال: ولكن هيهات أن تجد دواء لقلبي، فإن دودة أرض عشقت نجمة سماء فكيف تصل إليها؟

فضحك الحارس وقال: أراك تستعمل الاستعارات، فهل أنت دودة الأرض؟

– نعم.

– والنجمة أين هي؟

– هي فوق.

ثم أشار بيده إلى منزل عال مشرف على البناء الجديد.

فابتسم الحارس وقال: لا تقنط يا بني فإن الدودة تصير فراشة فتطير وتدرك هذه النجمة.

فتنهد الفتى أيضًا وقال: هب أنني صرت فراشة فليس لي رجاء؛ فإن نجمتي عالية جدًّا لا تدركها ذوات الجناح.

– ألعلها من نساء الأعيان؟

– ربما كانت أميرة، فإني كل يوم حين تسطع أشعة الشمس أذهب فأقف عند بابها حين تخرج إلى النزهة في مركبتها.

– هل تخرج وحدها؟

– كلا، بل يصحبها رجلان، ولكن هيئتها تدل على أنها تحتقرهما وتخافهما، حتى كان يخطر لي بعض الأحيان أن أهجم عليهما بمطرقتي وأقتلهما شر قتل.

– ولكنك لن تفعل وإلا كنت من المجانين!

– قد أكون مجنونًا في هواها، ولكن ذلك لم يمنعها عن أن تبتسم لي.

– أهي ابتسمت لك؟

– نعم، فإنها كانت واقفة في نافذتها تنظر إلى الشارع نظرة الطير المحبوس في القفص وكنت واقفًا في معمل البناء أتأمل محاسنها الباهرة فنظرت إليَّ فجأة وعلمت أني مأخوذ بجمالها فابتسمت لي.

وكان الفتى يقول هذا القول بصوت يتهدج فقال له الحارس: لقد بت أخاف على صوابك، ولكن أتم بسط حكايتك؛ فقد أفيدك بنصيحة متى وقفت على كل أمرك.

٢

فمضى الفتى البناء في حديثه فقال: إني لست من أهل الدهاء والرياء، ولكني لست من أهل السذاجة المطلقة، فأنا أعلم أن هذه الفتاة الحسناء لا تبتسم لي إلا لأنها محتاجة إليَّ في غرض من الأغراض.

– أتظن أنها محتاجة إليك؟

– دون شك ألم أقل لك: إنها سجينة في منزلها؟

– ما أظنك إلا فقدت رشادك، ومتى كان السجناء يخرجون من سجونهم إلى المتنزهات؟

– وأي خطر من فرارها إذا كان السجانون يصحبونها؟

– إني تقلبت في جميع أنواع الغرام ومر بي كثير من الحوادث، فلم أجد مثل أمرك هذا!

– أصغِ إليَّ حتى النهاية وسوف بعد ذلك بساعة، كان مرميس وميلونترى، فإن حب هذه الفتاة باغتني لأول نظرة، فلم أتدبر في أمري، وشعرت أن هواها قد جرى في قلبي مجرى دمي في مفاصلي.

وقد رأيتها أول مرة في يوم سبت فلما رأيتها تبتسم لي تضعضع عقلي وغلت يدي عن العمل، حتى إن مدير البنائين أنذرني بالطرد إذا استمريت على ما كنت عليه من التهاون.

وكان اليوم التالي يوم الأحد؛ أي يوم دفع الأجور، فقبضت أجرتي واشتريت بها ثوبًا جديدًا فلبسته، وجعلت أتخطر حول المنزل طامعًا برؤية هذه الحسناء.

وهي تقيم في هذا المنزل الذي تراه مشرفًا على معمل البناء ومنزلها في الدور الثالث منه، فقد استأجرت جميع ذلك الدور، ورأيتها أول مرة تطل من نافذة غرفة زينتها.

فابتسم الجندي وقال: أظنها من غنيات أهل الدعارة، وأنها ما ابتسمت لك إلا للعبث بك.

ولكنه رأى أن الفتى قد اشمئز ونفر من قوله، فاستدرك خطأه وقال: ومع ذلك، فقد أكون مخطئًا، فلنفترض أنها من الأميرات وتمم حديثك.

– إني طفت حول المنزل نحو ساعة فلم أرها، فذهبت إلى هذه الخمارة المقابلة للمنزل فرأيت رجلًا يسير ذهابًا وإيابًا، فما شككت أنه رقيب متنكر، ثم رأيت بواب المنزل واقفًا عند الباب ولي معه سابق عشرة فدعوته إلى شرب كأس من الخمر معي علِّي أقف منه على شيء من أخبار الفتاة، فأجاب الدعوة ودخلنا إلى الخمارة فما شربنا الكأس الثالثة حتى بدأت أحادثه بأمر هذا المنزل الفخيم وأغبطه على استخدامه فيه.

فقال لي: قد يجوز أن تغبطني لو كان المنزل مأهولًا بجملته، ولكن دورين منه لا يزالان فارغين، ثم إنه قد يحدث لنا أمور مزعجة مع هؤلاء الأجانب.

– كيف ذلك؟

– يوجد الآن فتاة إنكليزية تقيم في الدور الثالث منه يظهر أنها من النبيلات، وأنها ابنة لورد هربت من منزل أبيها إلى هذا المنزل.

وقد صحبت معها حين حضورها خادمة وخادمين كلهم من الإنكليز، فلم تكد تستقر في المنزل حتى أحضرت مركبة وطافت بها جميع باريس كأنها تبحث عن رجل لا تعلم مقره.

ولم تعد إلا في المساء فجاء رجلان وطلبا أن يحادثاها، ولكنهما لم يخرجا من المنزل بعد المحادثة بل بقيا فيه، واستبدلا جميع ما كان من الخدم وجعلا يراقبانها مراقبة شديدة حتى إنها أرادت أن تكلمني فوقف واحد منهما ووالله لقد أشفقت عليها؛ فإنها تذهب إلى النزهة كل يوم، ولكن الرجلين يصحبانها فلا يفارقانها لحظة عين.

هذا كل ما يعرفه البواب من أمر الفتاة فتركته وقد أيقنت منه أن هذه الصبية من خير أسرات الإنكليز، وأنها أسيرة هذين الرجلين.

وفي اليوم التالي عدت إلى العمل وأنا منقبض النفس، أود لو بذلت نفسي في سبيل إنقاذها، فبينما أنا أشتغل بنحت حجر وعيناي تنظران إلى نافذتها، فتحت تلك النافذة، وأشرقت منها الفتاة إشراق القمر من السحاب، فكانت تجيل طرفها باحثة إلى أن رأتني، فاستقر نظرها عليَّ وابتسمت لي.

فشعرت أن جسمي قد تكهرب، وقد اشتد خفوق قلبي حتى كدت أسمع ضرباته.

فشخصت عيناي إليها ولم يكن أحد يراقبنا، وكأنما أدركت ما أصاب نفسي من الاضطراب لابتسامها، فوضعت إصبعها على فمها، كأنها تشير عليَّ بوجوب الكتمان.

ثم أخذت ورقة من جيبها وألقتها من النافذة فسقطت وراء أكداس من الأخشاب القديمة وأشارت إليَّ إشارة تفيد أنها ألقت الورقة إليَّ، ثم أقفلت النافذة ودخلت إلى غرفتها.

وكنت بعيدًا عن هذه الأخشاب وما أحببت أن أسير إليها لالتقاط الورقة على الفور فقلت في نفسي: إن موعد فرصة طعام الصباح قريبة وسألتقطها حين يدق الجرس لا سيما وقد أيقنت أنه لم يرها أحد.

فقال له الجندي: وبعد ذلك؟

فتنهد الفتى وقال: سوف ترى ما كان من نكد طالعي وطالعها، فإني بينما كنت أنتظر فرصة الطعام لالتقاط الورقة وأنا آمن عليها وقد اطمأنت نفسي لوثوقي من احتياج الفتاة إليَّ، قدم شخص إلى ورشة البناء التي أعمل فيها وطلب أن يتكلم مع المدير.

فجعلت أنظر إليه دون اكتراث، وأنا أحسب أنه صاحب الأرض، أو أنه أحد المهندسين؛ إذ كانت ظواهره تحمل على الاحترام، وهو بين العمرين.

فأسرع إلى لقائه وسمعته يقول: إني أقيم في الدور الثالث من هذا المنزل وقد سقطت من النافذة إلى أرض المعمل ورقة لها أهمية عندي فأرجوك أن تأذن لي بالتفتيش عنها.

فأذن له المدير دون اعتراض، فذهب توًّا إلى حيث سقطت الورقة ورأيته وا أسفاه قد التقطها ووضعها في جيبه.

فقال له الجندي: إنك على ذلك لم تعلم ما كتبته لك.

– كلا.

– أما رأيتها بعد هذه الحادثة؟

– بل أرها في كل صباح، وإنها تفتح النافذة وتنظر إليَّ نظرة السائل كأنها تريد مني شيئًا.

– ذلك يدل على جهلها ما حدث لاعتقادها أنك قرأت رسالتها.

– هذا أكيد وا أسفاه وهي تنظر إليَّ نظرات تشف عما داخل نفسها من الغم والانقباض مما يقطع القلوب من الإشفاق.

– ألم تحاول الدخول إلى منزلها؟

– كلا.

وامتعض الجندي وقال: لقد كان العشاق في عهد الجندية أجرأ منكم على اقتحام الصعاب.

– ماذا كنت تصنع لو كنت في مكاني؟

– كنت أدخل إلى المنزل من بابه.

– وهذا الرقيب الذي لا يفارق الباب لحظة؟

– كنت أدق عنقه.

– والبواب؟

– أرشوه بالمال فينصرف به إلى الخمارة.

– والرجلان اللذين يحرسانها ويبيتان معها في المنزل؟

– أقتلهما إذا اعترضا سبيلي.

فأطرق الفتى البناء برأسه إلى الأرض وقال: لا أستطيع الموافقة على هذا الرأي.

– ذلك لأنك لست من الجنود القدماء.

فابتسم الفتى ابتسام المكتئب وقال: إني لم أكن جنديًّا ولكني أسفك دمي طائعًا مختارًا في سبيلها.

– إذًا خاطر بحياتك على ما قلت لك.

– إني لست من رأيك.

– لماذا؟

– لأني إذا جريت على ما تُشير به من العنف، في سبيل الوصول إليها، لا أبلغ ما أسعى إليه من تخليصها، بل تفضي النتيجة إلى عكس ما أريد وتريد.

– إذًا ماذا تعمل؟

– لقد خطر لي خاطر أرجو أن يكون مفيدًا، ولكن لا يمكن تنفيذه قبل ثمانية أيام، وذلك إلى أن يتم بناء الدور الثالث من هذا البناء الذي نشتغل فيه، وذلك أن نوافذه تصبح مساوية لنوافذ غرفة الفتاة، لتساوي المنزلين بالارتفاع، وليس بينهما غير عرض الشارع، وهو لا يتجاوز ستة أمتار.

وإذا تم هذا البناء ترقبت ليلة مظلمة لا يكون فيها غير أنا وأنت في المعمل فمددت لوحًا خشبيًّا من نافذة المنزل الجديد إلى نافذة منزلها ودخلت إليها على هذه الطريقة دون خطر ودون أن يراني أحد.

فسر الجندي لاقتراحه وقال: إنه خاطر حسن ويسرني أن أراك أشد جرأة مما كنت أظن.

– ليس في الأمر جرأة، إني أعمل في حرفتي منذ عشرة أعوام وقد ألفت هذه الخطوات وإذا نجح قصدي هربت على هذه الألواح، حتى إذا صحا النيام رأوا أن الطير أفلت من القفص.

– إن ذلك يدلني منك على التروي والحكمة، اصنع ما أنت صانع.

– لقد علمت الآن السبب في نومي في المعمل في حين أن جميع الرفاق يذهبون إلى منزلهم، وأرجو أن تكتم سري بعد أن بحت لك به.

– إني جندي والجندي لا يخون على أني لا أقتصر على كتمان سرك، بل أكون لك خير معين.

وكان الفجر قد انبثق وبدأت الطيور تناغي، فنظر الجندي إلى ذلك المنزل الذي دله عليه الفتى، ورأى النافذة التي كلمه عنها، ثم رأى أن النافذة قد فتحت فجأة وظهرت منها الفتاة.

فلم يتمالك الجندي من إظهار دهشته لما رآه من جمالها ووقف يتأمله معجبًا بتلك المحاسن الفاتنة.

أما الإنكليزية فلم تراهما وقد فتحت النافذة لتستنشق نسيم الصباح.

وقال الجندي للبناء: أعرفت اسم الحسناء؟

– نعم، فقد قال لي البواب: إنه سمعهم ينادونها مس ألن.

وعند ذلك حانت التفاتة من الفتاة فرأت الفتى البناء ينظر إليها وارتعشت وجعلت تبتسم له كأنها علمت بأنه سيكون منقذها.

٣

نعم إن تلك الفتاة كانت مس ألن بعينها، ابنة اللورد بالمير، تلك التي كانت من ألد أعداء الرجل العبوس — أي روكامبول — فأصحبت الآن من أشد الناس إخلاصًا له وولاء في حبه.

وإن من قرأ الرواية السابقة — أي قلب المرأة — يذكر من دون شك تلك المكيدة الهائلة، التي نصبتها مس ألن لروكامبول، وهي تحبه وتحسب أنها تكرهه.

حتى إذا ظهر لها بمظاهر اليأس، ورأت أن الجنود أطبقوا عليه من جانب والمياه تدفقت عليه من جانب آخر، ثار في قلبها ذلك الحب الذي كانت تحسبه بغضًا، وحاولت أن تقيه بنفسها وتجعل جسمها ترسًا له، ولكنها لم تجد أثرًا للرحمة في قلب ذلك الأسقف بترس توين رئيس المذهب الإنجليكاني وألد أعداء الأرلنديين.

وقد شعرت الفتاة فجأة، أنها تهوى ذلك الشخص الذي سلمته إلى أعدائه، فابتسم وقال: إنك سلمتني إلى أعدائي، ولكنك ستنقذيني منهم يا مس ألن.

ويذكر القراء، أنه بينما كان الأسقف بترس توين يصدر أوامره إلى الجنود بالقبض على الرجل العبوس، كان العبوس يقول لمس ألن باللغة الفرنسية: «إننا مفترقان أيتها الحبيبة، ولكن فراقنا لا يطول وإني أخرج من السجن متى شئت.

لا تهتمي بي أيتها العزيزة بل بأرلندا التي نخدمها، ولا تسألي أباك شيئًا، ولا تهتمي بإخراجي من السجن، بل سافري من لندرا إلى باريس، وابحثي فيها عن شخص يُدعى مرميس، وآخر يدعى ميلون، وامرأة تدعى فاندا، وقولي لهم: هلموا معي إلى لندرا بأمر الرئيس يمتثلوا لك ويسرعوا إلى المجيء.

إني أيتها الحبيبة أُلقب في لندرا بالرجل العبوس، ولكني أدعى في باريس روكامبول».

ثم مشى روكامبول إلى السجن مع الجنود، يمشي مشية المنتصر لفوزه بقلب تلك الفتاة، وقد تركها وهي توشك أن تجن من حزنها، ولكنه بات موقنًا أنها باتت رهينة هواه.

وكان أبوها لم يعد بعد من البرلمان.

ولما خرج الأسقف والجنود بروكامبول من المنزل، رأت أنها قد باتت أرلندية، وأنها لم يعد لها اتصال بأبيها.

واغتنمت فرصة غيابه، وجمعت ما كان لديها من الحلي والنقود ووضعتها في حقيبة.

وكان لديها خادمان وخادمة امتازوا في الإخلاص لها على سائر الخدم. وأخذت حقيبتها، وأمرت أولئك الخدم أن يسافروا معها، فلم يبلغ روكامبول سجن نوايت حتى بلغت مس ألن مع خدامها إلى المحطة، وبرحت معهم لندرا.

وفي مساء اليوم الثاني غادرت بولونيا، ووصلت إلى باريس عند انتصاف الليل.

وكانت مس ألن تعرف باريس كما يعرفها كبار أغنياء الإنكليز؛ فإن هذه العاصمة تشوق إليها الشعب الإنكليزي، ولا سيما الأغنياء منهم فلا يوجد بينهم من لا يزورها ولو مرة في العام.

ولم يكن روكامبول قد أرشد مس ألن إلى أماكن عصابته، بل اكتفى بذكر أسمائهم فعلق بذهنها اسم ميلون وفاندا.

ولكن ذلك لم يكن كافيًا في تلك العاصمة المتسعة للاسترشاد إليهما، فرأت أنها لا بد من السعي والتعب للبلوغ إليهما.

وكانت حين تجيء مع أبيها إلى باريس تقيم عادة في منزل في شارع لويس الكبير، فذهبت مع خدَّامها إلى ذلك المنزل نفسه، واستقبلتها صاحبته بملء الترحيب والتكريم، وباتت فيه تلك الليلة.

وقد باتت بليلة الملسوع، فلم يغمض لها جفن، ولم يتمثل لها غير روكامبول وظواهر جلاله وكبريائه، وما عساه يعانيه في ذلك السجن الرهيب، ثم تذكر أنها هي التي كادت له، ورمته في السجن، فتتأوه وتبكي بكاء الأطفال.

وفي صباح اليوم التالي بدأت في البحث، فأخذت الكتاب الذي تُنشر فيه أسماء التجار وأصحاب العمال، وجعلت تقلب فيه، وهي تقول في نفسها: إني أبحث عن ميلون، وإذا وجدت عنوانه ذهبت إليه وقلت له: أتعرف الرئيس؟ إنها طريقة بسيطة، ولكنها قد تكون أحسن الطرق إلى نيل المراد.

ثم جعلت تقرأ الأسماء فوجدت كثيرين يدعون بهذا الاسم فكتبت عناوينهم وذهبت إليهم جميعًا فلم تجد بينهم من يعرف اسم روكامبول.

فعادت في المساء إلى المنزل وقد خطر لها خاطر غريب، لا يتمثل إلا للإنكليز فكتبت هذه الرسالة الآتية وهي:

المسيو ميلون، ومدام فاندا، وكلاهما صديقان للمسيو ر. يرجى منهما أن يسرعا في المجيء إلى شارع لويس الكبير، نمرة ٥٠، والمسألة خطيرة جدًّا.

وعولت على أن ترسل هذه الرسالة إعلانًا إلى جميع الجرائد فلا بد لميلون وفاندا وأصحابهما أن يقرءوا الإعلان فيحضران إليها.

غير أن لنكد طالعها، لم يتسع لها الوقت لإرسال هذا الإعلان؛ لأن جسمها كان قد أضنكه التعب في النهار، ولم تكن قد نامت ليلة أمس، فتعشت مسرعة، وحاولت أن تنام، ثم سمعت الخادم يحادث زائرًا باللغة الإنكليزية.

ثم رأت الخادمة دخلت إليها تحمل رقعة زيارة كتب عليها الاسم:
سير جمس وود
أكسفورد ستريت

فهمت أن تجيب الخادمة أنها لا تقبل زيارة من لا تعرفه، ولكن السير جمس دخل في أثر الخادمة قبل أن تجيبها بشيء.

فاصفر محيا مس ألن لهذه الجرأة، وتوقعت مصابًا، لا سيما أنها رأت من خلال الباب شخصين أيضًا، كانا واقفين في الفسحة، وهي لا تعرفهما.

ولكنها على اضطرابها لم يذهب عنها شيء من عظمتها.

ونظرت إلى السير جمس نظرة ملؤها الكبرياء والإنكار، وقالت له: ماذا تريد أيها الرجل مني؟ وبأي حق تدخل إلى غرفتي دون أن أأذن لك؟

– إني أسألك العفو يا سيدتي، إني شخص شريف لا أغتصب الحقوق، ولم أدخل غرفتك إلا مسلحًا بحق الدخول.

فاحمرت عيناها من الغضب وقالت: ماذا تعني؟

– أعني أني أحمل جوازًا موقعًا عليه من سفير إنكلترا في باريس.

– وماذا يفيدني هذا الجواز؟

– ولدي أيضًا يا سيدتي أمر من رئيس الشرطة، وأنا من كبار أفراد الشرطة في لندرا.

فتراجعت الفتاة منذعرة مما سمعته وأيقنت بحلول المصيبة.

أما هو فإنه قال لها ببرود: أعلمت يا سيدتي الآن، لماذا تشرفت بالدخول إلى غرفتك؟ إن أباك اللورد، وصديقه الأسقف بترس توين قد أرسلاني.

فصاحت الفتاة صيحة ذعر وسقطت على كرسيها واهية القوى مما أصابها من مفاجأة الاضطراب.

٤

كان السير جمس يناهز الخمسة والأربعين من عمره، وقد وخط الشيب عارضيه، ولكنه كان قوي البنية أحمر المحيا جامد الحركة حسن البزة، يتكلم بملء السكينة لا يتجاوز حدود الاحترام مع محدثيه.

فالتفت إلى الفتاة وقال: أسألك يا سيدتي في البدء أن تعذريني، ثم أرجوك أن تصغي إليَّ وأن تكوني صبورة فقد قلت لك من أنا، وإني لا أفعل غير ما يدعوني إليه الواجب فلا لوم عليَّ ولا تثريب.

إني يا سيدتي برحت لندرا مزودًا بأوامر قانونية لا بد لي من تنفيذها ولا أتجاوز حدود سلطتي في شيء.

فقالت له الفتاة، وقد عادت إليها بعض سكينتها: أرجوك أن توضح لي كل ما تقول.

– إني مستعد يا سيدتي للامتثال فسلي ما تشائين.

– لقد قلت لي: إنك مزود بتعليمات بشأني؟

– نعم يا سيدتي.

– من أعطاك تلك التعليمات أو الأوامر؟

– اللورد بالمير والدك النبيل.

– وما هي تلك الأوامر؟

– إنها قد تكون شديدة الوقع يا سيدتي، ولكن خطتك وسلوكك يعدلانها.

– كيف ذلك؟

– ذلك أن أباكي قد علم السبب الذي برحت من أجله لندرا وهو يريد أن تعودي إليها، بل إنه يريد أن لا يكون لك أدنى اتصال بأولئك الأشقياء الذين أتيت تبحثين عنهم في باريس.

– وبعد ذلك؟

– إن الأوامر التي جئت بها تتعلق بهذين الأمرين.

– وما هي هذه الأوامر؟

– إني أنفذت قسمًا منها، فذهبت إلى سفير إنكلترا في باريس وأطلعته على كتاب من أبيك، فساعدني رئيس البوليس، وحصلت منه على أمر بالقبض عليك.

فذعرت مس ألن وتراجعت إلى الوراء قائلة: إذًا أنت آتٍ للقبض عليَّ؟

– إن ذلك يتعلق بك يا سيدتي.

– كيف يتعلق بي؟

– لأن البرلمان تنتهي جلساته بعد أسبوعين فيتفرق أعضاؤه، ويستطيع أبوك عند ذلك مغادرة لندرا والبحث عن ابنته في باريس.

– ومن الآن إلى انتهاء الجلسات ماذا تصنع؟

– أخيرك بين أمرين وهما أن أضعك في أحد المستشفيات الخصوصية أو أن تبقي حرة في هذا المنزل بمراقبتي، فإذا وافقت على الاقتراح الثاني، أضطر إلى إبدال خدمك بغيرهم وأقيم في هذا المنزل مع زميل لي بحيث لا تستطيعين الخروج من المنزل، إلا إذا كنت مصحوبة بواحد منا.

ثم ابتسم وقال لها: أرجو أن لا يزعجك هذا الاقتراح؛ فإنك سوف تحمدين صحبتنا وستخرجين كل يوم متنزهة إلى الغابات، وإذا شئت ذهبنا بك إلى الملاعب وإلى كل مكان يحلو لك الذهاب إليه، كأنك حرة مطلقة ولا يعلم أحد من الناس أننا رقيبان عليك، ثم إنك تستطيعين أن تنفقي بملء السعة، فإن أباك اللورد مرسل إليك حوالة على بنك روتشيلد في باريس تقبضين منه كل ما تحتاجين إليه من النفقات.

قالت له بلهجة المتهكم: وإذا رفضت اقتراحك ماذا تصنع؟

– أضطر يا سيدتي مكرهًا آسفًا أن أذهب بك مع زميلي في هذه الليلة نفسها إلى مستشفى خاص حيث تراقبين فيه مراقبة خاصة.

وكان السير جمس يتكلم بلهجة تدل على ثباته، فما شكَّت أنه يفعل ما قال، ورأت من ملامحه أن إغوائه محال، وأنه لا يخل بالواجب الذي انتدب إليه.

ثم وازنت بين الويلين فرأت أن تختار أخفهما؛ فإنها إذا قامت في المستشفى تكون فيه أسيرة يصعب إفلاتها منه، وأما إذا بقيت في المنزل بمراقبة السير جمس بقي لها رجاء بالتملص بما تُهَيِّئُهُ لها الصدفة وذهنها المتوقد.

وعند ذلك تظاهرت أنها تفتكر وتتمعن ثم نظرت إليه وقالت له: حسنًا لقد رضيت باقتراحك.

ومنذ ذاك اليوم باتت معيشة مس ألن على ما وصفها الفتى البناء للحارس الجندي، فإن البوليسين باتا لا يفارقانها لحظة في النهار، فإذا أقبل الليل وضع أحدهما سريرًا عند باب غرفتها بحيث لا تستطيع الخروج من تلك الغرفة دون إيقاظه.

فكانت مس ألن تجهد الفكرة بإيجاد طريقة للخلاص، وقد ضيق عليها هذان الرقيبان كل التضييق، حتى أطلت يومًا من نافذتها وباغتت الفتى البناء وهو ينظر إليها نظرات الوله والهيام، فخطر لها أن تستخدم هذا الفتى في سبيل خلاصها.

وفي اليوم التالي ألقت إليه الرسالة من نافذتها وهي التي سقطت وراء الأخشاب والتقطها البوليس.

أما هذه الرسالة فقد كانت كما يأتي:

لدي مهمة عظيمة أحب أن أعهد إليك بها ويكون لك منها نفع عظيم إذا وفيت، فإذا قرأت هذه السطور فارفع نظرك إلى النافذة فإذا كنت راضيًا بخدمتي فارفع قبعتك مرتين متواليتين إشارة إلى قبولك وعند ذلك أرسل إليك تعليماتي.

واتفق لنكد طالعها أن السير جمس باغتها بنظره وهي ترمي الرسالة، فأسرع إلى المعمل واستولى عليها قبل أن يتمكن الفتى البناء من معرفة ما فيها.

وفي ذلك اليوم قال لها: إنك إذا عدت يا سيدتي إلى ما فعلته اليوم أضطر إلى نقلك إلى ذلك المستشفى الذي أنذرتك به.

ومنذ تلك الحادثة لم يؤذن لها أن تفتح نافذتها في النهار؛ أي حينما يكون البنائون في المعمل، فإذا اتفق أنها فتحتها تجد أن أحد البوليسين قد أسرع إليها ووقف بجانبها.

وكان من عادة البنائين أنهم يحضرون في الساعة السادسة صباحًا وينصرفون في الساعة السابعة مساء فيتولى الحارس الجندي عند انصرافهم حراسة المعمل، فلم يكن السير جمس يرتاب به؛ لأنه رأى أن الفتاة قد ألقت الرسالة إلى الفتى البناء.

ومر على ذلك ثمانية أيام إلى أن أرقت مس ألن ليلة وفتحت نافذتها عند الفجر فرأت ذلك البناء مقيمًا مع الحارس الجندي في المعمل.

وكان البنائون لم يحضروا بعد إلى المعمل والسير جمس لا يزال نائمًا لاعتقاده أن مس ألن نائمة في ذلك الحين، ولما رأت مس ألن ذلك الفتى ارتعشت وعاد إليها الرجاء بالنجاة، فأخذت من جيبها وانتزعت منه ورقة وكتبت عليها كتابة بمعنى الرسالة الأولى.

وقد استولى الفتى في هذه المرة على الرسالة، وكان يعرف القراءة، فلما أتم تلاوتها رفع قبعته مرتين متواليتين إشارة إلى القبول ودخلت مس ألن وأقفلت النافذة.

٥

وقد دخلت وهي مطمئنة لوثوقها أن الفتى البناء يبيت في المعمل ولا يبرحه في المساء كما يفعل سائر البنائون.

أما السير جيمس فإنه استيقظ قبل أن يحضر البنائون، ولكنه لم يشك في شيء.

وفي ذلك اليوم ذهبت كعادتها إلى غابات بولونيا يصحبها الرقيبان ولم تعد إلا وقت العشاء، فدخلت إلى غرفتها لتغيير ثيابها، فاغتنمت هذه الفرصة وكتبت إلى الفتى البناء الرسالة الآتية:

ألا تستطيع أن تصل إليَّ بطريقة من الطرق، فإما أن تأتي إلى غرفتي بسلم أو تصعد إليها من المدخنة، إنك الرجل الوحيد الذي أعرفه في باريس، وأنا أسيرة في المنزل الذي تراني فيه، وإذا كنت تستطيع الوصول إليَّ فاكتب لي؛ لأني سأعلق في هذه الليلة خيطًا رفيعًا أربطه بالنافذة وأدليه إلى الأرض فلا ينتبه إليه أحد، اربط بطرفه جوابك، وإني في الختام أعيد عليك ما قلته قبلًا وهو أني سأجازيك خير الجزاء.

ولما أتمت كتابة الرسالة طوتها وخبأتها داخل ثياب صدرها.

وكان السير جمس يراقب المعمل كل النهار حتى إذا أقبل الليل وانصرف البنائون زالت شكوكه وانصرف إلى مراقبتها.

أما مس ألن فإنها بعد العشاء قامت إلى البيانو، وجعلت تعزف عليها ألحانًا شجية تشف عما داخل فؤادها من الوجد على روكامبول، ولبثت على ذلك إلى الساعة العاشرة.

ثم نام الرقيبان فدخلت إلى غرفتها وأقفلت بابها وأطفأت شمعتها ومشت مشيًا خفيفًا إلى النافذة ففتحتها بملء الاحتراس والسكينة، فلم يُسمع لها صوت.

وأطلت منها فرأت رجلين يصطليان قرب النار ويتكلمان بأصوات منخفضة وعلمت أنهما الجندي والبناء.

وكانت الليلة مقمرة فلما رأى البناء أن النافذة قد فُتحت وبرز منها وجه الإنكليزية خفق قلبه وهب مسرعًا فوقف تحت النافذة.

وعند ذلك ألقت إليه الرسالة وتوارت عن الأنظار.

وأخذ البناء الرسالة وعاد بها إلى حيث كان الجندي وأطلعه عليها، فعجب الجندي لأمرها وقال: من عسى أن يكون قد أسرها في هذا المنزل، إلا إذا كان زوجها الغيور؟

أما الفتى فإنه أخذ قلمه الرصاصي الذي يرسم به الخطوط على الحجارة حين يقسمها، وبحث عن ورقة فلم يجدها فالتقط من الأرض قطعة من الآجر الأحمر وكتب عليها بقلمه الغليظ ما يأتي:

يوجد في ورشة البناء سلم طويل يصل إلى نافذة غرفتك، وإذا كنت تصبرين ستة أيام وصلت إليك وأنقذتك من الأسر إذا كنت ترغبين.

ثم أخذ قطعة الآجر وعاد بها إلى تحت النافذة.

وكانت واقفة وراء الزجاج فرأته يكتب على قطعة الآجر، فأدلت إليه خيطًا دقيقًا متينًا من الحرير، فربط به تلك الآجرة فجذبتها إليها.

وبعد دقيقتين أرجعتها وكتبت تحتها هذه الكلمة: «سأنتظر.»

وقد أجهدت مس ألن فكرها كي تعلم الطريقة التي يحاول إنقاذها بها فلم تعلم، ولكنها كانت واثقة بهذا الفتى.

وفي اليوم التالي كانت جالسة وحدها على المائدة مع السير جمس فقالت له: متى يأتي أبي فيما تظن؟

– لقد وردني اليوم كتاب منه يقول فيه: إنه سيكون في باريس بعد ثلاثة عشر يومًا.

– إني معجبة لأمرٍ وهو أنه لماذا لم يعهد إليك إرجاعي إلى لندرا بدلًا من الحضور بنفسه ليعود بي إليها.

فابتسم وقال: لأنه لا نية له أن يعود بك إلى إنكلترا.

– أحق ما تقول.

– كل الحق يا سيدتي، فإنه لا يريد أن يجمعك بالأرلنديين في بلاد الإنكليز.

– إلى أين يريد أن يذهب بي؟

– أظن أنه سيقيم معك فصل الشتاء في إيطاليا.

– حسنًا لقد علمت.

وانقطعت بعد ذلك عن محادثته.

وتوالت الأيام وهي تعدها بالدقائق والساعات، فكانت تلك السجينة المنكودة الحظ تنظر من حين إلى حين إلى ورشة البناء، فترى المنزل الجديد آخذًا بالارتفاع، وإنهم يسرعون في بنائه سرعة عظيمة حتى إنهم بلغوا في اليوم الرابع إلى الدور الثاني على مساواة غرفتها.

وفي اليوم السادس فتحت نافذتها في ليلة مظلمة ورأت الفتى البناء واقفًا تحت الغرفة وبيده قطعة من الآجر وعلمت أنه يود أن يراسلها وأدلت له الخيط، وربط بها القطعة ورفعتها إليها.

وكان الفتى قد كتب عليها هذه الجملة: «غدًا أكون في غرفتك عند انتصاف الليل.»

ولما قرأتها ألقتها من النافذة وعادت إلى فراشها فلم تنم تلك الليلة لشدة هواجسها، ولكنها أخفت اضطرابها أمام السير جيمس فلم يشك في شيء.

وفي المساء دخلت إلى مضجعها وتظاهرت بالنوم، وكان السير جمس قد وكل حراستها إلى رفيقه وخرج لبعض الشئون وعاد في الساعة الحادية عشرة، فأطلق سراح رفيقه ووضع سريره عند باب غرفة الأسيرة.

ولم يكن يدخل إلى غرفتها على الإطلاق، لكنه كان قد ثقب في باب غرفتها ثقبًا ضيقًا يراقبها منه في الليل فنظر من الثقب ورأى أنها نائمة في فراشها فاطمأن خاطره وصعد إلى سريره فنام.

ولما انتصف الليل قامت إلى النافذة ففتحتها، وكان القمر يتلألأ في السماء، فأطلت منها ورأت الفتى البناء واقفًا في شرفة دور المنزل الجديد الثالث ومعه الحارس الجندي.

ولما رأياها قد فتحت النافذة أخذ الاثنان لوحًا كبيرًا من الخشب وجعلا يتعاونان على جره إلى نافذتها وهي مقابلة للشرفة التي كان فيها.

فبدأت تفهم حيلة هذا الفتى لا سيما حين بلغ طرف اللوح إلى نافذتها واستقر عليها بينما كان طرفه الآخر مستقرًّا على الشرفة.

وعند ذلك أغمضت عينيها من الخوف، فإنها رأت ذلك الفتى الباسل قد ركب فوق هذا اللوح الخشبي الذي لا يبلغ عرضه قدمًا، يزحف فوقه إلى نافذتها، معرضًا نفسه لأعظم الأخطار بالسقوط من ذلك العلو الشاهق.

٦

غير أن الفتى كان قد ألف هذه المخاطر وتمرس عليها منذ الحداثة، فلم يكترث لها ولو وقف سواه هذا الموقف لأصيب بالدوار لعلو هذا الجسر الهوائي الذي كان يسير عليه.

وما زال يزحف متباطئًا منحدرًا إلى أن بلغ النافذة، وكانت قد فتحت روافدها فاستقبلته وأعانته على الدخول إلى غرفتها وقد قالت له همسًا: احذر أن ترفع صوتك أو تذهب مساعينا أدراج الرياح.

وكانت قد أطفأت نور الغرفة غير أن أشعة القمر كانت ساطعة تنفد إليها وتضيئها، ويرى الفتى وجه الفتاة تسطع عليه تلك الأشعة وتزيده بهاء على بهاء.

وكأنما قد عقد لسانه فلم ينبس بكلمة، بل إنه حسب نفسه حالمًا لحظوته بهذا اللقاء على ما كان بينهما من تباين المقام، فإنه كان يرى نفسه بناء حقيرًا، وينظر إلى ملابسه، فيجدها رثة بالية، وإلى يديه فيراهما ضخمتين محجرتين.

ثم يقارن بين حالته وحالتها فيجد أنها ابنة لورد، وينظر إلى ملابسها فيجدها ترفل بالدمقس والحرير، وإلى يديها الناعمتين المترفتين ويخشى أن يدميهما باللمس، ثم يسمع فمها الجميل يهمس في أذنه بأرق صوت كلامًا يدل على الثقة، فيعلم أنها قد اعتمدت عليه وشاركته في أمرها ورفعته من حضيضه إلى أوجها، فيحسب نفسه من الحالمين.

أما مس ألن فإنها كانت تعلم دون شك موضع ذلك الثقب الذي ثقبه السير جيمس في باب غرفتها لمراقبتها، وأخذت بيد الفتى وسارت به إلى مكان من الغرفة لا ينفذ إليه الثقب، ولا تراهما عين الرقيب، فأدنت فمها من أذنه حتى لمستها وقالت هامسة: إني لا أعرفك ولكن ثقتي بك شديدة.

فتكهرب ذلك الفتى المنكود وقال لها: أنا أيضًا لا أعرفك يا سيدتي.

– تريد أنك مخلص لي؟

– بل إني أسفك دمي من أجلك.

فابتسمت له وقالت: وأنا أرجو أن لا تراق نقطة من دمك في سبيلي، وأؤمل أن تتمكن من خدمتي فيما أريد.

– مري يا سيدتي أفعل.

– لا سبيل الآن إلى الإسهاب؛ فإن الوقت ضيق وأنا أخبرك بملء الإيجاز عن حالتي، فإني ابنة لورد إنكليزي هربت من منزل أبي لقضاء مهمة أعتبرها خطيرة.

فنظر إليها نظرة إعجاب وقال: لو لم تكن مقدسة لما غادرت منزل أبيك!

وعادت إلى حديثها وقالت: إني أتيت إلى باريس للبحث عن رجل لا أعرفه ولا أعرف منزله، ولا بد لي من إيجاده؛ فإنه يدعي ميلون.

ودهش الفتى وقال: ميلون؟

– نعم، ألعلك تعرف من يُدعى بهذا الاسم؟

– إن مقاول المنزل الذي نبنيه يدعى يا سيدتي ميلون.

– رباه أيمكن أن يكون هو؟

– من هو يا سيدتي ألعله الرجل الذي تبحثين عنه؟

– قلت لك: إني لم أعرفه ولم أره.

– ألا تعلمين إذا كان من الكهولة أو الفتيان؟

– كلا.

– إن المقاول الذي أعنيه ضخم الجثة أبيض الشعر مشهور بكرم الأخلاق وطهارة القلب.

– إن كل ما أستطيع أن أقصه عن الرجل هو أنه يجب أن يكون عارفًا لامرأة تُدعى فاندا ورجل يدعى روكامبول.

– إن ذلك يكفي وسأذهب في الصباح إلى ميلون فأقول له: أتعرف رجلًا يدعى روكامبول وامرأة تدعى فاندا، وإذا أجاب بالإيجاب كان هو الشخص الذي تبحثين عنه وأخبرك في الليلة القادمة.

– حسنًا، ولكني أحب أن أخرج من هذا المنزل، أتجد طريقة لإخراجي منه؟

– إن الطريقة سهلة ميسورة ولكن يجب أن أعود إلى المكان الذي أتيت منه.

– لماذا؟

– كي أضع لوحًا من الخشب أعرض وأثخن من هذا.

– إني أجد هذا اللوح كافيًا وأنا جريئة لا أخشى السقوط.

– ولكن هذا اللوح رقيق لا يحتمل اثنين.

وتمعنت هنيهة وقالت: أرى أن الأفضل إرجاء ذلك إلى الليلة القادمة وأن ترى ميلون الذي أخبرتني عنه.

– سأراه في الغد.

– ثم تبحث لي عن غرفة خارج باريس وتحضر لي ثياب بسيطة مما يلبسه النساء الفقيرات، وخذ ما تحتاج إليه من النفقة.

ثم دفعت إليه كيسًا محشوًّا بالذهب فقال لها: سأنفذ أمرك يا سيدتي بالتدقيق فاستعدي غدًا في مثل هذه الساعة لأني سأمد لوحين مزدوجين من الخشب الثخين العريض فتسيرين عليهما دون خطر.

– إنك رجل طيب القلب وستنال خير الجزاء عن إخلاصك.

ثم مدت إليه يدها فقبلها بملء الاحترام وخرج من النافذة إلى اللوح وعاد عليه إلى شرفة المنزل الجديد، وسحب اللوح وركعت مس ألن عند ذلك وشكرت الله لإرساله إليها من ينقذها.

ولما فرغت من صلاتها دنت من باب غرفتها وأنصتت ولم تسمع من السير جمس ما يدل على الرقاد، واضطربت ولكنها كانت تحادث الفتى بحيث يصعب أن يسمع الشرطي ذلك الحديث.

على أنها باتت تلك الليلة عرضة للقلق، ولم تطمئن إلا في صباح اليوم التالي حين رأت السير جمس؛ فإنها رأت السكينة بادية عليه فقال لها: أرجوك يا سيدتي أن تصبري على عشرتي، فإنك لا تتحملني على مضضها غير اثني عشر يومًا.

وقالت مس ألن في نفسها: بل ربما نجوت منك الليلة، ثم انصرفت إلى التفكير بذلك الفتى البناء.

٧

أما الفتى البناء، فإنه حين وصل إلى شرفة المنزل كان الحارس الجندي ينتظره، وتعاون على إرجاع اللوح إلى مكانه، وقص الفتى على الحارس جميع ما جرى له مع مس ألن.

وقال له الجندي بعد أن فرغ من حديثه: ماذا عزمت أن تفعل؟

– إن الأمر بسيط، لقد عزمت على أن أرى المسيو ميلون.

– وبعد ذلك؟

– أسأله إذا كان يعرف رجلًا يُدعى روكامبول.

– إني لا أوافقك على رأيك.

– لماذا؟

– لأني رجل مجرب، وأنت لا تزال في مقتبل العمر وقد قلت لك: إن التسرع غير محمود في هذه الأمور.

– أرجوك الإيضاح أيها الرفيق فإني لم أفهم شيئًا مما تقول.

فقال له الجندي: افترض يا بني أن المسيو ميلون، مقاول هذا البناء لا يعرف روكامبول، وليس هو ذلك الشخص الذي تبحث عنه الإنكليزية، أليس ذلك ممكنًا؟

– كل الإمكان.

– وإذا سألته هذا السؤال فهو سيسألك عن السبب وأنت تخبره بالحقيقة.

– دون شك.

– وأن ميلون قد تجاوز عهد الشباب وخطا إلى الكهولة فهو لا يكترث بأمور الغرام، ولا ينظر إلا إلى مصلحته الخاصة أفهمت الآن؟

– كلا أيها الرفيق.

– إذًا فاعلم أن المسيو ميلون هو رئيسك، وأنه لا ينظر في جميع ما تقوله إلا إلى أمر واحد.

– ما هو؟

– هو أنك تتغاضى عن عملك وتصرف نهارك بالغرام وليلك بتسلق البيوت المأهولة، وأن الشرطة قد تعلم بأمرك، وأن صاحب المنزل المأهول قد يشكو أمره إلى الحكومة ويكون كل ذلك بسببك.

وتنهد الفتى وقال: إنك مصيب فيما تقول؛ لأن كل ذلك قد يحدث.

– وتكون النتيجة أنه يطردك من المعمل، ولا تعود قادرًا على إنقاذ الإنكليزية.

وانقبضت نفس الفتى لهذه الحقيقة الظاهرة وسأله: ماذا كنت تصنع لو كنت في مكاني؟

– كنت أكتم الأمر عن المسيو ميلون وأهتم بإيجاد غرفة للفتاة، وما طلبته من الثياب، وعندما يقبل الظلام نمد لوحين من الخشب وتنقذها، حتى إذا صارت خارج المنزل وأمن عليها الرقباء تذهب إلى ميلون وتسأله إذا كان يعرف روكامبول؛ إذ لا تبالي بعد ذلك بما يكون منه؛ لأن الفتاة تغنيك عن العمل بعد إنقاذها.

– لقد أصبت وسأعمل برأيك.

ثم ذهب الاثنان إلى غرفة كانا قد أوقدا فيها النار فناما، ولما أشرق الصباح قال الجندي: لقد خطر لي خاطر وهو أن لي أختًا غسالة تقيم في شارع مقفر وهي تحبني حبًّا شديدًا، فإذا سألتها أن تقيم الإنكليزية عندها لا تمانع.

وشكره الفتى شكرًا خالصًا.

ومضى ذلك النهار والبناء يترقب زوال الشمس بفارغ الصبر وهو لا يجسر أن يرفع عينيه إلى النافذة حذرًا من أن يعلم رفاقه شيئًا من قصده أو ينتبه إليه الذين يترقبون الفتاة.

ولكنه وجد لوحين قويين يفيدانه لتنفيذ مأربه فنقلهما إلى الدور الثالث.

ولما أقبل الليل انصرف العمال وجاء الحارس وهو يحمل صرة تحت إبطه وخلا بالفتى وقال له: لقد رأيت أختي وهي تنتظرك الليلة مع الإنكليزية، وقد أعطتني هذه الصرة من الثياب لتلبسها الفتاة حين فرارها.

وأوقدا نارًا وأقاما حولها ينتظران انتصاف الليل.

وكانت تلك الليلة حالكة الظلام فقد تلبدت فيها الغيوم وحجبت نور القمر، وكان الحارس يظهر سروره بهذا الظلام؛ لأنه أستر للفرار.

وبعد أن مر قسم طويل من الليل رأيا نورًا في غرفة مس ألن فقال الفتى البناء للحارس: إني لا أبرح مكاني ما زال النور في الغرفة.

– لماذا؟

– لأنه يدل على أنها ليست وحدها في الغرفة فمتى انطفأ وضعنا الألواح بين الشرفة والنافذة.

وقبل أن يتم حديثه انطفأ المصباح وفتحت النافذة، فتعاون الاثنان على مد اللوحين حتى إذا فرغا ركب الفتى البنَّاء الجسر الهوائي وجعل يزحف فوقه إلى غرفة الفتاة.

ولم يكد يبلغ نصف الطريق حتى رأى أن روافد النافذة قد فتحت بعنف وبرز منها وجه إنسان، لكنه لم يكن وجه مس ألن بل وجه رجل، فأخذ الرجل طرف اللوح المتصل بالنافذة ورفعه بقوه وألقاه في الفضاء، وسقط الفتى يهوي إلى الأرض من ذلك العلو الشاهق، وسمع الحارس الجندي صيحة هائلة خرجت من صدر ذلك الفتى المنكود الحظ.

٨

إن من يقيم في باريس منذ عهد غير بعيد يرى الجهة اليسرى من الشانزليزه قد تغيرت تغيرًا عظيمًا في العامين الآخرين، فإن قرية شاليوت القديمة قد اختفت بجملتها، وقصر دوقة دي إلب وبستانه، وهو عدة أفدنة قد استحال إلى أراض مخصصة للبناء بحيث لا يمر زمن وجيز حتى تشاد مكان هذه الأراضي مدينة جديدة.

وقد دُعي الشارع الجديد شارع مورتي، ولم يكن فيه غير أراض معدة للبيع، وبعض أبنية جديدة متفرقة فيه.

وكان الشارع يقفر ليلًا ولا تمر فيه مركبة، في حين أنه كان على قيد خطوتين من الشانزليزه، ولم يكن أحد يجسر على المرور فيه في الليل خوفًا من اللصوص.

على أنه في تلك الليلة، وفي نفس الساعة التي هوى فيها ذلك الفتى المنكود من نافذة مس ألن إلى الأرض كانت مركبة جميلة تسير في ذاك الشارع يجرها فرسان كريمان، ولما بلغت إلى آخره قرب الشانزليزه وقفت ففتح شاب، كان فيها بابها ونزل منها.

وكان الشاب متشحًا برداء لا تنفذ إليه الأمطار ووضع قبعة على رأسه اتقاء للمطر وأشعل سيكارًا وقال للسائق: عد إلى المنزل.

– ألا تريد أن أنتظرك يا سيدي؟

– كلا.

ورجع السائق وكان يلتفت مرارًا عله يعلم أين يذهب سيده ماشيًا على الأقدام في مثل هذه الساعة.

وكأنما الشاب قد أدرك قصد السائق ولبث واقفًا في مكانه حتى توارت المركبة عن الأنظار، وسار مسرعًا حتى بلغ التركيدارو فاجتاز منه شارع فرنسوا الأول، وهو مقفر أيضًا، ووقف في مكان منه وقد سمع وراءه صوت رجلين يتكلمان بصوت منخفض.

ودخل بين الأدغال ووقف يسمع ما يتحدث به الرجلان حتى إذا دنوا منه رأى أن أحدهم ضخم الجثة عالي القامة وقال في نفسه: لا بد أن يكون هذا ميلون.

ثم سمع حديثهما وكان أحدهما يقول للآخر: إذًا لا يجب أن أحضر إليك الليلة؟

– كلا، مهما دعت الحال إلا إذا عاد الإنكليزي الذي جاء في مساء أمس.

– أأنت ذاهب إلى نفس المكان الذي تذهب عادة إليه؟

– نعم، فعد الآن إلى المنزل فلم يبق حاجة إليك.

وعاد الرجل الصغير من حيث أتى واستمر الرجل الضخم في سيره.

وعند ذلك خرج الفتى من الأدغال ودنا من الرجل الضخم، والتفت إليه الرجل وقال له: من أنت؟

فأجابه الفتى: أهذا أنت يا ميلون؟

وسر ميلون وقد عرف الفتى من صوته وقال: أرجوك المعذرة يا مرميس فما عرفتك إلا من صوتك لشدة الظلام.

فأخذ تلميذ روكامبول بيد ميلون ذلك الخادم المخلص الأمين لرئيسه وسار وإياه، فقال ميلون: أرأيت يا مرميس حرصي على الحضور في ميعاد جلستنا الشهرية؟

– وأنا كذلك حريص مثل هذا الحرص.

– إني واثق بأن جميع العصابة يحضرون.

– ما خلا فاندا.

فذهل ميلون وقال: لماذا؟

– إني أرسلتها إلى إنكلترا باحثة عن روكامبول وعسى تجده.

فهز ميلون رأسه وقال بصوت يتهدج: إني أخشى أن يكون الرئيس أصيب بمكروه.

– إنك كنت تخاف هذا الخوف وتقول نفس القول منذ أربعة أعوام حين كان الرئيس في الهند.

– لا أنكر أني كنت أقول هذا القول.

– ولكنك لا تنكر أن الرئيس قد عاد.

– هو الحق أيضًا غير أن المثل المأثور: «ما كل مرة تسلم الجرة.»

فأظهر مرميس نفورًا من ميلون وقال له: إنك نسيت واجب الاحترام للرئيس يا ميلون، أيجمل بك أن تشبه الرئيس بالجرة؟

– اعذرني أيها الصديق، فأنت تعلم أني ساذج الفطرة سمج الألفاظ ولا تجهل مقدار احترامي للرئيس، ولكنه مثل ما جرى على لساني فنطقت به وأنا لا أريد غير معناه.

– لا بأس، ولكنك نسيت أن هذا الرئيس القوي المحبوب يعبث بالموت ويستقبله باسم الثغر.

– ولكن قد مضى عهد طويل يزيد عن نصف عام دون أن نقف على شيء من أخباره.

– إن لندرا غير بعيدة عن باريس، فإذا كان الرئيس لم يوقفنا على أثر أخباره فقد يكون بذلك له مأرب خفي، غير أني سمعت الرجل الذي فارقك الآن يحدثك عن رجل إنكليزي فمن هو هذا الرجل؟

– نعم سأخبرك عنه متى وصلنا إلى محل الاجتماع.

ثم سار الاثنان حتى وصلا إلى أرض مسورة بالأدغال، ففتحا بينهما ممرًا ودخلا.

وقال ميلون: أظن أننا أول القادمين.

– أخبرني الآن من هو هذا الإنكليزي.

٩

وأعاد ميلون مدخل الأدغال إلى ما كان عليه وسار مع مرميس جنبًا إلى جنب في تلك الأرض.

وقال له: لقد جاءني منذ ثمانية أيام رجل إنكليزي.

ولم يكن الرجل من النبلاء أو الأغنياء، بل كان رجلًا تدل ملابسه الرثة على فقره المدقع، فحسبته لأول وهلة متسولًا وهممت أن أحسن إليه فمنعني عن ذلك بقوله: إني ما أتيت يا سيدي لمثل ذاك.

ثم قص عليَّ قصة طويلة مفادها أنهم سرقوه وهو قادم من لندرا إلى باريس، وكان مما سُرق منه كتاب خطير، وهو يتضمن حوالة مالية على رجل يدعى ميلون أعطاه إياه رجل يدعى الرجل العبوس، أتعرف أحد يُدعى بهذا الاسم؟

– كلا.

– وأنا أيضًا، ولكن خطر لي بعد ذهاب ذاك الإنكليزي أن الرجل العبوس قد يكون الرئيس.

– ما الذي أوحى إليك ذاك الخاطر؟

– إن الإنكليزي أخبرني، حين سألته عن الرجل العبوس، أنه فرنسي وأنه يعمل على استقلال أرلندرا، وأنه رجل قوي قادر لا يقدم على أمر إلا يكون به من الفائزين، ومثل تلك الصفات تنطبق على روكامبول كل الانطباق.

فظهرت على محيا مرميس علائم التفكير وقال: أتم حديثك.

– ويظن الإنكليزي أن الرجل العبوس الذي أعطاه كتاب الحوالة، قد وقع عليه بغير ذاك الاسم، ولكنه أعطاه إياه مختومًا، فلم يذكر غير عنوانه وهو اسم ميلون وذهب إلى جميع الذين يدعون بهذا الاسم فكانوا يطردونه لظواهر فقره.

ولقد أخطأت أنا أيضًا نفس الخطأ، فقد حسبته متشردًا محتالًا، وكان ذلك اليوم الذي جاءني فيه يوم سبت؛ أي يوم محاسبة العمال، فأعطيته عشرة فرنكات وقلت له: ليس لي وقت لمقابلتك الآن، اذهب وعد إليَّ في غير هذا اليوم.

– ألعله عاد؟

فتنهد ميلون وقال: كلا، ولكني أمرت خادمتي ووكيلي وكل من يقيم في منزلي أن يحتفظوا بالرجل إذا عاد، وأن يُسرعوا إلى إخباري في أي مكان كنت فيه.

– أحتى في المكان الذي نحن ذاهبان إليه؟

– نعم.

– لقد أحسنت بهذا الاحتياط، وإن قلبي يحدثني بأن الرجل قادم من عند الرئيس.

فتنهد ميلون أيضًا وقال: ولكن إذا لم يعد فماذا تصنع؟

– نبحث عنه.

– إن باريس واسعة ولا يكون مثلنا في البحث عنه إلا مثل الباحث عن إبرة بين أكداس الحشيش.

– لقد أخطأت؛ لأن الإنكليز قليلون بيننا، ولا سيما الفقراء منهم.

وسار الاثنان في تلك الأرض المعدة للبناء، بين أنقاض المنازل المتهدمة وأدوات المنازل الجديدة، حتى انتهوا إلى محل يشبه البئر، وقد غطى فمه بالأدغال والشوك.

فأزاح ميلون تلك الأدغال، فانكشفت عن قبو متسع فدخل مرميس وتبعه ميلون.

وقال ميلون: إننا أول القادمين فلم يحضر أحد بعد.

– لا بأس إننا ننتظر.

فأخذ ميلون شمعة من جيبه وكبريتًا وأنارها، فظهر في القبو سلم داخل في جوف الأرض.

ونزل فيه وتبعه مرميس، حتى إذ نزلا ثلاثين درجة باتا في دهليز وظهر لهما نور بعيد.

وقال ميلون: يظهر أني كنت مخطئًا، فمن عسى يكون قد تقدمنا من أفراد العصابة؟

– أظنه مورت إن منزله قريب من القبو.

فأطفأ ميلون الشمعة، وسار مع مرميس مسترشدين بذلك النور الذي كان ينبعث من ثقب قفل — كما يظهر — حتى وصلا إلى منبعث النور وهناك باب مقفل.

وطرقاه ثلاث مرات متوالية ففتح لهما ودخلا فوجدا رجلًا ضخم الجثة وقد بيضت شعره الأيام.

١٠

كان هذا الرجل الذي فتح باب القبو جواني الجزار، وهو ذلك الرجل الذي تقدم لنا وصفه في الروايات السابقة، حين كان جلاد في سجن طولون، فأنقذه روكامبول من السجن، وأتى به إلى باريس وضمه إلى أفراد عصابته.

وكان أول القادمين إلى ذلك المجتمع السري في تلك المغارة التي كانت باقية من آثار الأبنية الأولى.

ولا بد لنا أن نذكر السبب في اجتماع العصابة في ذاك المكان مرة في كل شهر فنقول: يذكر القراء أنه حين عاد روكامبول من الهند سار بجميع رجاله إلى لندرا فلما استرد تلك الأموال التي اختلسها الماجور من ابن الرجاه لبث رجاله ينتظرونه في الباخرة، فلم يعد، ولكنه أرسل إليهم كتابًا قال فيه: عودوا إلى فرنسا وسأتبعكم.

فمر على تلك الحادثة عام ولم يعد روكامبول.

وكان جميع أفراد عصابته وكل من أخلص له، يجتمعون مرة في كل شهر برئاسة مرميس أو ميلون في خمارة أو في قهوة، وكل منهم يرجو أن يعلم نبأ جديدًا عن روكامبول حتى إن بعضهم سافروا مستطلعين مستكشفين فلم يقفوا على أثره.

ثم إن رجال روكامبول لم يكونوا من أولئك البؤساء والتعساء الذين يشغلهم الفقر عن الاهتمام بغير شئونهم، فإن روكامبول كان قد أتم إحسانه إليهم، وإنه لم يقتصر على تطهير قلوبهم من وصمة الشر والآثام وجعلهم من أهل الخير والصلاح، بل إنه التمس لهم عفو الحكومة بواسطة الكونتس أرتوف؛ أي باكارا، والكونت أرمان دي كركاز، وجعل لكل منهم مهمة يرتزق منها وينفق ما يزيد عنه على التعساء.

وقد أنشأ لجواني الجزار مجزرًا، يبيع فيه المواشي واللحوم في شارع باسي، فكان الناس يحترمون هذا الرجل لما رأوه من ظواهر صلاحه.

وجعل ميلون مقاول أبنية ومنازل، فإنه كان بناء قبل أن يعرفه، وعين له رأسمالًا عظيمًا من أموال مرميس التي اتصلت إليه من جيبسي النورية فانتظمت أعماله واتسع نطاق أشغاله حتى بلغ عدد العمال في معامله ألف وخمسمائة عامل وبات من أهل الثروة واليسار.

وافتتح من أموال مرميس أيضًا مخزنًا كبيرًا لبيع الأخشاب عهد به إلى مورت فإنه كان في بدء عهده نجارًا.

وعلى الجملة فإنه أشغل كل واحد من رجال عصابته بالمهنة التي يعرفها، فحسنت أحوالهم وعظم في نفوسهم ذاك الرجل الذي كان في بدء أمره لصًّا مثلهم فتاب وبات من أفضل أهل الخير والصلاح.

على أن منظر تلك العصابة حين اجتماعها في تلك المغارة السرية، كان من أغرب المناظر، فإن كلًّا منهم كان يأتي بالملابس التي يلبسها حين شغله، فيحتك ثوب فاندا الحريري بثياب النجار الزرقاء، وفروة ميلون الطويلة برداء مورت القصير، وتلتقي رائحة مرميس العطرية وملابسه الناعمة بثياب الجزار الخشنة وما تلطخ فوقها من لطخ الدهن وروائح اللحوم.

ثم إن اجتماعهم أشغل أفكار البوليس، فإنهم كانوا مرة مجتمعين في خمارة فارتاب أحد رجال البوليس في أمرهم وكتب عنهم تقريرًا إلى مأمور القسم في ذلك الشارع.

وكان المأمور يعرف ميلون فدعاه إليه وسأله عن أسباب هذا الاجتماع فأجابه: إننا أصدقاء قدماء نأدب مأدبة في كل شهر تجمع عقدنا، وتجدد عقد صداقتنا.

فاكتفى المأمور بهذا الجواب غير أن ميلون رأى أن الحرص أفضل فقال لمرميس: إني أكره مداخلة البوليس في شئوننا، وسأدلك على محل نجتمع فيه في الشهر القادم فلا يهتدي إليه البوليس.

ولذلك اختار تلك المغارة القديمة في ذلك الشارع المقفر وأرشد إليه جميع العصابة، فكانوا يجتمعون فيها كل شهر آمنين مراقبة العيون.

وقد تقدم لنا القول أن جواني كان أول القادمين، ثم تلاه مرميس وميلون، ووصل بعدهما مورت وعشرة غيرهم.

وكان كل منهم ينظر إلى الرفاق نظرة تدل على الكآبة؛ لأنه لم يكن بينهم من عرف شيئًا عن روكامبول.

فلما انتظم عقدهم قال مرميس: هل أتى الجميع؟

قال ميلون: نعم ما خلا فاندا.

قال مرميس: لقد قلت لك: إنها ذهبت إلى لندرا، وربما لا تتمكن من حضور مجتمعنا هذا.

وقبل أن يتم حديثه فُتح الباب فجأة فصاحوا جميعهم صيحة فرح إذ رأوا فاندا واقفة على عتبة الباب.

وكانت لا تزال بثياب السفر وهي متشحة برداء مبطن بالفرو فقالت: إني أتيت من لندرا أحمل إليكم أخبارًا عن روكامبول.

فصاحوا جميعهم صيحة ارتجت لها جوانب المغارة وقالوا: ليحيا روكامبول ليحيا الرئيس.

فلما انتهوا من صياحهم قالت فاندا: إني لا أعلم وا أسفاه أين هو، ولكني أؤكد لكم أنه لا يزال حيًّا.

قال مرميس: إذًا ألم تريه؟

– كلا، ولكني اتبعت آثاره إلى عهد أسبوعين، وبعد ذلك اختفت عني تلك الآثار.

فقال ميلون: وا أسفاه إن ذلك يدل على أنه أُصيب بمكروه.

– كلا؛ لأني حين فقدت أثره كان منتصرًا على أعدائه.

وقال مرميس: من هم أعداؤه.

– إن أعداء روكامبول الآن هم أولئك الذين يضطهدون الأرلنديين، والكنيسة الكاثوليكية؛ أي: الشعب الإنكليزي، وقد ترأس روكامبول الأرلنديين في لندرا وهم يدعونه الرجل العبوس.

فصاح ميلون مندهشًا: أتقولين إنهم يدعونه الرجل العبوس؟

– نعم.

– لقد ثبت الآن أن ذاك الإنكليزي المنكود الحظ كان قادمًا إليَّ من عند الرئيس.

وقد ظهرت على ميلون علائم اليأس بعد هذا القول.

وقال مرميس لفاندا: أخبرينا الآن من أين أنت آتية؟ وماذا عرفت عن روكامبول؟

١١

وكانت فاندا قد عادت تلك الليلة نفسها من لندرا، فلم تذهب إلى منزلها الفخم في شارع مارينيان، بل أتت توًّا من المحطة إلى مجتمع العصابة، وهي لا تزال بثياب السفر، فأوقفت مركبتها في شارع مورلي وأتت سيرًا إلى المغارة.

وكان السكوت سائدًا بين أفراد العصابة، وكلهم ينتظرون بملء الجزع ما سترويه لهم فاندا عن روكامبول.

فجلست فاندا قرب مرميس وقالت: إننا حين برحنا لندرا بأمر الشرطة، كان روكامبول مسجونًا فيها، ولكنه خرج من السجن في اليوم التالي بضمانة.

ثم اختفى من لندرا عدة أيام، فتعذر على رجال الشرطة الإنكليزية إيجاد آثاره.

فقال لها ميلون: وأنت أوجدت آثاره؟

– نعم.

– أفي لندرا؟

– في لندرا نفسها، فقد بدأت في التنقل من فندق إلى فندق، وأقمت في جميع الفنادق الفرنسية مدة ثمانية أيام، ولكن هذه المساعي لم تسفر عن الفوز، فقلت في نفسي: إني لا يمكن أن أجده في مثل هذه الفنادق فلأبحث عنه في غير تلك الأمكنة.

ثم ذهبت إلى شارع الأحواض فما أقمت في فندق، بل استأجرت غرفة في منزل حقير وتنكرت بثياب العوام.

وأنا أعرف اللغة الإنكليزية كأبنائها، فجعلت في النهار أتجول في الشوارع والأزقة، وفي الليل أدخل الحانات والمنتديات العمومية، فلم يفدني كل ذلك في شيء.

وكانت غرفتي في ذلك المنزل الذي كنت فيه في الدور الثاني، وكان يقيم في غرفتي عائلة مؤلفة من أبوين وابنتين، بينهم فتاة حسناء، وكنت أراها تمر أمامي فأرى عليها آثار نحول، تدل على أنها ناقهة من داء شديد، فكنت كلما رأيتها ابتسمت لها إلى أن أفضى الأمر بنا إلى التعارف.

فقلت لها يومًا: إني أرى عليك أثر النحول، فهل كنت مريضة؟

– بل كنت مشرفة على الموت فأرسل لي الله من أنقذني.

– أهو طبيب حاذق؟

– بل هو محسن نبيل، فإن دائي لم يكن يشفيه غير الراحة وتبديل الهواء وهو ما لم يكن ميسورًا لفقري.

فأرسل الله إليَّ رجلًا كريمًا نبيلًا، عرف تلك العلة وأزالها بفكره الوضاح، وهو رجل أظنه فرنسي الأصل ولم أعلم حقيقة اسمه، فإنه كان يُلقب بالرجل العبوس.

ثم قصت عليَّ ما عرفته من أخبار ذاك الرجل وأخلاقه، ووصفت لي تقاطيع جسمه.

إلى أن أخبرتني أن لديها رسمه، فشاقتني أخبار ذاك الرجل إلى رؤية وجهه، فلما رأيت تلك الصورة صحت صيحة فرح؛ إذ عرفت أنها صورة روكامبول.

وعند ذلك جعلت أستقصي من تلك الليلة أخباره، فعلمت بإرشادها كثيرًا من أموره، وجعلت أقفو أثره خطوة خطوة، وكلما أوشكت أن أظفر بلقائه فقدت ذلك الأثر.

وقد عرفت جميع الرجال الذين خدموه وكانوا تحت لوائه أشبه بالجيش الصغير، وعلمت غايته والمعارك التي خاضها والفوز الذي ناله.

ثم علمت أيضًا أنه أرسل منذ ثلاثة أسابيع إلى فرنسا غلامًا أرلنديًّا يعده الأرلنديون زعيمهم الأكبر.

وأرسل مع هذا الغلام رجلًا إنكليزيًّا يُدعى شوكنج، وينبغي أن يكون الآن في باريس، وهو لا بد أن يكون واقفًا على كثير من أسرار الرجل العبوس.

فقال ميلون: لا شك أن هذا الإنكليزي، هو نفس الشخص الذي أتاني.

وعادت فاندا إلى الحديث فقالت: إن الغلام سافر إلى باريس، وبقي روكامبول في لندرا، فركب في إحدى الليالي قاربًا ذهب فيه بمياه التميس إلى جسر وستمنستر ومنذ ذلك العهد لم يعد يراه أحد.

على أنه قال وهو في القارب: إنه قد لا يعود.

وقد بذلت جهدًا عظيمًا للوقوف على ما جرى له فلم أعلم غير ما ذكرت لكم من أخباره.

فقال ميلون: وا أسفاه إنه بات من الأموات.

فهز مرميس كتفه وقال: إن روكامبول لا يموت.

وقالت فاندا: إني أعتقد نفس اعتقادك، ولكن كيف انقطعت أخباره وأين هو الآن؟

فقال جواني: إنه قد يكون في باريس.

وقال مورت: إني طالما ظننت هذا الظن.

وقال مرميس: إنه لو كان في باريس لكنا رأيناه.

وهنا عاد الأمل إلى قلب ميلون فقال: أذكر أننا حين كنا منذ أربعة أعوام قانطين من لقائه باغتني شخص وأنا قابع على عتبة الباب فوضع يده على كتفي وقال لي: أيها الأبله! إن من كانت لديه مهمة لا يموت قبل قضائها.

فالتفت فكان ذاك الرجل روكامبول.

فرد مرميس: إذًا ثق أنه سيقول لك هذا القول مرة أخرى؛ لأن المهمة الأخيرة التي تولاها لم تتم بعد.

إن إنكلترا لا تزال تضطهد أرلندا، وتسيء إلى أساقفة الكاثوليك وتفرغ جهدها للتنكيل بالأرلنديين.

وعلى ذلك فإن روكامبول لم يمت بعد.

فقال ميلون: مَن يعلم إذا كان محتاج إلينا، ويا حبذا لو تيسر لي لقاء ذاك الإنكليزي الذي زارني.

وعند ذلك سمعوا وقع أقدام خارج المغارة فقال مرميس: من عسى يكون القادم ألعلنا ننتظر أحد بعد؟

فرد جواني: كلا، إن عددنا قد تم.

فقالت فاندا: رباه! إني أسمع دقات قلبي لاضطرابي، ألا يمكن أن يكون القادم روكامبول؟

وهنا سادت السكينة وخفقت القلوب وانصرفت الأنظار إلى الباب.

١٢

وقد مرت بهم دقيقة هائلة لما تولاهم من الاضطراب، ثم فُتح الباب فظهرت علائم الاشمئزاز على وجوههم.

ذلك أن هذا القادم لم يكن روكامبول، بل كان وكيل ميلون الذي رافقه في شارع مورني حين لقيهما مرميس، وحذره أن لا يجيء إليه إلا إذا أتى الرجل الإنكليزي.

فلما رآه ميلون داخلًا قال له: لماذا أتيت إليَّ؟

– ذلك لأنه حدث مصاب عظيم يا سيدي.

فاضطرب ميلون وقال: ويحك ما هذا المصاب؟

– إنك تعلم أن فتى بناء ينام عادة في ورشة لويس الكبير.

– كلا، لا أعلم ولكن أتم حديثك.

ثم التفت إلى مرميس وقال: أرجوك المعذرة، فإن هذا الأبله أتى يحدثني بأشغالي الخصوصية في هذا المكان.

– لا بأس فليتمم حديثه.

فقال الوكيل: إن هذا الفتى يا سيدي، قد سقط من الدور الثالث، وربما ألقوه منه، فإني لا أعلم الحقيقة، غير أن هذا المنكود قد بلغ حد الاحتضار.

وقد ذهبوا به إلى مركز الشرطة، وهناك دعوني إليه، فلما رأيته قال لي: أرجوك أن تبحث لي عن ميلون لأراه قبل الموت، فإذا كان هو ميلون الذي يعرف روكامبول فقل له لدي سرًّا عظيمًا أحب أن ألقيه إليه قبل ذهابي إلى العالم الأخير.

فلما سمع ميلون حديث وكيله، وثب إلى الباب وقال: أهو قال هذا القول؟

– نعم يا سيدي.

– إذًا أنا ذاهب إليه.

– يجب الإسراع يا سيدي، وقد أوقفت مركبة عند أول الشارع، فهلم إليه.

فهم ميلون بالخروج فقال له مرميس: اصبر إني ذاهب معك.

ثم التفت إلى الحضور وقال لهم: ابقوا هنا إلى أن نعود، إن غيابنا لا يطول أكثر من ساعة.

وخرج الاثنان في أثر وكيل ميلون، فركبا المركبة التي كانت تنتظره في أول الشارع.

وسارت بهم إلى مركز الشرطة فبلغت إليه بعد ربع ساعة.

وكان الفتى البناء هناك، في حالة تقطع القلوب من الإشفاق، وقد وقف الجندي الحارس أمامه يرث لبلواه، ويعين الطبيب على ضمد جراحه، فكان يقول: إني موقن بقرب الساعة، ولكني لا أبالي بالموت إذا كان ميلون الذي أعرفه هو ذلك الرجل الذي تبحث عنه الإنكليزية، وإذا كان يدركني قبل الموت.

أما الحارس الجندي فكان يسمع أقواله ويبكي، ثم ينظر إلى الطبيب نظرة السائل.

لكن الطبيب لم يكن يجيب بحرف.

عندما جاء ميلون ومرميس ظهرت على وجه الفتى علائم البشر وقال لميلون: لقد كنت واثقًا أنك أنت هو الذي كانت تبحث عنك.

قال له ميلون بصوت يضطرب إشفاقًا على هذا المنكود الحظ: من هي التي تبحث عني يا بني؟

– الإنكليزية.

– ومن هي هذه الإنكليزية؟

– هي الفتاة الأسيرة في المنزل المشرف على الورشة، وقد أردت إنقاذها فأصغ إليَّ يا سيدي، ولا تقطع عليَّ الحديث فإني أخاف أن يدركني الموت قبل استيفائه.

فحال الحارس دون ما يبتغي وقال له: إني أعرف الحكاية يا بني كما تعرفها فدعني أرويها عنك، وإذا أخطأت أصلحت خطئي.

وعند ذلك خرج الطبيب احترامًا لإرادة هذا المحتضر، واندفع الحارس في حديثه، فقص على مرميس وميلون جميع ما مضى مما عرفه القراء، أما ميلون فإنه لم يفهم شيئًا مما تريده هذه الإنكليزية، ولكن مرميس لم تفته كلمة من حكاية الحارس.

فلما أتم حكايته ووافق عليها البناء نادى مرميس الطبيب وقال له: ألا يمكن نقل هذا الجريح من هذا المكان؟

– إن ذلك يستحيل قبل الغد.

فأوصاه وأوصى مأمور القسم به خيرًا ونادى الحارس وقال له: هلم أنت معنا؛ لأننا محتاجان إليك.

فقال له ميلون: إلى أين تذهب؟

– إلى المحل الذي جرت فيه الحادثة فإني أحب أن أرى النافذة ثم خرج مع ميلون يتقدمهما الحارس إلى معمل البناء.

١٣

إن ميلون كان عارفًا بذكاء مرميس فلم يكن يثق إلا به ولا يعتمد إلا عليه بعد روكامبول، ولذلك تبعه إلى حيث أراد وهو واثق بأن بحثه سيسفر عن نتيجة حسنة.

فلما وصل إلى المعمل قال مرميس للحارس: أرني النافذة.

فأراه إياها وأراه اللوح الخشبي الذي سقط بالفتى فصعد مرميس إلى شرفة المنزل الجديد وفحص المسافة الفاصلة بينها وبين غرفة مس ألن، وأخذ دفترًا من جيبه وخط فيه بعض كلمات.

ثم عاد إلى ميلون وقال له: أصغ إليَّ الآن فإنه يجب أن تعود إلى المغارة وتقول للعصابة: إننا لا نستطيع أن نخبرهم بشيء الآن، ولكننا نحتاج إليهم قريبًا.

– وأنت ماذا تصنع؟

– أقيم هنا.

– أتقيم هنا وحدك؟

– نعم، إني سأجول قليلًا في هذا الشارع ثم أعود، فقل للحارس أن يطيعني في كل ما آمره به.

فنادى ميلون الحارس وقال له: إني أنا مقاول هذا البناء، ولكن رفيقي مهندسه أفهمت المراد؟

– تريد أنك أنت تشبه الكولونيل وهو يشبه الجنرال، إني سأطيعه يا سيدي كما أطيعك.

فقال مرميس لميلون: يكفي الآن، اذهب إلى حيث قلت لك.

فامتثل ميلون دون أن يعترض أو يسأل، فإنه تعود أن يطيع مرميس كما كان يطيع روكامبول.

أما مرميس فإنه حين خلا بالحارس وضع يده على كتفه وقال له: تعال معي وتبعه الحارس وذهب الاثنان إلى شارع لويس الكبير، فدنا مرميس من منزل مس ألن وقال للحارس: أهو ذا باب منزل الفتاة؟

– نعم هو بعينه.

فأخذ دفتر وكتب فيه نمرة المنزل.

وقال الحارس: قد يمكن يا سيدي أن الفتاة لا تزال في المنزل، وأنها لم تبرحه هذه الليلة.

– هذا ما أريده منك أن تساعدني على معرفته.

– أتريد أن أقرع الباب وأسأل؟

فابتسم مرميس لسذاجته وقال: كلا، بل أريد أن تذهب معي إلى منزلي في البدء.

فاستغرب الحارس من قوله وقال له: إلى منزلك يا سيدي؟

– نعم، فهو قريب من الشارع.

وكان مرميس يقيم في منزل جميل ويسكن الدور الأول منه، فلما وصلا إليه وطرق الباب فتح له خادمه، فدهش حين رأى سيده عائدًا إليه بعد انتصاف الليل يصحبه رجل رث الثياب مبتور الساق، ولم يمهله أن يمعن النظر بالحارس بل أمره أن يعود إلى فراشه.

ثم دخل بالحارس إلى منزله، وكان انذهاله أشد من انذهال الخادم لما رآه من الأثاث الفاخر، وجعل يسأل نفسه عن السبب بالمجيء به إلى مثل هذا القصر الجميل.

غير أن الجندي يتمرن على الصمت مدة خدمته ويغدو الصمت من طبعه، ثم إن ميلون قد أمره أن يطيعه، ولم يجد بدًّا من الامتثال، ولم يسأله عن شيء.

أما مرميس فإنه سار به إلى غرفة أشغاله فقال له: انظر إلى الآنية الموضوعة على المنضدة، فإن فيها ثلاث زجاجات مختلفة من الخمر، فاشرب ما يروق لك منها، وإذا نعست نم على هذا المقعد وسأعطيك رداء للنوم.

– لست بحاجة إلى الرداء يا سيدي فإني أنام بثوبي.

– أما أنا فإني محتاج إلى ثوبك وسأبدله بثوب آخر.

– ماذا تريد أن تصنع به؟

– أريد أن ألبسه وأتولى حراسة المعمل الليلة.

– ودهش الحارس وقال: إني لا أفهم يا سيدي ما تقول.

– أصغ إليَّ تعلم المراد.

ثم صب له كأسًا من الوسكي وصب لنفسه مثله وشربا، ثم قال له: إنك تعلم يقينًا أنه ليست الإنكليزية التي ألقت اللوح من النافذة، ورمت ذلك الفتى المسكين.

– دون شك؛ لأنه لم يرتكب هذا الإثم الفظيع غير أحد الرجلين الذين يحرسانها.

– هو ذاك، ولا بد أن الرجلان قد رأياك مع الفتى البناء وهما على غير ثقة منك.

– ربما.

– لذلك أحببت أن أتولى عنك الحراسة، حتى إذا رأيا في الصباح سواك علما أن صاحب المعمل استبدلك فلا يشكان بي.

– كل ذلك موافق يا سيدي، ولكنك لا تزال في مقتبل الشباب.

– وماذا يضر ذلك؟

– وأنك سليم الأعضاء والعادة أنهم لا يستخدمون في هذه الوظائف غير الجنود المشوهين.

فضحك وقال: إذن سأقطع ساعدي.

فدهش الحارس وقال: ماذا تقول يا سيدي، وكيف تقطع ساعدك؟

– اخلع ثيابك واجلس أمام النار إلى أن آتيك بثياب غيرها.

وامتثل الجندي وأخذ مرميس ثيابه، ودخل إلى أحد الغرف وقال له: سوف ترى.

وبعد هنيهة عاد ونظر إليه الحارس نظرة دهش؛ إذ رأى سحنته قد تغيرت وابيض شعره وقطع ذراعه الأيسر، بحيث لم يعرفه إلا من صوته فقال له: إني عرفت ببياض شعرك؛ فإنك لبست شعرًا مستعارًا، ورسمت على وجهك خطوطًا ظهرت كالغصون ولكني لا أعلم ماذا صنعت بذراعك.

– إني ربطت باطن كفي بكتفي ولبست فوقه الثوب وصرت كأني مقطوع اليد.

ثم ابتسم وقال: إني كنت أيها الصديق ممثلًا قبل أن أكون مهندسًا، ولما كان التمثيل في هذا العهد شعوذة ومخرقة فقد تعلمت منه التنكير.

وعند ذلك أعطاه ملابس جديدة فلبسها، ثم تركه وسار إلى المعمل وهو يقول: سوف نرى إذا كان الشرطي الإنكليزي أشد دهاء من تلاميذ روكامبول.

١٤

ووصل وهو متنكر بزي الحارس إلى المعمل وصعد توًّا إلى الدور الثالث وبسط لوحًا من الشرفة المحاذية لغرفة مس ألن، وأقام يراقب وهو يقول في نفسه: إنه لا بد لهذين الرجلين اللذين ألقيا الفتى أن يعودا إلى المنزل إذا كانا قد برحاه فأراهما من الشرفة دون أن يرياني، لكنهما إذا كانا باقيين في المنزل فإني لا أراهما إلا إذا أنارا مصباحًا في الغرفة.

وقد أخطأ مرميس في حسابه فإنهما لم يخرجا من المنزل ولم ينيرا الغرفة، ولكن أحدهما فتح تلك النافذة التي سقط منها الفتى وأطل منها فجعل يراقب الطريق.

وكانت السكينة سائدة والمسافة قريبة بينه وبين الرجلين وأصغى إصغاء تامًّا، وسمع أحد الرجلين يقول لرفيقه: إن الحارس قد ذهب.

فقال له رفيقه: والفتى البناء؟

– إنهم حملوه.

– أظن أنه لم يبح بشيء.

– دون شك وسيعلل البوليس سقوطه من قبيل الاتفاق.

– ذلك سيان عندي وخير لنا أن نبرح المنزل.

– دون شك؛ إذ لم يعد لنا عمل به بعد أن بات الطير في القفص على أني لا أخشى أحدًا حتى إني إذا اضطررت إلى قول الحقيقة اعترفت بها لقائد الشرطة، وفوق ذلك فإنه أطلق يدي.

وسمع مرميس كل ما دار بينهما من الحديث وقال في نفسه: لقد بت واثقًا الآن أن هذين الرجلين من شرطة لندرا، وأنهما قدما للقبض على الصبية والعودة بها إلى بلادها، ولكني أود لو رأيت وجههما وحبذا لو أنارا مصباحًا.

غير أنهما لم يقضيا رغبته، بل إنهما أقفلا النافذة وعادت السكينة إلى ما كانت عليه.

وصبر مرميس إلى أن أشرق الفجر، فلم ير شيئًا فنزل من الدور الثالث إلى أرض المعمل، فأوقد نارًا ووجد في جيب ثوب الحارس الذي كان يلبسه غليونًا وتبغًا فجعل يدخن.

ولم يكن موعد قدوم العمال قد حان بعد فأخذ يراقب تلك النافذة، ولكنها لبثت مقفلة فانصرف إلى مراقبة الباب ولبث مدة طويلة شاخصًا إليه إلى أن فُتح نحو الساعة السادسة، وخرج منه البواب يحمل المكنسة.

فكنس الرصيف ثم دخل إلى الخمارة المحاذية للمنزل فاقتدى به مرميس ودخل إلى تلك الخمارة وطلب إلى الخمار كأسًا من الشراب وجعل يشكو من البرد.

ونظر إليه البواب وكان قد طلب أيضًا كأس شراب فقال: من أنت ألعلك حارس المعمل؟

– نعم.

– ولكنك غير الذي كان أول أمس.

– نعم، فإني توليت الحراسة مكانه مساء البارحة؛ لأنه مريض.

– إذًا أنت الذي كنت في المعمل الليلة؟

– نعم.

– لقد حدثت مصيبة في معملكم، ولكن حدث في منزلنا ما هو شر منها فأخبرنا عن تفصيل ما حدث عندكم.

– إن أحد البنائين كان نائمًا في الدور الثالث فسقط منه.

– ألعله قُتل؟

– كلا، ولكني لا أظنه ينجو من الموت.

– مسكين إني سمعت صياحه وأردت الخروج إليه فمنعتني امرأتي.

– إنك لم تنم دون شك بعد الحادثة.

– إن أسفي ليس من الحادثة، بل من هؤلاء الناس المقيمين عندنا، فإني لا أجد معهم ساعة راحة، وأخصهم هؤلاء الإنكليز؛ فإن لدينا منهم رجلين وفتاة حرموني لذة الرقاد.

– كيف ذلك ألعلهم يعودون متأخرين؟

– إنهم يذهبون ويعودون ويعودون في كل ساعات الليل، مثال ذلك ليلة البارحة فإن الفتاة لم تعد إلى المنزل، وقد كانت خرجت في الساعة الثالثة بعد الظهر مع الرجلين فلم تعد إلى الآن.

– والرجلان ألم يعودا؟

– إنهما عادا وأظن أنهما كانا يعدان معدات الرحيل كل الليل؛ لأني علمت في الصباح أنهما ذهبا.

وعلم مرميس من البواب ما كان يريد أن يعلمه، وهو أن مس ألن والبوليسين برحا المنزل ولم يبق عليه إلا البحث عنهما، وعن تلك الفتاة التي سجناها دون شك في غير المنزل بدليل رجوعهما دونها، وبدليل ما سمعه من أحدهما حين قال: إن الطير قد بات في القفص فلا حاجة إلى بقائنا في المنزل.

١٥

ولنذكر الآن ما جرى لمس ألن وكيف أن طريقة إنقاذها قد حبطت بعد أن كانت مدبرة أحسن تدبير؛ ولذلك يجب أن نعود إلى تلك الليلة التي تمكن فيها الفتى البناء من الدخول إلى غرفتها فنقول: إن السير جمس كان من أفضل رجال الشرطة وأبصرهم بمعرفة دخائل القلوب وأسرارها، وقد عرف أسرار ألن على مبالغتها في إخفائها.

وقد تقدم لنا القول: إنه ثقب ثقبًا في باب غرفتها الذي كان يراقبها منها، وإنها كانت عالمة بهذا الثقب فوقفت مع البناء في مكان منحرف عن الثقب وكانت تعتقد أن الشرطي كان نائمًا.

غير أن مس ألن لم تفطن إلى مرآة كانت في غرفة البوليس تجاه الثقب، ودخلت إليها أشعة القمر من ذلك الثقب وعكست عليها صورتها والفتى.

وقد رآهما الشرطي فكتم أنفاسه وقام إلى الجهة التي كانا واقفين فيها وأصغى إليهما، ولم يفته حرف من حديثهما وعول على أن يقتحم باب الغرفة ويقبض على الفتاة لو كانت عزمت على الفرار مع الفتى في تلك الليلة.

غير أنه سمع اتفاقهما فلم يظهر شيئًا من ريبه، ووضع في تلك الليلة الخطة التي يجب أن يجري عليها.

وفي اليوم المعين لفرارها خرج بها في ساعة النزهة فركبت بجانبه في المركبة وسارت معه حسب عادتها دون حذر، وذهبت المركبة إلى المنتزه حتى إذا دارت دورتها حول البحيرة أمر السائق أن يذهب إلى جهة الأرز.

فاستغربت مس ألن لتغيير خطة النزهة المألوفة وقالت له: إلى أين تريد الذهاب؟

فأجابها ببرود: لدي مهمة خاصة في تلك الجهة أحب قضاءها.

– ولكننا ذاهبون إلى غابات بولونيا؟

– هو ما تقولين.

ولم تشأ مس ألن معارضته حذرًا من أن تولد في نفسه الشكوك وقالت له: لنذهب.

ولما وصلت المركبة إلى الأرز سارت مسرعة إلى بولونيا، حتى إذا خرجت من الغابات رأت مس ألن رفيق السير جمس واقفًا قرب مركبة يظهر أنها كانت تنتظر، أمر السير جمس السائق أن يقف حيث كانت واقفة المركبة.

فاضطربت ونظرت إليه نظرة المستطلع فابتسم لها وقال لها: إن البرد شديد يا سيدتي، فهلمي نستبدل مركبتنا المكشوفة بهذه المركبة المقفلة وقاية لنا من البرد.

فهمت أن تعترض، ولكنه قال لها: تأبطي ذراعي ولا تقاوميني.

وكان يقول هذا القول بلهجة سيادة هاجت لها الفتاة فقالت: أرى أنك نصبت لي مكيدة.

– إنك مخطئة وسنتحدث مليًّا في المركبة.

وكان الشارع مقفرًا وموقف الشرطة بعيدًا عن المكان الذي كانوا فيه ورأت أنها باتت أسيرة الرجل، وأنها لا بد لها من الامتثال ونزلت من مركبتها وصعدت إلى المركبة الثانية، فصعد السير جمس بجانبها وأقفل الباب فأمر الشرطي الثاني العربة أن تسير.

ولما سارت المركبة قال لها السير جمس: إنك أنت يا سيدتي التي أكرهتني على أن أسلك معك هذا المسلك، ولو شئت لكنا بقينا في ذلك المنزل ننتظر والدك النبيل، ولكنك حاولت الفرار فلم أجد بدًّا من الاحتياط.

فاصفرَّ وجه الفتاة وقالت: إلى أين أنت ذاهب بي؟

– إن الفتى البناء سيطول انتظاره لك يا سيدتي في الليلة القادمة.

فصاحت مس ألن صيحة اليأس وقالت له: ويحك أيها الشقي ماذا فعلت؟

– إنها كلمة يثقل وقعها عليَّ أيتها السيدة، ولا تقال لأمثالي؛ فإني رجل شريف أتمم واجباتي.

– ولكن إلى أين أنت ذاهب بي؟

– إلى مستشفى صحي.

فذعرت مس ألن ذعرًا شديدًا وهمت أن تفتح باب المركبة وتلقي نفسها منه، فضحك السير جمس وقال: إن الباب محكم الإقفال.

وحاولت أن تنظر من نوافذ الزجاج فرأت أنه مصبوغ بدهان يمنع نفوذ البصر منه، ووراءه قضبان من الحديد، فهاجت هياج اللبوة فقدت أشبالها، ولو كان لديها خنجر لمزقت أحشاء الشرطي.

أما السير جمس فإنه لبث ساكنًا هادئًا وكان يبتسم ويقول لها: لا فائدة يا سيدتي من هياج قد يؤذيك.

فانهالت عليه بالشتائم المفجعة، ولكنه لم يجبها، وظلت المركبة سائرة وقد أجهدت فكرها كي تعلم الجهة التي تسير فيها فلم تستطع، فعادت إلى شتمه وإهانته، فأخذ عددًا من جريدة كان معه وجعل يقرأ فيها غير مكترث لشتائمها.

وبعد حين وقفت المركبة، فأعاد السير جمس الجريدة إلى جيبه وقال: لقد وصلنا.

١٦

وكان رفيقه جالسًا بجانب السائق، فلما وقفت المركبة وثب إلى الأرض وفتح الباب المقفل بالمفتاح.

وأخذ السير جمس يد مس ألن وخرج بها من المركبة، ورأت أنها في وسط فسحة مستورة من ثلاث جهات بجدران عالية، في الجهة الرابعة بناية عظيمة مربعة تشبه السجون؛ فإن جميع نوافذه كانت مشبكة بقضبان ضخمة من الحديد.

وكان هناك رجل لابسٌ ثياب الجنود، فأسرع إلى السير جمس وحياه باحترام فسأله الشرطي: هل المدير هنا؟

– نعم يا سيدي، وأظن أنك الميلورد الذي ينتظره.

– نعم أنا هو فأبلغ المدير زيارتي.

فدخل إلى المنزل وبقي السير جمس مع مس ألن وهي تنظر إليه نظرات تشف عن الحقد وحب الانتقام فقال لها: أتعلمين أين أنت الآن؟

– نعم إني في سجن.

– بل في مستشفى المجانين، ولكنك لا تبقين فيه غير أسبوعين إلى أن يأتي أبوك من لندرا وهو الذي سيتولى إخراجك منه في اليوم الذي يحضر فيه.

فاضطربت وهالها هذا المصير فقالت: ولكني لست مجنونة.

– إني لا أُنكر ذلك، ولكننا لسنا في لندرا، بل نحن في عاصمة أجنبية، فمتى أردنا الاحتفاظ بإنسان نكاشف بأمره الشرطة الفرنسية، فيخيرنا بين حبسه في السجن أو في أحد المستشفيات، ألعلك تؤثرين سجن سانت لازار؟

فأجفلت لاسم هذا السجن وظهرت عليها علائم الرعب والأنفة فقال لها: إني كنت أؤثر أن أبقيك في أحد المستشفيات الصحية، ولكن من كان له ذكاؤك يسهل عليه الفرار من المستشفيات البسيطة، وأما في مثل هذا المستشفى فإن الطبيب نفسه يكون مسئولًا عليك.

– تريد أنك متفق وإياه على ارتكاب هذه الجريمة؟

فهز السير جمس كتفيه وقال: إني لا أبالي بهذه الشتائم، فإن ضميري لا يقرعني بشيء، وبعد فإني سأبتعد عنك فلا أتشرف بلقائك إلا في لندرا.

وعند ذلك عاد الجندي فقال للسير جمس: إن المدير ينتظر سيدي الميلورد.

فدنا السير جمس من مس ألن وقال لها بصوت منخفض: أقسم لك أنك ستعاملين هنا خير معاملة إذا لم تقاومي.

– وإذا قاومت؟

– يضطرون إلى اعتبارك مجنونة حقيقة، ويعاملونك معاملة المجانين حين هياجهم؛ أي إنهم يصبون عليك المياه المثلجة.

واقشعر جسم الفتاة وقد مرت في خاطرها ذكرى سريعة هائلة، وهي أنها زارت مرة مستشفى المجانين المشهور في لندرا، فرأت المجانين يركعون ويتوسلون وهم يذرفون الدموع مسترحمين طالبين إنقاذهم من عقاب المياه الباردة.

أما السير جمس فإنه اغتنم فرصة رعبها فقال لها: لدي أوامر مهمة بإدخالك إلى هذا المستشفى، فكل ما تقولينه للطبيب لا يفيدك في شيء، أما مدير المستشفى فإن مهمته أشبه بمهمة السجان، فهو ينفذ الأوامر كما ترد إليه، ولا يد له في شيء.

وعند ذلك أكره مس ألن على أن تتأبط ذراعه ففعلت وسار بها في أثر الجندي، فجعلوا يجتازون من غرفة إلى غرفة حتى بلغوا إلى غرفة المدير، وهو رجل في الخمسين من عمره تدل ملامحه على حب الأثرة والاستبداد، فخف لاستقبالهما.

فقال له السير جمس: إني قادم إليك يا سيدي المدير باللادي التي كتبت لك عنها، وأرسلت لك أوامر الشرطة بشأنها، المعدة لها من سفارة إنكلترا.

فنظر المدير إليها نظرة تدل على عدم الاكتراث وقال له: لقد أعددنا لها الغرفة.

فأيقنت مس ألن أن هذا الرجل لا رجاء لها فيه.

أما المدير فإنه قرع جرسًا كان أمامه، فجاء اثنان من الممرضين فقال لهما: اذهبا بالسيدة إلى الغرفة نمرة ١٣.

ولم يسع الفتاة إلا الاعتراض على عمله وقالت للمدير: ألعلكم تسجنونني كمجنونة في الغرفة؟

وأجابها المدير بجفاء: دون شك.

وعلمت أن هذا المدير شر من ذلك الشرطي، ونظرت إلى الاثنين نظرة احتقار.

وسارت في أثر الممرضين.

بعد ذلك ببضع دقائق كان السير جمس وزميله يصعدان إلى المركبة وقال له رفيقه: إلى أين تذهب الآن؟

– إلى شارع لويس الكبير.

– لماذا، ألإحضار ثياب الفتاة؟

– كلا، فإننا سنرسلها إليها في وقت آخر، ولكننا نذهب إلى ذلك المنزل لانتظار الفتى البناء.

– وأي شأن بقي لنا معه، فإنه ينتظر أن تُفتح النافذة إلى أن يمل الانتظار فينصرف؛ لأن النافذة لا تُفتح.

– بل أفتحها أنا، فإن الفتى قد تداخل فيما لا يعنيه وكاد يفسد عليَّ أمري ويعبث بسمعتي، فيجب أن يُعاقب.

وعلى ذلك تقرر عقاب ذلك الفتى المسكين الذي دفعته المروءة إلى إنقاذ مس ألن.

أما مرميس فقد علم أن مس ألن أُرسلت إلى مستشفى صحي، ولكنه لم يعلم أين هو ذلك المستشفى.

١٧

ولنعد الآن إلى مرميس، فإنه بعد أن وثق أن السير جمس ورفيقه قد برحا المنزل ولم يعودا إليه عاد إلى منزله.

وكانت الساعة السابعة صباحًا ووجد أن الحارس الجندي قد شرب كفاءته من الشراب ونام، فغير مرميس ملابسه وأيقظ الجندي ثم أعاد إليه ملابسه وقال له: إني معهد إليك بمهمة؛ وهي أن تذهب إلى المسيو ميلون المقاول وتعطيه هذه الرسالة.

وهي رسالة دعاه فيها إلى الحضور إليه في الحال.

وبعد أن ختمها ودفعها إلى الجندي قال له: والآن لم يبق لي إلا أن أستحلفك بشرف الجندية بأن لا تخبر أحدًا عما جرى في الليلة الماضية ولا عن الإنكليزية، وأن لا تذكر شيئًا عن استبدال ثوبي بثوبك وتنكري بزي الحراس، وذلك لأن إفشاء هذه الأمور يضر بنا ضررًا عظيمًا.

فأقسم الجندي بشرفه على الكتمان، ونفحه مرميس بمائتي فرنك فتردد الجندي في قبولها، فألح عليه وقال له: إني من أصحاب الملايين وأنت أحوج مني إلى هذه القيمة الزهيدة.

فأخذها الجندي شاكرًا وأسرع بالذهاب إلى ميلون، ولم تمض نصف ساعة حتى أقبل فقال له مرميس: اعلم الآن أن الفتاة الإنكليزية قد اختفت.

– منذ متى؟

– منذ أول أمس.

وقال ميلون: إذًا لم تكن في المنزل حين أصيب هذا البناء المسكين، لكن أعلمت أين هي الآن؟

– لو كنت عالمًا بمقرها لما دعوتك لمشاركتي في البحث عنها.

– وكيف يمكن إيجادها، إن ذلك مستحيل فيما أراه.

وابتسم مرميس وقال: إنك لا تزال على سذاجتك الفطرية إلا حين يكون روكامبول معنا، فإنه يفتح عينيك.

– لقد أصبت، فإني حين أبتعد عنه أصبح كالحيوان الأعجم.

– ولكن أصغ إليَّ واتبع تعليماتي، فإن الفتاة الإنكليزية التي أتت تبحث عن رجل يُدعى ميلون وامرأة تدعى فاندا هي آتية من قبل روكامبول دون شك، وإنه لم يرسلها إلا لأنه في خطر ولأنه محتاج إلينا.

– هذا لا ريب فيه كما يظهر.

– إذًا يجب أن نجد هذه الفتاة وننتزعها من أيدي الذين اختطفوها ونعلم ما يريده روكامبول منا.

– لكن كيف نجدها؟

– بهذين الرجلين اللذين كانا يحرسانها فإنهما من أعداء روكامبول دون شك بدليل منعهما الفتاة عن الاجتماع بك وبفاندا، ولذلك يجب علينا أولًا أن نبحث عن هذين الرجلين ومتى وجدناهما عرفنا أين هي مس ألن.

– لكن كيف نستطيع إيجادهما؟

– إنهما من رجال الشرطة، ولا أسهل من إيجاد المشتغل بالمهنة.

– كيف؟

– أيوجد لديك الآن نقود في منزلك؟

– نعم، لدي مائة ألف فرنك.

– أين وضعتها؟

– في الصندوق الحديدي.

– أهو ذاك الصندوق الذي اشتريته حديثًا من لندرا؟

– هو بعينه.

– إنه مثل الصندوق الذي عندي، وسأسرق غدًا من صندوقك ما أودعت فيه من المال.

فحملق ميلون بعينيه وقال: ماذا تريد بذلك؟

– إنه لا يوجد غير لص واحد إنكليزي تمكن من طبع أقفال هذا النوع من الصناديق على الشمع، وصنع مفاتيح يفتحها بها حين تلوح له الفرصة أفهمت؟

– كلا، لم أفهم شيئًا بعد.

– مع أن الأمر بسيط، فإن أموالك تسرق من صندوقك فتشكو الأمر إلى إدارة الشرطة، فتعتقد الشرطة الفرنسية أن سارق المال هو ذلك اللص الإنكليزي لاشتهار أمره في هذه الصناديق، ولما كان هذان الرقيبان على مس ألن في باريس، فإن الشرطة الفرنسية تستعين بهما على إيجاد السارق.

– ولكن هل تعلم إدارة الشرطة الفرنسية أن هذين الشرطيين موجودان في باريس؟

– إني واثق كل الوثوق، وسأبرهن لك عن ذلك وأوضح لك عن تلك الخطة التي وضعتها، فإن روكامبول نفسه لا ينتقد علينا.

ثم قام وأشعل سيكارًا وأعطى مثله لميلون وقال: أصغ إليَّ الآن.

١٨

إنني إذا وفقت بين ما رواه لنا الحارس الجندي وبين أبحاثي نجد أن الأمر قد مضى كما يأتي: وهو أن روكامبول أرسل إلينا مس ألن فلم تكد تصل إلى باريس حتى أخذت تبحث عنك، ولكن البوليسين الإنكليزيين وصلا قبل أن تجدك فسجناها في المنزل وأقاما معها يراقبانها.

ومن هنا قد اتضح لي جليًّا أن الشرطة الفرنسية لها يد في هذا الأمر؛ لأن الشرائع الإنكليزية لا نفوذ لها في فرنسا.

ولو أرادت الفتاة أن تلجأ إلى أي نفر من أنفار الشرطة لأنقذها من الإنكليزيين.

فقال ميلون: ولماذا لم تفعل ذلك؟

– لأن الإنكليزيين قد سبقاها إلى إدارة الشرطة، فتمكنا بواسطة السفارة الإنكليزية من الحصول على أمر بالقبض على الفتاة، يعملان به حين الاقتضاء.

– لقد فهمت الآن.

– إذًا انتبه لقولي، إنه يوجد في صندوقك مائة ألف فرنك.

– نعم.

– وسأسرقها.

فضحك ميلون وقال: ولكنك ستردها دون شك؟

– ولكن قبل أن أردها تذهب إلى إدارة الشرطة وتعرض شكواك وتهتم الشرطة بإيجاد السارق والمسروق.

– وبعد ذلك؟

– إن الشرطي يعلم لأول وهلة أن السارق من الإنكليز.

– كيف يمكن أن يتصل إلى هذه المعرفة؟

– ذلك منوط بي فلا تهتم به، واسمع إنه متى وثق أن السارق إنكليزي يستعين بالشرطيين الإنكليزيين، فأوهمهما أنني أنا السارق فيأخذان باقتفاء أثري، ولكني أدرك من أثرهما ما يدركانه من أثري ومتى عرفت مقرهما عرفت مقر مس ألن.

فنظر ميلون إلى مرميس نظرة المعجب به وقال له: إنه قد يمر ظروف أحسب في خلالها أنك الرئيس نفسه.

فابتسم مرميس وقال: إن روكامبول، لو لم يجدني أهلًا لخدمته، لما جعلني تلميذه، ولما نهض بي من وهدة الشر وحضيض المفاسد، إلى ما أنا فيه.

– لقد أصبت ولكن …

– لكن ماذا؟

– إنك تسرق المال وتوهمهم أنك السارق، فإذا اتفق أنهم قبضوا عليك، فكيف تبرئ نفسك؟

– لإنهم لا يقبضون عليَّ، وعلى افتراض أنهم ظفروا بي، فإني أعددت طريقة الخلاص.

– إذًا لنصنع ما تريد.

– متى تكون عادة في منزلك؟

– عند الظهر، وهو الوقت الذي يكون فيه عندي رؤساء عمالي لتلقي الأوامر.

– إذًا عد إلى منزلك وانتظرني فيه.

فامتثل ميلون طائعًا وانصرف.

•••

وقد رأى القراء كيف أن ميلون عاد إلى مهنته القديمة، فإنه قبل أن يدخل في خدمة والدة أنطوانيت، وقبل أن يزج في سجن طولون كان من البنائين.

وأعطاه مرميس رأسمالًا كبيرًا بأمر روكامبول كي يشتغل فيه بالأبنية، إلى أن يصدر أمر آخر من روكامبول.

فاحترف مهنته وكان يشتغل بملء الجد والوفاء، فاتسع نطاق أشغاله وصار لديه مئات من العمال.

وكان يقيم في شارع ماريتيان، على قيد بضع خطوات من منزل فاندا.

فكان منزله — ولا سيما في أيام دفع أجور العمال — يشبه الدوائر الكبرى لكثرة ما يحتشد فيه من البنائين والنجارين والفعلة والملاحظين، فإنه كان متوليًا بناء نحو عشرين بناية في حين واحد.

وقد كان ذلك اليوم الذي اجتمع فيه بمرميس يوم سبت؛ أي يوم دفع الأجور.

وبينما كان ميلون يحاسب رؤساء العمال عند الظهر، وقفت مركبة جميلة عند باب منزله، وخرج منها رجل بسيط الثياب، ولكن جميع ظواهره تدل على أنه من الأعيان.

وكان هذا الرجل أشقر الشاربين أحمر شعر الرأس، لابسًا قميصًا أزراره من الماس الثمين، وهو يتوكأ على عصا قبضتها من الذهب ولابسًا قبعة لا تُصنع إلا في إنكلترا.

فطرق الباب، وفتحت له الخادمة، فقال لها: هل المقاول ميلون في منزله؟

– نعم.

فدخل توًّا إلى حيث كان ميلون وقال له بلهجة إنكليزية محضة: أتشرف يا سيدي بالسلام عليك، وإني أدعى اللورد كاندول من أعضاء مجلس البرلمان، وأنا مقيم في أوتيل موريس.

فاستقبله ميلون خير استقبال ورد تحيته بملء الاحترام.

فقال له الإنكليزي: إن طبيبي الخاص وصف لي الإقامة في باريس مراعاة لصحتي، فأحببت أن أشيد منزلًا فخمًا في الشانزليزه.

– إذًا تفضل معي يا مولاي أريك ما لدي من الرسوم.

ثم دخل به إلى الغرفة التي كان فيها الصندوق، فلما خلا بهما المكان قال له اللورد بلهجة فرنسية: ألم تعرفني يا ميلون؟

فدهش ميلون؛ إذ عرفه من صوته أنه مرميس، فإنه كان يحدثه قبلًا بصوت مستعار، وقال له: إن روكامبول نفسه لا يستطيع أن يعرفك بهذا التنكر.

– إذا كنت لا أعرف أن أتنكر حين الحاجة، فكيف يحق لي أن أُدعى تلميذًا لروكامبول؟

– والآن هل أتيت لتسرقني؟

– كلا، بل لأهيئ معدات السرقة، غير أني أردت أن يراني رجالك، ولذلك اخترت الساعة التي يجتمعون فيها عندك لقبض الأجور، والآن فلنتحدث بما أتيت لأجله.

١٩

ثم سار به إلى الصندوق وقال له: أرني صندوقك قبل كل شيء.

وكان هذا الصندوق داخلًا في جوف الجدار، فأخذ ميلون مفتاحًا معلقًا في عنقه، وفتح الباب الأول الكائن في الجدار، فانفتح عن صندوق إنكليزي.

وكان صندوقًا ضخمًا، يبلغ ارتفاعه ارتفاع خزانة المرآة العادية، وتبلغ زنته ألف كيلوغرام.

وهو من الصناديق التي لا تعمل فيها النار.

ولم يكن له غير قفل واحد صغير، غير أن طريقة فتحه اصطلاحية، فإذا أدخل صاحبه المفتاح في هذا القفل أداره شمالًا ويمينًا عدة مرات مختلفة على طريقة لا يعرفها غير صاحب الصندوق.

فأمر مرميس أن يفتح الصندوق ففتحه وقال له: أين وضعت المائة ألف فرنك؟

– في هذه المحفظة السوداء التي تراها.

– والآن أقفل باب الجدار.

فأقفله ميلون وفحص مرميس قفله وقال: إن اغتصابه سهل ميسور بحيث يمكن فتحه دون أقل عناء.

– ولكن ماذا عزمت أن تفعل؟

– أول ما أبدأ به الخروج من عندك، فتشيعني إلى الخارج وتقول لي بصوت يسمعه كل من عندك من العمال: أيها الميلورد إني أتشرف بانتظارك في الساعة الرابعة.

– وبعد ذلك؟

– وعند ذهابي توصي خادمتك أن تدخلني حين وصولي إلى غرفتك؛ أي إلى هذه الغرفة التي فيها الصندوق، فإني سأحضر قبل الساعة الرابعة، واجتهد أن تتأخر فتحضر بعدها، بحيث يثبت أني أقمت وحدي في غرفتك ثلاثة أرباع الساعة.

– وعندما أحضر؟

– تجدني قد انصرفت بحجة تأخرك عن الموعد، فتدخل إلى غرفتك فتجد باب جدار الصندوق مكسورًا والصندوق مفتوحًا.

– سأقل كل ما قلته ولكن بعد ذلك؟

– وإنك لا تعود وحدك إلى الغرفة، بل تعود مع أحد وكلائك، كي يكون شاهدًا على ما ترى.

وتذهب معه بعد ثبوت السرقة إلى فندق موريس لتسأل عن اللورد كاندول فلا تجده بالطبع.

ثم تذهب إلى إدارة الشرطة فتعرض شكواك، وتتهم اللورد الإنكليزي، وتُظهر للشرطة جميع إشاراته وملامحه وملابسه كما رأيتني.

– حسنًا وبعد ذلك؟

– وبعد ذلك ينتهي عملك فلا تهتم بعدُ بالأمر.

ثم خرج وهو يقول له مبتسمًا: إن المال سيرد إليك دون شك، فلا خوف عليه.

فشيعه ميلون حتى إذا وصل إلى حيث كان عماله، قال له على مسمع منهم: حبذا يا حضرة الميلورد، لو تكرمت بالرجوع في الساعة الرابعة حيث أكون قد تفرغت من مشاغلي، فأريك الأرض المعدة للبيع التي حدثتك عنها.

فأجابه مرميس بلهجة إنكليزية قائلًا: كم ينبغي من الزمن لبناء منزلي؟

– ثلاثة أشهر.

– إنه زمن بعيد ولا طاقة لي بالصبر إلى هذا الحد.

– إذًا سأتمه بشهرين على أن نشتغل في الليل على أنوار كهربائية، ولكن ذلك يكلف كثيرًا.

– لا بأس، دعهم يشتغلون ليلًا، فإني أدفع كل ما يُطلب إليَّ من النفقات.

ثم تركه وانصرف، فقال أحد الوكلاء لميلون: إنك ستربح أرباحًا كثيرة من هذا الإنكليزي.

فأجابه ميلون ضاحكًا: وسنأخذ بثأرنا، من الإنكليز، عن معركة واترلو.

ثم أتم ميلون محاسبة وكلائه وصرفهم، فركب مركبة وذهب لتفقد المعامل، بعد أن أوصى الخادمة بإدخال الإنكليزي إلى غرفته، حين يعود.

غير أن خطة مرميس بدأ عليها حادث غير منتظر، عدلها تعديلًا خفيفًا، وذلك أن ميلون بينما كان ذاهبًا لتفقد معامله، رأى رجلًا يجتاز رصيف الشارع وهو مطرق الرأس يمشي مشية الحزين، فارتعش حين رآه وأمر السائق أن يقف في الحال.

ثم وثب من المركبة وأسرع إلى هذا الرجل، فإنه كان ذلك الإنكليزي الذي جاءه من قبل الرجل العبوس، فوضع يده على كتفه وقال له بلهجة الفرح المسرور: لقد تيسر لي لقاؤك بعد العناء الشديد، فهل كنت عائدًا إلي؟

وكان هذا الرجل شوكنج نفسه، خادم روكامبول في لندرا، فقال له بلهجة المكتئب الحزين: نعم يا سيدي، لقد بلغ بي الشقاء حده بعد فقدي تلك الحوالة التي سرقوها مني مع المرأة والغلام، فبت في حالة تستوجب الإشفاق.

فقال له ميلون: لم يبق حاجة إلى الحوالة، فإني أنفق عليكم منذ الآن عن سعة، وأعطيكم كل ما تحتاجون إليه، ألم تقل لي إن الذي أرسلك هو الرجل العبوس؟

– نعم يا سيدي.

– إذًا اعلم أنه أخلص أصدقائي.

ثم فطن إلى مس ألن فقال له: إنك عشت مدة طويلة مع الرجل العبوس فهل عرفت فتاة إنكليزية تُدعى مس ألن؟

فاصفرَّ وجه شوكنج، واتقدت عيناه ببارق من الحقد، وقال له: مس ألن؟

– نعم.

– إنها يا سيدي ألد أعداء الرجل العبوس.

فتراجع ميلون منذعرًا، وهو يقول: إنها ألد أعدائنا، ونحن نريد إنقاذها؟

٢٠

كان شارع مارينيان مقفرًا، كسائر الشوارع الجديدة المشادة في جوار الشانزليزيه.

وكان ميلون وشوكنج يتحدثان وهما واقفان على الرصيف دون أن يراهما أحد لندور المارة في ذلك الشارع.

وقد سكن اضطراب ميلون بعدما رأى شوكنج فقال له: أحق ما تقول: إن مس ألن عدوة الرجل العبوس؟

– بل هي شر عدو ويُخشَى بأسها، وهي تكره الرجل العبوس كرهًا لا يُوصف.

– ألديك برهان يُثبت ما تقول؟

– تعال معي يا سيدي إلى حيث هي حنة ورالف، يعيدا عليك نفس ما قلته.

– من هي حنة هذه؟

– والدة رالف.

– ورالف؟

– إنه الغلام الذي سيغدو يومًا زعيم الأرلنديين العام.

– أهما في فرنسا؟

– بل هما في باريس، وأنا الذي جئت بهما إليها، فإن الرجل العبوس أعطاني حوالة ونقودًا، وبعد وصولنا بثمانية أيام سُرقت منا الحوالة والنقود.

– ألم تشكو أمرك إلى البوليس؟

فابتسم شوكنج ابتسامة حزن وقال: إن الذين سرقونا هم أعظم منا، ولا تنالهم يد الشرع.

– إننا في فرنسا وليس في بلادنا من يعلو على الشرع.

فهز شوكنج رأسه وقال: إن الذين سرقونا ليسوا فرنسيين، وفوق ذلك، فإنهم أعداء لنا تبعونا من لندرا، وليس الرجل العبوس معنا فيحمينا.

– أين هما المرأة والغلام؟

– إنهما يقيمان معي في غرفة صغيرة قريبة من فندق لوريس، في أفقر شوارع باريس.

فقال ميلون: لقد أذكرتني معملًا لي هناك، فهلم بنا نقضي المهمتين في حين واحد.

ثم عاد إلى الموضوع الوحيد الذي كان يشغل خاطره فقال: إذًا إن مس ألن عدوة الرجل العبوس؟

– إنه لم يجد فيما مر به من الحوادث الجسام عدوًّا أشد منها، وطالما كنت أخشى عليه منها.

– كيف ذلك؟

– إنه كان يحاول أن يحملها على حبه.

فذكر ميلون مقدرة روكامبول وقوة سلطانه على القلوب، غير أن ذلك لم يمنعه عن سوء الظن بمس ألن.

فقال لشوكنج: اصعد إلى مركبتي وانتظرني فيها إلى أن أعود، فإني داخل إلى منزلي لقضاء بعض المهام.

ثم تركه ومشى بضع خطوات إلى منزله، فدخل وكتب الرسالة الآتية:

لم يبق لنا فائدة من السرقة؛ إذ لا يفيدنا الاهتمام بمس ألن، لقد رأيت الإنكليزي الذي جاءنا من قبل الرجل العبوس، وأكد لي أن مس ألن عدوة لدودة، لا صديقة حميمة كما توهمنا، وأنها معولة على إهلاك روكامبول.

فابق في منزلي حين وصولك إليه وانتظرني فيه إلى أن أعود، فإني ذاهب إلى شارع لوريس.

ميلون

ثم أعطى الكتاب للخادمة، وقال لها: متى جاء الميلورد الإنكليزي الذي أوصيتك أن تدخليه إلى غرفتي، أعطه هذا الكتاب وقولي له أن ينتظر.

فأخذت الخادمة الكتاب وخرج ميلون إلى لقاء شوكنج وهو يقول: طالما ساعدنا أعداء الرئيس ونحن نحسب أنهم أعوانه.

في نحو الساعة الرابعة وقفت مركبة عند باب منزل ميلون، وخرج منها ذلك الميلورد الإنكليزي؛ أي مرميس، فأعطته الخادمة الرسالة وأدخلته إلى غرفة سيدها.

فلما خلا بالغرفة فتح الرسالة وقرأها وقال: إن هذا الرجل ساذج القلب، فلا يغير فطرته شيء حتى عشرة روكامبول.

ثم أخذ قلمًا وكتب إلى ميلون ما يأتي:

إنك أبله لا يمكن إصلاحك فإن مس ألن إذا كانت صديقة لروكامبول فقد وجب علينا إنقاذها.

وإذا كانت عدوة له فقد وجب علينا أن نقبض عليها؛ ولذلك كان إنقاذها واجبًا في الحالين.

أما أنا فقد سرقت مالك، فلا تُضع الوقت بالتفكير، وأسرع في الحال، حين تقف على رسالتي هذه، إلى إدارة الشرطة، واعرضْ شكواك.

وبعد أن كتب هذه الرسالة ختمها وعنونها باسم ميلون، وأقفل باب الغرفة من الداخل كي لا يدخل عليه أحد، ثم أخرج من جيبه مبردًا ودنا من الصندوق، وهو يذكر مبتسمًا مهنته القديمة، فعالج باب الصندوق الخارجي ففتحه.

ويذكر القراء أن ميلون ترك الباب الداخلي مفتوحًا فأخذ مرميس منه محفظة الأوراق المالية فوضعها في جيبه وأقفل باب الصندوق الخارجي كي لا يرى الباب مفتوحًا.

وأقام في الغرفة نحو ربع ساعة ثم خرج والرسالة بيده فوجد الخادمة في الطابق السفلي فأعطاها الرسالة وقال لها بلهجة الحانق: إن سيدك رجل قليل التربية فإن من كان بمقامي لا يحملونه على الانتظار.

ثم تكلف هيئة العظمة وأعطاها ليرتين وانصرف.

وكانت مركبته لا تزال واقفة على الباب، فأمر سائقها أن يسير به إلى شارع مورتي، وهناك استوقفه فنزل من المركبة وذهب ماشيًا على الأقدام إلى تلك المغارة التي كانوا يجتمعون فيها كل شهر، فخلع ثياب تنكره ولبس ملابسه العادية، ثم عاد إلى منزله وهو يقول في نفسه: إن مس ألن إذا كانت من أعدائنا فقد وجب علينا حتمًا إنقاذها واستخدامها في سبيل أغراضنا.

٢١

ولنعد الآن إلى ميلون فإنه سار مع شوكنج من شارع ماريبيان إلى شارع لورسين حتى انتهى إلى منتصف الشارع، فوقفت بهما المركبة عند باب منزل حقير كان أمامه أرض معدة للبناء، وقد نصب فيها لوح أسود كتب عليه بأحرف كبيرة: «ميلون المقاول البناء.»

فأراه شوكنج الكتابة وقال له: إني لم أهتد إليك إلا بها، فإن معملك بإزاء البيت الذي نُقيم فيه، ذهبت إليك في المرة الأولى ولم أجسر أن أعود ثانية، غير أني كنت أرجو أن أراك مع حنة حين حضورك لتفقد الأعمال فترانا وتشفق علينا.

فقال ميلون: إن لدي كثيرًا من معامل البناء في باريس بحيث لا يتيسر لي تفقدها بجملتها، ولو لم أرك اتفاقًا لما اتفق لك أن تراني في ذلك المعمل لشدة بعده عن مركز أعمالي.

– ولو لم ترني لكنا هلكنا جوعًا؛ فإني خدمت سائسًا في إصطبل قريب من هنا فلم أخدم أسبوعًا حتى طرأ على صاحب الإصطبل ما دعاه إلى السفر، فباع الخيل والمركبات وعدت إلى التجول والاستعطاء.

وبينما كان شوكنج وميلون يتحدثان قرب باب المنزل مر بهما رجلان وسارا ذهابًا وإيابًا قرب المعمل عدة مرات كأنهما كانا يستغربان وقوف ميلون مع ما يبدو من ظواهر غناه مع شوكنج وظواهر فقره المدقع ماثلة للعيون.

ولم تكن هيئة الرجلين تدل على التجسس وحب الاستطلاع، بل كان يبدو منهما أنهما يتنزهان في تلك الجهة لكثرة أشجارها وصفاء هوائها، ولكنهما كانا يتكلمان بصوت منخفض.

غير أن شوكنج سمع منهما حين مرورهما بقربه كلمة استغرب لها، فقال له ميلون: ماذا أصابك؟

– لا شيء، غير أن الرجلين من الإنكليز.

– ألا تظنهما من أهل الشارع؟

– كلا، بل أظنهما شرطيين إنكليزيين يراقباننا، وأظن أنهما هما اللذان سرقانا.

فهز ميلون كتفه وقال: إذا بدرت منهما بادرة سوء، أمرت البنائين عندي ينكلون بهما تنكيلًا، والآن فلندخل لنرى المرأة والغلام فدخل الاثنان إلى المنزل من رواق طويل وبقي الإنكليزيان واقفين في آخر الشارع وقد رأياهما دخلا إلى المنزل.

وكانت الغرفة التي تقيم فيها الأرلندية وابنها حقيرة لا أثاث فيها ولا مستوقد لها، ولم يكن فيها غير طاولة قديمة ومقعد من الخشب كانت تنام عليه المرأة وولدها، وكيس من القش كان ينام عليه شوكنج.

ولم يكن على الطاولة كسرة خبز ولا قدح ماء، ولا شيء يدل على أن هؤلاء البؤساء قد أكلوا منذ عهد قريب.

فتأثر ميلون من ظواهر الفقر المؤلم، وعجب بجمال الأرلندية وظواهر أنفتها.

أما شوكنح فإنه عانق الأرلندية وقال لها: بشراك يا حنة قد نجونا فهذا هو ميلون صديق أبينا الرجل العبوس.

وأخذ ميلون الغلام بين يديه وقبله وقد اغرورقت عيناه بالدموع إشفاقًا ثم قال لهم: إنكم لا تقيمون يومًا بعدُ في هذه الغرفة، فإن منزلي كبير لا يضيق بكم، وستعيشون معي إلى أن ترد الأوامر بشأنكم من روكامبول.

وقد زادت هواجس ميلون على روكامبول بمناسبة ذكره، وجعل يسأل الأرلندية عنه أسئلة مختلفة، وهي تجيبه بما ينطبق على روايات فاندا بعد عودتها من لندرا.

ثم جعل يستقصي منهم عن السرقة، فأخبروه أنهم حين حضورهم إلى باريس كان لديهم كثير من المال وحوالة عليه فأقاموا في فندق جميل، وهو الفندق الذي سُرقوا فيه، ولم يكن شوكنج يتهم أحدًا بالسرقة، إلى أن أخبره صاحب الفندق أن رجلًا إنكليزيًّا كان يقيم عنده في غرفة مجاورة لغرفتهم وأنه سافر مسرعًا يوم حدوث السرقة.

وقال ميلون: إن المصيبة غير عظيمة، فقد لقيتموني وأنا لا يعوزني المال.

ثم أعطى شوكنج مائتي فرنك وقال له: اشتر ثيابًا لكم جميعًا وبعد ذلك خذ الغلام وأمه واحضر بهما إلى منزلي.

وعندها تذكر أن مرميس سيكون عنده في الساعة الرابعة، لكنه حسب أنه سيرجع عما قرره من سرقة المال من صندوقه حين يطلع على رسالته ويعلم منها أن مس ألن عدوة لا صديقة، فلم يذهب إلى المنزل، بل ذهب إلى المعمل ليتفقد الأشغال، فرأى أن الإنكليزيين لا يزالان يتمشيان في الشارع.

أما الرجلان فإنهما رأيا ميلون خارجًا من المنزل إلى المعمل، فقال أحدهما لرفيقه: لا بد لنا أن نعلم ما كان يعمل هذا الرجل في المنزل.

٢٢

إن هذين الرجلين اللذين كانا يراقبان ميلون وشوكنج وينظران إليهما خلسة، إنما كانا السير جمس، وإدوارد زميله الشرطي الآخر.

وكان السير جمس يقول لرفيقه: أرأيت يا إدوارد كيف أننا لم نضع وقتنا عبثًا منذ البارحة، فإننا أصبحنا واثقين من عدم فرار مس ألن، ووجدنا أثر شوكنج والأرلندية وابنها.

– لقد أحسنت إنما لا أعلم ماذا يجب أن نصنع الآن؟

– ماذا تعني؟

– أعني أننا أتينا بمهمة الوثوق من مس ألن ومنعها عن مقابلة الأرلنديين، ولكن أي شأن لنا مع شوكنج والغلام وأمه؟

فابتسم السير جمس وقال: إنني كنت الرأس المرشد، وكنت أنت اليد العاملة منذ أتينا لهذه المهمة، ولكن ما ظهر لي من دلائل حكمتك ورجاحة عقلك منذ أسبوعين، يحملني على الإباحة لك بحقيقة المهمة التي أتينا من أجلها إلى فرنسا.

– إني مصغ إليك أيها الصديق فقل.

– لا يخلق بنا الوقوف كي تحول حولنا الأنظار، فلنسر ذهابًا وإيابًا كمن يتنزه ولا تحول نظرك عن هذا المنزل.

ثم تأبط ذراع رفيقه وقال له وهما يمشيان، ليس اللورد بالمير وحده الذي أرسلنا إلى باريس، فقد أرسلنا أيضًا الأسقف بترس توين، ذلك الرجل القادر الذي يتولى رئاسة المذهب الإنكليكاني، فإن أرلندا لم تهج فيما مر بها من الأدوار هياجها في هذه الأيام، وقد اشتد ساعد الأرلنديين حتى باتت إنكلترا نفسها تخافهم.

وقال له إدوارد: وهل هؤلاء المقيمون في هذا المنزل من الأرلنديين؟

– نعم.

– ومس ألن؟

– إنها ابنة اللورد بالمير؛ أي إنها إنكليزية غير أنها تدلهت في حب رجل فرنسي يلقب في لندرا بالرجل العبوس، وهو الذي أرسلها إلى فرنسا لتجيئه بالمدد؛ لأنه الآن سجين في لندرا وسيحاكمونه قريبًا، أما مهنتنا الأولى فهي أن نمنع اتصال مس ألن بأولئك الذين جاءت لتبحث عنهم.

– ألعلك عرفتهم؟

– كلا، ولكني سأعرفهم فلنتحدث الآن عن الأرلنديين.

– ولكني لا أجدهم يدعون إلى الاهتمام، فإنهم في أشد حالات الشقاء، ولا أراهم من أهل البأس والعقل، ولا من أهل البسالة والنفور.

– إنك مخطئ، فإن شوكنج كان في لندرا كمساعد للرجل العبوس.

– والمرأة؟

– إنها أرملة شقيق اللورد بالمير، وقُتل زوجها شنقًا لانضمامه إلى الأرلنديين، وهذا الغلام الذي رأيته زعيم الأرلنديين الأعظم وهو لا يتجاوز عشرة أعوام.

– ماذا ينبغي أن نصنع بهم أنقبض عليهم؟

– كلا، فإن الوقت لم يحن بعد.

– إذًا تريد أن نخطفهم؟

– نعم.

– ولكن …

– سوف ترى، فإن شوكنج لم يكن لديه درهم في هذا الصباح، فقد أرسلت من سرق أمواله، وحوالة كانت معه على ميلون المقاول.

– أليس هو ذلك الرجل الضخم الذي دخل مع شوكنج إلى المنزل؟

– هو بعينه.

– كيف اتفق التقاؤهما؟

– أظن أن شوكنج عاد إلى ميلون، وأن ميلون جاء معه كي يقابل المرأة ويتثبت من صدق أقواله، ولا بد أن تكون الأرلندية قد وافقت على أقوال شوكنج، وأن يكون ميلون أعطاهم ما يحتاجون إليه من المال، بل ربما خطر له أيضًا أن يذهب بهم إلى منزله؟

– أتدعه يفعل.

– لقد قلت لك: إنه ليس لدي أمر بالقبض على مس ألن، ولكننا نستطيع اختطاف الغلام؛ لأن الأسقف بترس توين واللورد بالمير وعداني بمكافأة قدرها عشرة آلاف جنيه إذا عدت بالغلام الأرلندي إلى لندرا.

– أتعلم ماذا يريدان أن يصنعا به؟

– لا أعلم.

– لعلهما يريدان إعدامه؟

قد يكون ذلك، ولكن تبعة الجريمة تقع عليهما، أما نحن فيقبض كل منا خمسة آلاف جنيه إذا تيسر لنا إيصاله إلى لندرا.

فطرب إدوارد لهذه الجائزة العظيمة وقال: إذًا أسرع بالعمل.

– ذلك يتعلق بالحوادث، فإن شوكنج لا بد أن يخرج من المنزل، وتبقى الأرلندية وابنها وحدهما فيه.

– وبعد ذلك؟

– أصغ إليَّ، فإني أريد أن أبوح لك بسر لم تكن تعلمه، وهو أني كنت قديمًا من الجمعية الأرلندية ورُقيت إلى منصب عظيم في جمعياتهم السرية، غير أني كنت فقيرًا مثل جميع الأرلنديين وبعت نفسي لإنكلترا سدًّا لعوزي، ولأني لست من أصحاب المبادئ.

– تريد أنك عارف بأسرار الأرلنديين؟

– بل إني أعرف رموزهم وإشاراتهم السرية التي يتعارفون بها.

وبينما هما يتكلمان رأيا شوكنج خارجًا من المنزل فقال السير جمس: انظر إنه خارج من المنزل ويجب اقتفاء أثره.

– أأحدثه؟

– دون شك، وتقول له: إنك إنكليزي، وإنك رأيته فقيرًا معدمًا فوجبت عليك مساعدته، ثم تجتهد أن تسير به إلى الضفة الثانية من النهر بحجة تختلقها وتطيل معه الحديث بحيث يغيب ساعة عن المنزل وهو الوقت الذي أحتاج إليه.

– وأنت ماذا تصنع؟

– سأعود أرلنديًّا وأقابل هذه الأرلندية.

وعند ذلك افترق البوليسان، فذهب إدوارد في أثر شوكنج وذهب السير جمس إلى منزل الأرلندية وهو يقول: لا بد لي من الاستيلاء على الغلام.

٢٣

لقد عرف قراء «قلب المرأة» شوكنج وأخلاقه، فإن تأثير السعادة والشقاء كان يتخلف فيه، فهو إذا كان فقيرًا معدمًا بات حكيمًا عاقلًا حذرًا، وإذا سمع رنة النقود في جيبه ذهبت حكمته، وانطفأ نور ذلك العقل.

ويذكر القراء أيضًا حين جعله الرجل العبوس لوردًا كيف أنه كان يرتكب الهفوة إثر الهفوة، حتى أوشك أن يفسد ما تقلده من أعمال لولا مراقبة الرجل العبوس.

ولما جاء باريس وسُرق ما كان لديه من المال أقدم إقدامًا عجيبًا، وفعل ما لا يستطيعه سواه في سبيل الارتزاق، كي يقوم بأود الأرلندية وابنها ويظفر بميلون.

ولما ظفر بصديق روكامبول، وملأ جيبه نقودًا تبدد ذلك الذكاء، وذهبت تلك الحيلة العجيبة على الرزق، وبات أبله العقل ساذج القلب، كثير الركون إلى الناس والأيام، فلا يحذر أحدًا، ولا ينظر إلى المستقبل إلا من خلال أقداح الخمر.

وذلك أنه حين كان واقفًا منذ ساعة مع ميلون عند باب المنزل ورأى الإنكليزيين يرودان حول المنزل، نظر إليهما بعين الحذر حين سمعهما يتكلمان باللغة الإنكليزية.

ولو كان خرج من المنزل كما كان حين دخل إليه؛ أي خالي الوفاض، بادي الانقباض، لكان نظر إلى ما حواليه عساه يرى الرجلين، غير أن جيبه كان مفعمًا بما قبضه من ميلون، فسار دون أن يتدانى إلى الالتفات، وتبعه الشرطي إدوارد وهو لا يراه.

وكان شوكنج ذاهبًا لشراء ثياب له وللأرلندية وابنها، ومن كانت له أخلاق شوكنج لا يسير ماشيًّا على الأقدام حين يستطيع الركوب، فلما وصل إلى الشارع رأى مركبة من نوع الأمنبوس فصعد إليها وهو يعلل نفسه بركوب مركبة خاصة حين رجوعه.

وسارت مركبة الأومنيبوس الهويناء، وبعد هنيهة استوقفت بإشارة من الشرطي إدوارد وصعد إليها وجلس بجانب شوكنج، ولم يعرفه شوكنج؛ لأنه ما رآه غير لمحة حين كان مع السير جمس.

وجاء مراقب المركبة لقبض الأجرة فبدرت من شوكنج كلمة إنكليزية، فأظهر إدوارد انذهالًا وتكلف السرور وقال: أأنت إنكليزي؟

فأجابه بالإيجاب.

ودار بينهما الحديث فقال له إدوارد: أأنت هنا منذ عهد طويل؟

– منذ شهر.

فنظر الشرطي إلى ملابسه نظرة المشفق وقال: ألعلك أتيت باريس للاشتغال بمهنة سواق المركبات؟

فاستاء شوكنج من ظواهر إشفاقه وقال بجفاء: كلا.

– أرجو ألا يسوءك اقتراحي، فإني غني لا أطيق أن أرى مواطني في عسر وضيق.

ثم أعطاه رقعة زيارته فشكره شوكنج وأدخلها في جيبه.

ولما وصلت المركبة إلى شارع فوجيراد وقفت ونزل منها شوكنج وتبعه إدوارد ووضع يده على كتفه وقال: إن كل إنكليزي يلقى مواطنًا له في بلاد أجنبية يشرب وإياه كأسًا من الخمر، فهل ترفض دعوتي.

فاهتز شوكنج لذكر الخمر، وهو من المولعين بها وقال له: معاذ الله أن أرفض مثل هذا الطلب يا سيدي؟

– إذًا هلم بنا إلى هذه الخمارة؛ فإنها حسنة الظواهر.

وكان في تلك الخمارة كثير من الزبائن، فجعلوا ينظرون إلى إدوارد وشوكنج نظر الإعجاب لما رأوه من اختلاف ملابسهما الدالة على ما بينهما من تباين المقام.

غير أنهما ذهبا إلى طاولة معتزلة في آخر الخمارة وطلبا زجاجة من نبيذ برتو، فشرباها وطلب إدوارد زجاجة ثانية، فلم يعترضه شوكنج وشرباها، وطلب زجاجة ثالثة وطعامًا مختلفًا، فهاجت شهية شوكنج فأكل وشرب قدر ما يأكله أربعة رجال أصحاء.

وكان الشرطي يتوقع أن يصرعه السكر من حين إلى حين، غير أن شوكنج كان مدمنًا للشراب فلا يصرعه القليل منه، ومع ذلك فقد أثر فيه تأثيرًا أعاد إليه ذكرى أيامه السابقة مع الرجل العبوس حين كان يتنعم بماله ومجده ويغير ألقابه من لورد إلى بارون إلى مركيز.

فلما امتلأ بطنه من الشراب، شرب كأسًا وجعل يتبسم ابتسامًا معنويًّا ثم قال للشرطي: أرجوك أن تعذرني يا سيدي، فإني مضطر أن أفارقك لقضاء بعض المهام.

وعند ذلك نادى خادم الخمارة، فقال له إدوارد: ماذا تريد منه؟

أجابه ببرود: إني أريد أن أدفع الحساب.

ثم أخذ قطعة نقود ذهبية ووضعها على المائدة، فتظاهر الشرطي بالانذهال، أما شوكنج فإنه عاد إلى الابتسام وقال: إن المرء ليس بثيابه يا مواطني العزيز، فاعلم الآن أني لورد غريب الأخلاق يقال عني من أهل الشذوذ.

وأنا أسافر متجولًا في البلاد بغية الوقوف على أخلاق الأمم وعاداتهم، وقد تنكرت اليوم بهذه الثياب الرثة وتجولت في شارع سانت مارتلي ورأيت شبهًا عجيبًا بينه وبين شارع سبيتهلد في لندرا.

فوقف الشرطي إجلالًا وقال بلهجة الاحترام: ولكن ألا تتدانى يا حضرة اللورد إلى تشريفي بذكر اسمكم الشريف.

فاهتز شوكنج اهتزازًا كبيرًا وقد زاده السكر تيهًا حتى أوشك أن يصدق نفسه: إني أدعى اللورد ويلموت.

ثم نهض بملء العظمة كما ينهض اللورد عن كرسيه في مجلس البرلمان.

٢٤

كان السير جمس قد قال لرفيقه إدوارد: إن ساعة تكفيني لاختطاف الغلام ووضعه في محل أمين، وقد مضى أكثر من ساعة على اجتماعه بشوكنج، فلما نهض يحاول الذهاب قال في نفسه: ليذهب الآن حيث شاء ولم يعترضه في شيء.

أما شوكنج، فإنه وقف وقوف المنتصر ومد يده إلى إدوارد فقال بلهجة المتواضع: لا بأس من أن تزورني خلال إقامتك في لندرا.

فشكره الشرطي وقال: إن هذا شرف عظيم لي يا سيدي اللورد.

فتشامخ شوكنج وقال: إني مقيم في أوتيل لابيه، وليس لدي رقعة زيارة، ولكني سآمر رجال الفندق أن يدخلوك إليَّ متى حضرت.

ثم تركه وهو معجب بنفسه لتمكنه من خداعه وافترقا فذهب كل منهما في سبيل.

أما شوكنج، فإن الشرب كان قد أثر فيه تأثيرًا يعد قليلًا بالقياس إلى المدمنين من الإنكليز، ولو أصاب رجلًا غير الإنكليز لصرعه؛ أي إنه وصل إلى محل بائع الثياب دون أن يلتطم بالجدران.

وكان هذا المحل يشتري الثياب القديمة فينظفها ويبيعها للمقتصدين، فدخل شوكنج إلى المحل ودفع لصاحبه ٦٠ فرنكًا، فألبسه ثوبًا جميلًا وزاده قميصًا وأعطاه قفازًا.

وخرج من عنده وهو يتمايل سكرًا وعجبًا وهو لا يشك أنه لورد حقيقي بعد هذه الثياب.

وبعد أن نظر نفسه في جميع مرائي المحل مرارًا وامتلأت نفسه من الغرور، فطن إلى ثياب الأرلندية وولدها فقال في نفسه: كان يجب أن أحضرهما معي، لكن لا بأس فسأذهب في مركبة وأعود بهما.

وسار حتى وصل إلى لكسمبرج، وكان أول من رآه في تلك الحديقة الشرطي إدوارد، وهو جالس على مقعد يطالع في إحدى الجرائد فدنا منه شوكنج وسعل كي يحول إليه الأنظار، فالتفت الشرطي إليه وتظاهر بالدهشة وخف للسلام عليه وهو ينظر إلى ملابسه نظرة إعجاب.

وقال له شوكنج: إني بعد أن فارقتك ذهبت إلى الفندق وغيرت ملابسي؛ لأني سأحضر جلسة مجلس الشيوخ، ولكنك قد هجت شوقي إلى الشراب بما سقيتني إياه، فهل لك أن تشرب زجاجة؟

– إني لا أجسر على رفض طلب سيدي اللورد، ولكني ألتمس منه على ما بيننا من تباين المقام أن يأذن لي هذه المرة بدفع ثمن الشراب.

– لا بأس فقد أذنت لك.

وعند ذلك دخل الاثنان إلى الخمارة في الحديقة، وكان إدوارد يقول في نفسه: لا أعلم ما فعل السير جمس فقد يكون محتاجًا إلى أكثر من الوقت الذي عينه، فلنطل الزمن بالضحك على هذا الأبله.

وكان شوكنج قد شرب مقدارًا عظيمًا كما قدمناه وجلس مع إدوارد وجعل يشرب من الزجاجة حتى صرعته الخمر وسقط على الأرض لا يعي لسكره، فنادى إدوارد صاحب الخمارة وقال له: إن هذا الرجل مولع بالشراب وهو من أغنياء الإنكليز، وقد سكر كما تراه فاحمله وضعه على مقعد من مقاعد الحديقة معرضًا للهواء الطلق إلى أن يستفيق.

فامتثل الخمار وحمله مع رجلين من خدمه إلى الحديقة.

ومن كان يدمن الشراب كان سكره قصير المدى؛ ولذلك لم يمر بشوكنج ثلاث ساعات حتى صحا من سكرته ففتح عينيه وجمع حواسه فذكر ما كان منه وما صار إليه وقال: ويح لنفسي ما أشقاني فقد تركت الأم وابنها وانصرفت إلى السكر.

ثم ذكر اتفاقه مع ميلون على اللقاء فهب منذعرًا وأسرع بالخروج من الحديقة، وكان عزاؤه الوحيد أن الرجل العبوس لا يعلم ما كان من تقصيره.

وهناك لقي مركبة فركبها وقال في نفسه: أظن أن خطئي ممكن إصلاحه، فإني سأُبقي المركبة لحسابي فأذهب بها مع حنة ورالف إلى بائع الثياب ونذهب في الأثر إلى منزل ميلون.

وبعد ربع ساعة وقفت المركبة عند باب منزل الأرلندية فخرج شوكنج منها، وصعد إلى الغرفة التي يبيتون فيها، فوجد الباب مفتوحًا ولم يجد فيها أحدًا.

فانذعر وجعل يجيل نظرًا حائرًا مضطربًا، وكانت فتاة عاملة تقيم في غرفة مجاورة لغرفتهم فرأته وقالت له: إن امرأتك وولدك قد سافرا.

فاضطرب ووقع هذا القول عليه وقع الصواعق فقال لها: كيف سافرا ومتى ولماذا؟

– إن أحد مواطنيكم جاء إلى هنا وذهب بهما.

– أهو رجل إنكليزي؟

– نعم.

فوهت قواه حتى حسب أن الأرض تميل به وذكر اللذين رآهما يرودان حول المنزل حين كان يحادث ميلون، وذاك الرجل الإنكليزي الذي أسكره فصاح صيحة رعب وخرج من المنزل راكضًا كأنه أصيب بالجنون.

٢٥

أما ميلون فإنه عاد إلى منزله ووجد كتاب مرميس بدلًا من أن يجده بنفسه، فقرأ تلك الرسالة وقال في نفسه بعد الإمعان: إن مرميس مصيب فيما فعل، وكانت الخادمة لا تزال واقفة أمام ميلون، فأظهر أمامها شدة استيائه من كتاب الإنكليزي وقحته، وعند ذلك جاء اثنان من وكلائه فأخبرهما بأمر هذا اللورد الغريب وقال لهما وهو يتكلف مظاهر الكدر: إني تأخرت ربع ساعة عن الموعد المضروب، فحسب هذا الرجل الغريب أني احتقرته وكتب لي كتابات شائنة.

فقال له أحد الوكيلين: إذًا لم يبق رجاء بعودته؟

– ليذهب حيث شاء، فإن لدي كثيرًا من الأعمال فلا أبالي بمثله والآن اصعدا معي إلى غرفتي لأريكما رسم بناء جديد تعهدت ببنائه.

وكان ميلون يمثل دوره تمثيلًا متقنًا، فتقدم وكيله إلى غرفته ولم يكد يفتح بابها حتى صاح صيحة طبيعية، وأسرع الوكيلان إليه فوجداه واقفًا وقفة المنذهل وهو يقول: لقد سرقوني.

وكان يجيد تمثيل الرعب إجادة طبيعية بحيث لم يخطر لأحد أن يشك في قوله، وخرج من الغرفة ونادى الخادمة فقال لها: منذ أي حين خرج هذا اللورد.

– منذ ربع ساعة.

– في أي جهة مضى؟

– رأيت مركبته ذهبت إلى جهة الشانزليزه.

– ألم تقرئي نمرتها؟

– كلا، لم أنظر إلى النمرة، ولكني نظرت إلى السائق.

– أتعرفيه إذا رأيتيه؟

– دون شك.

فخرج ميلون من المنزل مسرعًا وتبعه الوكيلان، فركب مركبة معهما وهو يقول بلهجة القانط: لا شك أن هذا اللص متنكر بثياب الأعيان وأن البحث عنه محال، ولكن لا بد من إبلاغ الشرطة.

وكان مدير شرطة تلك الناحية يعرف ميلون حق العرفان، فما شك بكلامه فكتب أقواله وأقوال الوكيلين والخادمة وقال: إني سأرسل قضيتك إلى إدارة الشرطة، فإنه يوجد في باريس الآن بوليسان من الإنكليز لهم اتصال ببوليسنا، فإذا ثبت أن السارق إنكليزي، فهما يظفران به دون شك، ولكن البوليس الإنكليزي لا يعمل شيئًا مجانًا.

فقال ميلون: إني أدفع ربع المال المسروق إذا اقتضى الأمر.

غير أن البوليس لم يكتف بكتابة المحضر، بل حاول إجراء التحقيق التام فبدأ بالذهاب إلى منزل ميلون وفحص الصندوق، فوجد أن قفل الجدار مكسور وأن قفل الصندوق نفسه سليم وليس فيه أقل أثر من الاغتصاب فاستدل من ذلك أن الصندوق قد فُتح بمفتاح مصنوع في إنكلترا حيث صُنع الصندوق.

ولما أتم فحصه قال لميلون: إن إدارة الشرطة قد تدعوك غدًا لاستعلام منك واستئناف التحقيق.

– سأذهب حين تدعوني.

فذهب الشرطي في شأنه، وتظاهر ميلون أنه يريد الإقامة منفردًا في غرفته لشدة أسفه على المال.

غير أنه لما خلا بنفسه ذهبت عنه آثار الانقباض وقال في نفسه: إنهم يتهمونني بالبلاهة، وقد أتهم نفسي بالبله أيضًا غير أني قد فعلت اليوم ما لا يفعله روكامبول ومثلت دوري تمثيلًا خُدع به وكلائي ومأمور الشرطة نفسه.

ثم ظهرت عليه مظاهر الإعجاب بنفسه، وجعل ينظر في حساباته بملء الرضى.

وفيما هو على ذلك طرق باب غرفته، ودخلت الخادمة فقالت له: لقد جاء يا سيدي إنكليزي آخر وهو يطلب أن يراك.

فتذكر ميلون موعده مع شوكنج وقال لها: أتدل ملابسه على الفقر؟

– كلا، فإنه لابس خير الثياب.

– أيصحبه امرأة وغلام.

– كلا، بل هو وحده ولكنه يبكي بكاء شديدًا، فاحذر يا سيدي فإني أخشى أن يكون هذا الإنكليزي أيضًا من الماكرين.

فخرج ميلون من غرفته ونزل إلى الدور الأسفل، حيث كان ينتظر شوكنج فاستقبله باكيًا وقال له: لقد اختطفوا حنة ورالف أيضًا.

ثم قص عليه جميع ما كان يعلمه.

ولم يكن شوكنج يعلم غير أمرين، أحدهما أن رجلًا إنكليزيًا سقاه فأسكره، والآخر أن رجلًا إنكليزيًا أيضًا قدم إلى المنزل وذهب بالأم والغلام.

فأُشكل الأمر على ميلون، وقال في نفسه: لا يحل هذا المشكل إلا مرميس.

ثم أوصى شوكنج أن يبقى في المنزل إلى حين عودته، وذهب إلى بيت مرميس فوجده وقص عليه ما جرى.

فلما فرغ من حديثه ابتسم مرميس وقال له: أهذا الذي أُشكل عليك فهمه؟

– وأي إشكال أعظم من هذا؟

– إن الذين اختطفوا الغلام هم نفس الذين سجنوا المس ألن.

– أتظن؟

– بل أؤكد، وقد نصبت لهم فخًّا فمتى وقعوا فيه استرجعنا الغلام وأمه كما نسترجع المس ألن.

فأعجب ميلون به وقال له: أرى لك قريحة الرئيس، فإنك تجد مخرجًا من كل أمر.

– لا أقول لك: إن لي ذكاء روكامبول، ولكني أذكى منك؛ فإنك تغرق في قدح ماء كما يقولون.

٢٦

ولنذكر الآن ما جرى للأرلندية وابنها، فإن السير جمس أخبر رفيقه إدوارد أنه كان من الأرلنديين، وحكايته أنه بعد أن خان تلك الطائفة، التي أصبحت شغل إنكلترا الشاغل، هرب إلى البلاد الأميركية خوفًا من الأرلنديين، ثم عاد بعد أن أقام مدة طويلة في لندرا، فلم يعرفه فيها أحد.

وكان يعتمد في خديعة الأرلندية على تلك الإشارات التي كان يعرفها حق العرفان، فإنه كان من كبار تلك الطائفة قبل أن يبيع نفسه للإنكليز بيع السلع.

وكان قد تداول مرات كثيرة مع اللورد بالمير ومع الأسقف بترس توين قبل أن يحضر إلى فرنسا، فعلم من هذا الأسقف جميع ما جرى أخيرًا من الحوادث، ولكنه لم يبح بشيء منها لرفيقه إدوارد.

ويذكر القراء أنه حين كان يقيم مع رفيقه في منزل مس ألن لحراستها كان يعهد في أول الليل بمراقبتها إلى رفيقه ويذهب متجولًا في أنحاء باريس للبحث عن الأرلنديين ومراقبتهم.

وأن البوليس الفرنسي لم يأذن له إلا بالقبض على مس ألن، ولكنه سمح له بواسطة السفارة أن يقتفي أثرهم، وعين في خدمته رجلًا حاذقًا يعرف جميع خفايا باريس.

وقد جعل السير جمس نصب عينيه البحث عن الغلام وأمه، والقبض عليهما، ثم إيجاد محل أمين يسجنهما فيه، إلى أن ترد إليه الأوامر من الأسقف، ويذهب في كل ليلة مع الرجل الفرنسي، فيطوف في الشوارع المقفرة باحثًا عن منزل معتزل بعيد حتى فاز ببغيته، فانصرف إلى البحث عن الغلام وأمه.

وبعد ذلك بثلاث أيام عثر بالبيت الذي يبحث عنه، ووقف في المساء على أثر الأرلندية وابنها.

فبينما كان إدوارد يسير مقتفيًا أثر شوكنج، كان السير جمس يصعد إلى منزل الأرلندية، وقد وضع خطة لإغوائها، يستحيل عليها أن تعلم المراد منها.

فلما وصل إلى الدور الثالث رأى فتاة خارجة من باب منزلها فقال لها: أين يقيم الإنكليز من هذا البيت؟

فدلته على غرفة الأرلندية فصعد إليها.

وكان باب الغرفة لا يزال مفتوحًا، بعد ذهاب شوكنج، وكانت جالسة مع ابنها تلاعبه وتمازحه، وقد اطمأن بالها بعد أن اجتمعت بميلون، فلما رأت السير جمس ذعرت غير أنه بادرها بالإشارة الأرلندية السرية، فمشت إليه مطمئنة وقالت له: ماذا تريد أيها الأخ؟

فأجابها باللغة الأرلندية الاصطلاحية: إني أبحث عنك أيتها الأخت منذ عهد طويل.

– عني أنا؟

– نعم، وعن ابنك زعيمنا الأكبر.

وعند ذلك ركع أمام الغلام وقبل يديه بملء الاحترام، ثم قال له بلهجة الكئيب: إن واحدًا من إخواننا يحتضر في هذه المدينة المتسعة التي لجأنا إليها فرارًا من الذين يضطهدوننا، وقد أراد هذا المحتضر أن يردد نفسه الأخير أمام الزعيم الذي ستُلقى إليه مقاليد أرلندا، فهل ترفضون طلب ذاك المنكود في ساعة الموت؟

فأجابته حنة: كلا أيها الأخ، وسنسير معك إليه.

غير أن السير جمس، ذلك الخائن الذي باع سر إخوانه للإنكليز، كان قد ألف حكاية صغيرة يرويها للأرلندية، كي يتم إغوائها بمساعدة إشاراته السرية فقال لها: أصغي إليَّ أيتها الأخت، فإني قد أتيت خصيصًا إلى باريس من أجلك، ولكني لم أقف على أثرك إلا منذ بضع ساعات.

فنظرت إليه حنة وقالت: مَن الذي أرسلك إليَّ؟

– رجلان يُدعى أحدهما صموئيل.

فأزال اسم هذا الكاهن من نفس الأرلندية كل ريب وأتمت الإشارات السرية تطمينها.

وعاد السير جمس إلى الحديث فقال: إني أبحث عنك منذ ثمانية أيام، وإنما أبحث عنك لسببين الأول هو صدور الأمر إليَّ بإيجادك، والثاني وجود ذاك الأخ المنكود على فراش الموت، والتماسه بركة رئيسنا الأعظم قبل مفارقته الحياة.

– أين يقيم هذا المحتضر؟

– إنه يقيم في منزل بعيد يجب أن نسير إليه في المركبة.

– أيمكن أن نعود قبل هجوم الليل؟

– دون شك.

فابتسمت حنة وقالت: إنك تنذهل، أيها الأخ، لمبادرتي إياك بهذا السؤال.

– هو ما تقولين.

– إنك آت من قبل الكاهن صموئيل كما تقول، ومن رجل آخر أليس كذلك؟

– نعم أيتها الأخت.

– ما اسم الرجل الآخر؟

– لا اسم له، ولكنهم يلقبونه بالرجل العبوس.

فمدت حنة يدها إليه وقالت له: ما دام الاثنان قد أرسلاك إليَّ، فإني أتبعك حيث تشاء.

ثم إني لا أخفي عنك أمرًا من أموري فإننا حين جئنا إلى باريس أرسل الرجل العبوس معنا رفيقًا.

– وهذا الرفيق يُدعى شوكنج.

– أتعرفه؟

– نعم وكنت أرجو أن أراه معك.

– إنه ذهب في بعض الشئون.

– وا أسفاه كنت أحب أن ننتظره فيذهب معنا، ولكن الرجل في حالة النزع وأخشى أن يعيقنا الانتظار فيموت قبل أن نصل إليه.

– لقد أصبت، وفوق ذلك فإن شوكنج عندما يكون ملآن الجيب لا يهتم بالإسراع في العودة وسأخبرك عن أمرنا في الطريق.

– وأنا ذاهب لإحضار مركبة فتأهبي.

ثم ذهب، فأسرعت حنة بارتداء ملابسها، وأخذت غلامها بيدها وحاولت أن تسير به فلم يسر، فذهلت أمه لمقاومته وقالت له: ماذا طرأ عليك؟

– إني أخاف يا أماه.

– لماذا الخوف يا بني وممن خفت؟

– إن خوفي من هذا الشخص ولا أحب الذهاب معه.

– لا سبيل إلى الخوف؛ فإنه من إخواننا الأرلنديين.

– كلا، وإني خائف منه.

وكانت ثقة حنة بالسير جمس راسخة بعدما أخبرها أنه قادم من قبل الرجل العبوس والكاهن صموئيل، فأنبت ولدها وقالت له: إنك رجل والرجل لا يخاف.

فتحمس الغلام ووقف فقال لأمه بعظمة: إذا كنت تريدين الذهاب فلنذهب، ولكن سوف ترين أننا سنصاب بنكبة.

فلم تحفل حنة بقول ولدها وحسبت حذره من قبيل الهواجس.

أما رالف فإنه لم يقاومها بعد أن أنذرها ونزل معها، فوجد السير جمس قد جاء بالمركبة، فصعدا إليها مع السير جمس، وسار السائق إلى حيث أمره الشرطي.

وقد أخبرته حنة وهم سائرون بما جرى لهم في باريس، وكيف أنهم سرقوا منهم مالهم والحوالة إلى أن أخبرته بحضور ميلون إليه وإحسانه إليهم ودعوته لهم إلى منزله.

ثم قالت له: وهذا هو السبب في اضطراري إلى الرجوع قبل الظلام؛ لأننا وعدناه أن نكون عنده في هذا الموعد.

– حسنًا وأنا أذهب بكما إليه متى فرغنا من هذه المهمة.

وظلت المركبة سائرة من شارع إلى شارع، حتى وصلت إلى شارع ضيق يُدعى الشارع الأخضر، فدخلت فيه ووقف عند منعطف لم تدخل فيه المركبة.

فنزل السير جمس وأعان الأرلندية وابنها على النزول وقال لها: إن المنزل قريب جدًّا من هنا.

ثم حاول أن يأخذ بيد الغلام، فنفر منه والتصق بأمه.

فقال له السير جمس، باللغة الأرلندية الاصطلاحية: ألعلك خفت يا بني؟

فأثرت لهجته الحنونة وهذه اللغة برالف فأعطاه يده، وسار الشرطي بالاثنين في ذلك الشارع.

٢٧

كان هذا الشارع الضيق كثير السكان، ولكن معظمهم من العمال، فكانوا إذا أشرق الصباح هجروا مساكنهم إلى المعامل فلا يعودون إلا حين يُقبل الظلام.

ولذلك لم يكن يوجد فيه مدة النهار غير امرأة تُرضع ولدها أو صغار يلعبون عند أبواب المنزل.

وكان يوجد في وسط هذا الشارع من جهة مدخل الشارع الأخضر منزل مرتفع ذو ثلاثة أدوار، فكان يقيم في الدور الأول منه رجل فحام، وفي الدورين الآخرين فريق من العمال.

غير أن العمال لا يقيمون في منازلهم إلا في الليل كما قدمناه، فلا يبقى في المنزل نهارًا إلا ذلك الفحام.

وقد دخل السير جمس مع حنة ورالف إلى ذلك المنزل، فلم ترعهما قذارته، ولا ضيق ذلك الشارع، فقد ألفت مثل هذه المناظر في شوارع لندرا المقفرة.

ولذلك دخلت إلى رواق المنزل المظلم في أثر السير جمس دون تردد أو خوف.

ولما بلغوا إلى آخر الرواق انتهوا إلى باب قرعه السير جمس فأسرع الفحام إلى فتحه واستقبال الزائرين.

وهذا الفحام يناهز الأربعين من العمر، وهو ضيق الجبهة صغير العينين قوي العضلات شديد البنية، ولكن هيئته تدل على الشر.

وكان أرملًا، غير أن الأقوال قد اختلفت عن موت امرأته، فقال بعضهم: إنه سقاها سمًّا، وقال آخرون: إنه قتلها خنقًا، فلما اشتُهرت الإشاعات سجنه البوليس، وأطلق سراحه بعد التحقيق.

ثم إنه كان له ابنة تبلغ الخامسة عشرة من عمرها كان يعاملها أسوأ معاملة وينهكها ضربًا.

فلما ماتت أمها هربت من منزل أبيها، فلم يعلم أحد ما جرى لها، ولم يكترث أبوها لاختفائها.

وكان هذا الرجل يُدعى شاباروت، وهو شديد البخل كثير الشغل، فظ الطباع هائل الخلقة.

وكان جميع أهل الشارع يخافونه، وإذا جاء النساء لشراء الفحم والحطب من دكانه لا يجسرن على تخطي العتبة.

على أنه كان كثير الصمت لا يُعاقر الخمر ولا يُخاصم أحدًا، ومع ذلك فقد كانوا يخافونه ويبتعدون عنه ما استطاعوا.

ويذكر القراء أن السير جمس كان قد استخدم رجلًا فرنسيًّا عارفًا بجميع خفايا باريس، فقال له الرجل يومًا: إنك قد سألتني أن أرشدك إلى رجل شديد العزم ثابت الإرادة يقدم على كل أمر، فإذا كنت لا تزال في حاجة إلى هذا الرجل فهلم معي أرشدك إليه.

فتنكر السير تلك الليلة بثياب العمال وسار معه إلى حانته، فأراه ذلك الرجل الفحام جالسًا في زاوية الخمارة يتعشى وقال له: هذا هو الشخص الذي تحتاج إليه، فاتفق معه يفعل ما تشاء، أما أنا فإني ذاهب إذ لا أتداخل بينكما في شيء.

ولا شك أن الفحام كان عالمًا باحتياج السير جمس إليه، فإنه استقبله على شراسة طباعه بالابتسام.

فجلس السير معه وطلب قنينة خمر فشرباها معًا وتحادثا مليًّا، فأفضت المحادثة إلى أن السير أعطاه قبضة من الذهب فبات الفحام بعد هذه المقابلة طوعًا للشرطي في كل ما يُريد.

وقد اجتمع به السير مرارًا بعد هذا الاجتماع.

وكان التقاؤهما دائمًا في الحانات، ولم يزره في دكانه غير مرة واحدة، وهي المرة الأخيرة.

فلما وصل السير جمس مع الأرلندية وابنها لم يدخل إلى دكان الفحام، بل دخل في الرواق وطرق الباب، فأسرع الفحام بغية فتحه وتبودلت بينه وبين السير جمس نظرة سرية، كان يقول له فيها: اتبعني، فقد فهمت المراد.

وكان السير ماسكًا يد الغلام فتبع الفحام وورائهما الأرلندية، فاجتازوا فسحة كانت مظلمة في رابعة النهار.

وفي جوار هذه الفسحة فسحة أخرى، بل هي سقف كان الفحام يخزن تحته فحمه وأخشابه.

وساروا على هذا السقف في الظلام الحالك.

وكان السير كلما آنس من رالف ترددًا يكلمه بلغته الاصطلاحية، فيطمئن ويسير.

وكانت الأرلندية ترجو من حين إلى حين أن ترى سريرًا وعليه ذلك الرجل المحتضر، ولكنها لم تر شيئًا.

واستمروا سائرين حتى وصلوا إلى باب في آخر الفسحة ففتحه فلم يروا شيئًا لشدة الظلام.

ولكن الفحام أضاء شمعة وتقدمهم، فوجدوا أنهم في مكان يشبه القبو.

وكان نور الشمعة ضعيفًا حتى إنهم لم يروا ما يوجد داخل هذا القبو، ولكنهم كانوا يشعرون أنه سقف خشبي وأنه تحته فراغ.

فكان الفحام يتقدم الجميع بشمعته، وفي أثره السير والغلام، ووراءهما الأرلندية.

فلم يسيروا ثلاث خطوات حتى وقف الفحام وانحنى إلى الأرض باحثًا كأنه يلتقط شيئًا، فانذهل الغلام لانحنائه ثم شعر باهتزاز شديد، تلاه صيحة وصوت يشبه صوت سقوط جسم في المياه، فالتفت الغلام منذعرًا فلم ير أمه.

أما الأرلندية فإنها قد اختفت، ذلك أن الأرض قد فتحت تحت قدميها فسقطت في هوة تحت السقف الذي كانوا يسيرون عليه.

٢٨

وكان رالف قد ذعر لهذا الصوت الذي سمعه وحسب في البدء أن الحادث بسيط، فالتفت وراءه مناديًا أمه، غير أن حركة السقف الذي فُتح فجأة كانت سريعة بحيث فتح تحت أقدام حنة وانغلق بأسرع من لمح البصر، فلم ير الغلام شيئًا مما حدث.

ولكن الذعر تمكن من قلبه حين التفت ولم ير أمه، وحاول الرجوع والإفلات من يد السير جمس وهو ينادي يا أماه.

أما السير فإنه مسكه بيد شديدة، بينما كان الفحام يضحك لصياحه ضحك المستهزئين، فعض رالف تلك اليد بملء قوته، حتى إن السير صاح متألمًا وأفلته.

فانقض الفحام عند ذلك عليه، وضغط على عنقه ضغطًا منعه عن الصياح.

وكان هذان الشقيان سمعا بعد سقوط حنة صوت جسم يضطرب في المياه، ثم انقطع هذا الصوت، وساد السكون فقال الفحام ضاحكًا: أظن أن أمرها قد انقضى.

وعاد إلى الضغط على عنق الغلام حتى اندلع لسانه وانحبس الدم في وجهه فصاح به السير قائلًا: ويحك إنك ستخنقه، فاحذر أن تقتله فإن حياته ثمينة عندي.

وكان الغلام لا يزال يناضل، فقال الفحام للسير جمس: إذًا أربط فمه بمنديل.

فتعاون الشقيان على ربط فمه، وحملاه إلى مستودع الفحم، فألقاه ذلك الوحش الكاسر في الأرض ووضعه في كيس فحم فارغ، فكاد غباره يعمي عينيه.

وعند ذلك دار بين الاثنين الحديث الآتي: قال الفحام للسير: ماذا يجب أن نصنع به؟

– أتظن أن أمه قد غرقت؟

– دون شك، فإن المياه التي سقطت فيها يبلغ عمقها عشرة أقدام فليطمئن بالك، وقل لي ماذا نصنع بالغلام؟

– يجب أن تبقيه عندك.

– إلى متى؟

– إلى الغد.

– أيجب أن أطعمه؟

– دون شك، إلا إذا اشتد صياحه فعاقبه بالجوع.

– إني سأضعه في مكان يصرخ به قدر ما يشاء فلا يسمع صياحه أحد، ثم حمل الكيس الذي وضع فيه الغلام وقال له مشيرًا إلى قطعة ضخمة من الخشب: أزح هذه الخشبة من موضعها.

فأزاحها السير جمس فانكشفت عن سلم يؤدي إلى قبو فقال له: انتظرني هنا، فإني عائد إليك.

ثم نزل وبعد هنيهة عاد وقال: إني سجنته في قبو لا يجد منه مخرجًا ولا يجيب صياحه فيه غير الصدى ثم مد يده إلى السير جمس وقال: لقد فعلت ما عليَّ فافعل أنت ما عليك، فأخذ السير جمس ألف فرنك ذهبًا من جيبه ودفعها له وقال: خذ نصف أجرتك الآن.

فحملق الفحام بعينيه وقال: والنصف الآخر؟

– سأدفعه لك متى أخذت منك الغلام وأنا أريد بذلك أن تحرص عليه.

– كن مطمئنًا فسأحرص عليه كل الحرص.

– إذًا سأحضر غدًا لاستلامه وأدفع لك بقية ما اتفقنا عليه.

فتنهد الفحام وقال: ليكن ما تُريد.

ثم افترق الاثنان ودخل الفحام إلى دكانه وخرج السير من الرواق إلى الشارع الآخر، وركب المركبة التي جاء فيها وذهب توًّا إلى إدارة التلغراف وأرسل الرسالة البرقية الآتية:

لحضرة الأسقف بترس توين
لندرا ٩٢ أوكسفورد ستريت

إن رالف عندي، أيجب أن نسافر؟ أجبني على الفور.

سير جمس

وبعد أن أرسل الرسالة الدموية سار آمنًا مطمئنًا إلى القهوة الإنكليزية ليتناول فيها طعام العشاء وهي القهوة التي واعد رفيقه إدوارد على مقابلته فيها.

غير أن إدوارد أبطأ في الحضور، ولم يعد إلا بعد أن أتم السير عشاءه، فقال له إدوارد: ماذا صنعت؟

– قُضي الأمر.

– وأين وضعت الغلام؟

فابتسم السير وقال: في محل أمين لا يصل إليه أحد.

– أما أنا فإني مررت بالفندق وأحضرت لك منه كتابًا ورسالة برقية وردتا باسمك.

فأخذها السير منه وبدأ بفتح الرسالة البرقية وهي واردة إليه من الأسقف بترس توين فقرأ ما يأتي:

اكتب كتابًا مفصلًا وانتظر أوامر جديدة.

– كما يريد، ثم فتح الكتاب فوجد أنه من البوليس الفرنسي وقد تضمن ما يأتي:

احضرْ في الساعة التاسعة صباح غد إلى مكتبي، فإن لدي اقتراحًا أعرضه عليك ومهمة أعهد بقضائها إليك.

فقال بعد أن قرأ هذه الرسالة: إني لا أعلم ما يريد مني غير أني أظن أنه يستخدمنا في سبيل القبض على بعض اللصوص الإنكليز؛ إذ يوجد عصابة منهم قدمت حديثًا إلى باريس وهو أمر يسرني، فإننا لا نخدم البوليس الفرنسي مجانًا.

– إذًا تذهب في الساعة التاسعة من صباح غد؟

– دون شك، إنها فرصة مناسبة للكسب، ثم جعل يدخن مع رفيقه دون أن تخطر في باله تلك المرأة المنكودة أو يمر في خاطره ذلك الغلام الصغير.

٢٩

في صباح اليوم التالي ذهب السير إلى إدارة الشرطة ودخلت مركبته إلى رصيف أورفيفر.

وهناك محطة للمركبات كان فيها نحو عشرين مركبة تنتظر وهي خالية من الناس، ما خلا مركبة كانت ستائرها مرخية، ولكن رجلين كانا ينظران فيها من خلال تلك الستائر إلى كل قادم.

وكان هذان الرجلان مرميس وميلون، فقد صعدا إلى هذه المركبة منذ الساعة الثامنة ونصف وقالا لسائقها: إنهما ينتظران قادمًا وإنهما استأجرا مركبته بالساعة فأوقفها في خدمتهما وجعل الاثنان يراقبان القادمين إلى دائرة الشرطة من خلال السجف ويتحدثان بصوت منخفض.

وافتتح مرميس الحديث فقال: أتحسب يا ميلون أن الإنكليز يستطيعون التنكر في باريس، فإن من كان مثلي يعرفهم من حركاتهم إذا تعذر عليه معرفتهم من وجوههم.

وقال ميلون: إذًا أنت تريد أن تعرفه؟

– دون شك.

– ولماذا لا تدعني أقابل مدير الشرطة قبله.

– ذلك لأنك تعرف الرجلين اللذين كانا يرودان حول منزل الأرلندية حين كنت مع شوكنج، فإذا جاء أحدهما لإدارة الشرطة عرفته وأرشدتني إليه، ثم إني أحب أن يصل قبلك إلى دائرة الشرطة.

ثم تنقلا من حديثهما إلى حديث آخر، وفيما هما على ذلك مرت بهما مركبة فوقفت عند باب الشرطة وخرج منها رجل وكلم السائق.

فقال مرميس: هذا هو إذا لم تخطئ فراستي.

وقال ميلون: لقد أصبت فإنه أحد الرجلين اللذين رأيتهما البارحة.

– إذًا أصغ إليَّ، فإن هذا الشرطي قد صعد إلى دائرة الشرطة لمقابلة المدير، فاصبر هنيهة واصعد في أثره، واجتهد أن تخرج معه سواء عهد إليه المدير بالبحث عن سارق أموالك أو لم يعهد إليه.

– لماذا؟

– لتكون واثقًا من أن هذا الرجل لم يأت إلى دائرة الشرطة لغير هذه المهمة.

– كفى لقد فهمت وبعد ذلك ماذا أصنع؟

– تعود إلى منزلك.

– وأنت؟

– أما أنا فلدي كثير من المهمات، وسأبدأ منها باقتفاء أثر هذا الرجل.

– إن فكري يحدثني بأنه لا يرضى أن يبحث عن السارق.

– لماذا؟

– لأني أُدعى ميلون ولأنه أحد الرجلين الذين سرقا حوالة شوكنج عليَّ، فهو يؤثر الابتعاد عني.

– إنك مخطئ فاخرج الآن من المركبة واذهب إلى إدارة الشرطة فقد آن الأوان.

فامتثل ميلون دون أن يعترض ونادى مرميس السائق فدله على مركبة السير جمس وقال: أتستطيع مركبتك أن تدرك هذه المركبة حين انطلاقها؟

– دون شك.

– إني أريد اقتفاء أثر راكبها وسأكافئك عن ذلك بعشرين فرنكًا.

– سأفعل ما تُريد فلا يغيب عنك لمحة طرف.

أما السير جمس فإنه دخل إلى المدير فأحسن استقباله وقال: إني دعوتك أيها الزميل لمشاركتي في البحث عن سرقة ارتكبها أحد مواطنيكم.

– إني أعلم بوجود عصابة من لصوص الإنكليز في باريس، فهل مقدار المال المسروق عظيم؟

– مائة ألف فرنك.

– كم تدفع لي إذا وجدت المال؟

– ربعه؛ أي خمسة وعشرين ألف فرنك.

– إن القدر يسير لا يحمل على الاهتمام، غير أنك ساعدتني في مهمتي خير مساعدة ولا بد لي من مساعدتك أيضًا، فأرني أوراق التحقيق.

وقبل أن يتم مطالعتها دخل ميلون فنظر إلى السير جمس نظرة تدل على عدم المبالاة بحيث اقتنع السير جمس أن ميلون لم يعلم بعد باختطاف الأرلندية وغلامها، وأنه لم ينهمك إلا في البحث عن ماله المسروق.

وأخبره مدير الشرطة أنه هو صاحب المال المسروق، فسأله أسئلة كثيرة واسترشد منه على كل علائم الرجل الإنكليزي الذي زاره ثم قال: عد يا سيدي إلى منزلك ولا تهتم بهذه السرقة وسنرجع إليك أموالك بعد ثلاثة أيام.

– ألا يجب أن أراك في خلال هذه المدة؟

– كلا، فإني عرفت عنوانك فمتى قبضت على السارق كتبت إليك في البريد.

وكان السير جمس بلهجة الواثق من فوزه، فتظاهر ميلون بالسرور وقد فعل ما أمره به مرميس فإنه لم يخرج من غرفة مدير الشرطة إلا مع السير جمس ولم يفترق عنه إلا في الفسحة العمومية وعاد إلى منزله، وركب السير جمس المركبة التي تنتظره وسارت به.

وعند ذلك أمر مرميس سائق مركبته أن يقتفي أثره وجدد له الوعود.

ولم يكن لمركبة السير جمس نافذة من الوراء فلم ير مركبة مرميس ولم يخطر في باله أنهم يتبعونه.

ولبثت مركبة السير جمس تسير ومرميس في أثرها حتى وقفت عند باب فندق اللوفر فأطلق سراح السائق وصعد إلى الفندق.

أما مرميس فإنه أوقف مركبته بعيدًا عن الفندق فخرج منها وأطلق سراحها، ثم أخرج من جيبه محفظة أوراق فألقاها على الأرض بحيث تلوثت في الوحل وابتلت بمياه المطر فحملها بيده وذهب إلى الفندق وهو يقول: لنلعب الآن مع هذا الإنكليزي لعبة المحفظة، فإنه لا يفطن لها مهما بلغ من الخبث والدهاء.

٣٠

إن خدعة المحفظة مشهورة في باريس دون سواها وهي خدعة لم يستنبطها اللصوص ولم يألفوها، ولكن الذي اخترعها جماعة النصابين.

وقد استنبطوها خاصة للجاسوسية ومكائد الغرام، فإنه يوجد منهم جماعة في كل شارع يقيمون فيه الأغنياء فيتجسسون النساء والرجال ويستفيدون مما يعلمونه من أسرار غرامهم.

مثال ذلك أنهم يجدون رجلًا يسكن في منزل فخيم وهو غني عجوز قبيح الوجه، ثم يعلمون أن له امرأة جميلة صبية فيأخذون من ذلك الحين مراقبة تلك المرأة.

وأن الواحد يكمن لتلك المرأة فيجد أنها تخرج في صباح كل يوم من منزلها فيتبعها ويجد أنها دخلت إلى الكنيسة وهي تحمل كتاب الصلاة فيدخل في أثرها، فيجد أنها خرجت من باب آخر فلا يتأثر لاحتجابها، بل يسر لأنه يرى أن ظنونه قد تحققت فيها.

وفي اليوم الثاني يأتي إلى الكنيسة في الموعد نفسه فيكمن لها قرب الباب الذي خرجت منه بالأمس فيراها قد ركبت مركبة ودلت السائق على المنزل الذي تريد الذهاب إليه فيقفو أثرها ويعرف اسم العاشق الذي تزوره كل يوم.

فلا يمر بذلك عهد طويل حتى يرد إلى العاشق كتاب من ذلك الجاسوس ينذره فيه بإخبار زوج عشيقته بسر غرامه إذا لم يدفع له مبلغًا بعينه ويكتب مثل هذا الكتاب للزوجة، فإما أن يكون لديها المال المطلوب فتدفعه أو تبيع ما لديها من الحلي والمجوهرات هربًا من الفضيحة أو تخبر الشرطة بأمرها فيقبض على هذا النصاب ويبقى سرها مكتومًا لشدة حرص الشرطة على الكتمان.

ومن ذلك أن أحد هؤلاء النصابين يتفق أن يكون في غابات بولونيا أو في الشانزليزه فيرى مركبة وقفت وفيها رجل وامرأة فيخرج الرجل منها ويذهب ماشيًا على الأقدام وتعود المركبة بالمرأة إلى منزلها، فيعلم هذا النصاب أنهما كان في موعد غرام، ويقتفي أثر المركبة حتى يرى المنزل الذي وقفت عنده ويرى المرأة خرجت منها وصعدت إلى المنزل.

وعند ذلك يأخذ من جيبه محفظة جميلة من الجلد الروسي فيغمرها بالتراب ويذهب بها إلى بواب ذلك المنزل فيقول له: إن تلك السيدة التي دخلت الآن سقطت منها محفظة وهي تدفع أجرة السائق، فقل لي اسمها وفي أي دور تقيم كي أرجعها إليها.

فيقول له البواب: إنها فلانة، وإنها تقيم في الدور الأخير من المنزل إلى جهة اليسار فيشكره النصاب ويصعد، ولكنه لا يقف عند باب البيت، بل يصعد إلى السطوح فيقيم هنيهة ثم يعود وقد عرف اسم المرأة ومنزلها.

ومن ذلك الحين يأخذ بمراقبتها حتى يعثروا بعاشقها، فيرسلون إليهما رسائل الإنذار كما تقدم.

ولنعد الآن إلى موضوعنا فإن مرميس قد لجأ إلى هذه الخدعة ليعلم اسم هذا البوليس الإنكليزي والاسم الذي يتنكر به في الفندق.

وكان قد لبس ثياب رثة فدنا من البواب وأراه المحفظة ووصف له الرجل الإنكليزي الذي دخل، وسأله أن يرشده إلى غرفته كي يرد إليه المحفظة التي سقطت منه.

فقال له البواب: إنه يدعى السير جمس وود ويقيم في الغرفة التي نمرتها ١٨، ثم أذن له بالصعود إشفاقًا عليه لما رآه من دلائل فقره.

٣١

كان هذا الفندق الذي دخل إليه السير جيمس من أعظم فنادق باريس وأتقنها إدارة وتنظيمًا بحيث لا يمكن أن يدخل إليه زائر دون أن يراه البواب ويدقق في أمره.

ولكن حين يدخل الزائر إليه ويصعد إحدى سلالمه الكثيرة تبطل المراقبة ولا يلتفت أحد إليه.

وفي هذا الفندق نحو ألف غرفة وكثير من الأروقة فكان يزدحم فيه الإنكليز والألمان والروس والأتراك، ويمتزج فيه الخادم مع السائق، والحمال مع الترجمان، ومنظف الغرف مع خدام باعة الثياب.

فلما دخل مرميس إليه وأمن المراقبة قال في نفسه: إن العجلة تورث الندامة والوقت فسيح لدي لفحص أحوال هذا الرجل.

وقد رد محفظته إلى جيبه؛ لأنه لم يخطر له في بال أن يقابل السير وجهًا لوجه بحجة المحفظة، بل اتخذها ذريعة للدخول إلى الفندق بملابسه الرثة.

ولكنه ذهب إلى الرواق الذي كانت فيه غرفة الشرطي وجعل يسير ذهابًا وإيابًا وهو لا ينفك عن زيارة باب تلك الغرفة.

وقد رأى أن مفتاحها لا يزال في قفله من الخارج فقال في نفسه: إن السير غير عازم على إطالة الإقامة في غرفته، ولولا ذلك لكان أخرج المفتاح من قفله وأقفل غرفته من الداخل وربما كان ينتظر زيارة زائر.

ولم يكن مرميس مخطئًا في ظنه، فإنه لم تمر به بضع دقائق حتى أقبل الشرطي إدوارد ففتح الغرفة ودخل إلى السير جمس.

وكان الرواق مقفرًا؛ إذ لم تكن تلك الساعة ساعة عودة المقيمين في الفندق فما نظر مرميس أحدًا فيه ودنا من باب الغرفة يحاول الإصغاء لما يجري بين الاثنين من الحديث.

وأن العادة في مثل هذه الفنادق الكبرى أن يضعوا مقاعد من الخشب في كل رواق كي يستريح عليها المنتظرون، وكان يوجد مقعد عند باب غرفة السير.

وأخرج مرميس أنبوبة طويلة من الكاوتشوك تبلغ ثخانتها قدر ثخانة الإصبع فوضع طرفها في ثقب قفل الباب برفق ووضع طرفها الآخر في أذنه وجلس على ذلك المقعد فلم تفته كلمة من الاثنين لانحسار الصوت بواسطة هذه الأنبوبة وبلوغه إلى أذنه كما يبلغ إليه بواسطة التليفون.

وقد سمع الاثنان يتكلمان باللغة الإنكليزية فجرى بينهما الحديث كما يأتي:

وقال إدوار: لعلك قادم من هناك؟

– نعم، وقد وصلت الآن.

ماذا قال لك البوليس، وما هي هذه المهمة؟

– إنها سرقة مائة ألف فرنك.

– ومن هذا المثري؟

فضحك السير جمس وقال: إنه لا يخطر لك في بال، فهو ذلك المقاول الذي رأيناه البارحة؛ أي وكيل الرجل العبوس.

– أهو ميلون؟

– هو بعينه.

– أرأيته هناك؟

– نعم رأيته في غرفة المدير.

– ولكنك رفضت قضاء هذه المهمة دون شك؟

– بل قبلتها شاكرًا.

– ولكن.

فقاطعه السير جمس قائلًا: إني أعلم ما تريد أن تقوله، وهو أننا نقدم على أمر محفوف بالخطر؛ إذ قد يتفق أن ميلون وشوكنج يبحثان عن الأرلندية وابنها.

– هو ذاك.

– وتريد أيضًا أن ميلون قد رآنا قرب منزل شوكنج سوية، فإذا امتزجنا معه فقد يشك بنا.

– نعم، والذي أراه أنه لا يجب أن نتداخل في الأمر.

– بل نعمل يدًا واحدة، ولكننا نعمل مفترقين فلا يرانا أحد معًا، والأجدر بك الآن أن تبرح هذا الفندق وتقيم في الغران أوتيل.

فلم يقتنع إدوارد من كلامه وقال: إن الأجدر بنا أن نعود إلى لندرا بعد موت الأرلندية والاستيلاء على الغلام.

– إن ذلك محال، فإن الأسقف بترس توين أمرني في رسالته البرقية أن أكتب له كتابًا مفصلًا، وأن أنتظر أوامره الجديدة.

– أكتبت هذا الكتاب؟

– نعم، وقد أرسلته في هذا الصباح.

– إذًا سيصل الليلة إلى لندرا، فلنفرض أن الأسقف أرسل إليك رسالة برقية يأمرك فيها بالسفر فماذا تفعل؟

– نسافر.

– والسرقة أتدعها؟

– كلا، فإني أرجو أن نظفر بالسارق في هذه الليلة.

– كيف ذلك؟

– ذلك لأني واثق بعض الوثوق أن السارق هو ذاك اللص الإنكليزي الذي عهدنا إليه سرقة شوكنج.

– ما حملك على اتهامه؟

– إنه حين سرق مال شوكنج وكتاب الرجل العبوس إلى ميلون دفعت له أجرته ووعدني أن يعود إلى لندرا، ولكنه لم يسافر فقد رأيته البارحة في الشارع، وعندي أن كتاب الرجل العبوس أطمعه بميلون وحاول أن يسرقه ويشتغل لحسابه.

– أتظن أنك تجده؟

– دون شك.

– وإذا كان هو السارق أتسلمه للحكومة الفرنسية؟

– كلا، بل أقتصر على استرجاع المال منه.

وكان مرميس يسمع كل الحديث، فلم تفته كلمة منه بفضل تلك الأنبوبة، وقال في نفسه: إن ذلك يدعوني إلى تعديل خطتي، ولكني قد وثقت أن الغلام في قبضتهم.

وعاد إلى الإصغاء إذ عاد الاثنان إلى الحديث بعد سكوت قليل فقال إدوارد: ومس ألن؟

فأجابه: إنها لا تزال في سجن سانت لازار.

فارتعش مرميس وقال في نفسه: لقد عرفت الآن نصف ما كنت أريد أن أعرفه.

ثم قام عن المقعد فأخرج الأنبوبة من القفل وأعادها إلى جيبه وجعل يسير ذهابًا وإيابًا في الرواق.

وبعد هنيهة فُتح باب الغرفة وخرج منه السير جمس وإدوارد، وكان إدوارد بحقيبة السفر فقال مرميس في نفسه: لا شك أنه ذاهب بها إلى الغران أوتيل.

ثم أسرع إلى الحقيبة فأخذها من يد الشرطي وقال: ألا تحتاج يا سيدي إلى حمال؟

٣٢

أما السير جمس فإنه على توقد ذكائه وطول خبرته بمهنته لم يداخله شيء من الريب بمرميس فأعطاه إدوارد الحقيبة دون احتراس، فأخذها ومشى أمامهما على مسافة قريبة بحيث كان يسمع حديثهما.

وكان السير حاسر الرأس مما يدل على أنه كان عازمًا على البقاء في الفندق وإيصال رفيقه إلى آخر الرواق.

فقال له: متى أراك؟

– في هذه الليلة.

– أين؟

– تدخل إلى القهوة الإنكليزية في الساعة السابعة حيث تجدني على المائدة فلا تكلمني شيئًا، لكن انظر إلى مائدتي فإذا رأيت أمامي صحن محار، فاعلم أني وجدت المال المسروق وعند ذلك حدثني؛ إذ لا يبقى لي شأن مع صاحب المال، وأنا أرجو أن يردني نبأ هذه الليلة من الأسقف.

وهنا ودعه وعاد إلى غرفته، وخرج إدوارد من الغرفة يتقدمه مرميس بالحقيبة وقد سمع حديثهما الأخير، فسار إلى الغران أوتيل وأسرع مرميس إلى كاتب الفندق وقال: أعدوا غرفة في الحال لحضرة الميلورد.

فابتسم إدوارد وقال: إني لست ميلورد يا بني.

فقال مرميس بسذاجة: ولكن سيدي من الإنكليز، أليس كل الإنكليز لوردية؟

فضحك إدوارد لبساطته وقال: كلا، فإني لست لوردًا ولكن سير.

– إن هذه اللفظة لا يدور بها لساني.

وعند ذلك نادى الخادم أحد الخدم وقال له: أعد لحضرة اللورد الغرفة نمرة ٢١ في الدور الأول في سلم ج.

ورفع مرميس قبعته ووقف ينتظر للبخشيش فأعطاه إدوارد فرنكًا وصعد إلى غرفته، أما مرميس فإنه خرج من الفندق وهو يردد نمرة الغرفة كي لا ينساها وذهب إلى منزله.

وكان مرميس يقيم في أجمل شارع في باريس فكان خدامه ينذهلون حين يرونه يتنكر بالثياب الرثة، ويختلفون في تأويل هذا التنكر فيقول بعضهم: إنه وافر الثروة وقد عاشر الإنكليز فاكتسب غرابة أخلاقهم، ويقول آخرون: بل إنه عاشق لفتاة من العمال، فهو يلبس لبسهم كي يروق في عينيها؛ إلى غير ذلك من الأقوال.

وقد ابتسم مرميس حين عاد إلى منزله، ورأى ما كان من دهشة خدمه فغير ملابسه ونادى خادم غرفته وقال له: اذهب في مركبة في الحال إلى شارع ماريبيال وائتني بميلون.

فامتثل الخادم وانصرف مسرعًا.

وبعد هنيهة دخل خادم آخر وأخبره أن فاندا تنتظره في قاعة الاستقبال، فذهب إليها وقال لها: إني كنت على وشك الكتابة إليك.

– إذًا لقد أحسنت بالمجيء؟

– نعم؛ لأني محتاج إليك.

ثم جلس بقربها وقال لها: إني أعلم الآن أين هي مس ألن؛ فإنها في سجن سانت لازار، وإني معتمد عليك.

– بماذا أبإخراجها الآن من السجن؟

– لا أدري، فإن ذلك يتوقف عليك وعلى حكمك فيها.

– كيف ذلك؟

– إنه يتضح حسب رواية الفتى البناء المنكود الذي سقط من نافذتها أن مس ألن تحب الرئيس.

– نعم.

– ولكن يتضح من رواية شوكنج ومن روايتك أن هذه الفتاة أعدى عدو لروكامبول؛ ولذلك يجب أن تقابليها وتحدثيها فنضع خطتنا بعد حكمك فيها.

– حسنًا سأفعل.

– ولكني لم أبحث في طريقة تمكنك من الدخول إلى السجن.

– أما أنا فإني وجدت الطريقة دون بحث فمتى يجب أن أذهب؟

– في أقرب حين وحبذا لو أمكنك الذهاب اليوم.

– إن هذا محال لا أستطيعه قبل الغد.

– لماذا؟

– لأن التي سأذهب إلى السجن معها لا تصل إلى باريس إلا في آخر قطار يصل هذه الليلة.

– إني لم أفهم ما تقصدين.

– إني سأدخل إليه غدًا أو متى أردت بفضل راهبة كانت في ليون ولي على هذه الراهبة فضل عظيم، وهي ستبيت عندي في هذه الليلة وفي صباح غد أذهب إلى السجن بصفة راهبة معها.

– ولكن أتظنين أنها توافق على هذه الخدمة؟

– إني متى أخبرتك بحكايتها تعلم أنها لا ترفض لي طلبًا.

ثم ابتسمت وتابعت: إني أعرفها منذ عهد بعيد؛ أي منذ ذلك العهد الذي أدخلني فيه الرئيس إلى سجن سانت لازار لإنقاذ أنطوانيت ميلر.

– إذن حدثيني بأمرها إذ إن الوقت فسيحًا لدينا لأن ميلون لا يصل قبل نصف ساعة.

٣٣

– إذن فاسمع، إنني منذ ستة أعوام أدخلني روكامبول إلى سجن سانت لازار لإنقاذ أنطوانيت ميلر منه «راجع رواية سجن طولون» ولقينا فيه راهبة أثرت عليها أنطوانيت بلطفها وأدبها وأثرت عليها بحنوي وإخلاصي.

ولم تكن هذه الراهبة مشككة ببراءتي وبراءة أنطوانيت، بل كانت واثقة أن دخولنا إلى السجن إنما كان بدسائس الأشرار، فأحبتنا حبًّا عظيمًا، وأنت تعلم كيف خرجت أنطوانيت من السجن.

– نعم، فإنها خرجت ميتة بالظاهر.

– إن الجميع كانوا يعتقدون بموتها حين أخرجناها، ما عدا روكامبول الذي وضع هذه الخطة وعصابته التي أعانته على تنفيذها.

ثم مضى على ذلك عام تزوجت بعده أنطوانيت وسافر الرئيس لقضاء بعض المهمات الخطيرة وكدت أنسى لازار ومن كان فيه إلى أن كنت خارجة يومًا من الكنيسة ولقيت راهبة حيتني واستوقفتني.

وعلمت للحال أنها الراهبة التي كانت تتودد لنا في سجن سانت لازار.

أما الراهبة فإنها قالت لي: لا إخالك يا سيدتي تأبين أن تخبريني حقيقة أمر مضى عليه عهد طويل.

ثم أخذت يدي بين يديها وقالت لي بلهجة المتوسل: الشائع يا سيدتي في السجن أن مدموازيل أنطوانيت لم تمت.

– ولكنك أنت رأيتها قد أرقدت في النعش.

– نعم، ولكن الرواية مختلفة.

وقاطعتها وقلت لها بصوت منخفض: تعالي إلى منزلي يوم تخرجين من السجن أخبرك كل شيء.

وكان من عادة الراهبة أن تخرج مرة في كل أسبوع من السجن، فلم يمض ذلك الأسبوع حتى جاءتني فأخبرتها بجميع ما فعلناه، ولم أكتم عنها شيئًا مما مضى.

وجعلت تزورني في كل أسبوع حتى باتت خير صديقة لي، وكنت أعطيها كل مرة مبلغًا من المال تفرقه على المسجونات.

إلى أن قالت لي يومًا: إن ملجأ القديس حنة غير كاف لدفع النكبات ولو كان لي مال لأنشأت مثله، ولكني أنشأته في مكان يبعد جدًّا من باريس، ولا يخطر للبائسات اللواتي يطرقن أبوابه أن يرجعن إلى تلك العاصمة الجهنمية.

وقلت لها: إن قصدك نبيل وسأجد لك المال المطلوب.

وفي ذلك اليوم استشرت روكامبول فأذن وسألته مالًا فأعطى، وقد سألتك أنت أيضًا ألا تذكر يا مرميس؟

– نعم، وأذكر أني أعطيتك مائة ألف فرنك إعانة للملجأ.

– هو ذلك الملجأ الذي تولته الراهبة ماري ودعته باسم القديسة مريم.

– أين هو هذا الملجأ؟

– هو بالقرب من مدينة ليون.

– إذًا فإن الراهبة اعتزلت خدمة السجون وخرجت من هذه المصلحة.

– إنها اعتزلت خدمة السجون، ولا تزال باقية فيها وذلك أن هذا الملجأ الذي أنشأته خصوصيًّا، ولكنه خاضع لخدمة السجون ومراقبة الحكومة، فإذا كانت سجينة وأحسنت السلوك في سانت لازار، أرسلوها إلى ملجأ القديسة مريم كي تتم فيه بقية المدة المحكوم عليه بها، وقد يتفق أن تبقى فيه.

ولذلك فإن الراهبة ماري تأتي من حين إلى حين إلى سجن سانت لازار، أو ترسل أحد الراهبات من عندها فتتعهد السجينات وتنظر في شفائهن ومبلغ تأثير السجن في نفوسهن، فإذا رأت بينهن سجينة صادقة التوبة جديرة بالرحمة توسطت في سبيل نقلها إلى الملجأ، وقد يتفق أنها تُخرج كل مرة أربعًا أو خمسًا من اللواتي كانت مهنتهن السرقة والفساد.

وقد كتبت لي البارحة أنها قادمة هذه الليلة إلى باريس وسأذهب إلى المحطة لاستقبالها.

– حسنًا، ولكن كيف رأيت أنه يمكنك الدخول معها إلى سجن سانت لازار.

– إني أدخل معها كرفيقة لها.

– ولكنك لست من الراهبات.

– كلا.

– أتظنين أن الراهبة ماري شديدة الإخلاص بك والثقة بحسن قصدك فتسمح لك بالتنكر بملابس الراهبات؟

– إني قد وضعت خطة أضمن نجاحها فاكتف بالوثوق من دخولي غدًا إلى سانت لازار وألق عليَّ تعليماتك.

– إن تعليماتي منحصرة بكلمتين وهما معرفة الحقيقة.

– تريد أن تعلم إذا كانت مس ألن من أعداء روكامبول أو من أصدقائه.

– هو ذاك.

– وبعد ذلك؟

– إذا ثبت لك أنها من أعدائه تركناها في سانت لازار، فإن هذا السجن ضامن اتقاء شرها، وإذا كانت من الأصدقاء أنقذناها.

– لا أظن أن إنقاذها من مثل هذا السجن سهل ميسور؛ فإني لا أزال أذكر ما لقيناه من العناء في إنقاذ أنطوانيت.

وضحك مرميس وقال: إني أعرف كل هذه المتاعب، ولكنها تخرج دون أدنى مشقة.

– من يخرجها من السجن؟

– الذي أدخلها إليه.

– كيف ذلك؟

– أصغي إليَّ أيتها العزيزة، فإن الذي أدخلها إلى هذا السجن بوليس إنكليزي جاء من لندرا إلى باريس، وقد عرفت اسمه اليوم فإنه يُدعى السير جمس وود.

وقد كان سجنها في البدء في مستشفى صحي غير أنها حاولت الفرار فنقلها إلى سجن سانت لازار كي يكون مطمئنًا عليها؛ إذ لديه كثير من الشواغل في باريس.

– إذًا إن الأمر لا يدعو إلى السرعة.

– بل إنه يدعو إلى أتم الإسراع؛ فإن السير وود قد يسافر الليلة أو غدًا فلا بد لي من معرفة حقيقة ما نجهله عن مس ألن.

ثم قص عليها ما فعله وقال: إن كل ما صنعته معقول وقد يسفر عن النجاح الأكيد، غير أن الاتفاق قد يفسد كل ما دبرته إذا لم أسرع بالعمل؛ فإن السير وود قد يرد إليه في هذه الليلة أمر بالسفر فيأخذ مس ألن والغلام ويسافر بهما.

– أأنت واثق أنه هو الذي اختطف الغلام؟

– كل الثقة.

– أتعلم أين وضعه؟

– كلا، ولكني سأعلم.

وعند ذلك فتح باب الغرفة التي كانا فيها ودخل ميلون يتبعه شوكنج وعليه علائم اليأس.

فقال له مرميس: لا تيأس فسنجد الغلام وأمه.

فأجابه شوكنج بصوت متقطع من الإشفاق: إن الغلام قد تجده، وأما تلك الأم المنكودة، فإني أخشى أن يكونوا قتلوها.

فاضطرب الثلاثة وجعل كل منهم ينظر إلى الآخر.

٣٤

ولنعد الآن إلى السير جمس وود؛ فإن هذا الشرطي كان مصيبًا في اتهامه الإنكليزي الذي استخدمه لسرقة شوكنج.

وذلك أن الشرطي الإنكليزي في لندرا يعرف كل اللصوص معرفة تامة، ولا سيما أولئك اللصوص الذين يبرحون لندرا في وقت الضباب ويقدمون إلى العواصم الكبرى التماسًا للارتزاق فيها من مهنتهم الشائنة.

ومثل هذا الشرطي الحاذق لم يكن يعرف أولئك اللصوص فقط، بل كان يعرف اختصاص كل لص بسرقاته، فإن بين أولئك اللصوص من يقتصر على سرقة البضائع من المخازن، وبعضهم يختصون بسرقة الجيوب في مركبات الأومنيبوس، وبعضهم يذهبون إلى الكنائس ويغتنمون فرص الزحام وآخرون إلى المراسح.

وكان السير وود يعرفهم كلهم في باريس، وقد عرف أيضًا لصًّا إنكليزيًّا كانت مهنته صنع الأقفال.

وكان هذا اللص يُدعى سميث، وكان عاملًا في لندرا في معمل لصنع الصناديق الحديدية، ولما وقف على أسرار المهنة وبرع فيها تخلى عنها واحترف اللصوصية.

وهو الذي استخدمه السير وود لسرقة شوكنج، وكان قد أخبره أنه عائد إلى لندرا، غير أنه رآه منذ يومين فأيقن أنه سارق المال؛ إذ لا يوجد سواه من يستطيع فتح صندوق ميلون المصنوع في المصانع الإنكليزية دون أن يكسر قفله.

وكان السير وود حاذقًا لبيبًا كما قدمنا غير أنه لم يكن من السحرة، ولا يستطيع غير الساحر أن يعلم أن ميلون قد سرق نفسه؛ أي إنه ادعى السرقة بغية نصب مكيدة للسير وود.

ومما نذكره عن علاقة السير جمس وود بهذا اللص الإنكليزي أنه حين رآه المرة الأولى في باريس قال له: إني لست في خدمة الشرطة الفرنسية، فلا خوف عليك مني، بل إني سأستخدمك وأدفع لك.

وقد استخدمه في سرقة شوكنج ودفع له أجرة جيدة، فكان الرضى متبادلًا بين الفريقين وباتا يشبهان الحليفين.

وكان بوسع السير وود أن يرشد إليه الشرطة الفرنسية ويعود إلى لندرا لما صدر إليه الأمر بالعودة، غير أنه لم يكن يريد إساءته، بل أراد الاقتصار على استرجاع المال المسروق طمعًا بريعه؛ أي حصته منه.

فأرسل رسالة إلى سميث يدعوه فيها وبعد ساعتين حضر إليه، فاستقبله السير وود بالبشاشة وقال له: كنت أخشى أن لا أجدك، وأن تكون قد سافرت.

– لقد رجعت عن السفر فقد لقيت في باريس أشغالًا موافقة.

– ماذا عملت وما هي هذه الأشغال؟

فأجابه اللص: إني اتفقت مع شريكين والأعمال رائجة كما يظهر فقد ربحنا صفقة رابحة.

– أيدخل فيها المائة ألف فرنك التي سرقتها من المقاول؟

فظهرت علائم الدهشة على سميث، وكانت صادقة ظاهرة حقيقتها حتى وثق السير وود أنه مخطئ باتهامه.

غير أنه لم يكتف بهذه الظواهر، وجعل يسأله أسئلة مختلفة فلا يزيد إلا إنكارًا.

فلما أيقن من براءته أخبره بكل ما جرى من أمر هذه السرقة على ما علمه من مدير الشرطة ومن ميلون نفسه.

فقال له اللص: إني لا أستطيع أن أبدي رأيًّا قبل أن أرى الصندوق، لكني أعتقد أنهم يهزءون بك.

– مَن يهزأ بي؟

– لا أستطيع أن أعلم إذا كان الصندوق قد وُجد مفتوحًا كما قلت فلا يستطيع فتحه على هذه الصورة غير اثنين أحدهما أنا، ولكني قلت لك: إني لست السارق.

– والآخر؟

– هو إنكليزي يُدعى جوهان، ولكني واثق أنه ليس في باريس.

– ولكن الصندوق قد فُتح.

– لا أنكر ذلك ولكنه لم يُفتح كما قلت وفي كل حال لا أبدي حكمي فيه قبل أن أراه.

– إن هذا سهل.

ثم أخذ ورقة وكتب فيها ما يأتي:

سيدي

إني آخذ باقتفاء أثر الذي سرق أموالك، وسأظفر به غير أني لا بد لي من أن أرى صندوقك، ولذلك سأحضر إلى منزلك في الساعة الحادية عشرة من هذا المساء مع زميل لي، ويجب أن تكون وحدك في البيت كي لا يرانا أحد عند دخولنا لأسباب سأخبرك بها عند اللقاء.

سير جمس وود

ثم طوى الرسالة وأرسلها مع أحد خدام الفندق إلى ميلون وقال لسميث: اذهب الآن وانتظرني في الساعة السادسة في الشانزليزه عند عطفة شارع مارينيان.

فامتثل اللص وذهب بعد أن واعده على اللقاء.

فلما خلا السير جمس بغرفته ذكر ما قاله له اللص وهو «أنهم يهزءون بك»، فقال في نفسه: من عسى يهزأ بي أشوكنج الأبله أم هو ميلون؟ إن هذا لا يُعقل، وفوق هذا، فإن السرقة حدثت حين كنت منهمكًا باختطاف الأرلندية وابنها.

غير أن هذا الشرطي على بسالته وحذقه خامر قلبه الخوف، فخطر له أن يأخذ رالف ومس ألن ويعود بهما إلى لندرا دون أن يكترث بهذه السرقة.

وفيما هو يتردد في هذا الخاطر وقد أوشك أن يعول عليه دخل إليه خادم الفندق يحمل رسالة برقية من لندرا ففضها وتلا فيها ما يأتي:

ابق في باريس ثمانية أيام، إننا سنحاكم الرجل العبوس والحكم عليه مضمون، التفاصيل بالبوسطة.

بترس توين

فتمعن السير وود مليًّا بهذه الرسالة ثم قال في نفسه بعد التفكير: إنه لا بد لي أن أصدع بالأمر وأبقى هنا ثمانية أيام، فلا بد بالتالي من عمل ألهو به، لا سيما وقد وعدت مدير الشرطة بالقبض على السارق، وعندي أن ميلون لو لم يكن ماله قد سُرق لما شكا أمره إلى الشرطة، ولا إخال سميث إلا مخطئًا؛ فإن السارق لا بد أن يكون في باريس.

وعندها وضع الرسالة في جيبه وخرج من الفندق متجولًا إلى المساء، ثم عاد إليه فوجد فيه رسالة من ميلون يخبره بها أنه سينتظره في الموعد المعين، فعول على أن يذهب إليه مع سميث.

٣٥

ولنذكر الآن ما جرى للشرطي إدوار، فإنه غادر فندق اللوفر إلى غران أوتيل، وكان مرميس يحمل أمتعته كما قدمناه فبعد ذلك بساعتين تأهب إدوارد للنزول إلى قاعة الطعام.

وفيما هو يفتح باب غرفته للخروج لقي خادمًا حياه بملء الاحترام وقال: إني آت إليك من قبل سيدي.

– ماذا يُدعى سيدك؟

– المسيو بايتافن.

– إني لا أعرفه.

– إن سيدي يعلم أنك لا تعرفه، ولكنه أمرني أن أخبرك بأنه يقيم في شارع وبر على خطوتين من هذا الفندق، وأنه واسع الثروة يبلغ إيراده في العام مائة ألف جنيه، وأنه يسره أن يحدثك هنيهة.

ثم دفع إليه رقعة زيارة كتب عليها اسم بايتافن وهو الاسم الذي كان يدعو به نفسه مرميس.

فظهرت على إدوارد علائم التردد فقال له الخادم: إن مما قاله لي سيدي: إن السير إدوار يعلم أن لنا صديقًا مخلصًا في إنكلترا، وإني أدعوه إلى مناولة طعام الغذاء معي لسؤاله عن هذا الصديق.

وكان إدوارد يعلم أن شارع أوبر لا يقيم فيه غير النبلاء والأغنياء وأنه قريب جدًّا من غران أوتيل، فعلم أن هذه الدعوة سرية، ولكنه لم يجد فيها ما يدعو إلى الخوف، لا سيما والخادم ترك له رقعة سيده فقال للخادم: اذهب أمامي فإني سائر معك.

فمشى الخادم أمامه وسار إدوارد في أثره إلى المنزل الذي يقيم فيه مرميس وهو بيت فخيم حسن الرواء جميل الظاهر متسع الفتحات يصعد إليه بسلالم من المرمر.

فصعد إدوارد تلك السلالم وهو يقول في نفسه: ما عساه يريد مني هذا الرجل وأنا لا أعرفه؟

وكان مرميس يقيم في الدور الأول من المنزل فطرق إدوارد الباب، ففتح له خادم وأدخله إلى غرفة الاستقبال وهي مفروشة بأبدع الرياش.

فمر قبل دخوله إلى تلك القاعة بفسحة واسعة وضعت فيها طاولة الطعام وعليها الأطعمة الأولية، فأيقن إدوارد أن الخادم لم يخدعه وأن الرجل ينتظره للطعام.

وبعد هنيهة فُتح أحد أبواب القاعة ودخل مرميس فلم يكد إدوارد ينظر إليه حتى ظهرت عليه علائم الدهشة وابتسم فقال له: ألعلك عرفتني يا سيدي؟

فأجابه إدوارد بصوت يتلجلج: ربما، ولكن كيف أعلل هذا الاتفاق؟

– إني ذلك الحمال الذي نقل أمتعتك اليوم من فندق اللوفر، ولا يشغل هذا التنكر بالك يا سيدي؛ فإن لندرا إذا كانت مقر أهل الشذوذ والأخلاق الغريبة، فإن باريس لا تخلو منهم أيضًا.

والحكاية أنه خطر لي اليوم أن أراهن على أمر فكسبت الرهان بواسطتك وأنت لا تعلم، وسأقص عليك تفصيل هذا الرهان أمام الرجل الذي راهنته وهو صديق لك.

– أهو صديق لي؟

– نعم، إنه من الإنكليز.

وعندها فتح الباب وقال الخادم: هذا اللورد ويلموت.

فذعر إدوارد وتذكر شوكنج، لا سيما حين رآه قد دخل وهو لابس الثياب الرسمية السوداء، وأزرار قميصه من الماس الوهاج، وأيقن أن في الأمر خدعة.

فقام عند ذلك مرميس إلى المستوقد، فأخذ منه مسدسًا لم يكن إدوارد قد رآه فصوبه إليه وقال له: إن هذا المسدس يا سيدي من المخترعات الأميركية الحديثة فهو يطلق بقوة ضغط الهواء لا بقوة البارود فلا يُسمع له دوي ولا حس.

أريد بذلك أنه إذا بدر منك أقل مقاومة أطلقت عليك هذا المسدس فقتلتك دون أن يسمع أحد شيئًا، حتى خدم المنزل، ويبقى البواب مشتغلًا في تلاوة جريدته دون أن ينتبه إلى شيء.

فاضطرب إدوارد ولكنه تجلد وقال: إذا كنت تمازحني يا سيدي، فهو مزاح مؤلم.

– كلا، لا أمازحك، ألا تعرف اللورد ويلموت؟

– نعم عرفته.

– إذن، فاعلم أنه هو الذي رجاني أن أجمع بينكما على مائدتي.

– إذا كان هذا ما تقول، فما شأن هذا المسدس، ألعله من مقدمات الطعام المهيجة للقابلية؟

– كلا، ولكني أعددته لاستخدامه إذا رفضت دعوتي.

– لم يخطر في بالي أن أرفض هذه الدعوة.

– إذن هلم بنا إلى المائدة.

ثم أشار إشارة إلى شوكنج فهمها فتأبط ذراع الشرطي وقال له: هلم بنا إلى المائدة يا مواطني العزيز.

وكان شوكنج قوي البنية شديد العضل، وكان مرميس يسير وراءهما بمسدسه، وفوق ذلك فإن خادمًا قويًّا كان واقفًا بالباب، فأيقن إدوارد أن المقاومة لا تفيد، وأنه قد سقط في الفخ الذي نُصب له كما يسقط الأرنب، فسار إلى المائدة مستسلمًا للقضاء وقعد بجانب شوكنج.

أما مرميس فإنه قعد بإزائه ووضع المسدس قبالته، ثم أشار إلى الخادم الواقف بالباب أن يذهب فامتثل وأقفل الباب.

وعند ذلك نظر إلى إدوارد وقال له: لنتحدث الآن فلا يسمع حديثنا أحد، وسأذكر لك ما أريده بغاية الإيجاز، فأنت أتيت إلى باريس مع السير جمس وود.

فلم يجبه إدوارد وجعل ينظر إليه نظر المبهوت.

فقال له مرميس: وإنكما أتيتما بمهمتين، إحداهما إرجاع مس ألن إلى إنكلترا.

– إنها المهمة الوحيدة ولا سواها لنا.

فهز مرميس كتفيه وقال: وأما مهمتكما الثانية فهي اختطاف الغلام الأرلندي الذي كان يتولى شوكنج مراقبته.

ولذلك أرجوك أن تعلم يا سيدي العزيز أن من كان مثلنا يضبطون الناس في شارع مثل هذا الشارع، وفي قصر يسكنه كثير من الناس يقدمون في أعمالهم إلى النهاية.

وأنا أخيرك الآن بين مائة ألف فرنك تقبضها فتعيش سعيدًا وبين رصاصة تقع في صدرك لتذهب بك إلى العالم الأخير.

ثم جعل يلاعب المسدس بيده من غير اكتراث، وهو ينتظر جواب البوليس.

٣٦

ورأى مرميس أن هذا المبلغ من المال قد أثر تأثيرًا حسنًا بإدوارد، فلم يقتصر على الوعد، بل أخرج من جيبه دفتر حوالات على بنك إنكلترا ووضعه أما إدوارد.

فقال إدوارد في نفسه: إني قد أخطأت بتسرعي في قبول دعوة هذا الرجل، ولكني قد أصبحت في قبضته الآن وهو قادر أن يصنع بي ما يشاء ولا يبعد أن يقتلني ولا يعلم بمقتلي أحد.

أما مرميس فإنه قال له: لقد حسبت ما سيدفعونه لك، مقابل خدمتك في المهمتين، فرأيت أنه لا يتجاوز نصف هذا المبلغ، ومع ذلك فإني أزيدك أيضًا خمسين ألف فرنك، فإني واسع الثروة ولا يُؤثر بها مثل هذا المبلغ.

فبرقت عينا إدوارد من الفرح، ورأى مرميس بريقها، فقال له بلطف: أرى أنك رجل حكيم مجرب والاتفاق معك ممكن ميسور، فاعلم الآن أني أعرف أين سجنتم مس ألن ولست بحاجة إليكم لإنقاذها، ولكني لا أعلم أين سجنتم الغلام.

– ولا أنا أيضًا.

فقطب مرميس حاجبيه وقال له: احذر فإنك ستخيب الرجاء فيك وتفقد الأمل بالاتفاق.

– إني أقسم لك.

فقاطعه وقال له: لا تقسم بل قل الحقيقة، فإذا بحت بها أعطيتك حوالة على بنك إنكلترا بمائة وخمسين ألف فرنك.

– إني لا أكتمك يا سيدي شيئًا مما أعلمه، ولكن لا حيلة لي بإيضاح ما لا أعلمه، ولو أنذرتني بالموت، فإن السير جمس اختطف الغلام وأمه حين كنت أنا منهمكًا بإبعاد اللورد ويلموت عن المنزل بما سقيته من الخمر.

– ولكنك رأيت السير في المساء؟

– نعم.

– ألم يقل لك ما فعله بهما؟

– نعم، فقد أخبرني أنه وضعهما في محل أمين؟

– أين؟

– في شارع بعيد عند رجل فحام يدعى شابروت.

– ألا تعلم اسم الشارع؟

– كلا.

فقال له مرميس بسكينة: انظر يا سيدي إلى هذه الساعة فإني أمهلك ٥ دقائق، إذا لم أعرف في خلالها أين هو الغلام، أطلقت عليك رصاص المسدس.

فاصفرَّ وجه إدوارد وجعل العرق ينصب من جبينه وقال: إني لست مساويًا للسير في المنصب فثق يا سيدي أني لا أعلم غير بعض أسراره، ولكني لا أعلمها كلها وأنا أقسم لك أني لا أعلم أين وضع الغلام؟

فجعل مرميس يلعب بمسدسه، وقال له: لم يبق لديك غير ثلاث دقائق.

– إني قلت الحقيقة فاصنع بي بعد ذلك ما أنت صانع، ولكني أطلعك على سر من أسرار السير، إذا علمته فعلت به ما تشاء، وإنما أقوله لأبرهن عن صدقي.

فبدأ مرميس يثق بصدق إدوارد وقال له: قل ما هو السر؛ فإني أمهلك أيضًا بضع دقائق.

– هذا السر هو أن السير لم يختطف الغلام وأمه بالشدة أو بالوعيد، بل إنه دعاهما إلى اتباعه فتبعاه.

فقال شوكنج: إن هذا محال؛ فإن الأرلندية كانت تعلم أن الأعداء محيطون بنا من كل جانب فكانت تحذر كل الناس.

– هو ما تقول، ولكنها لا تحذر من أخ، فإن السير جمس كان أرلنديًّا مثلها.

– ماذا تعني؟

– أعني أن السير كان من رؤساء الجمعيات الأرلندية السرية في بدء عهده فخانها وباع نفسه لإنكلترا، وقد وثقت به حنة للإشارات الأرلندية السرية التي أبداها لها.

فقال له مرميس: أهذا هو كل سرك؟

– نعم.

فتمعن هنيهة وقال: إنك قد تكون كاذبًا في كل ما قلته لي، فلا تطمع أن يكون لك بعد هذا الإيضاح ودادية مع السير.

– إني لم يكن لي معه مثل هذه العلائق في حين من الأحيان، وغاية ما بيني وبينه أننا نشتغل في مهنة واحدة، غير أنه داخل في سلك الشرطة السياسية، وأنا أشتغل في خدمة الشرطة العمومية على أني أؤثر مصلحتي الخاصة على كل شأن، وقد جريت معك الآن شوطًا بعيدًا في الإقرار، فلم يعد يسعني إلا خدمتكم، وقد قلت لك: إني لا أعرف أين هو الغلام؟ ولكني سأعرف كل شيء بالتفصيل.

فابتسم مرميس وقال: ليس لدي ما يدعوني إلى الريب بصدقك، غير أني تعودت أن أعمل أعمالي بنفسي، ولا بد أن يكون ثبت لك ذلك بالبرهان، فقد رأيتني اليوم قد اقتفيت أثرك وأنا بثياب الحمالين، ولذلك أرجوك أن تأذن باتخاذ بعض الاحتياطات، إلى أن أتأكد من صحة ما رويته لي.

– إن ذلك سهل عليك ميسور لك.

– نعم، ولكن يشترط في ذلك أن تبقى هنا.

– سأبقى بملء الرضى.

– إذًا إن الاتفاق تام وسأدفع لك المال على الفور.

ثم وضع المسدس في جيبه، وأخذ دفتر الحوالات وكتب له حوالة على بنك إنكلترا بمائة وخمسين ألف فرنك وأعطاه إياها.

وأخذها إدوارد ووضعها في جيبه، وقد أفعم قلبه سرورًا بهذه الثروة الجديدة.

فقال له مرميس: قم الآن واتبعني.

فامتثل إدوارد، وتقدمه تلميذ روكامبول، فاجتاز قاعة الطعام إلى غرفة ثانية ومنها إلى غرفة ثالثة لم يكن فيها نوافذ، وإنما النور كان ينفذ إليها من السقف.

فأدخله مرميس إليها وقال له: إنك ستقيم في هذه الغرفة بحراسة اللورد ويلموت ورجل آخر، إلى أن أعثر بالغلام وأنقذ مس ألن، ورجائي أن تعذرني لاتخاذي هذه الاحتياطات، فإن الحكمة تدعوني إليها، على فرط ثقتي بإخلاصك.

فقال له إدوارد بسكينة: افعل بي ما تشاء، فإني أسيرك وقد بعتك نفسي.

فنادى مرميس ذلك الخادم الذي كان قد أرسله إلى إدوارد، وهو رجل شديد، فقال له مشيرًا إلى إدوارد: إنك تراقبه أشد المراقبة حتى أعود، فإذا رأيته يحاول الفرار فقيد يديه ورجليه، وإذا استغاث ضع في فمه كمامة.

فانحنى الخادم إشارة إلى الامتثال وقال له إدوارد وهو يبتسم: إني ما قلت لك غير الحقيقة، وسيثبت لك صدقي بالبرهان.

– وأنا ذاهب للبحث عن هذا البرهان.

ثم تركه وانصرف بعد أن عهد بحراسته إلى الخادم وشوكنج.

٣٧

يذكر القراء أن السير جمس كان قد واعد سميث اللص على اللقاء في شارع مارينيان.

فلما حانت ساعة اللقاء كان سميث قد حضر ماشيًا، وجعل يتنزه في ذلك الشارع، ثم أقبل السير جمس في مركبته، فوقفت في المكان المعين للاجتماع.

وقد رآه سميث فجاء إليه وقال: ألعلك مستعجل يا سيدي؟

– لماذا تسألني هذا السؤال؟

– لأني كنت أود أن أحدثك هنيهة.

– اصعد إلى المركبة نتحدث فيها، فإن السائق لا يسير بها قبل أن آمره.

فجلس سميث بجانبه وقال له: إن هذا الصندوق المسروق لا يستطيع فتحه كما فُتح إلا جوهان وأنا، ولكن جوهان في لندرا.

– لقد قلت لي هذا القول اليوم.

– ولكن الآن جئتك بالبرهان الأكيد فقد قرأت في جريدة التيمس أن الشرطة قبض في لندرا على جوهان وهو الآن في سجن نوايت.

– أهذا كل ما تُريد أن تقوله؟

– نعم، ولو كنت في مكانك لتخليت عن هذا العمل؛ فإنهم يعبثون بك كما أرى.

فهز السير كتفه وقال: ماذا عليَّ ومما أخاف، فإني مندوب الشرطة الإنكليزية، وفي جيبي كتاب من السفير، ثم إني جريت في هذه المهمة شوطًا بعيدًا فلا يسعني الرجوع.

– إذًا افعل ما تشاء.

فأمر عند ذلك السائق أن يذهب إلى منزل ميلون.

وسارت المركبة حتى بلغت إليه ووقفت عند بابه، فخرج الاثنان وطرقا الباب ففُتح وظهر لهما ميلون يحمل بيده مصباحًا وقد تكلف هيئة البساطة التامة.

فنظر السير حين رآه إلى سميث نظرة معنوية تفيد أن هذا الرجل البسيط لا يهتم بغير ماله المسروق.

أما ميلون فإنه حيا الشرطي وقال له: إني أنتظرك يا سيدي بفارغ الصبر؛ فإن أحد وكلائي أخبرني منذ ساعة أنه رأى الرجل الذي سرقني سائرًا في مركبته.

فأشار السير جمس إلى سميث، وقال له: ألا تظن أن هذا هو السارق؟

فابتسم ميلون وقال: إن الفرق بعيد جدًّا.

– ألعلك وحدك؟

– دون شك، ألم تطلب إليَّ أن أكون وحدي وقد كنت أنتظر قدوم عائلة فقيرة مؤلفة من أب وأم وغلام ولكنهم لم يحضروا.

– لماذا؟

– لعلهم تأخروا لبعض الأسباب، فأجلوا قدومهم إلى الغد.

فظهرت على السير علائم الرضى وقال في نفسه: إنه لا يعلم شيئًا من اختطاف رالف.

ثم قال لميلون: لا يذهلك يا سيدي أني سألتك أن تكون وحدك؛ فإننا نحن أفراد الشرطة الإنكليزية نحب أن تكون أعمالنا سرية، وقد أسفرت طريقتنا عن نجاح مضمون.

– إن على كل رجل يا سيدي أن يتقن مهنته، فأنا أجيد صناعة البناء وأنت تحسن القبض على اللصوص.

– ولقد أحضرت لك أحد زملائي فهو إذا رأى الصندوق يعرف على الفور كيف فُتح.

– إذًا اتبعاني.

ثم صعد قبلهما فتبعاه وقال السير لرفيقه بالإنكليزية: أرأيت كيف أنك مخطئ بعدما رأيت ظواهر هذا الرجل؟

أما ميلون فإنه لم يلتفت إليهما وتظاهر أنه لم يسمع حديثهما، ودخل بهما إلى الغرفة التي كان فيها الصندوق فقال لهما: إني تركت الصندوق على ما وجدته كي يسهل على البوليس مراقبته.

فقال له سميث: حسنًا فعلت.

ثم أخذ منه المفتاح وجعل يفتح الصندوق به ويقفله مرارًا وهو يظهر استغرابه إلى أن قال له: ألعلك بحت بسر فتحه لأحد؟

– لا.

– إن ذلك محال؛ إذ لا يستطيع أن يفتحه دون كسره غير العارفين بسره، فهل تذكر أن أحدًا نومك تنويمًا مغنطيسيًّا؟

– كلا.

– هل وضعت المفتاح في مكان تصل إليه الأيدي؟

– إنه لا يفارق عنقي.

فالتفت سميث إلى السير وقال له بالإنكليزية: إني أُعيد عليك ما قلته، فإن الرجل يهزأ بنا.

ولم يكد يتم كلامه حتى سمع حركة من ورائه فالتفت الاثنان فوجدا أن الباب قد فُتح وأن رجلًا دخل منه.

وقد عرف السير لأول وهلة أن هذا الرجل كان الحمال الذي رآه في الفندق يحمل أمتعة إدوارد، غير أنه أبدل ملابسه الرثة بثياب الأعيان، فاصفرَّ وجهه وأيقن أن سميث كان صادقًا في حذره، وأن الفخ قد نُصب له وسقط فيه.

أما مرميس فإنه نظر إلى السير جمس وقال له وهو يبتسم: إن للبوليس الإنكليزي صيتًا حسنًا يا سيدي، ولكني أخشى أن يفقد اليوم هذا الصيت.

ثم دخل إلى الغرفة فدخل بأثره ثلاثة رجال وهم: مورت وجواني الجلاد وشوكنج.

فابتسم شوكنج كما ابتسم مرميس وقال للسير: سوف نرى ما يكون بيننا يا سارق الأطفال.

٣٨

إن السير جمس كان من أهل الجرأة والذكاء، وقد علم لأول وهلة أن هذا الصندوق إنما كان مكيدة نُصبت بمهارة واعتناء.

وقد علم أيضًا أن ميلون وهذا الفتى الحمال وشوكنج وكل من كان في الغرفة هم من أعوان الرجل العبوس، وقد تمكن من قلب سجنه أن يوقفهم على الحالة، ولكن ذلك لم يتيسر إلا بواسطة مس ألن، فكيف تيسر لهم الاجتماع بها؟

هذا الذي أشكل فهمه على السير، ولكنه لم يحاول التفكير بهذا السر ولا وقت له للتفكير بغير ما جاء إليه، فإنه كان يرى أن الصاعقة تنقض على رأسه، وأنه يجب الاهتمام باتقائها.

غير أنه تجلد ولم يظهر عليه شيء من علائم الرعب، بل إنه كان يبتسم إلى تلك العصابة باحثًا عن رئيسها.

على أن مرميس لم يدع له وقتًا للتمعن، فإنه دنا منه وقال: إنك شديد الذكاء يا سيدي، فلا بد أن تكون علمت بما صرت إليه، وأنك أصبحت في قبضتنا.

فظهر الرعب على وجه سميث، ونظر إليه السير نظرة تفيد أننا سننجو من هذا الشرك فلا تخف.

وعاد مرميس إلى مخاطبته فقال: إننا هنا في شارع مقفر، وهذا المنزل الذي نحن فيه تكتنفه حديقة متسعة، أريد أنك إذا استغثت لا يسمعك أحد ليقدم لنجدتك.

فلبث السير محافظًا على السكينة وقال: مَن يعلم؟

– أنا أعلم والآن فإنك عرفت دون شك ماذا نريد منك.

– كيف يمكن أن أعرف.

– إذًا سأساعدك على المعرفة.

– كما تريد.

– ألم تكن حارسًا لتلك الفتاة التي تُدعى مس ألن بالمير؟

– هو ما تقول.

– ولكنها قد اختطفت فماذا صنعت بها؟

– إن هذا من أسراري ولا دخل لأحد فيه.

– ولكن الصدفة قد أعانتني فعرفت أين وضعتها.

– إذًا كنت تعرف مكانها فلماذا تسألني؟

– اسمع أقص عليك تاريخ اختطافها؛ فإنك وضعتها في البدء في مستشفى المجانين وأقمت تنتظر التعليمات من لندرا، فلما وردت إليك سعيت بواسطة السفارة فأدخلتها إلى سجن سانت لازار.

– إن كل ما تقوله أكيد.

– إني واثق من صدق قولي، ولكن الذي أريده أنك إذا كتبت بخطك بضع كلمات يطلقون سراح مس ألن.

– ولكن هذه الكلمات لا أكتبها.

– أحق ما تقول؟

– كل الحق، فإنك لم تحملني على القدوم إلى هذا المنزل إلا وأنت عازم على إبقائي فيه حتى إنك قد تقتلني أيضًا ولكنهم ينتقمون لي.

فابتسم مرميس وقال: مَن ينتقم لك؟

فأشار السير إلى ميلون وقال له: إني حين رأيت هذا الرجل عند مدير الشرطة يشكو سرقة أمواله، وكنت أعلم أنه الرجل الذي تبحث عنه مس ألن لم أصدق كلمة من شكواه.

وإني أتيت إلى فرنسا مندوبًا من حكومتي، فوجبت على الحكومة الفرنسية حمايتي.

ولذلك أبلغت الخبر رئيس الشرطة قبيل قدومي إلى هذا المنزل، فأرسل ستة من رجال الشرطة وهم ينتظرون في عطفة الشارع، فإذا لم أعد إليهم بعد ربع ساعة جاءوا لنجدتي فأسرع بقتلي قبل أن يحضروا.

فظهرت علائم القلق على ميلون، أما مرميس فإنه ضحك ضحكًا عاليًا وقال: الحق أنك من أهل الصبر والذكاء يا سير جيمس؛ فإنك قدرت على اختراع هذه الحكاية في موقفك الحرج.

– أتظن أني أخترع؟

– بل أؤكد وهو ذا البرهان، أنك خرجت في صباح اليوم برفقة ميلون من دائرة البوليس فلم تخبر المدير بحذرك، بل لم يخطر لك الحذر عند ذلك في بال.

– ولكني رأيت المدير في النهار.

– كلا، فإني أرسلت من يقتفي أثرك، وإذا شئت أخبرتك كيف أمضيت كل يومك بالتفصيل، غير أن الوقت أضيق من أن أضيعه في مثل هذه الأحاديث، فاعلم الآن أني وجدت طريقة لإخراج المس ألن من سجن سانت لازار.

فلندع مس ألن ولنبحث عن الأرلندية وابنها، فإننا لا نعلم ما صنعت بهما، ونُريد أن نعلم يا سير جمس.

فهز كتفيه وقال: إنكم لن تعلموا.

– بل نعلم وفوق ذلك فإننا نعلم من أمر ما تحسب أنه خاف علينا؛ أي أننا نعلم بأنك كنت من أعضاء الجمعية الأرلندية السرية، ثم بعت نفسك لإنكلترا.

فخان السير جلده هذه المرة واصفرَّ وجهه فقال له مرميس: وأنت تعلم يا سيدي ذلك العقاب الهائل الذي يعاقب به الأرلنديون من يخونهم، فإن من ضمن شرائعهم السرية هذا البند:

إن العضو الذي يخون الجمعية يُقبض عليه ويُحاكم، فيحكم عليه بالموت، ويبدءون في إعدامه بقطع لسانه، ثم يقطعون يديه ورجليه ويفقأون عينيه، ثم يقتلونه جوعًا إذا لم يجهز هذا التقطيع عليه.

هذا هو ملخص بند الخيانة يا سيدي، وإني أستطيع إرسالك إلى الذين خنتهم ضمن صندوق.

فتشحن كما تُشحن الطرود، وتنال هناك ما تعلمه من العقاب، إلا إذا أرجعت الأرلندية وابنها.

– إني أرفض كل الرفض فاصنع بي ما تشاء.

– ولكنك لا تزال مخطئًا أيضًا وقد ترجع عن غرورك متى علمت أننا نعرف اسم شاباروت.

فارتعش السير جمس واضطرب اضطرابًا لم يخف على مرميس.

وكان رجال العصابة يسمعون الحديث.

فلما ذكر اسم شاباروت تقدم جواني الجلاد وقال: إني أعرف رجلًا فحامًا يُدعى بهذا الاسم.

أما السير فإنه عاد إلى سكينته، فلما رأى مرميس إصراره على العناد قال لرفاقه: إننا سنتحدث هناك.

ثم قال للسير: هلم بنا إلى سجنك يا سيدي.

وعند ذلك فتح بابًا وأدخله مع رفيقه إلى غرفة وأقفل الباب.

فلما خلا الاثنان بتلك الغرفة وقال السير جمس لسميث: لقد توهموا أنهم يحملونني على الإقرار بالوعيد وقد ساء فألهم.

– ولكننا لا نزال في قبضتهم.

فنظر السير إلى نوافذ الغرفة وقال له: أيصعب عليك وأنت من مشاهير اللصوص كسر هذه النافذة؟

فأجابه اللص بصيحة ذعر اشترك بها الاثنان، وذلك أن أرض الغرفة خُسفت بهما، وجعلا ينزلان إلى الأعماق نزولًا تدريجيًّا، وكلما نزلا ابتعدت عنهما النوافذ.

فأيقن السير جمس عند ذلك، باستفحال الخطر، وعلم أن أعداءه رجال أشداء.

٣٩

بينما كان السير جمس وسميث قد وقعا في قبضة مرميس وعصابته، كانت حوادث أخرى تجري في منزل شاباروت الفحام الذي سجن فيه رالف وسقطت أمه في تلك البئر على ما وصفناه.

أما هذه البئر فإنها قبو متسع تجتمع فيه الأمطار، وهذا القبو مشترك بين شاباروت وجيرانه فيشرف عليه شاباروت من فسحة في منزله، ويشرف عليه جيرانه في المنزل من دكان كانت في ذلك العهد مفتوحة الأبواب؛ إذ كانت من غير إيجار.

وكان هذا القبو مغطى من الجهتين بباب من الخشب حذر السقوط فيه فغير السير جمس باب شاباروت ووضع فيه لولبًا بحيث إذا أدير اللولب ومر من فوقه جسم فتح الباب وسقط الجسم ثم انغلق الباب على الفور، وعاد إلى ما كان عليه.

وهذا الذي حدث لتلك الأرلندية المنكودة، فإنها عندما مرت فوق الباب انحنى ذلك الفحام إلى الأرض وأدار اللولب فسقطت المرأة في المياه وسمع السير جمس صيحتها الهائلة، ثم سمع صوت تخبطها في المياه ثم انقطع الصوت فأيقن أنها باتت من الأموات.

غير أن الله الذي يحمي الضعفاء من الأقوياء لم يرد لها الموت، وأبى أن تنفذ مكيدة أهل الشر بتلك الأم التعيسة، فإنها حين سقطت في تلك المياه هوت فيها إلى آخر مبلغ عمقها، ثم صعدت إلى سطحها وأعانها انتفاخ ثوبها على العوم فلم تصيح بعد صيحتها الأولى ولم تستغث، بل إنها حبست أنفاسها وأصغت إصغاء تامًّا، فسمعت ابنها يصيح قائلًا: أين هي أمي، ردوا إليَّ أمي.

ثم انقطع صوت ولدها وسمعت ضحك الفحام والسير جمس، فعلمت للفور أن سقوطها لم يكن اتفاقًا بل مكيدة، وأنهم أرادوا إغراقها كي يختطفوا ابنها، فإذا شعروا أنها لا تزال في قيد الحياة نزلوا إليها وأغرقوها.

ولم يكن سكوتها حرصها على حياتها، بل لخوفها على ولدها، فإن الأمل لا يُفارق الإنسان إلا حين الموت، وقد ذكرت أنهم فرقوا بينها وبين ولدها مرارًا فقدر الله لهما أن يجتمعا بعد الافتراق.

وكانت المياه شديدة البرودة والهواء فاسدًا، ولكنها تجلدت ولم تتحرك ثم أخذت ثيابها تُثقل بالمياه حتى أوشكت أن تغرقها ورأت أنها تهبط تباعًا.

وكانت ابنة حياة؛ أي أنها كانت ماهرة بالسباحة، غير أنها لم تشأ أن تسبح حذرًا من أن يسمعوا حركة جسمها فلبثت على ذلك ثلاث دقائق مرت بها كساعات النزع إلى أن سمعت صوت خطوات السير جمس والفحام من فوق رأسها وأيقنت أنهما ابتعدا، فهاجت فيها عواطف الأمومة وحب الحياة وجعلت تسبح بعنف شديد في تلك المياه الآسنة.

وكان الظلام دامسًا، فكانت كلما تقدمت ترى الظلام قد خف حتى بلغت البئر الثانية التي تشرف عليها من الدكان.

فتقدمت أيضًا حتى صارت تحت الدكان فرأت نور النهار ينبعث ضئيلًا من شقوق سقف البئر.

وعند ذلك جعلت تسبح علها تعثر بما ترتاح إليه من متاعب السباحة إلى أن أتاها الله بالفرج، فعثرت بعد الجهد الشديد بعود من الحطب كان عائمًا على سطح المياه فاستعانت به كما يستعين النوتي ببقايا السفينة التي تحطمها الأنواء.

وعند ذلك سمعت فجأة صوت باب يُفتح فوق رأسها: فهلع قلبها وحسبت أن السير جمس والفحام علما أنها لم تغرق، فأتيا ليجهزا عليها، غير أنها سمعت بعد فتح الباب ما اطمئنت له نفسها وهو صوت فتى يغني أغنية كانت شائعة في ذلك العهد، فأدركت على الفور أن رجلًا قد دخل إلى الدكان، وأنه غير الرجلين اللذين تخشاهما، فجعلت تصيح مستغيثة بأعلى صوتها.

وبعد هنيهة سمعت أن الغناء قد انقطع فجأة قبل إتمامه، فعلمت أن صوتها قد وصل إلى مسمع المغني وعادت إلى الصياح.

وعند ذلك فتح سقف البئر ودخلت أشعة النهار إلى المياه فأيقنت الأرلندية أن الله قد أرسل إليها منقذًا ليقيها ويقي ولدها من ظلم الأشرار.

٤٠

تقدم لنا القول أن بيت الفحام يجاوره بيت آخر، وأن الفحام كان يشرف على البئر وسكان ذلك المنزل المجاور يشرفون عليها من دكان لم تكن مأجورة في ذلك العهد.

وكان الفحام واثق أن المنزل لا يوجد فيه أحد بالنهار؛ لأن كل سكانه من العمال.

غير أن هذا المنزل كان يقيم في قسم منه امرأة غسالة وابن لها يُدعى بوليت وهو في مقتبل الشباب.

وكان بوليت هذا من أحذق غلمان باريس تقلب في كثير من الأعمال، كان في التاسعة من عمره مستخدمًا في مطبعة، واشتغل نجارًا في الثانية عشرة وخدم في المراسح في الخامسة عشرة، وبعدها اعتزل هذه المهن وصار مغنيًا في القهاوي، ثم ارتقى إلى مهنة ممثل في الضواحي، ثم تعين سكرتيرًا لقوميسير الشرطة في بلفيل.

فهو قد تقلب في كثير من المهن كما ترى، ولكنه لم ينجح في واحدة منها، فإن القوميسير الشرطة، قال له: إنك لا تصلح لمهنتنا لميلك إلى التمثيل.

وقال له مدير الجوق: إنك لا تصلح للتمثيل لتعلقك بالغناء.

وقال له صاحب قهوة الغناء: إن السامعين قد صفروا لك استهجانًا فلا يسعني قبولك.

وقال له النجار: إنك كثير التصور والغزل.

أما صاحب المطبعة فإنه أرسله بمسودة مقالة إلى كاتبها لإصلاحها فأضاعها في الطريق ولم يعد إلى المطبعة.

على أنه كان ذكي الفؤاد، طيب السريرة كثير الأصدقاء، وكان له أيام عسر وأيام رخاء، فإذا جاءت أيام اليسر أنفق عن سعة وعاش مع أصحابه عيشة الرخاء، وإذا دهمه العسر لجأ إلى بيت أمه وأقام معها يعيش من فضلة كسبها.

وكان هذا اليوم من أيام بؤسه؛ أي إنه كان ملازمًا بيت أمه.

وقد كان سمع الناس يتحدثون بجرائم جاره الفحام وخطر له أن يغتنم فرصة فراغه ويراقبه، فكان ينزل إلى تلك الدكان وفيها نافذة تشرف على فسحة بيت الفحام، فيراه مرارًا يمر بالفسحة فيأخذ قطعة من مرآة مكسورة ويضعها على النافذة محنية بحيث يرى كل ما يصنعه الفحام دون أن يراه جاره فيرى ملامح الشر تنطبع فوق وجهه حين يعتقد أنه وحده فينقطع عن التكلف ويظهر بهيئته التي فُطر عليها.

وقد بلغ من مراقبته إياه أنه عرف كل أخلاقه وعاداته، وخرج مرات في أثره وعرف الخمارة التي يتعشى فيها كل ليلة مع أن الفحام لم يره ولم يعرفه على التصاق المنزلين.

ففي الليلة التي خلا بها السير جمس بالفحام كان بوليت في تلك الخمارة فرابه اجتماع هذين الرجلين في مثل هذه الخمارة على ما بينهما من تباين المقام كما كانت تدل ثياب السير جمس، فتنبه بوليت وقال في نفسه: إن القوميسير قد طردني من الخدمة لاعتقاده أني كسول لا أصلح لها ولقد كان مصيبًا في اعتقاده، أما إذا ذهبت إليه يومًا وقلت له: إني اكتشفت جريمة وأوقفته على تفاصيلها، فإنه يكافئني دون شك ويردني إلى الخدمة.

وقد استدل بوليت من اجتماع الرجلين أنهما لم يجتمعا إلا للاتفاق على جريمة، فجعل من ذلك الحين يراقب جاره مراقبة شديدة.

وبعدها بيومين رأى عربة وقفت في الشارع عند عطفة الزقاق المؤدي إلى بيت الفحام، ورأى فيها ذلك الذي مع الفحام؛ أي السير جمس، ومعه امرأة وغلام لم يعرفهما.

ثم رآهم جميعًا قد دخلوا إلى بيت الفحام فأسرع إلى الدكان ووقف في النافذة المشرفة على الفسحة واستعان بالمرآة فلم ير شيئًا.

وعند ذلك خطر له أن يغني بصوت مرتفع على رجاء أن يسمع الفحام صوته، فإذا كان عازمًا على الجريمة لا يجسر على ارتكابها متى سمع صوته، ولكنه لم يعلم أن الأمر قد قُضي حين كان عائدًا إلى منزله للمراقبة من النافذة.

على أنه حين كان يغني سمع صوت الأرلندية تستغيث، فانقطع فجأة عن الغناء، وعاد إلى الإصغاء، فسمع الصياح وعلم أنه صادر من البئر، فأسرع إلى الخشبة الموضوعة فوقها وأزاحها وجعل ينظر إلى المياه باحثًا عن مصدر الصوت.

وكانت الأرلندية قد نهكت قواها وخفت صوتها، ولكنها لما رأت أن سقف البئر قد فُتح ورأت رأس إنسان قد ظهر لها عادت لها قوتها وجعلت تستغيث بملء صوتها.

فقال لها بوليت: لا تخافي، تجلدي دقيقة فسأنقذك.

ثم تركها وعاد مسرعًا إلى البيت فجاء بسلم طويلة وأنزلها إلى تلك البئر فبات أسفلها راكزًا في قاع البئر وأعلاها مستندًا إلى حائط الدكان.

وعند ذلك أسرعت الأرلندية وتمسكت بالسلم غير أنها لم تقدر أن تصعد إليها لثقل ثيابها ولفرط ما لقيته من التعب، فنزل بوليت وأعانها على الصعود.

وكان بوليت على ذكائه وسوء معشره طيب السريرة طاهر القلب فلم يخطر في باله الفحام والشرطي في تلك الساعة، بل تمثلت له تلك المرأة على ما كانت فيه من الشقاء، ولم يخطر في باله غير إنقاذها، فلما بلغ بها إلى سطح الدكان ترك السلم في موضعها وذهب بالأرلندية إلى بيت أمه.

ولم تكن أمه قد عادت بعد إلى المنزل فنزع ثياب الأرلندية المبتلة ولفها بأغطية السرير ثم أشعل نارًا فوضعها كي تتدفأ بها وقال لها: اطمئني يا سيدتي فسأنقذ ولدك كما أنقذتك.

أما الأرلندية فلم يخامرها شيء من الخوف على ولدها؛ لأنها كانت تعلم شدة انشغال اللورد بالمير بالاستيلاء عليه، ومع ذلك فإن كلام بوليت قد زاد في تسكين اضطرابها.

أما بوليت فإنه تمعن قليلًا في الحالة ثم قال في نفسه: إن أمي ستعود قريبًا وإذا رأت هذه المرأة عندي أرهقتني بالأسئلة والاعتراض، ثم لا تمر ساعة حتى يعرف هذه الحادثة جميع أهل الحي، إذًا لا بد لي أن أفر بها من هنا كي لا تراها.

ولما استقر رأيه على ذلك قال للأرلندية: إذا أردت أن لا يُصاب ولدك بمكروه فاتبعيني.

فتبعته الأرلندية طائعة فنزل بها إلى غرفة تحت البيت تعدها أمه للغسل فأدخلها إليها وقال لها: لا أستطيع إنقاذ ولدك إلا إذا بقيت هنا.

فوعدته بالامتثال فخرج بوليت وأقفل الباب من الخارج مبالغة في الحذر.

ثم ذهب إلى الشارع حيث كانت المركبة واقفة فوجد أنها انصرفت، فأيقن أن السير وود قد ذهب فدخل إلى الزقاق المؤدي إلى بيت الفحام فوجده واقفًا على عتبة دكانه بملء السكينة وعلائم السرور بادية عليه.

وقد أيقن بوليت أن الغلام قد اختطف، ولكنه لم يعلم إذا كان السير جمس قد ذهب أو إذا كان باقيًا في بيت الفحام.

وكان في ذاك الزقاق غسالات يغسلن الثياب على قارعة الطريق، وجعل بوليت يمازحهن ويراقب خلسة الفحام، فرآه قد دخل مرارًا ثم عاد إلى موقفه فقال في نفسه: لا شك أن الغلام سجين عنده وأن دخوله مرارًا لم يكن إلا لتفقده.

وعند ذلك عاد إلى البيت ووقف في تلك النافذة المشرفة على فسحة بيت الفحام فلم ير أثرًا، فخطر له خاطر لا بد في تنفيذه من الجرأة، وهو أن الأرلندية قد سقطت إلى المياه من ثقب في سطح قبو الفحام فهو يدخل إلى القبو كما سقطت منه.

ولم يطل تفكيره بهذا الخاطر، بل إنه نزل لفوره إلى الدكان، وكانت السلم لا تزال في البئر فخلع ثيابه وألقى نفسه في المياه وجذب السلم إليه فجعل يسبح بها متجهًا إلى جهة قبو الفحام فوضع السلم على الجدار وصعد عليها إلى أن مست يداه السقف الخشبي فرفعه بكتفه وولج منه إلى القبو.

وكان بيت الفحام يشبه بيت أم بوليت بغرفه وأقبيته وطريقة بناءه فلم يصعب على بوليت البحث فيه وجعل يجول من مكان إلى آخر حتى سمع أنينًا في القبو الداخلي فأيقن أنه أنين الغلام المسجون فيه.

وعند ذلك دنا من الباب وفحص قفله فوجده شديد المتانة بحيث رأى أن إنقاذ الغلام في تلك الساعة مستحيل، لا سيما وأن الفحام لا يزال في المنزل، ولكنه اطمئن على الغلام؛ إذ علم أنه لا يزال حيًّا، وأن هذين الآثيمين لم يبطشا به كما أرادا البطش بأمه، فارتأى أن يعود بعد أن يذهب الفحام إلى الخمارة لمناولة العشاء حسب عادته كل ليلة، ثم يحضر معه ما يحتاج إليه من المعدات.

وفيما هو يحاول الرجوع من حيث أتى سمع وقع أقدام الفحام آتيًا إلى جهة القبو، فأسقط في يده وخشي افتضاح أمره، وما ينتج عنه من تعذر إنقاذ الفتى أكثر مما خشى على نفسه من ذلك الوحش الكاسر.

ولكنه لم يفقد هداه فنظر إلى ما حواليه فرأى أكداس الحطب مرصوفة بانتظام في زاوية، فأسرع واختبأ وراءها، ثم دخل الفحام يحمل سلة من الطعام فذهب دون أن يرى بوليت إلى رف من الخشب، فأخذ من فوقه مفتاحًا فتح به باب القبو ودخل إلى الغلام بسلة الطعام فرآه بوليت وقال في نفسه: لقد غنيت بهذا الاكتشاف عن المعدات، لقد علمت أين يضع مفتاح القبو؟

أما الفحام فإنه خرج من القبو بعد أن أطعم الغلام فأقفله وأعاد المفتاح إلى مكانه ثم انصرف.

وكان بوليت شديد الجرأة كثير الإقدام غير أنه كان حكيمًا على حداثة سنه وارتأى أن يؤجل إنقاذ الفتى إلى أن يذهب الفحام إلى الخمارة حذرًا من عودته المفاجئة.

ولذلك عاد إلى سقف البئر ففتحه ونزل إلى الماء وعاد بالسلم إلى جدار الدكان وصعد إليها فلبس ثيابه، ثم صعد إلى غرفة أمه.

وكانت قد عادت من عملها وأخذت تعد طعامها، فشم بوليت رائحة الطعام وعلم أن والدته في المنزل، فذعر لحضورها حذرًا من افتضاح أمره، ثم اطمئن وقال في نفسه: قد يوجد بين النساء من تكتم السر ليلة، وأنا لا أحتاج إلى أكثر من هذا الزمن لإنقاذ الفتى.

وعند ذلك دخل فجأة إلى والدته، فأرادت أن تنتهره، فوضع إصبعه على فمها فقال لها: أرجوك أن لا تصيحي يا أماه، وأن تنتبهي إلى ما أقول ولو مرة في العمر.

فقالت له: ماذا تريد أيها الوقح، وما بالك مبتلًّا، ألا تشفق عليَّ أم تحسبني خُلقت لخدمتك؟

– قلت لك: لا تصيحي يا أماه، فإن لدينا ثروة، وهذه الثروة موقوفة عليك.

فضحكت ضحك الهازئ وقالت له: ويحك ما هذا الهذيان، ألا تزال تحدثني كل يوم بمثل هذه الأماني وأنت على ما عُرفت به من الكسل والخمول، ألا تخجل أن أعولك في حين أنه يجب عليك أن تعولني؟

– أصغي إليَّ بالله، فإني لست من الهازئين.

– ولكن من أين أنت قادم؟

– سأخبرك بكل شيء.

ثم ذهب إلى الباب فأقفله ووضع المفتاح في جيبه، فقالت: رباه إن ولدي قد جن.

أما بوليت فإنه قال لها برزانة: إني سأغدو قوميسيرًا للبوليس.

وهزت الأم كتفها ثم جعلت تنظر إلى ولدها كأنها باتت خائفة على صوابه.

فقال لها: وسأنال جائزة عظيمة.

– ولكن.

فقطع عليها حديثها وقال: لا سبيل إلى الاعتراض يا أماه؛ لأن الثروة مضمونة كما قلت لك إذا أردت.

– ماذا تريد أن أصنع؟

– ماذا تطبخين في هذا القدر؟

– لحمًا وبصلًا.

– أنضج الطعام؟

– إنه على وشك النضج، ولكن أية علاقة لثروتنا بهذا الطعام؟

– إن له علاقة شديدة؛ لأنه الواسطة.

وضحكت المرأة وقالت: ألعله واسطة ترقيتك إلى مقام قوميسير؟

– نعم يا أماه.

واستاءت الأم إذ حسبته يهزأ بها وسألته: ألا تقول لي أيها الوقح ماذا كنت تصنع في الدكان؟

– إن هذا لا يعنيك.

– أهكذا تجيب أمك أيها الشقي؟

– كفى يا أماه تأنيبًا، وأعطني زجاجة خمر وقطعة من الخبز، ثم ذهب إلى القدر فرفعها عن النار.

وحاولت أن تصيح به فقال لها: إنك إن اعترضت عليَّ أو صحت حرمتيني من رتبة القوميسير.

ثم وضع الخبز تحت إبطه وحمل الزجاجة بيد والقدر بيد وخرج من الغرفة بعد أن فتح الباب وهو يقول: إن هذه المنكودة أشد حاجة منا إلى الطعام بعدما لقيته من العناء.

غير أن والدة بوليت لم تكن لتتخلى عن طعامها بسهولة، فاندفعت في أثر ولدها حتى أدركته وقد دخل إلى الأرلندية.

ولما رأت الأم تلك الأرلندية وما لها من الجمال صاحت صيحة منكرة، وحسبت أنها فهمت كل شيء وهي لم تفهم شيئًا وقالت لابنها: تبًا لك من لص فاجر، أتسرق طعامي وقد كلفني تعب النهار كي تطعمه لخليلتك؟

غير أن بوليت أسرع فوضع الطعام أمام الأرلندية، وبادر إلى الباب فأقفله ثم وضع يده على فم أمه وقال لها: إنك ما دمتِ قد أتيت إلى هنا ورأيت فلا أجد بدًّا من إخبارك فاسمعي.

ورأت الأم ملامح الجد بين عينيه، وتبينت خطورة الأمر من نبرات صوته، فانقطعت عن الصياح وأصغت إليه.

أما بوليت فإنه أشار بيده إلى الأرلندية وقال لها: انظري يا أماه إلى هذه المرأة، فإني لو لم أدركها لقضت غرقًا.

– ماذا تعني؟

– أتعرفين جارنا الفحام؟

– أليس هو شاباروت الذي قتل امرأته؟

– هو بعينه، وقد ألقى منذ ساعة هذه المرأة في البئر فأنقذتها حين سمعت صياحها.

وكانت أم بوليت عجوزًا صخابة ثرثارة، ولكنها كانت طيبة السريرة كولدها، ولما أيقنت أن المرأة مظلومة، وأنها ليست من بنات الهوى أصغت إلى ولدها وسمعت قصة الأرلندية.

أما بوليت فإنه أخبر الأرلندية أن ولدها لا يزال في قيد الحياة ثم أكرهها على الأكل مع والدته ووعدها بإنقاذ ابنها فجعلت تبكي سرورًا.

وعندها التفت بوليت إلى أمه وقال لها: إني أرى أبواب المستقبل قد فُتحت أمامي ونحن الآن في حاجة إلى الرصانة.

– ماذا تريد بذلك؟

– أريد أن هذا الفحام لم يُلق المرأة في البئر وسجن غلامها في القبو إلا وله شريك في هذه المهمة الشائنة، وقد رأيت هذا الشريك يحادث الفحام، ولذلك فقد وجب الحذر.

– دون شك، وعندي أنه يجب أن تُسرع في الحال إلى رئيس البوليس فتخبره بجلية الأمر.

– ليس هذا بالرأي الصواب، فإن الفحام قد يخنق الغلام متى رأى رجال الشرطة قادمين إليه.

– إذًا ما العمل؟

– يجب أن تبقى هذه المرأة هنا إلى أن أنقذ ولدها، ويجب أن تحرصي عليها كل الحرص.

– كن واثقًا من ذلك.

– واحذري أن تدعي أحدًا يراها.

– سأفعل.

– نعم، أوصيك بالكتمان؛ لأن كلمة تبدر منك تفسد كل أمر.

– إني أعدك بأن أكتم أمرها عن كل الناس.

– بل تعديني أيضًا أن لا تذهبي إلى منازل الجيران.

– سأقيم في غرفتي فلا أبرحها حتى تعود.

– إذا كان كما تقولين فاعلمي إذًا أن الساعة بلغت السادسة الآن وهذا موعد خروج الفحام إلى الخمارة للعشاء، فيجب اغتنام هذه الفرصة.

ثم ترك الأرلندية تعتني بها أمه، وخرج من المنزل إلى الزقاق، فرأى الفحام لا يزال واقفًا في الباب، فجعل يسير ذهابًا وإيابًا ويراقب الفحام.

وكانت الغاسلات تغسل الملابس في ذلك الزقاق وبينهن فتاة حسناء كانت تنظر إلى بوليت نظرات حب وإدلال.

وقد رآها الفحام فاحمر وجهه من الغضب، ولم يكن غضبه لاعتقاده أنه يراقبه، ولكنه استاء؛ لأنه رآه يرود أمام دكان الغسالات، فإن هذا الوحش الكاسر على غلظة كبده، كان يحب أحد تلك الغاسلات ودبت الغيرة إلى قلبه الوحشي.

أما تلك الفتاة التي كان يهواها فكانت تدعى بولينا، وهي نفس الفتاة التي كانت تنظر إلى بوليت تلك النظرات التي تشف عن الحب الصادق.

وكان قد بلغ من حبه لتلك الفتاة أنه عزم على الاقتران بها دون أن يكاشفها بقصده، لاعتقاده أنه ذو مال وأن الغاسلات لا مال لهن.

وكان كلما مر بالغاسلات، وهو يحمل الفحم إلى زبائنه، ينظر إلى الفتاة نظرة المعجب بجمالها، ويزيد فيه ميل الزواج بها.

ولما رأى بوليت يمر ذهابًا وإيابًا بدكان الغاسلات تنبهت فيه عواطف الغيرة واتقدت عيناه نارًا.

وفيما هو على ذلك خرجت تلك الفتاة بطبق الماء المتسخ، فنظرت إلى بوليت وقالت له وهي تضحك: احذر.

فأسرع بوليت إلى التراجع حذرًا من أن تصيبه المياه فقالت له الفتاة باسمة: أراك يا مسيو بوليت تفرط في الحذر من المياه.

فذهل بوليت حين سمعها تناديه باسمه فقال لها: ألعلك تعرفيني أيتها الفتاة؟

– دون شك فقد حضرت تمثيلك مرة فأعجبت بك، ألا تهبني ورقة الدخول، فلا شك أن لديك كثيرًا من الأوراق.

– أعطيك متى شئت وقدر ما تشائين.

– إني أشكرك مقدمًا، فاذهب الآن فإن صاحب الدكان يراني أحدثك، وإذا شئت فانتظرني في الساعة التاسعة في مدخل الزقاق نتفق على تعيين الساعة التي نذهب فيها لحضور التمثيل، ثم تركته ودخلت إلى الدكان.

وكان الفحام قد رآهما يتحدثان فاصفرَّ وجهه من الغيرة وأقفل باب دكانه، ولكنه لم يذهب بل بقي واقفًا قرب الباب.

أما بوليت فإنه خشي أن يعلم بأنه يراقبه فمشى يحاول الخروج من الزقاق.

وكان الظلام قد أقبل فلم يسر هنيهة حتى شعر أن الفحام قد انقض على عنقه وهو يقول: إنك تتداخل فيما لا يعنيك وسترى ما يكون جزاؤك.

ثم ضغط عليه بعنف شديد حتى كاد يخنقه.

٤١

أما بوليت فإنه حين سمعه يقول له هذا القول لم يخطر له أن الفحام يريد الإشارة إلى تلك الفتاة، بل حسب أنه اطلع على أمره وعلم أنه يحاول إنقاذ الغلام فقال وقد كاد يخنقه لشدة ضغطه على عنقه: اتركني أيها الأثيم، أو أدفع بك إلى الشنق؟

وصاح شاباروت صيحة هائلة وكف عن الضغط على عنقه، فاغتنم بوليت الفرصة وأجاب: إنك قتلت امرأتك ولدي على ذلك برهان.

فأجابه الفحام: لا ريب عندي أنك ستذيع هذه الأقوال في الحي، ولكني أهزأ بك وبأقوالك.

– والإنكليزية التي ألقيتها في الماء؟

وقد ذكر له بوليت أمر الإنكليزية راجيًا أن يرعبه فيطلق سراحه، ولكن ساء فأله، فإن الفحام حين ذكر له جريمته زادته إقدامًا على الجرائم فضغط على عنق بوليت وهو يقول: أما وقد عرفت هذا السر، فلا تطمع بعده بالحياة.

وجرى بين الاثنين عراك عنيف، وكان الظلام حالكًا، والزقاق مقفرًا، والفرق بعيدًا بين الاثنين، فإن ذلك الفحام الوحشي كان يشبه الجبابرة، وقد زاده الغضب قوة على قوته، فبات يعبث ببوليت كما يشاء.

أما بوليت فإنه شعر بالغلبة وشعر أنه ليس من أكفاء ذلك الخصم الشديد، فجعل يصيح مستغيثًا.

غير أن الفحام لم يمهله، فإنه صرعه وألقاه إلى الأرض وركع فوق صدره ثم أخذ مدية غليظة من جيبه وطعنه بها.

فأن بوليت أنينًا مزعجًا ولم يتحرك.

وعند ذلك نهض الفحام عنه وقد جحظت عيناه وانصب العرق من جبينه، وقد توهم أنه قتله فضحك ضحكًا هائلًا وقال: لقد أصبح عدد قتلاي ثلاثة.

ثم تراجع عن فريسته وقد شعر أن ساقيه يضطربان، ثم وقف وجعل ينظر نظرات تائهة دون أن يجسر على النظر إلى بوليت، فإن القتلة يُصابون حين الجريمة بمثل هذا الذهول.

ولبث هنيهة حائرًا مضطربًا، مقيدًا بقوة خفية، إلى أن سمع وقع أقدام، فأسرع إلى الفرار إلى الجهة المضادة لمصدر الصوت، وأطلق ساقيه للريح.

فكان يسير راكضًا إلى أن بلغ شارع سانت أمبرواز، ومن هناك سار إلى شارع سانت أوجين فالترعة، ولبث نحو ساعة يسير مضطربًا خائفًا دون أن يهتدي إلى أين يسير، فكان تارة يندفع في سيره، وتارة يمشي الهويناء، ثم يقف مستريحًا، فترن في أذنيه كلمات بوليت الأخيرة فيهلع قلبه خوفًا من سوء المصير.

وعند ذلك بدأ المطر يتساقط، فلجأ إلى مكان يقيه المطر، وعادت إليه سكينته فقال في نفسه: إني قتلت هذا الفتى دون أن يراني أحد، فمن يتهمني وليس بيني وبينه علاقة أو اتصال، ولا يعلم الناس ما أضمرت له من الأحقاد.

وهنا ارتاح لهذا الخاطر وجعل يفكر في ماذا يفعل.

إن من يُطالع تقاويم الجرائم يجد فيها ثلاثة أمور: أولها أن القاتل أول ما يخطر له بعد ارتكاب الجريمة أن يعد سبيلًا لدفع التهمة عنه، وثانيها أنه يحدث له شوق شديد إلى الخمر، فيندفع إلى أقرب خمارة يجدها، والثالث أنه بعد أن يترنح سكرًا يذهب إلى محلات الدعارة والفساد.

ولذلك كان أول ما خطر لهذا الفحام أن يذهب إلى الخمارة بعد أن أيقن أنه لم يره أحد حين ارتكاب الجريمة.

فذهب إلى الخمارة المجاورة للمكان الذي كان فيه وكانت غاصة بالزبائن، وقد لعبت الخمرة بالرءوس فانطلقت الألسن وتشعبت الأحاديث.

فدخل وهو يتكلف السكينة جهده على أن تقطيب حاجبيه وغلظة جسمه نفر الناس منه، فلم يكلمه أحد من الحاضرين خلافًا لعادة السكارى، فإن السكر يُؤلف بين قلوبهم ويقربهم من كل بعيد.

أما الفحام فإنه هب إلى منضدة لم يكن عليها أحد وقعد فجاءه الخادم وأحضر له ما طلبه من طعام وشراب.

فجعل يأكل ويشرب وهو يراقب الحضور، فلم يجد بينهم من شغل به أو اهتم له، فاستدل من ذلك أن أمره لم يُفتضح؛ إذ لم يسمع خلال أحاديثهم ما يشير إلى ارتكاب جريمته.

وفرغت قنينة الشراب فتلاها بالثانية وأردفها بالثالثة إلى أن حانت الساعة العاشرة وهي إقفال تلك الخمارة، فاضطر إلى الخروج منها مكرهًا وهو تائه في مهامه الأفكار في الطريق التي جاء منها، فقطع الترعة إلى شارع أوجين ومنه إلى شارع سانت إمبرواز، ومنه إلى الشارع الذي يدخل منه إلى الزقاق.

وهنا تنبه بالرغم من سكره وجعل يُخاطب نفسه فيقول: لماذا هذا التخوف ومن يخطر له أن يتهمني؛ إذ لم يكن قد رآني أحد، وفوق ذلك فإني تعشيت في خمارة كان فيها كثير من الناس يشهدون لي.

وعند ذلك عول على الدخول إلى الزقاق، فدخل حتى وصل إلى منزله وأخرج المفتاح من جيبه ووقف منذعرًا وقد اضطرب من الرعب حتى أوشك أن يسقط.

ذلك أنه رأى نورًا يضيء في منزله، فأيقن أن الشرطة قد اتصل بها أمر الجريمة.

وأن منزله قد غُص برجال الشرطة للقبض عليه، فجمد الدم في عروقه من الخوف، ثم أقفل راجعًا وجعل يهدر وهو لا يعقل من الخوف ولا يهتدي إلى سبيل.

وها نحن موضحون السبب، في وجود النور والناس، في دكان ذلك الفحام.

٤٢

بينما كان الفحام قد طعن بوليت تلك الطعنة النجلاء، وهام على وجهه بعد الجريمة، كانت الغاسلات يداعبن بولينا ويمازحنها؛ إذ رأينها تحادث بوليت، فجعلن يسألنها عن هذا الفتى وهي تجيبهن معجبة به إعجابًا يدل على افتتانها بهواه.

وما زلن يمازحنها حتى انتقلن من المزح إلى الهزء، فكبر عليها هزؤهن وأوشك هذا المزاح أن يفضي إلى المهاترة.

وتدخلت عند ذلك صاحبة الدكان، وهي رئيسة الغسالات فأصلحت بينهن، وعادت إلى بولينا فكلمتها برزانة وقالت لها: أحقيقة أنك تهوين هذا الفتى؟

فاحمرَّ محيا الفتاة ولم تُجب.

فاستدلت من سكوتها واصفرار وجهها على صدقها في حبه وقالت لها: إني أعلم أنك لست على شيء من الخفة ونزق الشباب، وأنك إذا كنت تحبين هذا الفتى فعلى سبيل الاقتران به.

ولكنك تعرضين بمستقبلك للخراب، فليس لهذا الفتى مهنة وما هو من أهل الجد والإقدام، ولا مال له على أنك لو اتبعت سبل الرشاد لتيسر لك القران بعد شهر برجل له مهنة معروفة.

فقالت لها الفتاة: ماذا تعنين؟

– أعني أنك تصبحين بعد شهر مدام شاباروت إذا كنت ترغبين.

فضحكت بولينا ضحك الهازئة وقالت لها: أشكرك لهذا النصح، فإن هذا الشخص يشبه ذلك الأمير الذي كان يقتل كل امرأة يتزوجها حين تروق في عينه سواها.

– لا حقيقة لما أُشيع عنه وفوق ذلك فهو كثير المال.

فهزت الفتاة كتفيها وقالت: أية حاجة لي بالمال وأنا أكسب قوت يومي، ألم يقل الله لا تهتموا بالغد إن الغد يهتم بكم، ثم أية مقارنة بين غاسلة لا تُفارق المياه، وبين فحام لا يغسل وجهه إلا يوم الأحد؟

فضحكت الغاسلات لقولها، وقالت لها إحداهن: ولكن هذا الفحام هائم بك، فقد رأيته ينظر إليك نظرات الوجد، وأنت حرة فاختاري ما تشائين من الفتيان، غير أنه لا بد لي من نصيحة أسديها لك، وهي أن تحذري من هذا الشخص.

– وماذا يعنيه أمري؟

– لا أقول: إنه يعنيه، ولكن الغيرة قد تدفعه إلى كل مكروه، ولو رأيته كيف كان ينظر إلى ذلك الفتى الذي كنت تحدثينه لحذرت كل الحذر، فإن عينه تدل على الشر وقد تحمله الغيرة على الانتقام.

فاهتزت بولينا إشفاقًا وسكتت فلم تفه بكلمة بعد هذا الحديث.

ولبثت الغاسلات يشتغلن إلى الساعة السابعة، ثم انقطعن عن العمل وبسطن مائدة العشاء، حتى إذا فرغن من الطعام قالت بولينا لصاحبة الدكان: إني لا أستطيع العمل في هذه الليلة فقد تركت أمي متوعكة في هذا الصباح، وأخشى أن تكون مريضة وليس من يعولها سواي.

وكانت بولينا صادقة في قولها، فإنها كانت تريد افتقاد أمها، ثم إنها كانت تريد أن توافي بوليت؛ إذ اتفقت معه على اللقاء في الساعة التاسعة.

فلما حان الموعد المعين أخذت سلتها التي أحضرت فيها طعام الصباح فأدخلتها في كوعها ومشت وهي مضطربة لهذا اللقاء.

وفيما هي سائرة تعلل نفسها بالأماني، أو تعد رق الألفاظ لتحادث بها بوليت، عثرت بجسم فالتفتت منذعرة ورأت جسمًا ممدودًا على الأرض لا حراك فيه.

فراعها هذا الاتفاق ولم تعلم أهو جسم سكير أم قتيل، ولو اتفق مثل ذلك لسواها لهربت خوفًا.

غير أن بولينا على حداثتها كانت ثابتة الجنان، فانحنت على هذا الجسم كي ترى صاحبه، ولكنها لم تحدق فيه حتى تراجعت منذعرة وصاحت صيحة حنو وتألم؛ فإن هذا الشخص كان بوليت.

وعند ذلك أكبت عليه تنقذه وتنظر في أمره، فرأت الدم سائلًا منه، فخافت خوفًا شديدًا.

ولكنها لم تستغث ولم تترك بوليت لطلب النجدة، بل إنها تولت الأمر بنفسها ووضعت يدها على قلبه وشعرت أنه يخفق خفوقًا خفيفًا استدلت منه أنه لا يزال في قيد الحياة.

وقد اطمأنت وارتاحت بعض الارتياح، وكان أول ما خطر لها أن حبيبها لم يجرحه هذا الجرح غير شاباروت الفحام.

وخافت ولكن خوفها لم يكن على نفسها، بل على بوليت وحاولت أن تسرع بإحضار المدد لبوليت، ولكن خوفها عليه من الفحام منعها عن الذهاب.

ثم أيقنت أنه مغمى عليه بعد أن سمعت دقات قلبه، فرأت أن تنقذه بما تعلمه من الوسائل ووضغت فمها على فمه وجعلت تنفخ نفخًا خفيفًا، فتصل أنفاسها إلى رئته.

وكانت تفرك يديه بيديها وتناديه بأعذب الألفاظ فلا يستفيق.

وعند ذلك خطر لها خاطر أملت أن يعينها على إفاقته، وهو أنها كانت قد اشترت في الصباح برتقالًا غير تام النضج، فذكرت أنه لا يزال معها برتقالة في سلتها.

فأخذتها وفلقتها فلقتين واستعملتها مقام إسفنجة فكانت تفرك بها صدغيه وشفتيه وأعصابه فتفعل به فعل الخل.

وبعد أن أطالت الفرك على هذه الطريقة تنهد بوليت تنهدًا خفيفًا، فردت بتنهد الفرح والاستبشار، ثم فتح عينيه وقال بصوت خفيف خافت: أين أنا؟

فشعر عند ذلك بقبلة حارة كادت تحرق شفتيه، وسمع صوتًا حنونًا لطيفًا يقول له: لا تخف يا مسيو بوليت، فهذا أنا صديقتك الصغيرة … بولينا الغسالة.

إن الفحام حين طعن بوليت بمديته صوبها إلى البطن لوثوقه من أن الطعنة في ذلك الموضع تكون قاتلة.

غير أن مديته أصابت شيئًا صلبًا، وهو حافظة نقود بوليت التي كانت في جيب بنطلونه، فزلقت عن النقود ولم تصب البطن كما كان يريد، بل أصابت الفخذ فجرحته جرحًا طويلًا، ولكنه غير بليغ؛ إذ لم يقطع له عرق من عروقه.

غير أن الضربة كانت قوية أصابت بوليت بألم شديد أحدث له هذا الإغماء.

فلما صحا من إغمائه نهض واقفًا على قدميه، فارتاحت بولينا لاستفاقته، ولكنها ذكرت الفحام فاضطربت وقالت: رباه! إني أنا السبب في جميع ما أصابك.

فأخذ بوليت يدها بين يديه وقال وهو ينظر إليها نظرات الامتنان: كيف تقولين إنك أنت السبب؟

– نعم، أليس هو الفحام الأثيم الذي جرحك؟

– هو بعينه فكيف تكونين السبب؟

– إنه حاول قتلك لغيرته عليَّ منك، فإن هذا الشقي مغرم بي وقد رآني أحدثك.

فأدرك بوليت جلية الأمر، وعلم أن الفحام لم يحاول قتله؛ لأنه كان يراقبه، بل لأنه كان يهوى الفتاة.

وهنا نظرت بولينا إلى ثيابه فذعرت وقالت: إن ثيابك مصبوغة بالدماء فهل تشعر بألم شديد؟

– كلا.

– إذا كنت لا تستطيع المشي فتوكأ عليَّ، إن منزلي قريب من هنا وأمي ليست فيه، هلم بنا.

فامتثل بوليت واستند على كتفها، فمشى عدة خطوات دون أن يشعر بألم.

ثم إن برد هواء الليل أنعشه وزاد في قوته، فتمكن من الوصول مع الفتاة إلى بيتها القريب دون عناء شديد.

فلما وصلت به إلى خارج بيتها، رأت أن لا نور فيه، فعلمت أن والدتها لم تعد بعد، وأنها ستسهر في المرسح الذي تشتغل فيه، فإنها بوابة أحد المسارح.

ففتحت باب المنزل ودخلت ببوليت إليه وأجلسته على كرسي كي يستريح إلى أن تنير المصباح.

ولما أنارت مصباحها نظرت إلى بوليت ورأته أصفر الوجه، غير أنه لم يكن يظهر عليه أن جرحه بليغ.

وكان هذا المنزل الصغير مؤلفًا من غرفتين إحداهما للنوم والثانية للمطبخ فذهب بوليت إلى المطبخ فنزع لباسه وتفقد الجرح فإذا هو بسيط لا يدعو إلى الخوف.

وكانت بولينا قد أحضرت له خرقة وخلًا، فضمد الجرح بيده مؤقتًا، ثم عاد إليها فقال لها وهو يبتسم: لم ينلني من هذا الجرح غير خوفي السابق من عقباه، وهو بحمد الله لا يدعو إلى الاكتراث غير أنه يجب أن يعتقد الفحام أنه قتلني.

وعندما ذكر الفحام، خطرت له الأرلندية، التي عهد بحراستها إلى والدته، وتذكر الغلام المسجون في القبو، فعادت إليه حميته ونسي ما هو فيه.

أما الفتاة فإنها قالت: يجب إبلاغ البوليس فيقبض عليه ويسجنه فتأمن شره؛ لأنه أخطأك اليوم، ولكنه قد يعود إلى ما فعله في الغد حتى يصادف منك مقتلًا، فإنه وحش كاسر.

ثم نظرت إليه نظرات تشف عن غرام صادق طاهر، وقد جال الدمع في عينيها إشفاقًا عليه من ذلك الفحام.

غير أن بوليت لم يكن يفتكر بها في ذلك الحين، بل كان كل همه قاصرًا على الأرلندية وولدها.

وكان يقول في نفسه: إن شاباروت يعتقد أنه قتلني، فهو سيقضي ليلته في الحانات وأماكن اللهو والخلاعة، شأن القتلة السفاكين، وإذا عاد إلى بيته فلا يعود قبل الصبح، ولذلك فسأجد متسعًا من الوقت لإنقاذ الغلام.

وعند ذلك أخذ يد الفتاة بين يديه فقال لها: إنك حويت من طيب السريرة بقدر ما حويت من الجمال وقد رأيت فيك ما دلني على ثبات جأش وقوة جنان، فهل أنت شجاعة القلب كما أرى؟

فاحمرَّ محيا الفتاة وقالت: عند الاقتضاء.

– إذًا تذهبين معي؟

– إلى أين؟ أإلى دائرة البوليس؟

– كلا.

– إذًا إلى أين؟

– إلى بيت شاباروت الفحام.

وظهرت علائم الذعر على محياها وقالت: أتذهب إلى بيت هذا الضاري؟

– اطمئني إذ لا يمكن أن يكون في بيته.

ونظرت إليه نظرة ذهول وردت: ولكن ماذا تريد أن تصنع في ذلك البيت؟

– أريد إنقاذ غلام قد يموت جوعًا إذا تأخرت عن إنقاذه.

فأشكل هذا القول على بولينا، ونظرت إلى بوليت نظرات خوف، كأنها خشيت أن يكون أصيب عقله بالخبل، لفرط ما نزف منه من الدماء.

٤٣

أما بوليت فإنه أدرك معنى نظراتها، فابتسم لها وقال: اطمئني، أيتها الحبيبة، فإني على أتم الهداية، وسأبرهن لك عن صدقي فيما أقول.

ثم قص عليها جميع ما حدث في النهار، وكيف أنه أنقذ الأرلندية من البئر وعلم مكان الغلام المسجون.

ثم أتم حديثه فقال لها: إذا كنت لا تزالين في ريب مما قلته، فهلمي معي إلى بيتنا، تجدي تلك الأرلندية مع والدتي، فقد عهدت إليها حراستها.

– لا حاجة إلى ذلك إني أصدقك.

ثم بدرت منها حركة دلت على الاستياء فقالت: إذًا أنت لم تحضر إلى الزقاق إلا لمراقبة الفحام.

فأدرك سر استيائها وقال: بل ولكي أراك أيتها الحبيبة.

فردت بدلال: إنك غير صادق هذه المرة.

– بل إني صادق، وإذا شئت أن تكوني امرأتي كنت سعيدًا معك، ولا عبرة بما اشتهرت به من الكسل، فإني أغدو بعد اقتراني بك من أهل الجد والإقدام.

فاحمرَّ محياها قليلًا وقالت: سوف نرى في ذلك.

– إذًا فلنهتم الآن بهذا الغلام المنكود المسجون في القبو.

فردت بلهجة تدل على رعبها: ألا تزال مصرًّا على إنقاذه؟

– دون شك أو يموت جوعًا.

– ولكن كيف؟

– إننا ندخل إلى بيت الفحام في البدء ثم ندخل إلى القبو.

فضمت يديها قائلة: رباه! لا شك أنه مجنون.

فابتسم قائلًا: ماذا رأيت من دلائل جنوني.

– دخولك إلى بيت الفحام، ألعلك تريد أن يقتلك؟

– إني لا أخشاه الآن؛ إذ لا يمكن أن يعود إلى بيته هذه الليلة وهو يحسب أنه قتلني.

على أن بولينا لبثت تضطرب من خوفها على بوليت، وتحسب دخوله إلى بيت الفحام خطرًا من أشد الأخطار التي لا يقدم عليها عاقل.

فلما رأى منها هذا الخوف قال لها: ما زلت خائفة فلا حاجة لي بذهابك معي، غير أني أحب أن أسالك عن شي وهو هل تظنين أن الجيران قد عادوا إلى البيت؟

– لقد عادوا دون شك وهم نيام الآن؛ لأن جميعهم من العمال.

– أليس للمنزل بواب؟

– كلا.

– إذًا إن كل مستأجر له مفتاح للباب؟

– بل إن لهذا الباب العام زلاجًا يفتح الباب مثل باب بيتنا.

– إني كنت أعلم ذلك، فإن بيتنا مثله أيضًا، ولكني أردت أن أستوثق.

وردت بولينا: ولكن هب أنك دخلت إلى البيت كما تقول فكيف تدخل إلى الدكان؟

– إن ذلك سهل فإني راقبت الفحام ورأيته حين يذهب إلى العشاء يقفل دكانه فيضع مفتاحها تحت عتبة الباب.

– هذا أكيد وأنا رأيته يفعل ذلك عدة مرات.

– إذًا اطمئني عليَّ، فسأبلغ ما أريده من إنقاذ الغلام، والآن أودعك شاكرًا لك حسن اعتنائك بي، وسأزورك غدًا إذا سمحت لأوفيك حقك من الشكر والامتنان.

ثم هم بالخروج من المنزل، وهو لا يزال منحط القوى، يتمايل في مشيه من ضعفه تمايل السكارى، فأسرعت إليه بولينا وقالت له: إنك لا شك فقدت صوابك، أتحسب أني أدعك تذهب وحدك، وأنت على هذه الحال؟

– ماذا تقصدين، ألعلك تريدين الذهاب معي؟

– وكيف يخطر لك أن أدعك تذهب وحدك، وأنت على ما أنت فيه من الضعف؟

– ولكني أراك خائفة من الفحام؟

– هو ما تقول، ولكن خوفي لم يكن عليَّ بل عليك، وفوق ذلك فإذا أصبت بمكروه لا قدر الله فإني أُصاب به مثلك فهلم بنا.

فضمها بوليت إلى صدره شاكرًا وخرج بها.

وكان ما نزف من دمائه قد أضعفه، فكان يسير مترنحًا ترنح السكارى، غير أن بولينا كانت تعينه على احتمال السير.

وكانت المسافة قريبة بين المنزلين، فلما وصل إلى بيت الفحام، نظر بوليت إلى ما حواليه نظرة الفاحص، فرأى الزقاق مقفرًا، والسكينة سائدة، فظهرت عليه علائم التردد وقال للفتاة: إن الذي سأعمله بسيط جدًّا لا يحتاج إلى اثنين، فدعيني أقضي هذه المهمة وحدي وانتظريني هنا إلى أن أعود.

فاعترضته الفتاة قائلة: كلا بل أدخل معك.

– ألا تزالين مصرة؟

– كل الإصرار؛ إذ يجب أن أشاركك في البؤس والنعيم وأقتسم كل خطر، ألم تقل لي أنك تريد أن أكون امرأة لك؟

فعانقها بوليت ثانية عناق شكر وحنان وقال: إذًا هلم بنا.

ودنا بوليت من الباب فمد يده من ثقبه وفتحه، فخفق قلب بولينا، ولكنها دخلت بجرأة من ذلك الباب؛ لأنها كانت تحب بوليت وهي معه والحب يولد الشجاعة في قلوب النساء.

وكان بوليت يعلم أين يضع الفحام مفتاح دكانه؟

وبحث عن المفتاح ووجده في مكانه ففتح به الدكان ودخل مع خطيبته وسط الظلام الدامس.

غير أن كل فتيان باريس يحملون كبريتًا شمعيًّا في جيوبهم، فأخذ بوليت علبته وأضاء عودًا منها وبحث مستعينًا بنوره الضئيل فوجد شمعدانًا موضوعًا على كيس الفحم فأنار الشمعة.

وفي ذلك الوقت وصل شاباروت عائدًا إلى منزله، فرأى النور وأيقن أن رجال البوليس أقبلوا ليبحثوا عنه، فأركن إلى الفرار لا يلوي على شيء لخوفه كما تقدم.

أما بوليت فإنه دخل مع الفتاة من الدكان إلى فناء البيت، فقالت له بولينا: إن نوافذ الجيران تشرف على هذه الدار، ألا تخشى أن يرونا منها؟

– ألم تقولي إنهم نيام؟

– إني كنت أود أن نسير من غير نور، ولكني لا أعرف داخلية المنزل، وأخشى أن نسقط في البئر.

ثم سار الاثنان حتى وصلا إلى البئر فأراها بوليت الباب الذي سقطت فيه الأرلندية.

وعند ذلك نزلا إلى القبو الأرضي المسجون فيه الغلام، وكان بوليت قد رأى الفحام أين خبأ مفتاحه وعلم موضعه، فأخذ المفتاح وفتح به باب القبو.

وكان الغلام يئن في محبسه ويذرف الدمع السخين؛ إذ لا يستطيع الاستغاثة، فلما رأى باب سجنه قد فُتح ذعر ذعرًا شديدًا، وحاول أن يقطع رباطه فلم تستطع يداه الصغيرتان.

غير أن بولينا أسرعت إليه وحملته بين ذراعيها، وهي تتوجع لمصابه إشفاقًا عليه.

فارتاح الغلام لصوتها الحنون وظواهر إشفاقها وكف عن الأنين، وعلم أن الله أرسل من ينقذه من قبضة ذلك الأثيم.

وفك بوليت قيوده وبعد ربع ساعة كان رالف بين ذراعي أمه تلاعبه وتقبله وهي توشك أن لا تراه.

أما بوليت فإن التعب وما نزف من دمائه أنهك قواه فأغمض عينيه وسقط ثانية على الأرض مغميًا عليه.

٤٤

ولنعد الآن إلى شاباروت، فإنه بعد أن رأى النور في منزله خاف خوفًا شديدًا وفر هائمًا على وجهه في أنحاء باريس، وهو لا يعلم أين يستقر من القلق.

وبقي هائمًا تائهًا كل ليله إلى أن كاد يشرق الفجر، ووجد نفسه في شارع ليون وهو يمشي بخطوات متوازنة لاضطرابه، وقد زاده الخوف شراسة، فكان اتقاد عينيه وانقلاب سحنته وتقطيب حاجبيه تدل على ما فطر عليه من الغلظة والهمجية.

وكان يعتقد كل الاعتقاد أن البوليس عرف بأمره، وأتى ليبحث عنه في منزله.

ورأى أن مناخ باريس لم يعد يوافقه وعول على الفرار إلى ليون بالقطار الذي يسافر في الساعة الخامسة ونصف.

وقد قال في نفسه: إني أركب هذا القطار المسافر إلى ملهوس فأكون الليلة في سويسرا حيث أكون في مأن من البوليس.

وقد تقدم لنا القول أن السير جمس كان قد أعطاه ألف فرنك وكان المال لا يزال في جيبه فأدخل يده إليه متفقدًا ذلك المال وهو يقول في نفسه: إني أسافر بهذا المال إلى آخر الأرض.

فذهب إلى المحطة بغية شراء تذكرة السفر، فلما وصل إليها وجد بعض المسافرين واقفين عند شباك التذاكر.

ولكنه قبل أن يبلغ هذا الشباك رأى رجلين من البوليس واقفين يراقبان كل مسافر وينظرون إلى وجهه ويسألانه بعض الأسئلة.

فلم يعد لديه مجال للريب بأن إدارة البوليس خشيت أن يفر من باريس، فأرسلت من يقبض عليه في المحطة.

وعند ذلك رجع من حيث أتى، وقد زادت هواجسه واشتد اضطرابه فعاد إلى شارع ليون، وهناك سجن يدعونه سجن مازاس، فنظر إليه نظرة ذعر ووضع رأسه بين يديه كأنه يحاول أن يستوثق أنه لا يزال رأسه فوق كتفيه.

وقد تمكن منه اليأس، فلم ير شافيًا من هذا الداء الأليم غير الخمر فدخل إلى أول خمارة رآها مفتوحة.

وكان في الخمارة فريق من عمال السكة الحديدية جالسين حول منضدة يتحدثون.

فجلس الفحام حول طاولة قربهم وطلب كأسًا من الأبسنت فشربه جرعة واحدة، وطلب سواه وجعل يصغي إلى حديث العمال فذعر ذعرًا شديدًا لأول كلمة سمعها حتى كاد الكأس يسقط من يده.

ذلك أنه سمع صاحب الخمارة يقول للجماعة: ولكنهم لم يقبضوا عليه.

فأجابه أحدهم: ولكن لا بد من القبض عليه.

وقال آخر: القبض عليه غير مضمون فقد يتمكن من الفرار.

فرد صاحب الخمارة وهو يبتسم: هيهات أن يجد مناصًا، فقد تغير العهد القديم وبات البوليس السري منتشرًا في جميع الأنحاء، فهم يعثرون بالسارق والقاتل كما يعثر كلب الصيد بالطريدة.

فسأله الجماعة: ألعل الفتى الجريح قد مات؟

– كلا، ولكن حالته تنذر بالخطر.

فتأسف الجماعة عليه وقالوا: مسكين إنه لا يزال في مقتبل الشباب.

وكان شاباروت يصغي إلى الحديث والعرق البارد ينصب من جبينه، ولم يكن لديه شك أنهم يعنونه بحديثهم دون أن يعرفوه، ومع ذلك فإنه لم يُسرع بالخروج من تلك الخمارة حذرًا من تنبيه الأنظار إليه.

وعاد إلى الشرب والإصغاء، فكان الحاضرون يتحدثون ولا يخرجون في حديثهم عن موضع هذه الجناية، غير أنهم لم يذكروا أمامه اسم القاتل واسم القتيل، وغاية ما علمه أن القتيل فتى في مقتبل الشباب، ومن عسى يكون هذا الفتى غير بوليت؟

وما زال شاباروت في هذا العذاب الأليم إلى أن سمع أحد عمال السكة الحديدية يقول: ولكن هذا القاتل لا يستطيع الفرار بقطارنا دون شك.

فقال أحدهم: ألعلهم يعرفونه بالمحطة؟

– إذا كانوا لا يعرفونه فأنا أعرفه.

فتنهد شاباروت تنهد الراحة والفرج، وقال في نفسه: إن هذا الرجل قد رآني حين دخلت، وأنا الآن جالس بقربه، فلا شك أنهم لا يعنونني بهذا الحديث.

ثم عاد إلى الإصغاء، فسمع صاحب الخمارة يقول: إنه قد أقام عندي مدة طويلة، فلم يخطر لي في بال أنه من أهل الشر، وأنه يطعن مثل هذه الطعنة النجلاء.

فزاد ارتياح الفحام وقال في نفسه: هذه أول مرة دخلت فيها إلى هذه الخمارة وقد أحدث له هذا الارتياح جرأة في نفسه فاشترك معهم ونادى صاحب الخمارة وقال له: بأية جريمة يتحدثون؟

– إن أحد العمال قتل زميلًا له في هذه الليلة طمعًا بسلب مائة فرنك كان المسكين قد اقتصدها.

– ألعله هرب؟

– ربما، ولكنهم يعتقدون أنه لا يزال في الشارع وذلك ممكن، فإنه قد يرجو أن يفر بالسكة الحديدية؛ لأنه من عمالها.

فأيقن عند ذلك شاباروت، أن البوليسين اللذين كانا يفحصان الوجوه في المحطة لم يكونا هناك للقبض عليه، بل للقبض على ذلك القاتل، فلم يعد يخاف السفر.

وعند ذلك خرج من الخمارة وسار توًّا إلى المحطة، ولكنه لم يكد يبلغ إليها حتى سمع صوت صفير القطار فعلم أنه وصل بعد فوات الأوان.

وكان أحد عمال المحطة قد رآه فقال له: لا بأس عليك؛ إذ يوجد قطار أيضًا يسافر بعد ثلاث ساعات.

غير أن شاباروت أبى الانتظار، فخرج من المحطة وهو يقول في نفسه: من يعلم فقد أكون مبالغًا في خوفي، وقد لا يكون الأمر على ما توقعته ولا بد لي من البحث والاستقصاء كي أعلم ماذا حدث.

ثم رجع فجعل يجتاز من شارع إلى شارع حتى قرب من الشارع الذي يقيم فيه، فتغلبت الحكمة على الخوف وقال في نفسه: لا بد لي من التجسس فاعلم إذا كانوا عثروا بجثة بوليت، وإن كانوا يتحدثون بي فقد يمكن أن يكون النور الذي رأيته في منزلي نور اللصوص لا نور رجال الشرطة.

ولما خطر له هذا الخاطر لم يجد أقرب إلى تنفيذه من الحانات فجعل يدخل من حانة ويخرج منها إلى حانة فيشرب في كل خمارة كأسًا ويسمع من يتحدثون به؛ فكان جميع الناس يتحدثون بأعمالهم الخاصة ولم يسمع حديثًا يدل على اكتشاف جريمته.

وما زال على ذلك إلى أن ولج خمارة كان صاحبها يعرفه، فاستقبله خير استقبال ولم يظهر عليه شيء من دلائل الاتهام.

وكانت هذه الخمارة قريبة من منزله، وهي كثيرة الزبائن، وأيقن الفحام أن جريمته لم تُعرف؛ لأنها لو اشتهرت لما خفيت على صاحب تلك الخمارة، ثم إن السكر زاده جرأة فأقام مدة طويلة في تلك الخمارة وهو يصغي إلى حديث كل داخل إليها، ولم يسمع أحدًا ذكره بلسان، ولذلك خرج منها مطمئنًا وذهب سائرًا في طريق منزله على نية التجسس في الطريق مبالغة في الاستيثاق.

وقبل أن يبلغ إلى منزله مر بدكان الحلاق الذي كان يحلق عنده وكان فيها كثير من الناس وكلهم يعرفونه، وقد رأوه جميعهم، فلم يظهروا له شيئًا فاطمأن خاطره وزادت جرأته ودخل إلى الدكان، فحلق لحيته وهو يحدثه بكثير من الأمور، فإن ثرثرة الحلاقين واحدة في جميع البلاد.

ولكنه على كثرة كلامه لم يذكر له شيئًا من جريمة الأمس، فخرج من عنده مرتاح البال وهو يقول في نفسه: إذا كان الحلاق لم يتحدث بهذه الجريمة، فهي لا تزال خفية دون شك، ولا خوف عليَّ من الذهاب إلى منزلي بعد هذا.

٤٥

قد تبدل خوف شاباروت بجرأة عظيمة فدخل إلى الزقاق وجعل ينظر في الأرض عله يقف على أثر من دماء بوليت في الموضع الذي طعنه فيه.

ولكن السماء قد أمطرت مطرًا غزيرًا في تلك الليلة، فجرف السيل الدماء ومحى أثرها.

وذهب عندئذ مطمئنًا إلى منزله، وقبل أن يصل إليه لقيه صاحب خمارة في الزقاق وقال له: هات لي كيسًا من الفحم.

ودنا منه الفحام وحياه فقال صاحب الخمارة: يظهر أنك لم تبت في منزلك هذه الليلة.

واضطرب الفحام وسأله: كيف عرفت هذا؟

– إني طرقت بابك في هذا الصباح لحاجتي إلى الفحم فلم أجدك.

– نعم، إني لقيت أمس صديقًا من مواطني وهو قادم حديثًا إلى العاصمة فسرت معه تلك الليلة باللهو، ثم تركه بعد أن اطمأن من حديثه وقال: سأحضر لك ما طلبته من الفحم.

وذهب إلى دكانه فمر بدكان الغاسلات التي تجاورها ونظر إليهن حسب عادته فرآهن يشتغلن، ورأى بينهن بولينا.

فخفق قلبه حين رآها وذهب إلى منزله فوجد الباب مقفلًا كما كان، وافتقد مفتاح القبو فوجده في موضعه ففتح الدكان ودخل فبحث فيها ولم يجد أثرًا يدل على البحث والتنقيب؛ إذ رأى كل شيء لا يزال في مكانه فقال في نفسه: إذًا ليس رجال الشرطة الذين جاءوا إلى منزلي ليلة أمس.

وكان شاباروت لا يُبقي في دكانه غير القليل من المال فإذا بلغ ما يجمعه مائة فرنك أرسلها إلى بنك الاقتصاد، وقد ذكر أنه ترك في الليلة الماضية ما يقرب من هذه القيمة في درج كان مفتاحه معه، فافتقد المال فوجد أنه لا يزال في مكانه، وتمتم من عسى أن يكون قد دخل إلى منزلي؛ إذ لم يكن فيه أثر للشرطة أو اللصوص.

ثم أخذ يبحث، وخرج من دكانه إلى الفناء، ومن الفناء إلى الرف الذي كان يضع فوقه مفتاح القبو الذي سجن فيه الغلام فوجده حيث تركه وأسرع إلى ذلك القبو ووقف منذعرًا مبهوتًا؛ إذ رأى بابه مفتوحًا، ولم ير فيه أثرًا للغلام.

وعندها أدرك في اعتقاده سر الأمر؛ إذ أيقن أن السير جمس قد جاء في طلب الغلام، وأنه هو الذي كان في منزله في الليل وحسبه من رجال الشرطة وأركن للفرار، ثم وقف يعض على أسنانه من الغيظ ويقول: إن هذا الشقي قد سرق الغلام كي لا يدفع لي بقية ما اتفقنا عليه؛ لأنه لم يدفع لي غير ألف فرنك؛ أي نصف قيمة الاتفاق.

ولم يعد يخطر له في بال أن اللصوص أو الشرطة دخلوا إلى منزله بعد أن استوثق في اعتقاده أن الإنكليزي هو الذي أتى لسرقة الغلام، وأسف أسفًا شديدًا على ما خسره من المال، ولكن هذا الأسف لم يشغله عن الافتكار ببوليت؛ إذ لم يكن يعلم ما جرى له وهل بات قتيلًا أم هو لا يزال في قيد الحياة.

وكان يضرب أخماسًا وأسداس ويقول: إذا كان قد قُتل فكيف اتفق أنه لم يعلم بأمره أهل الزقاق وهو منهم، لا شك أنه لم يقتل، بل هو جريح وحمل نفسه ولجأ إلى بعض الأماكن، لكن إذا صح هذا الافتراض، فكيف لم يعرض شكواه ولماذا البوليس لا يهتم بالقبض عليَّ.

وقد طاش رأسه وأمعن في التفكير ولم يهتد إلى حل الألغاز.

ثم ذكر ما قاله بوليت حين ضغط على عنقه وكاد يخنقه وهو تهديده بالشنق لقتله امرأته ورمي الأرلندية في البئر، وكيف تسنى له أن يعرف هذا السر؟

وكانت جميع هذه المشاكل تُعرض له تباعًا، فلا يستطيع حل واحدة منها ويضيع صوابه بينها، فكان تارة تتمثل له رجال الشرطة، وتتجسم في نفسه المخاوف ويحاول الفرار، وتارة يطمئن ويؤثر البقاء في المنزل.

وطال تردده، حتى إنه بقي كل النهار في الدكان، ولم ير أحدًا قد اهتم به.

وقد أرسل الفحم في المساء إلى زبائنه كالمعتاد، وكان يمر في ذهابه وإيابه بدكان الغاسلات، فينظر نظرات حنو إلى بولينا، لكن الفتاة كانت منصرفة إلى عملها، فلم تكترث له ولم تنظر إليه.

مضى النهار وذهب في الليل إلى الخمارة التي تعود أن يتعشى فيها، وتعشى ولم يسمع أحدًا ذكر أمامه بوليت وعاد إلى المنزل آمنًا مطمئنًا، ولم يشغله غير الأسف على الألف فرنك التي كان يرجو أن يقبضها من السير جمس.

ثم نام نومًا هادئًا، ولكن لم يطل نومه حتى سمع قرعًا شديدًا على باب المنزل فصحا مرعوبًا وقال: إنهم الجنود دون شك ولم يبق سبيل للفرار.

ولم يسعه إلا القيام فنهض من الفراش خائفًا متثاقلًا وقال بصوت مختنق: مَن الطارق؟

فأجاب صوت من الخارج قائلًا: أنا.

– مَن أنت؟

– أنا جواني الجزار.

فتنهد الفحام تنهد الارتياح؛ إذ كان يعرف هذا الجزار، إذ كان يجتمع به في الخمارة التي يتعشى فيها.

أما جواني هذا فهو الذي كان يُلقب بالجلاد حين كان في سجن طولون وأنقذه روكامبول وجعله من رجال عصابته.

ولما فتح الفحام بادره جواني بقوله: إني قادم للبحث عن الغلام وأمه.

وحاول الفحام الإنكار وقال: أي أم وأي غلام؟

– الأرلندية وابنها الذين جيء بهما إلى منزلك أيها الصديق العزيز.

٤٦

ولم يكن جواني قد جاء وحده، فقد صحبه مرميس ودخل الاثنان مسرعين حين فتح الفحام الباب.

أما الفحام فقد اصفرَّ وجهه اصفرارًا شديدًا حين سمع جواني يطالبه بالأرلندية والفتى، ولكنه أصر على الإنكار وقال لسائله: إني لا أعلم ماذا تعني إذ لم أر أرلندية ولا أرلنديًا.

وضحك مرميس وقال: لكنك سوف ترى أنك رأيتهما.

ثم أخرج مسدسًا من جيبه وقال: إني أستطيع حملك على الإقرار بهذا المسدس، لكن لدي طريقة أفضل منها فانظر.

ثم جلس أمام طاولة يأكل عليها شاباروت طعام الصباح فوضع عليها المسدس وفك أزرار جيبه وأخرج منها محفظة ونثر منها كثيرًا من الأوراق المالية على الطاولة.

وكانت مدية الفحام لا تزال في جيبه، لكنه علم أن المدية لا توازي المسدس، ثم إنه كان كثير الحب للمال، فلما رأى تلك الأوراق تتناثر من المحفظة اتقدت عيناه ببارق الطمع، ولم يعد يخطر له غير أمر واحد وهو أن الإنكليزي سرق الفتى ولم يدفع له الألف فرنك، وجال في فكره أن يعوض المال بالمال الموجود.

وكأنما تلميذ روكامبول قد أدرك ما في نفسه فقال: إذا كنت تحب المال وتريده وجب عليك أن تتكلم وهذه ألف فرنك أدفعها لك مقدمًا.

فمد الفحام يده وأخذ الورقة المالية بلهف فقال مرميس: يظهر أنك تريد الإقرار بدليل أخذك المال فقل لنا: ماذا صنعت بالفتى.

وأجاب الفحام وقد اضطربت يده بالورقة المالية: أما وقد علمت شيئًا من هذه الحكاية، فلا بد لي أن أخبرك بحقيقتها بعدما ظهر لي من كرمك، لا سيما وأن هذا الإنكليزي قد خدعني؛ لأنه وعدني بألفي فرنك.

– ألم يدفع لك المال؟

– إنه دفع لي النصف ووعدني أن يدفع النصف الآخر حين يعود لأخذ الغلام.

فقال مرميس: وماذا حدث بعد ذلك؟

– حدث أنه عاد في الليلة الماضية فاغتنم فرصة غيابي من المنزل ودخل دخول السارقين وأخذ الصبي ولم يدفع لي ما وعدني من المال.

وكان الفحام يتكلم ببساطة تشف عن الصدق الأكيد فقال مرميس في نفسه: لا شك أنه صادق في قوله أو هو يعتقد أنه صادق، ثم قال للفحام: في أية ساعة تحسب أن الإنكليزي جاء إلى منزلك؟

– بين الساعة العاشرة والحادية عشرة من مساء أمس.

فأجاب مرميس ببرود: إن هذا مستحيل؛ لأنه كان يعلم ما فعله السير جمس في الليلة الماضية.

فاضطرب شاباروت لهذا التكذيب وقال: إذًا من يحضر إلى منزلي ويأخذ الفتى؟

– لا أعلم، لكني واثق أنه غير الإنكليزي فقل لي الآن: ما فعلت بالأم، فارتعش الفحام ولم يُجب.

أما مرميس فقد رأى أنه يخاف الإقرار فقال بلهجة السيادة: قل الحقيقة أزدك ألفًا أخرى.

ونظر الفحام إليه بعينين تتقدان، وتنازعه في ذلك الحين عاملان عامل الرهبة وعامل الطمع، فقد قال في نفسه عن مرميس: إن هذا الرجل قد يكون بوليسًا متنكرًا يحاول خديعتي ولكنه قال أيضًا: لا شك أن شأن هذا الصبي خطير، فإنهم يتنازعون عليه ويدفعون الألوف من أجله وهي فرصة أغتنمها ولا أظفر بمثلها في كل حين.

وقد تغلب الطمع فيه على الحكمة وأمحى رسم المشنقة الذي كان قد تمثل لعينيه، وحل المال عقدة لسانه فقال: إن الأم قد قتلتها.

فظهرت على جواني علائم الذعر، وأما مرميس فقد كان تعلم من أستاذه روكامبول الصبر والتأني في هذه المواقف فقال: كيف قتلت هذه المرأة؟

ثم أخذ ورقة أخرى بألف فرنك ودفعها إليه فأخذها الفحام وقال: إني أغرقتها.

– أين أغرقتها أفي الترعة؟

– كلا بل في البئر.

– تعال معي أدلك عليها.

– إذًا سر أمامي واحذر أن تحاول الفرار فإني أقتلك دون إشفاق.

فوضع الفحام الورقة في جيبه دون أن يعترضه مرميس وقص عليه بإيجاز كل ما حدث بالقبو، وكيف أن سقف البئر خسف تحت قدمي الأرلندية فهوت إلى المياه.

فقال مرميس: إذًا هلم بنا نرى المكان الذي سقطت فيه.

فأضاء الفحام شمعة، وفتح باب الدكان المؤدي إلى الفسحة وخرج فتبعه مرميس وهو يقول: لا تنس أني أتبعك والمسدس مشهر بيدي.

وسار الفحام دون أن يجيب حتى وصلوا إلى القبو، وهناك اعتراه اضطراب غريب لدنوه من محل الجريمة وأصابه من الوجل نفس ما أصابه حين طعن بوليت ولم يجسر على النظر إليه، فقد كان هذا الرجل من كبار الأئمة السفاكين، ولكنه إذا قتل لا يطيق النظر إلى فريسته وهذا شأن كثير من المجرمين.

ولما وصل إلى سقف البئر وقف وقد اصفرَّ وجهه واضطربت رجلاه وقال لمرميس: انظر أنت إذا شئت أما أنا فإني لا أطيق النظر.

ثم جعل يرتعش كمن أصاب جسمه برد وأدار وجهه كي لا ينظر.

أما مرميس فإنه أخذ الشمعة وأشار إلى جواني أن يفتح باب البئر ففتحه.

وعندها قال لهما شاباروت: لا بد أن تكون الجثة عائمة طافية على سطح المياه، فإنها غريقة منذ أمس.

وكان يقول هذا القول بصوت مختنق فما شك مرميس بصدقه ونظر في تلك المياه فقال: إني لا أرى جثة طافية كما تقول، بل إني أرى سلمًا.

فذهل الفحام وقال: أترى سلمًا كما تقول؟

– نعم.

– وجثة المرأة؟

– لا أثر للجثة.

وتشجع الفحام قليلًا ودنا من البئر، فانحنى فوقها متباطئًا متثاقلًا ثم زادت جرأته ونظر إلى المياه على نور الشمعة وحدق في جوانب البئر فلم ير الأرلندية، بل رأى سلمًا طافية على وجه المياه كما قال مرميس.

وهناك انذهل انذهالًا عجيبًا وسأل: إن هذا عجيب فكيف وُجد السلم في البئر، ومن عساه يكون نزل إليها؟

– أتظن أنهم نزلوا إلى البئر؟

– دون شك.

وكان يوجد في القبو معقل طويل، فألقى الفحام طرفه إلى السلم وجذبه إليه فأخرجه من المياه.

ثم أخذ يفحص خشبه على نور الشمعة فقال: إن الخشب لم يُبل وهو ما يدل على أن السلم لم يلق في هذه المياه من عهد بعيد.

وفيما هو يفحصه نظر حرفًا مكتوبًا عليه فقال: إن هذا السلم سلم الدكان المجاورة التي تشرف أيضًا على هذه البئر، وهذا الحرف المكتوب هو الحرف الأول من اسم صاحبها، ولكن هذه الدكان غير مأجورة فمن ذا الذي نزل إلى البئر من تلك الدكان وأنقذ المرأة؛ إذ لا شك عندي الآن أن المرأة قد نجت من الموت.

وأخرج مرميس ورقة مالية أيضًا وقال له: إني أزيدك ألف فرنك إذا تكلمت بإيضاح.

وزال عند ذلك اضطراب شاباروت، وقد فرح فرحين أحدهما بالمال، والآخر بنجاة المرأة ونجاته من التبعة فعادت إليه سكينته وأخذ يحدث مرميس بجميع ما اتفق له.

٤٧

كان شاباروت مفطورًا على الشر، كأنما خُلق له، وقد زاده تعلقًا به شغفه الشديد بالمال، وبخله العجيب حتى إنه لم يكن يحجم عن جمعه ولو أنذر بالقتل.

على أنه مع ذلك لم يكن يخلو من الذكاء والحكمة، فلما رأى السلم طافيًا على المياه، ورأى مكتوبًا عليه الحرف الأول من اسم صاحب الدكان تنبه وجعل يفتكر متمعنًا.

وكان مرميس وجواني ينظران إليه، وينظران بصبر نتيجة تفكيره وتمعنه إلى أن انتهى الفحام من تفكيره الطويل فقال لهما: أصغيا إليَّ.

ثم نظر إليهما نظرة الشريك للشريك بأمر نال جزاؤه مقدمًا عليه وقال: إننا حين جئنا مع الإنكليزي والأرلندية وابنها كان الإنكليزي يسير بالفتى في طليعتنا وهو يجتنب المرور فوق سطح البئر.

وكنت أسير وراءهما والمرأة تسير في أثري فوق سقف البئر حيث سقطت فيها وصاحت صيحة واحدة.

فقال مرميس: وبعد ذلك؟

– لم يصدر منها بعد ذلك صوت، فحسبت وحسب الإنكليزي أنها قضت نحبها غرقًا، وأما الفتى فكان يصيح صياحًا شديدًا فحملناه إلى القبو وسجناه فيه.

– أذهبتم به دون أن تستوثقوا من موت أمه؟

– نعم.

– وبعد ذلك عدت وذهب الإنكليزي فأحضر الطعام للفتى، وأردت أن أتفقد المرأة في البئر فما جسرت.

فقال له مرميس: لا فائدة من هذه الأقوال؛ لأني لم أستدل منها على شيء.

– لقد عولت على أن لا أكتمك أمرًا بعد ما رأيته من كرمك، فإني أحب فتاة غسالة في هذا الزقاق، وقد رأيت فتى يحادثها وتحادثه بدلال، فكبر الأمر عليَّ وصبرت حتى افترقا فتعقبت الفتى وأشبعته ضربًا ولكمًا ثم طعنته بمديتي.

فقال جواني: أية فائدة من هذه الأخبار؟

فلم يجبه الفحام ومضى في حديثه فقال: لقد ذكرت حين كنت رابضًا فوق صدره أنه كان يدعوني قاتلًا سفاكًا فحسبت في البدء أنه يشير بذلك إلى امرأتي، فإن بعض الناس يتهمونني بقتلها غير أني أخطأت؛ لأنه كان يشير إلى الأرلندية؛ إذ قال: إني رميتها في البئر.

فتنبه مرميس وقال: أهو قال هذا القول؟

– نعم، وهو قول أضاع رشادي فأغمدت مديتي في بطنه وأركنت إلى الفرار.

– وماذا فعلت بعد ذلك؟

– فعلت ما يفعله المجرمون في هذه الحوادث، فتنقلت من خمارة إلى خمارة، ثم عدت إلى منزلي متجسسًا فرأيت فيه نورًا وحسبت أن رجال الشرطة يكبسون منزلي وعدت إلى الفرار.

وهناك عدت إلى الحانات وقد خطر لي أن أهرب من باريس، ولكن خطر لي أني مخطئ في مخاوفي، فإن الإنكليزي هو الذي كان في منزلي، فعدت ولما لم أر فيه الفتى أيقنت أن الإنكليزي قد سرقه كي لا يدفع لي بقية ما اتفقنا عليه من المال.

وكان جواني قد فرغ صبره لهذه الحكاية وحاول أن يقاطعه مرارًا، فكان مرميس يمنعه إلى أن فرغ الفحام من قص حكايته كما عرفها القراء فقال لهما: أما الآن وقد رأيت هذا السلم فقد وثقت أني كنت مخطئًا فليس الإنكليزي الذي سرق الفتى.

– إذًا من هو؟

– إن هذه البئر مشتركة بيني وبين جيراني يشرف عليها من الدكان كما يشرف عليها من المنزل، والذي أراه أن المرأة حين سقطت في البئر أُغمى عليها في البدء ثم استفاقت بعد خروجي من المنزل فاستغاثت وسمعوا صياحها من الدكان فأنقذوها.

– ولكنك تقول: إن الدكان غير مأجور.

– لا بأس فقد يتفق أن يكون فيها أحد من الجيران في تلك الساعة، فأنقذ الأرلندية بهذا السلم.

فقال مرميس: قد يمكن أن يكون الجيران أنقذوا الأرلندية كما تقول، لكن من أنقذ ولدها؟

– إن الذي أنقذ الأم دون شك فإنه دخل إلى منزلي من البئر بواسطة السلم وبحث عن الفتى ووجده، ولا أظن منقذه غير الفتى الذي طعنته بمديتي بما أنه كان يعلم أني ألقيت الأرلندية في البئر.

– ولكنك تقول: إنك قتلته.

– لقد كنت مخطئًا في توهمي؛ إذ لو كان قتيلًا لظفروا بجثته، ولما خفي أمره على أهل الحي، ولكني أظن أن مديتي لم تصب منه مقتلًا، وأنه تظاهر بالموت كي لا أُجهز عليه.

وبينما كان شاباروت يقول هذا القول سمعوا ضجيجًا من الخارج تلاه طرق الباب وسمعوا صوت الطارق يقول: افتحوا باسم الشرع.

وصاح شاباروت صيحة منكرة وجمد الدم في عروقه من الرعب.

٤٨

يذكر القراء أن بوليت أُغمى عليه في منزل أمه بعد أن رد رالف إلى الأرلندية، ولما رأت أمه ما كان من إغمائه خافت خوفًا شديدًا وجعلت تصيح.

وأسرعت بولينا إليها فقالت لها: لا تخافي يا سيدتي، فإن جرحه بسيط لا خوف عليه.

– أهو جريح ومن جرحه، رباه ما هذا المصاب، قولي من جرحه!

– جرحه الفحام يا سيدتي.

ولم تكن الأرلندية تفهم اللغة الفرنسية، غير أنها فهمت حكاية بولينا من إشارتها؛ لأنها كانت أفصح من الكلام.

وأسرعت إلى منقذها مع أمه فنزعتا ثيابه وجعلتا تنشقانه الخل، فما طال الأمر حتى فتح عينيه.

وعندها ابتسم لأمه تطمينًا لها وقال: يسر المرء أن يصنع ما يجب عليه للإنسانية ولو مرة في العمر.

ثم جعل يجيل نظره بينها وعيناه مغرورقتان بالدمع وبين الأرلندية وهي تضم ولدها إلى صدرها إلى أن استقر نظره على تلك الفتاة، ونظر إليها نظرة تشف عن امتنانه لها.

ثم أخذ يدها فوضعها في يد أمه فقال لها: أحبي هذه الفتاة يا أماه؛ لأنها هي التي أنقذتني من الموت.

فضمتها أمه إلى صدرها فقالت لها: إني لا أعلم يا ابنتي من أنت، لكني أرى أنه يحبك، وإذا كان يريد الزواج بك، فلست أنا التي تعترض على هذا الزواج.

فاحمرَّ وجه الفتاة وظهرت علائم السرور على محيا بوليت، وبعد هنيهة قال لأمه، والآن يا أماه، إن الأمر خطير ويجب أن تعملي بما أوصيتك به من قبل.

اطمئن فقد وعدتك بالكتمان ولا أحنث بوعدي، أتريد أن أقسم لك بتربة أبيك؟

لا حاجة إلى ذلك يا أماه فقد وثقت بوعدك، والآن اصغيا إليَّ، إن شاباروت قد يكون معتقدًا أنه قتلني فلا يعود إلى منزله هذه الليلة، وكذلك لا يجب أن نبلغ البوليس خبر جنايته الآن، بل ننتظر حتى يعود إلى منزله.

ووافقت بولينا على هذا الرأي، واتفقت مع بوليت على أن تذهب صباح غد إلى عملها حسب العادة وأن لا تُخبر رفيقاتها بحرف عما جرى.

ثم ودعته وذهبت إلى منزلها.

وفي الساعة السابعة من صباح اليوم التالي نهض بوليت من فراشه معافى نشيطًا، فجاءته بولينا وأخبرته أنها ذهبت لإرسال بعض الثياب المغسولة إلى أصحابها، فاغتنمت هذه الفرصة لزيارته وإخباره أن شاباروت قد عاد إلى منزله.

– إذًا سينام هذه الليلة في السجن.

فلما دنت الساعة السادسة، وهو الموعد الذي يذهب فيه الفحام إلى الخمارة للعشاء، ذهب بوليت إلى القوميسير رفيقه، وأخبره بجميع ما حدث.

فلم يشك القوميسير بكلامه وأبلغ الأوامر اللازمة، فأخذوا يراقبون الفحام وقد تبعوه منذ خرج من منزله إلى الخمارة، وإنما لم يقبضوا عليه في ذلك الحين، بناء على طلب بوليت؛ إذ أراد أن يُقبض عليه في الليل؛ لأنه كان عازمًا على الاقتران تلك الليلة ببولينا، فما أحب افتضاح هذا الأمر في النهار.

فبينما كان شاباروت يحدث مرميس بما جرى سمع قرع الباب كما تقدم وسمع الطارق يقول: افتحوا باسم الشرع!

فهلع قلبه من الخوف ونظر إلى مرميس نظر المتوسل.

أما مرميس فإنه غير خطته فجأة، وقال للفحام بجفاء: إنك تسمعهم يقرعون الباب باسم الشرع، فلماذا لا تفتح؟ أتريد أن يكسروا الباب؟

فرد الفحام بصوت يتلجلج: ولكنهم قادمون للقبض عليَّ.

– هذا ممكن.

– ألا تستطيع أنت إنقاذي؟

فجعل مرميس يضحك ثم قال له: لسنا نحن الذين أبلغنا البوليس، فقد تعودنا أن لا معتمد في قضاء أغراضنا إلا على أنفسنا، ولكننا لا نتداخل في شئونه.

ثم قُرع الباب ثانية ولم يجسر الفحام على فتحه فذهب جواني وفتحه.

فدخل القومسير يتبعه جنديان ثم دخل في أثرهم بوليت فكان ضربة قاضية على الفحام.

أما القومسير فإنه ذهب توًّا إلى الفحام وقال له: إني أقبض عليك باسم الشرع.

فأسرع الجنديان بأمر البوليس وفتشا جيوبه وأخرجا منها المدية التي كانت معه وقبضا عليه.

وعند ذلك التفت القومسير إلى مرميس وجواني وسألهما عن اسميهما.

فقال له جواني: إني أدعى جواني، وأنا جزار في باسي في شارع التلغراف.

فنظر إلى مرميس وقال له بأدب: وأنت يا سيدي؟

فقال له مرميس: إني أدعى بايتافن، وأنا من المتمولين ومنزلي في شارع أوبرت نمرة ١.

ثم أخرج رقعة زيارة ودفعها إليه.

فعجب القومسير إذ كان يعلم أن هذا الشارع لا يقيم فيه إلا الأشراف وقال: كيف اتفق وجودك هنا يا سيدي؟

– لم يكن اتفاقًا، بل قد أتيت خصيصًا لسؤال هذا الرجل عن امرأة حاول أن يقتلها وعن غلام كان يسجنه.

وعندها تقدم بوليت وقال: اطمئن يا سيدي إن المرأة والغلام بخير وأنا أزودك من أخبارهما ما تُريد.

فنظر مرميس إلى هذا فرأى الذكاء يتوقد بين عينيه.

٤٩

وحدث سكوت قصير، فإن الفرنسي بطبعه سريع الفهم.

وكان مرميس يشبه بوليت في أنه نشأ منشأ غلمان باريس، فنظر كل منهما إلى الآخر نظرة واحدة، عرف كل منهما منزله الآخر، فعرف مرميس أن بوليت يشبهه، حين كان في الثامنة عشرة من عمره، وعرف بوليت أن مرميس من أولئك الغلمان الذين يرتقون بالذكاء والجد والاتفاق.

فاكتفى مرميس بهذه النظرة وعاد إلى القومسير وقال: إن هذا الفحام يا سيدي سيجيبك عن كل جرائمه الكثيرة التي ارتكبها، وأن ذلك من شأنه وليس من شأني، إنما أرجوك أن تأذن لي بإيضاح الحالة بعض الإيضاح منعًا للإشكال.

فاعلم أنه يوجد في باريس شرطي إنكليزي أُرسل إلى لندرا بمهمة اقتفاء أثر بعض أولئك الأرلنديين البؤساء المتهمين بالثورة على إنكلترا.

فهز القومسير كتفه وأبدى إشارة تفيد أن فرنسا لا تهتم بتنفيذ مآرب إنكلترا.

فأدرك مرميس معنى إشارته وقال: إن فرنسا تود أرلندا كما تود البولونيين وكل شعب مضطهد مظلوم.

أما هؤلاء الأرلنديون الذين ذكرت لك أمرهم، فقد جاءوا إلى باريس، ومعهم حوالة مالية عليَّ، وهم رجل وامرأة وغلام، فكان يعمل هذا البوليس الذي يقتفيهم على إخفاء الرجل والمرأة والعودة بالغلام إلى لندرا.

فقال له القومسير: إني أعرف هذه الحكاية، فإن هذا الشرطي يدعى السير جمس وود وقد طلب إلينا مساعدته في مهمته، فاعتذرنا بحجة أن ذنوب الأرلنديين سياسية محضة فلا بد لفرنسا بالقبض عليهم، ولكني لم أعرف غير هذا.

– إذًا، اسمع النتيجة. إن هذا الشرطي أبعد الرجل الذي كان يصحب المرأة والغلام، ثم جاء بهما إلى منزل هذا الرجل الذي قبضت عليه، فألقى المرأة في البئر.

والغلام؟

قال بوليت: إني أنقذته وهو مع الوالدة.

وأوشك الفحام أن يجن من اليأس.

أما القومسير فإنه قال للحضور: إنكم تستطيعون أن تنصرفوا، وإن كنا في حاجة إلى شهادتكم دعوناكم.

ثم أمر الجنديين أن يخرجا بالفحام فدافع دفاع القانطين، ولكنهما غلباه وقيداه وأخرجاه مقيدًا مغلولًا.

ونظر إلى بوليت نظرة ملؤها الحقد وقال: سوف ترى ما يكون مني إذا قُدر لنا أن نلتقي.

فضحك بوليت وقال له: ستفصل المشنقة بيننا، ويموت حقدك في قلبك.

•••

بعد ذلك بساعة، كان مرميس وميلون وشوكنج وجواني مجتمعين في منزل بوليت.

وكانت هناك الأرلندية وابنها وبوليت وأمه بولينا، فلما رأت الأرلندية شوكنج ارتاحت كل الارتياح.

فقال لها شوكنج: لم يبق لدينا ما نخشاه أيتها العزيزة فإن أصدقاء الرجل العبوس يتولون حمايتنا.

فقال مرميس: هو ما تقول، ولكن الرجل العبوس؛ أي روكامبول، محتاج إلينا.

– إن مس ألن تقول هذا القول ولكنها ألد الأعداء.

– لقد كانت من الأعداء.

– وهي لا تزال.

– من يعلم؟

ثم نظر إلى بوليت وقال له: إن ما رأيت منك يدل على الذكاء وطيب السريرة، فاسمح لي أن أكافئك على جميلك فقل لي: ماذا تُريد أن تكون؟

فلم يُجب بوليت بشيء، ولكنه جعل ينظر إلى أمه وبولينا.

فتولت أمه الجواب وقالت لمرميس: إن ولدي يكون سعيدًا إذا وجد محل يخدم فيه.

وقال بوليت: وأنا أقنع براتب ألف فرنك في العام.

وقالت بولينا: أما أنا فإني أشتغل في عملي عند ذلك وأتزوج بوليت فأغدو معه كبنات الملوك.

فابتسم مرميس وقال لها: في أي شارع تريدين أن تكوني؟

– في شارع تمبل.

– سيكون لك ما تريدين.

فقالت أم بوليت: وولدي؟

– سيعمل في خدمتي وأجعله كاتم أسراري.

فصاحت بولينا صيحة فرح وأسرعت إلى بوليت تعانقه.

فابتسم مرميس وقال: وسيكون راتبك ثلاثة آلاف فرنك بدلًا من ألف فرنك، ولما كان الزواج يقتضي له نفقات فاسمح لي أن أقدم لخطيبتك هدية العرس.

ثم فتح محفظته وأخرج منها ستة آلاف فرنك أوراقًا مالية، ودفعها إلى بولينا.

فاحمرَّ وجه الفتاة وامتنعت عن أخذها.

فقال لها مرميس: خذي يا سيدتي ما أعطيتك إياه، فإني واسع الثروة بفضل فتاة كانت تحبني، وأورثتني هذه الثروة على شرط أن أنفقها في سبيل الخير.

ثم نظر إلى بوليت وقال: اجتهد أن تسرع في زواجك؛ لأني محتاج إليك وسأسافر إلى لندرا في قريب.

وظهر على بولينا علائم الاستياء وخشيت من الفراق.

وأدرك مرميس معنى استيائها وقال لبوليت: وستصحب امرأتك، فتمضيان شهر العسل في بلاد الإنكليز.

فتعانق الخطيبان عندها وذرفت من عينيهما دموع السرور.

٥٠

ولنعد الآن إلى شخص من أشخاص هذه الرواية الذي طال سكوتنا عنه، نريد به مس ألن.

إن مس ألن كانت سجينة في سجن سانت لازار، ولكنها لم تكن مختلطة مع المسجونات؛ لأنهم راعوا مقامها ومقام والدها اللورد.

ويذكر القراء أنها كانت قبل إدخالها إلى السجن في مستشفى مجانين يتولاه طبيب خاص، وقد تعهد هذا الطبيب أن يحتفظ بها ثمانية أيام، مقابل مبلغ من المال.

وكان السير جمس يرى أن هذا الوقت كاف؛ إذ كان ينتظر في خلاله قدوم اللورد بالمير.

ولكن الزمن المعين مضى ولم يحضر اللورد بالمير.

وكان بوسع الطبيب أن يتعهد بالاحتفاظ بالفتاة ثمانية أيام أخرى، غير أنه حدث حادث لم يكن يتوقعه فحال دون قصده، وذلك أن طبيبًا شابًّا كان معينا في ذلك المستشفى وقد تفقد مس ألن مرارًا فأدرك أنها على أتم العقل ولا أثر فيها للجنون.

وكانت الفتاة قد ضغطت عليه، وأثرت فيه تأثيرًا عظيمًا، فذهب إلى مدير المستشفى وقال: إنك تسجن في هذا المستشفى فتاة غير مجنونة، فإذا لم تطلق سراحها فإني لا أشكوك إلى البوليس، بل إلى الجرائد؛ أي لسان الرأي العام.

فخاف المدير أن تفضح الجرائد أمره، وكتب لفوره إلى السير جمس، فاضطرب السير وخشي أن تفر الفتاة منه، فاستعان بالسفارة وطلبت السفارة إلى الشرطي حجز الفتاة مؤقتًا، في محل لا يتيسر لها الفرار منه؛ لأنها قاصرة.

فأجاب الشرطي طلب السفارة ونُقلت الفتاة من المستشفى إلى سجن سانت لازار في عربة مقفلة، وأعدت لها فيه غرفة خاصة في رواق الراهبات وخادمتان لخدمتها ومنعوا عنها كل اتصال بالسجينات.

على أنها كانت سجينة، وقد علمت لأول وهلة أنهم يحرصون عليها كل الحرص، فأيقنت أن لا سبيل لها إلى الفرار وكاد يستولي عليها القنوط.

ولم تكن تفكر إلا بالرجل العبوس، وأنه في السجن بين أيدي قضاته الذين لا يرحمون.

وكانت ترجو أن يساعدها ذلك الفتى البناء المنكود، وهو الرجل الوحيد الذي كانت تعتمد عليه في إنقاذها، غير أنها لم يردها شيء من أخباره.

ولم تكن تعلم إذا كان قد أخبر ميلون المقاول بأمرها، وإذا كان ميلون هو نفس الذي ينتظره الرجل العبوس في لندرا.

وقد كانت تفكر الليل والنهار في هذه المسائل فلا تهتدي إلى حلها؛ لأنها لم تكن ترى غير الخادمتين ولا تجسر على أن تسألهما شيئًا.

غير أن إحدى هاتين الخادمتين قالت لها يومًا، وهي تعد لها الطعام: إن الراهبة أرسيل ستزورك اليوم.

فتعجبت مس ألن لهذه الزيارة وقالت لها: إني لا أعرف هذه الراهبة، فمن هي؟

– إنها ملاك بصورة إنسان، وحبذا لو كنت في خدمتها.

– ولكن لماذا تُريد أن تزورني؟

– لا أعلم، ولكن الذي أعلمه هو أنها التمست من الرئيسة أن تأذن لها بمقابلتك.

فشعرت مس ألن بأمل جديد قد تولد في نفسها، فإنها لم تكن ترجو الهرب من السجن بمساعدة هذه الراهبة، ولكنها كانت ترجو أن تعهد إليها بالبحث عن ميلون وفاندا وإخبارهما عن روكامبول.

وبعدها بساعة فُتح باب غرفتها ودخلت منه راهبتان.

وكانت إحدى الراهبتين شقراء والثانية سمراء، فدنت الشقراء من المس ألن وقالت لها باللغة الإنكليزية: أعلمي يا مس ألن أن هذه الراهبة التي تصحبني لا تفهم اللغة التي أكلمك بها، ولم أكلمك بلغة قومك إلا لأني لا أريد أن تفقه الراهبة شيئًا مما أقول لك.

واحذري أن يبدو منك أقل أثر من الاضطراب مما سأقول لك، والزمي السكينة التامة؛ لأني قادمة لإنقاذك، وأنا قادمة من قبل الرجل العبوس.

فخفق قلب الفتاة سرورًا، ولكنها تجلدت وقالت لها: إذا كنت آتية من قبل الرجل العبوس، فلا بد أن تكوني عارفة أنه عرضة لخطر شديد.

– نعم وهو خطر الموت إعدامًا.

فاصفرَّ وجه الفتاة اصفرارًا شديدًا لم يخف على الراهبة الشقراء فقالت في نفسها: إنها تهواه.

ثم قالت لها: ولكنك من ألد أعداء الرجل العبوس.

– لقد كنت من أعدائه يا سيدتي.

– والآن؟

فأطرقت مس ألن بنظرها إلى الأرض وقالت: والآن فإني أحبه، وقد أحببته في تلك الساعة الهائلة التي خنته فيها فنصبت له الشرك وسلمته بيدي إلى الجلاد.

ثم قصت عليها بإيجاز ما جرى لها مع روكامبول، وكيف نصبت له المكيدة؟ وكانت تتكلم بلهجة تشف عن الصدق والإخلاص.

أما الراهبة فقد أصغت إليها إلى أن أتمت حديثها فقالت لها: لقد وثقت يا سيدتي بصدق إخلاصك، وسننقذ الرجل العبوس، ولذلك سنسافر مساء غد إلى لندرا أنا وأنت وآخرون.

فتعجبت مس ألن مما سمعته وقالت لها: ولكن من أنت يا سيدتي؟

– إني أدعى فاندا وقد أحببت قبلك الرجل العبوس.

وقد خفضت فاندا عينيها استحياء حين جهرت بهذا الحب، ثم نظرت إلى مس ألن فرأت أن بارق الغيرة قد اتقد في عيني الفتاة، فابتسمت فاندا وقالت لها: لا تتعبي نفسك بالغيرة فإنه يجب أن يحبك أنت.

فتشاغلت مس ألن عن هذا الموضوع وقالت لها: ولكن كيف تقولين إني مسافرة معك إلى لندرا وأنا سجينة هنا كما ترين؟

– لقد أعددت لك طريقة الخلاص.

٥١

ولا بد لما لنعلم كيف أعدت فاندا لابنة اللورد طريقة الخلاص أن نعود إلى السير جمس وسميث.

ويذكر القرار أننا تركناهما سجينين في منزل ميلون، وقد نزلت لهما أرض الغرفة التي أُدخلا إليها في أعماق مجهولة مظلمة.

وقد استمرت أرض الغرفة تنزل نزولًا بطيئًا نحو أربع دقائق مرت بالرجلين مرور الأدهار لشدة ما لقياه من الرعب.

ثم استقر ذلك السقف الذي هوى بهما، ولكنهما لم يعلما أين كانا لاربداد الظلام، فقد كان الظلام حالكًا ورعبهما شديدًا، فلبثا هنيهة لم يجسر أحد منهما على أن يفوه بكلمة.

إلى أن افتتح السير جمس الحديث بشتم الفرنسيين أقبح شتم.

وقال سميث: إني أقسم بحامي إنكلترا أني لم أقرأ في روايات ألف ليلة وليلة ما يشبه الرواية التي يمثلونها بنا.

فقال السير جمس، بعد أن مل من الشتائم ولم يدع في قاموس السباب كلمة: ولكن أين نحن الآن؟

– أظن أننا في قبو ومع ذلك فسنرى.

وأخرج من جيبه علبة الكبريت الشمعي، فأضاء عودًا ثم ثانيًا فثالثًا، وكان هو يضيء الشمع والسير جمس يبحث، حتى علم أنهما في محل يشبه بئرًا نضبت مياهها، وأنهما على مسافة عشرين مترًا في جوف الأرض.

وقد رأى أن بناء البئر حديث فنقر سميث بيده على الجدار فوجد أنه شديد الصلابة وأيقن أنه لا سبيل إلى الفرار.

والحقيقة أنهما كانا في البئر، وأن ميلون كان قد حفرها خاصة لتجريب آلة تسهل طرق البناء، وهي آلة تصعد وتنزل بلولب يدار كما يُريد صاحبه فتغني عن السلالم.

وكان مرميس يعلم سر هذه الآلة وهذه البئر، فاستخدمها لسجن البوليس.

أما السير جمس ورفيقه اللص، فإنهما أنارا جميع عيدان العلبة حتى علما كيف سقطا إلى الهاوية.

وكان السير جمس قد عادت إليه سكينته بعد ذلك الغضب والحمق فقال لرفيقه: ماذا يريد أن يصنع بنا هؤلاء الأشقياء.

– لا أعلم ولكنهم يستطيعون قتلنا ودفننا في هذه البئر.

– أكيد ولكنهم لم يقتلونا؛ لأنهم يريدون استخدامي كما أراه.

ولم يكد يتم كلامه حتى اهتز بهم اللوح الذي كانا عليه؛ لأن مساحته كانت قدر مساحة البئر.

فقال اللص: أتراهم يريدون إنزالنا أيضًا؟

كلا، وأظن أنهم سيصعدون بنا.

وقد أصاب السير جمس في ظنه؛ لأن المصعد ما لبث أن اهتز حتى أخذ بالصعود تباعًا فقال في نفسه: إنهم يحاولون تخويفنا.

وعندها نظر السير جمس إلى العلاء، فرأى نورًا ورأى مرميس مطلًّا من حافة البئر.

وبقي المصعد آخذًا بالارتفاع إلى أن وصل إلى مسافة ثلاثة أقدام من فم البئر، فأوقفه مرميس ومد يده إلى سميث فقال له: تعال أنت.

وحاول السير جمس أن يقتدي به، ولكن مرميس أسرع إلى إدارة اللولب فبدأ المصعد بالنزول.

وعندها قهقه مرميس ضاحكًا وقال له: لا فائدة لنا على الإطلاق من سجن هذا اللص معك، وخير لنا أن تكون وحدك فإن الخلوة تدعو إلى الإمعان والتفكير.

فصاح السير جمس صيحة الرعب، وتوارى في الظلمات وسقط إلى حيث كان.

•••

وقد توالت الساعات دون أن يناديه أحد، وخطر له خاطر كاد يجن له من الرعب إذ قال في نفسه: إن هذا الرجل قال لي: إنه يعرف أين هي مس ألن، وإنه غير محتاج إليَّ في سبيل إنقاذها، وقال أحد رجاله: إنه يعرف شاباروت إذًا هم غير محتاجين إليَّ، ومن يعلم ما يكون من شأني معهم فقد يكون مرادهم أن يقتلوني حيًّا.

وعندها شعر هذا الرجل الذي خان أرلندا فجأة بعذاب جديد؛ لأن الجوع قد عضه بنابه وبدأ يشعر بآلامه.

وكان قد نام عشرون ساعة لم يذق في خلالها طعامًا ولا شرابًا، فأيقن أنه دُفن حيًّا في تلك البئر.

ثم برح به الجوع والخوف وتلاهما حمى عقبها اضطراب في الدماغ مثَّل لعينيه أمورًا غريبة وتصورات هائلة؛ إذ تمثل له أن الأرلنديين يحيطون به من كل جانب ويتشاورون في طرق تعذيبه فيصيح صياحًا منكرًا، ويستغيث منهم بهم إلى أن ينقطع صياحه، ويستفيق من ذهوله، فتنقشع هذه الأحلام وتزول هذه الخيالات ويعود هداه، فيشعر بآلام الجوع ويجد من عذابه فوق ما كان يجد من آلام الأحلام، ثم تتوالى الساعات ويمر الوقت دون أن يتحرك اللوح الذي كان عليه ودون أن يسمع حسًّا.

وبعد أن أحسَّ أنه يقاسي آلام النزع شعر أن اللوح قد تحرك، ولم تكن الحمى مثلت له هذه الحركة، بل إن اللوح تحرك حقيقة، وشعر السير جمس أنه يصعد إلى العلاء.

وقد كان فرحه لا يُوصف حين رأى النور يتلألأ عند فم البئر، وحين رأى مرميس وبيده المصباح.

وقد كان سروره عظيمًا؛ لأنه رأى وجه إنسان بعد الوحشة، ورأى نورًا بعد الظلمة، فرجا أن يبل حلقه ولو بقطرة ماء.

ثم وقف المصعد بغتة، ورأى السير جمس أنه يبعد عن فم البئر نحو أربعة أمتار، وسمع مرميس يقول بلهجة الهازئ: إني يا سيدي خادمك المطيع.

ورد السير بصوت مختنق: إنك أطلت سجني، فإن العادة في إنكلترا أن يطعموا المسجونين مرتين في اليوم.

– يسوءني أن أجدك جائعًا غير أني اضطررت إلى إهمال أمرك لكثرة ما طرأ عليَّ من المشاغل بعد أن تشرفت بلقائك.

ورد السير بلهجة دلت على فراغ صبره قائلًا: ولكن هذه الآلة الجهنمية قد وقفت وامتنعت عن الصعود.

– وأية فائدة من بلوغها إليَّ، فقد أوقفتها عند الحد الذي يمكننا المباحثة فيه.

فاحتدم السير غيظًا وقال: ألعلك تُريد إلقائي في البئر؟

– معاذ الله أن أكون من الظالمين، ولكني مضطر إلى إبقائك في سجنك إلى أن تردني أوامر جديدة.

– من أين تنتظر ورود هذه الأوامر؟

– إنها على أسلاك البرق من وراء المانش؛ أي من عاصمة بلادكم.

فارتعش السير وأتم مرميس حديثه فقال: قد تقدم لي القول: إنه طرأ عليَّ من المشاغل بعد أن تشرفت بلقائك، وكان أول هذه المشاغل التي دعتني إلى نسيانك أني أنقذت رالف وأمه.

فدهش الشرطي وظهر عليه ما دل على عدم التصديق.

فقال له مرميس: إن الأم لم تمت كما توهمتم، وإنكم ألقيتموها في البئر، ولكنها لم تغرق.

ثم قص على السير جميع ما جرى للأم والصبي.

ولو تلقى السير مثل هذا الخبر في الليلة الماضية لجن من اليأس غير أن قواه كان أنهكها الجوع، فتلقى هذا الخبر المؤلم دون اكتراث.

وعاد مرميس إلى الحديث فقال: ثم إني أرسلت رسالة برقية إلى الأب صموئيل في لندرا، وهو الذي أخبرتنا عنه مس ألن.

وأن هذه الفتاة لا تزال في سجن سانت لازار، حيث وضعتها، ولكننا نستطيع مخابرتها.

أما الرسالة التي أرسلتها إلى الكاهن، فقد ذكرت له فيها صفاتك وعلائمك، وأخبرته أنك كنت من الأرلنديين وسألته ما يُريد أن نصنع بك فوردني الجواب الآتي فاسمع: ثم أخذ رسالة من جيبه ففتحها وقرأ بصوت مرتفع ما يأتي:

إن جمعيتنا السرية عرفت الرجل الذي وصفتموه فهو يُدعى ولهم هولا قبل أن يخوننا، وقد اختفى منذ خمس سنين حتى حسبناه ميتًا، افعلوا به ما تشاءون، وإذا أرسلتموه إلى إنكلترا فلا يلقى غير موت هائل فظيع يُعاقب به كل من يخوننا.

أما الرجل العبوس فلا يزال سجينًا أسرعوا بالحضور.

ثم طوى الرسالة وردها إلى جيبه وقال للسير بلهجة دلت على الثبات: إنك تعلم يا سير جمس ما يكون من عقابك إذا أرسلناك إلى إنكلترا ودفعناك إلى إخوانك الأرلنديين الذين خنتهم.

ورد السير بصوت مختنق: إذًا اقتلني هنا فذلك خير لي.

– إني كنت عازمًا على أن أقترح عليك الموت في هذه البئر.

وضاق صدر السير جمس وقد برح به الجوع فصاح يقول: اقتلني كما تشاء، لكن لا تقتلي جوعًا وأرسلْ لي طعامًا.

فأجابه تلميذ روكامبول: إنها أمنية بعيدة، فقد قُضي عليك أن تموت جوعًا.

– إذًا أغثني بجرعة ماء على الأقل.

– إني أعطيك ما تشاء من طعام وشراب إذا كنت تفعل ما أُريده منك.

– قل ما تُريد.

– هذا ما كنت أتوقعه منك؛ لأن الجوع لا بد أن يفضي إلى الامتثال والخضوع، فانتظرني قليلًا ريثما أعود.

ثم تركه وذهب بالمصباح، فبقي السير جمس في الظلمة الدامسة.

وغاب مرميس دقيقتين لم يمر بالسير جمس دهرًا أطول منهما إلى أن عاد مرميس يحمل بإحدى يديه مصباحًا وبالأخرى محفظة تحتوي على كل أدوات الكتابة فوضع المصباح عند فم البئر بشكل يظهر له منه وجه السير جمس ولا يفوته شيء من عوامل تأثره وقال: سوف ترى يا سيدي فإني أرجو أن نتمكن من الاتفاق.

ثم أخذ كرسيًّا وأنزلها إلى السير جمس وقال له: اجلس على هذا الكرسي فلا بد لك من الراحة.

ولما جلس قال مرميس: خذ أيضًا هذه الطاولة والمحفظة بحيث إنك لم تعد محتاجًا إلا للمصباح.

فأخذهما السير جمس وقال: لكني أريد أن أشرب.

– سأعطيك كل ما تريد إذا اتفقنا، فخذ الآن المصباح.

ثم أدنى له مصباحًا مقفلًا مربوطًا بخيط متين.

فأخذهما السير جمس أيضًا وقال بصوت أبح، كأنما النار قد أحرقت حلقه: أغثني بشربة ماء.

– لقد قلت لك: إني سأعطيك كل ما تحتاج إليه من طعام وشراب إذا اتفقنا.

– ولكن ماذا تريد مني؟

– أريد أن تكتب عشرة أسطر.

– لمن؟

– إلى مدير البوليس.

فظهرت على السير جمس علائم الأنفة والبسالة بالرغم عما كان يلقاه من الجوع والظمأ.

– إني علمت ما تريد مني، وهو أن أكتب إلى مدير البوليس كي يطلق سراح مس ألن، ولكني لا أكتب تلك السطور وأؤثر أن أموت جوعًا.

فأجابه ببرود قائلًا: كما تُريد هذا من شأنك، ثم أدار اللولب فعاد السير جمس إلى النزول، وسمع مرميس يقهقه ضاحكًا.

غير أن الظلام لم يكتنف السير جمس حسب العادة، بل إنه كان يرى كل ما يحيط بنور المصباح الذي كان يهوي معه، وكان لديه كرسي يجلس عليها بدلًا من الجلوس على الأرض.

وعند ذلك بات هذا الرجل عرضة لعاملين عامل الوفاء والكبرياء، وعامل الجوع وحب الحياة.

غير أن هذين العاملين لم يطل تنازعهما، فإن الجوع قد أنهك قواه وأحرق الظمأ أحشاءه فآثر الحياة على الواجب وتغلب جوعه على الكبرياء، فجعل يصيح مناديًا مرميس بأعلى صوت، فلم يجب غير الصدى.

وما زال المصعد يهوي حتى استقر فعاد إلى الصياح، ثم جعل يضرب بالكرسي على الطاولة فلم يجب أحد.

ولكنه رأى فجأة أن المصباح معلق في خيط، فقال في نفسه: لا بد أن يكون هذا الخيط متصلًا بجرس في فم البئر، وقد ربطوه خاصة كي أنبههم حين إذعاني.

وعند ذلك أخذ الخيط وشده فأخذ اللوح يصعد به للفور حتى وصل إلى قرب فم البئر وظهر مرميس وقال له: لا شك أنك رضيت بما اقترحته عليك بدليل صعودك.

– أغثني بشربة ماء أفعل كل ما تريد.

– ابدأ أولًا بفعل ما أريد وأنا أرسل لك خير ما تشتهيه من الطعام.

فشعر السير جمس أنه مغلوب وأخذ القلم ليكتب فقال له مرميس: اسمح لي أن أملي عليك ما أريد أن تكتبه.

ثم أملا عليه ما يأتي:

سيدي المدير

لقد وردت لي رسالة برقية من لندرا أمرت بها أن أسافر في الحال ولذلك أرسلت إليك بزميلي البوليس إدوارد راجيًا أن تدفع إليه الأسيرة.

فدهش السير جمس وأدرك مرميس سر اندهاشه فقال له: إن رفيقك اللورد لا يتصعب مثلك وهو يخدم من يدفع له ما يرضيه.

فلم يجب السير جمس ولكن كتب ما أملى عليه وأمضى الكتاب، فأدار مرميس اللولب فصعد إلى فم البئر فأخذ الكتاب من الشرطي وظهر عند ذلك ميلون يحمل صينية عليها شراب وطعام فاخر.

فلم يكد السير جمس يرى آنية الماء حتى اختطفها وأفرغها في جوفه ثم أسرع إلى قطعة من الخبز فقال له مرميس: لا تزدرد الطعام كما تفعل فقد تختنق، وإني أدعو لك بحسن الشهية.

ثم أدار اللولب، فعاد اللوح إلى السقوط ولكن السير جمس لم يحزن لسقوطه هذه المرة، فقد هبط معه النور وصينية الطعام والشراب.

٥٢

ولما خلا المكان بمرميس وميلون فحص مرميس كتاب السير جمس وقال لميلون: إننا نستطيع بعد هذا الكتاب أن نسافر غدًا إلى لندرا.

– ومس ألن؟

– إنها تسافر معنا؛ لأننا سنخرجها من سجنها بفضل هذه الرسالة.

– والسير جمس؟

– إنه يصحبنا في هذه الرحلة.

– ولكنه يخوننا دون شك.

فابتسم مرميس وقال: إنه متى وصل إلى لندرا لا أخشاه؛ لأن الأرلنديين قد عرفوه الآن، وهم يعدون له أفظع عقاب، فإذا وعدناه بكتمان أمره عنهم يخدمنا كما نُريد بملء الإخلاص والوفاء.

– إني أتمنى هذه النهاية، ولكنه قد يهرب منا قبل أن نصل به إلى إنكلترا.

– ولكنه لا يستطيع الفرار قبل غد في كل حال.

– ذلك أكيد، فإنه لا يتمكن أن يخرج من البئر.

– وفوق ذلك فإنه لا يخرج منها خروج رجل، بل خروج طرد بضاعة.

– الحق لا أفهم ما تقول.

فضحك مرميس وأجاب: أيها الأبله العزيز، إنك لو كنت تفهم كل شيء لما استطعنا أن ندهشك بالغرائب من حين إلى حين.

فامتعض ميلون لكلامه ولكن مرميس علل استياءه بشيء من المزاح وقال: إن الصباح قد طلع فادع لي الشرطي إدوار؛ إذ يجب أن يذهب بهذه الرسالة إلى مدير الشرطة، ويجب أن تخرج مس ألن من سجن سانت لازار قبل الظهر.

•••

يوجد على قيد خطوتين من ترعة سانت مرتين مستشفى القديس لويس وهو قائم في وسط أجمل بقعة تكتنفها الأشجار فتلطف هوائها وتدخل الشمس إليه من كل النوافذ.

هناك نقلوا ذلك الفتى البناء المنكود الذي سقط عن اللوح وهو يحاول إنقاذ مس ألن كما ذكرناه في بدء الرواية.

ولقد كان الطبيب قال عنه: إن حالته خطيرة ولكنها لا تحمل على اليأس، ولبث هذا المسكين ثمانية أيام بين الموت والحياة، ثم مضى الأسبوع وتغلبت الحياة بفضل ذلك المساعد القادر، وهو الشباب، ثم إن الراهبات والممرضين كانوا يعتنون به كل الاعتناء لإشفاقهم عليه منذ أول يوم رأوه، لا سيما بعد أن عرفوا حكايته والسبب في سقوطه، وكانت مروءته وبسالته أعظم دافع إلى هذا الحذو والإشفاق عليه.

وكان ميلون قد أرسله إلى ذلك المستشفى وتولى دفع النفقات عنه، وأوصى أن لا يقتصدوا في معدات راحته، فكان يزوره كل يوم ويتفقده، كما كان يزوره كل زملائه البنائين، ولا يتحدثون في ذلك المستشفى إلا بأمره.

وقد اتفق أن سيدتين عظيمتين أقبلتا لعيادة هذا البناء الفقير، فدهش العمال والممرضون لزيارتهما، لا سيما لما رأوه من باهر جمالهما ومظاهر عظمتهما.

وكانت المرأتان في عهد الشباب، ولكن إحداهما كانت أكبر سنًّا من رفيقتها وكلتاهما مبرقعتان ببرقع كثيف.

فلما علم الفتى بأن سيدتين قادمتان لعيادته خفق قلبه، حتى إذا دنت منه المرأتان، ورفعت الصغرى برقعها صاح البناء صيحة دهش وفرح؛ لأنه عرف أن هذه الفتاة القادمة لعيادته هي مس ألن التي أصيب بما أصيب من أجلها.

أما مس ألن فإنها ابتسمت وقالت له: أرجوك أن لا تكون حاقدًا عليَّ، فإني لم أزرك إلى الآن؛ لأني كنت سجينة ولم أخرج من سجني إلا اليوم، فكانت عيادتك أول زيارة لي فعلتها.

ولم يجد الفتى ما يجيب به وجعل ينظر إلى الفتاة نظرات الشغف، فقالت له مس ألن: إني سأبرح فرنسا أيها الصديق، ولكني سأعود إليها فأراك ولا أنساك.

وكانت المرأة الثانية التي تصحبها هي فاندا وقالت: ونحن أيضًا لا ننساه.

وعند ذلك جلست مس ألن قرب سرير الفتى فأخذت يده بين يديها وقالت له: أليس لك أهل أيها الصديق؟

– نعم، يا سيدتي لي أم فقيرة أرسل إليها نصف ما أكسبه عندما يتيسر لي العمل، ولكن المسيو ميلون وعدني أن يتولاها بعنايته إذا مت على أثر جرحي.

وأجابته بصوت حنون: إنك لا تموت أيها الصديق فقد زال عنك كل خطر بحمد الله، وفوق ذلك فإني لا أريد أن يتولى سواي العناية بأمك فقل لي: ماذا تشتغل أمك؟

– إنها لم تعد تستطيع العمل لعجزها.

– ولكني سأمنحها منزلًا، وأعين لها خادمة تخدمها ما دامت في قيد الحياة، وخذ هذا المال فإنها تأمن به شظف العيش.

ثم أخذت محفظة جلد جميلة من جيبها وأخرجت منها أوراقًا مالية قيمتها عشرون ألف فرنك ودفعتها للفتى البناء، فجال الدمع من عينه ولم يتمكن من شكرها.

وعلمت مس ألن ما كان يجول في نفس هذا الفتى العامي الذي تجاسر أن ينظر إليها نظرة شغف بملء الاحترام.

فقالت له: إني ضمنت مستقبل أمك، وأما أنت فسأفيك ما علي حين أعود.

ثم مدت إليه يديها الجميلتين فأدناهما من شفتيه ولثمهما وهو يرتجف.

٥٣

بينما كانت مس ألن تودع الفتى البناء كان مرميس وميلون يتأهبان للسفر إلى لندرا.

وقد أدار مرميس لولب المصعد وأصعد السير جمس إليه فقال له: قد أطلعتك على الرسالة التي وردت من الكاهن صموئيل، وقد علمت أن الأرلنديين حكموا عليك بالإعدام، وأنا حر أن أصنع بك ما أشاء، غير أني أقول لك لا تخف فإن أمر حياتك موكول إليك إذ رضيت أن تخدمني فيما أريد، ثم إني أعدك بعفو الأرلنديين عنك إذا رجعت عن خيانتهم وعدت إلى خدمتهم بإخلاص.

وظهرت على السير جمس علائم الرعب لذكر الأرلنديين فقال له مرميس: إنك ستبرح باريس في هذه الليلة وفي صباح غد تصل إلى لندرا.

وكان بالقرب منه صندوق يبلغ طوله مترين، فأشار مرميس إليه وقال للسير جمس: أترى هذا الصندوق؟

– نعم.

– إنك ستسافر في هذا الصندوق، فإني لا أحب أن تهرب منا قبل وصولنا إلى إنكلترا.

ثم أشار إلى ميلون فأحضر له زجاجة مختومة وقدحًا ففض مرميس ختم الزجاجة وصب ما كان فيها بالقدح وقدمه للسير جمس وقال: اشرب.

ولكن البوليس امتنع عن أخذ القدح وقال: من يضمن لي أنه ليس في القدح سمًّا.

– ليس فيه غير مادة مخدرة.

– لكن من يضمن لي صدق ما تقول؟

– يضمنه هذا المسدس.

ثم أخرج من جيبه مسدسًا وصوبه على السير جمس وقال: اشرب أو أطلق النار.

وعلم السير جمس من اتقاد عينيه صدق عزيمته وقال في نفسه: إذا لم يكن من الموت بد في الحالتين، فإن موت السم أفضل، وقد يكون الرجل صادقًا ولا يكون المراد غير تخديري، ثم أخذ القدح وشرب ما فيه جرعة واحدة، فشعر للفور ببرود شديد تولاه، ولم يكد الشراب يستقر في جوفه حتى أطبقت عينيه وسقط على المقعد دون حراك.

فنظر مرميس إلى ميلون وقال له: قل للعصابة تتأهب فقد قضي الأمر ونحن ذاهبون لإنقاذ رئيسنا روكامبول.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١