الفصل الأول

ميدان الجغرافيا الاقتصادية ومناهجها

(١) ميدان الجغرافيا الاقتصادية

(١-١) الجغرافيا الحديثة والجغرافيا الاقتصادية

يمكننا أن نحدد الجغرافيا الحديثة — بصورة عامة — على أنها المعلومات المحددة والمنظمة الخاصة بتوزيع وتنظيم المظاهر المختلفة الطبيعية والبشرية على سطح الأرض، فالجغرافيا تسعى إلى وصف وربط وتعليل مختلف ظاهرات الأرض ودراسة علاقات وتفاعلات النشاط البشري والتوزيع السكاني بالمسرح الطبيعي على مستوى العالم والقارات والأقاليم.

وللدراسة الجغرافية قيم مختلفة لأسباب مختلفة، ومن بين أهم أسباب هذه القيم ما يلي:
  • أولًا: أن العالم الذي نعيش فيه الآن قد بدأ ينكمش مكانيًّا بسبب سرعة وكثافة خطوط الاتصال، والحركة البرية والبحرية والجوية، وترتب على قصر الزمن الذي يستغرقه الانتقال من مكان إلى آخر ومن قارة إلى أخرى أن أجزاء العالم تترابط أكثر وأكثر نتيجة نمو وسائل الاتصال المرئي وغير المرئي: تليفزيون وفاكس وتلكس وتلفون مرئي، ودخولنا عصر ثورة المعلومات المعتمدة أساسًا على الكمبيوتر ونظم المعلومات الجغرافية وغيرها، ويصبح لما يحدث في أي منطقة من العالم — سواء كان حدثًا سياسيًّا أو اقتصاديًّا أو سكانيًّا — صداه في مناطق العالم الأخرى.
  • ثانيًا: إن التخصص الإنتاجي في أقاليم العالم المختلفة، وهو الناجم عن نمو العصر الصناعي وتكنولوجياته قد ربط أجزاء العالم بشبكة من التبادل التجاري تزداد تكاثفًا من سنة لأخرى. وهذا التبادل التجاري أصبح ضرورة ملحة لحاجات الشعوب الأساسية من أجل الحياة؛ فالدول التي تعيش على العمالة الصناعية — كحال معظم دول العالم المتقدم — في حاجة ماسة إلى تصدير منتجاتها الصناعية واستيراد خاماتها التي تقوم عليها صناعاتها.
  • ثالثًا: ترتب على التخصص الإنتاجي الذي نجم عن الثورة الصناعية انقسام العالم إلى قسمين متميزين كان لكل منهما أسماء مُختلفة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين؛ فقد سُمي العالم الصناعي الأوروبي أولًا عالم الإمبراطوريات الاستعمارية الحديثة، ثم العالم الإمبريالي، ثم العالم المتقدم بعد أن فقد معظم المستعمرات، وبعد نمو الصناعة في معظم المنطقة المعتدلة الشمالية من العالم — أمريكا والاتحاد السوفييتي واليابان — أما بقية العالم فقد كان يُسَمَّى عالم المستعمرات، ثم سُمِّي بعد الحرب العالمية الثانية العالم المتخلف، والعالم النَّامِي، والعالم الثالث.١ وبرغم اختلاف التسميات فإن المضمون الأساسي لكل من هذين العالمين لم يختلف كثيرًا إلا منذ أوائل الستينيات. ومع ذلك فالعلاقات بين العالمين في حجمها الكمي ما زالت علاقة التبادل التجاري بين سلع الصناعة وأسس نظم المعلومات التي ينتجها العالم المتقدم، وسلع الخامات الزراعية والمعدنية التي ينتجها العالم النامي.

لكن مشروعات التنمية الاقتصادية في دول العالم الثالث — سواء كانت مشروعات خاصة بتنمية موارد الخامات المعدنية والزراعية، أو مشروعات إقامة الصناعة في بعض المناطق — تؤدي إلى تغير مُسْتَمِر في الصورة التفصيلية والعامة في الجغرافية الاقتصادية والتبادل التجاري. وبذلك فإن الصورة العامة للسكان والعلاقة بالبيئة الطبيعية آخذة في التغير في العالم الثالث؛ مما يعطي الجغرافيا عامة، والجغرافيا البشرية والاقتصادية بصفة خاصة، دينامية جديدة. ودراسة هذه الدينامية على أكبر جانب من الأهمية، وتعطي الجغرافيا عامة قيمة جديدة تضاف إلى قيمتها السابقة.

وعلى هذا النحو أصبحت الجغرافيا الاقتصادية الحديثة فرعًا من فروع الدراسة الجغرافية. ومما يؤخذ دليلًا على هذه الأهمية المتزايدة أنَّ الجغرافيا الاقتصادية كانت في البداية تنطوي تحت أقسام الجغرافيا البشرية، كفرع من فروعها إلى جانب الجغرافيا الاجتماعية وجغرافية السكان والعمران والجغرافيا السياسية. لكن تضخم الجغرافيا الاقتصادية وتشعبها قد أدى بالكثير من الكتاب والمناهج الجغرافية إلى فصلها عن الجغرافيا البشرية، وبذلك تصبح قسمًا منفصلًا في الميدان الجغرافي جنبًا إلى جنب مع الجغرافيا الطبيعية والجغرافيا البشرية.

وقد رأى كثير من الباحثين رأي الأستاذ هارتسهورن R. Hartshorn أن الجغرافيا الاقتصادية تؤلف مع الجغرافيا الطبيعية الجزء الأكبر من علم الجغرافيا ككل. وكانت الجغرافيا السوفييتية الحديثة تزيد هذا المفهوم لأهمية الجغرافيا الاقتصادية تأكيدًا فتجعل للجغرافيا قسمين رئيسيين هما: الطبيعية والاقتصادية.

وتحت القسم الاقتصادي تدرس الجغرافيا السوفييتية موضوعات الجغرافيا البشرية الأخرى باعتبار أن النشاط الاقتصادي عامل ضروري لفهم وتحليل الظاهرات السكانية والعمرانية والتنظيمات السياسية على سطح الأرض.

وأيًّا كان الاتجاه والمنهج، فالواضح للجميع أن الحقيقة الاقتصادية في الجغرافيا تتداخل كثيرًا في تحليل وتقييم الحقائق في جغرافية السكان والعمران والسياسة.

وينبع ذلك من أنَّ «الجغرافيا الاقتصادية تدرس في مجالها العام كافة أشكال إقامة الحياة ومشكلاتها.» أي إنها تدرس كل ما هو مرتبط بحصول الإنسان على الغذاء وضرورات الحياة وكمالياتها، وذلك من أجل إشباع حاجة السكان الحياتية، سواء كانوا جمهرة الناس أو خاصتهم طبقيًّا أو ماديًّا أو فكريًّا.

وعلى هذا النحو فإن الجغرافية الاقتصادية تسعى في دراستها إلى تنظيم وتحليل المعلومات الخاصة بالنقاط التالية:
  • (١)

    استخدام الإنسان لمصادر الثروة الطبيعية: المعادن والتربة والمياه العذبة والمالحة.

  • (٢)

    إنتاج السلع في كافة أشكالها: الخامات النباتية والحيوانية والمعدنية، الأغذية، السلع المصنعة.

  • (٣)

    عمليات النقل المختلفة للسلع المنتَجَة إلى أسواق الاستهلاك.

  • (٤)

    الخدمات والتجارة — أو النشاط الثالث — كجزء هام من النشاط الاقتصادي المعاصر، وعامل مؤثر في الإنتاج وأنماط الاستهلاك، ومن أمثلة ذلك: الأعمال البنكية والتمويل كعنصر متحكم في عمليات استخدام الأرض والاستهلاك.

(١-٢) تطور مفهوم الجغرافيا الاقتصادية

كانت الجغرافيا الاقتصادية في بدايتها منذ عهد العالم الألماني كارل ريتر C. Ritter عبارة عن توزيع الإنتاج في العالم توزيعًا محصوليًّا، وقد أدى ذلك إلى ظهور الجغرافيا التجارية التي ارتبطت بحاجة طلاب كليات التجارة إلى هذا النوع من الدراسة استكمالًا لبنائهم العلمي. وبعد ذلك أخذ مبدأ السببية يسود منهج البحث في الجغرافيا الاقتصادية، وعلى ضوئه كان تفسير نشوء الصناعة في مكان ما — على سبيل المثال — مرتبطًا بوجود مصادر للثروة المعدنية أو الطاقة المُحركة في المكان نفسه.
وبعد مبدأ السببية ظهر مبدأ آخر أوسع وأشمل؛ ذلك هو مبدأ التفاعل المُتَبَادل بين المكان الطبيعي (بما في ذلك كل ظروفه الطبيعية) والإنسان. وقد ظهر هذا المبدأ بوضوح في آراء الأستاذين الألمانيين لوتجنز٢ (١٩٢١) وهاسنجر (١٩٣٣). وقد ابتدع لوتجنز مُصطلح «الإقليم الاقتصادي» Economic Region، وعرَّف الأستاذ ماكرتي H. H. Mecarty الأقاليم الاقتصادية على أنها: «مناطق جغرافية تتفق فيما بينها بأنها في نفس مرحلة التقدم الاقتصادي.» ويقسم مراحل التقدم الاقتصادي إلى: مرحلة الصيد والجمع والالتقاط، ومرحلة استخراج المعادن، ومرحلة الرعي «بدائي وعلمي»، ومرحلة الزراعة، ومرحلة الصناعة، ومرحلة التجارة والخدمات.
وأوضح هاسنجر هذه الفكرة مؤيدًا مصطلح الإقليم الاقتصادي قائلًا: «إنَّ مُهِمَّة الجغرافيا الاقتصادية هي دراسة العلاقة بين الاقتصاد والمكان الجغرافي، وهدفها يجب أن يكون تقسيم سطح الأرض إلى أقاليم اقتصادية، ودراسة أشكال ومميزات هذه الأقاليم.»٣
وما زال هذا المبدأ ساريًا في كثير من الكتب الحديثة، وبوجه خاص في المؤلفات الألمانية، والخطوة الأخيرة في فلسفة الجغرافيا الاقتصادية قام بها العالم الألماني الأستاذ أو ترمبا،٤ الذي يسعى إلى إيجاد مبادئ وقوانين للبناء الاقتصادي وتطوره. وعلى ضوء هذا المسعى تصبح الأشكال الوظيفية والتركيبية للاقتصاد عبارة عن توافق مكاني بين جميع عناصر الأشكال والقوى الطبيعية والاقتصادية التي تنبع من عالم الطبيعة من جهة والاقتصاد ومبادئه من الجهة الأخرى؛ أي أن يصبح شكل ووظيفة النظام الاقتصادي السائد في مكان ما، ما هو إلا توافق بين الظروف الطبيعية لهذا المكان وقوانين الاقتصاد.

ولا شك أن التطور في الجغرافيا الاقتصادية السوفييتية رجع إلى أن الاتحاد السوفييتي كان يعيش منذ ثلاثة أرباع قرن انقلابًا صناعيًّا وتكنولوجيًّا هائلًا. وقد كان ذلك فرصة عظيمة للقيام بالدراسات الخاصة بهذا التغيير ومحاولة فهمه وتوجيهه بالارتباط مع سياسة الدولة. وفوق هذا فإن التخريب الشديد الذي أحدثته الحرب العالمية الثانية في الاتحاد السوفييتي السابق في شتى المجالات الاقتصادية والعمرانية والسكانية قد أعطى الجغرافي السوفيتي فرصة أخرى لدراسة إعادة البناء، والاشتراك في التخطيط الذي أدى إلى هجرة الكثير من مراكز الصناعة والعمران عبر جبال الأورال إلى سيبيريا ووسط آسيا.

وفضلًا عن هذا فإن التقدم العلمي الهائل قد جعل الجغرافي يشهد فتح آفاق جديدة للزراعة في أقاليم باردة أو جافة لم تكن تعرف الزراعة من قبل. كذلك فإن اهتمام التخطيط بمشكلة النقل والمواصلات جعل لهذه الدراسة أهمية خاصة في الجغرافيا الاقتصادية؛ بحيث إن بعض الجغرافيين لم يعودوا يتكلمون عن النقل على أنه «عامل» من العوامل بل «عنصر» مؤثر في الجغرافيا الاقتصادية.

وفكرة «الإقليم» في الدراسة الجغرافية — رغم سيادتها — ليست في الواقع إلا فكرة مُطلقة لا نظير لها في الحقيقة.

وعلى هذا الأساس؛ فإنَّ «الإقليم الجغرافي» في حقيقته اجتهاد عقلي، رغم أنه مستمد من معلومات حقيقية. ولا شك أن المنهج الإقليمي قد ساعد الجغرافيين ويسَّر لهم انتظام المعلومات الجغرافية العديدة في أنماط وقوالب واضحة وإن كانت معممة. فالإقليم إذن في الجغرافيا بفروعها المختلفة عبارة عن وحدات تماثل وحدات الزمن في الجيولوجيا أو التاريخ.

وهذه الوحدات قابلة للتغير زمانًا ومكانًا وقابلة للتجزُّؤ والتقسيم كُلما زاد عدد عناصر التشابه، والفضل في إمكانية تغيير الوحدات الإقليمية — خاصة الاقتصادية — يرجع أساسًا إلى العنصر الإنساني وليس إلى العنصر الطبيعي؛ وذلك نتيجة لسرعة الحركة الإنسانية بالمقارنة بالحركة الطبيعية؛ فلقد غيَّر الإنسان في مظهر سطح الأرض في خمسة آلاف سنة ما لا تستطيعه العناصر الطبيعية (التي تعمل في خط سيرها الطبيعي دون حدوث طفرات وتغيرات مفاجئة) في مليون سنة. ولعل النشاط الإنساني من أجل الحصول على الغذاء هو في الواقع المُحَرِّك الجوهري في محاولة الإنسان تغيير مظاهر البيئة الطبيعية المُحيطة به؛ لكي تكون له ولطموحه المستمر أكثر استجابة وأوفر إنتاجًا مما لو تركها على حالها.

ويؤكد ذلك ما ذهب إليه الأستاذ E. B. Shaw في تعريفه للجغرافيا الاقتصادية إذ يقول: «إن الجغرافيا الاقتصادية هي الدراسة التي تبحث في مجهودات الإنسان والمشاكل التي تواجهه في كفاحه للعيش؛ فهي تهتم بدراسة الصناعات العالمية، والموارد الأساسية والإنتاج والنقل، وتوزيع الموارد والصناعات والمحاصيل.»٥
ويوضح الأستاذان جونز وداركنفالد مفهوم الجغرافيا الاقتصادية على النحو التالي: تشتمل الجغرافيا الاقتصادية على دراسة للصيد البري وصيد الأسماك والرعي والحرف والصناعات المرتبطة بالغابات والزراعة والتعدين والصناعة والنقل والتجارة.٦ ويتابعان تعريفهما فيقولان: إن هناك حِرَفًا أخرى غير داخلة في الجغرافيا الاقتصادية، مثل مهن الطبيب والموسيقي والمعلم والسياسي والكاتب … إلخ.

وإنَّ الجغرافيا الاقتصادية تُعنَى فقط بالحِرَف المُنتجة، وتسعى لمحاولة شرح أسباب تميز أو تقدم مناطق معينة من العالم بالإنتاج والصادرات، ولماذا تختص مناطق أخرى بالاستيراد.

(١-٣) أقسام الجغرافيا الاقتصادية

يتفق كل المختصين بشئون الجغرافيا الاقتصادية — سواء كانوا في ألمانيا أو إنجلترا أو أمريكا وفي غير ذلك من دول العالم — على أنَّ ميدان الجغرافيا الاقتصادية يشتمل على عدد من الأقسام الهامة. فالأستاذ هانز بيش  H. Boesch٧ يقول: إن أقسام الجغرافيا الاقتصادية الرئيسية ثلاثة هي:
  • الأول: يشتمل على الزراعة والغابات وصيد الأسماك.
  • الثاني: يشتمل على التعدين والصناعة وإنتاج الطاقة.
  • الثالث: يشتمل على الخدمات بما في ذلك النقل والتجارة.

ويوضح الأستاذ بيش دور كل من هذه القطاعات الرئيسية الثلاثة تاريخيًّا وتطور كل منها، فيضرب مثلًا لذلك حالة فرنسا. ففي عام ١٨٠٠م كان معظم النشاط الاقتصادي (٨٠٪ منه) يدور حول الزراعة. بينما كان قطاعا الصناعة والخدمات يتقاسمان بقية الإنتاج والحرف الإنتاجية (١٠٪ لكل منهما). وفي عام ١٩٥٠م تساوت مساهمة قطاعي الزراعة والصناعة في النشاط الاقتصادي (٣٥٪ لكل منهما)، بينما ساهمت الخدمات ﺑ ٣٠٪ من مجموع النشاط الاقتصادي.

ويتوقع الخبراء أن مساهمة هذه القطاعات الثلاث في فرنسا عام ٢١٠٠م ستكون ٨٪ للزراعة، و١٢٪ للصناعة، و٨٠٪ للخدمات،٨ ومعنى هذا أن الزراعة قد أخذت تنكمش على حساب الصناعة والخدمات.

وليس معنى الانكماش أن الإنتاج الزراعي يقل، بل هو في زيادة مُستمرة، ولكن الدخل القومي من الزراعة يقل أمام ازدياد الدخل القومي من كل من الصناعة والخدمات. وليست هذه الحالة خاصة بفرنسا، بل تشاركها فيها كل دول العالم المتقدم، وتتجه إليها دول العالم النامية أيضًا. وتمثل الدول المتخلفة مرحلة الاعتماد على الزراعة كأساس للدخل القومي فيها حتى الآن.

أما الأستاذ ألكسندر J. W. Alexander٩ فيقسم الجغرافيا الاقتصادية إلى الإنتاج والتبادل والاستهلاك. ثم يعود فيُفَصِّل هذه الأقسام الثلاثة على النحو التالي:

(أ) الإنتاج Production

  • (١)
    الإنتاج الأولي Primary Production: ويشتمل على الحصول على الإنتاج الطبيعي، سواء الذي تدخل الإنسان في نموه أو الذي ينمو دون تدخل الإنسان. ومن أهم موضوعات الإنتاج الأولي: الصيد وإنتاج الغابات والتعدين والزراعة.
  • (٢)
    الإنتاج الثنائي Secondary Production: ويشتمل على جميع أشكال المنتجات الصناعية المعدنية والزراعية، وصناعات الأخشاب والأسماك. وفي هذا المجال نجد أن قيمة السلعة تتزايد نتيجة لعمليات التصنيع.
  • (٣)
    الإنتاج الثلاثي Tertiary Production: ويشمل ما نسميه بقطاع الخدمات بما في ذلك الصيانة والإصلاح والأعمال البنكية والائتمانية والتعليم والصحة والملاهي والمصايف والسياحة … إلخ.

(ب) التبادل Exchange

  • (١)
    النقل: الخاص بالبضائع والأشخاص، ويؤدي هذا إلى تغير مكان السلعة؛ وبالتالي إلى زيادة سعرها.
  • (٢)
    الملكية: وهي انتقال ملكية السلعة من يد المنتج إلى يد التاجر إلى يد المستهلك، ويؤدي تبدل الملكية إلى زيادة أسعار السلع ونشأة كل من تجار الجملة والتجزئة.

(ج) الاستهلاك Consumption

هو طريقة استخدام الإنسان للسلع لإشباع رغباته، ويُمثل الاستهلاك المرحلة النهائية في الإنتاج كما يُعتبر سبب الإنتاج بجميع أشكاله وسبب التبادل في مراحله المختلفة. وبذلك يكون الاستهلاك هدف النشاط الاقتصادي بجملته. ورغم صحة أي تقسيم في دراسة موضوع الجغرافيا الاقتصادية؛ نفضل أن نقسم الموضوع إلى الأقسام الثلاثة التالية:
  • أولًا: الإنتاج، ويشمل استخلاص وإنتاج وتصنيع الخامات الحيوية والمعدنية بكافة أنواعها.
  • ثانيًا: النقل والتجارة، ويشتمل على توزيع السلع المختلفة وتبادلها بين المنتج والمستهلك.
  • ثالثًا: الاستهلاك، وهو هدف النشاط الاقتصادي بأكمله.

الإنتاج هو القسم الرئيسي في دراسة الجغرافيا الاقتصادية، ويشغل حيزًا كبيرًا من هذه الدراسة؛ وذلك راجع إلى أن دراسة إنتاج الخامات واستهلاكها في صورتها الطبيعية أو تحويلها تحويلًا بسيطًا أو تحويلًا مركبًا، يكون في الواقع مرتبطًا بعدد من الظروف الجغرافية الطبيعية والبشرية. وهو بذلك لا يدرس دراسة أصولية منتظمة إلا داخل نطاق العلوم الجغرافية.

أما التجارة والاستهلاك؛ فإن لهما مجالات دراسة أخرى تخرج بدرجات متفاوتة عن حيز العلوم الجغرافية، ومع ذلك فإن دراسة الجغرافيا الاقتصادية لا تتم وتتكامل إلا عن طريق دراسة التجارة والتبادل التجاري وعمليات النقل والاستهلاك؛ ذلك أنها من وجهة النظر الجغرافية لا تخرج عن كونها شروطًا وظروفًا بشرية تساعد على الإنتاج المتزايد أو المتناقص؛ تبعًا للاستهلاك وظروف النقل والعلاقات التجارية بين الوحدات السياسية العالمية. هذا فضلًا عن أنها عنصر جوهري في الموضوع الاقتصادي في الجغرافيا.

ويمكننا أن نضرب مثلًا يوضح هذا الترابط الشديد بين أقسام الجغرافيا الاقتصادية وما يؤدي إلى تطور العلاقات التجارية أو الدوافع التجارية إلى آثار شاملة على أنواع الإنتاج في العالم. فقبل الكشوف الجغرافية الكبرى في أواخر القرن الخامس عشر، كان الإنتاج العالمي — في العالم المعروف — إنتاجًا للكفاية الذاتية إلى أبعد الحدود، وكانت التجارة العالمية في تلك العصور مقصورة على سلع محدودة تنطوي تحت شعار «ما خف حمله وغلا ثمنه»؛ نتيجة لضعف وبطء وسائل النقل من سفن وقوافل (قوافل الجمال عبر صحراء وسط آسيا والصحراء الكبرى الأفريقية والصحراء الغربية، وقوافل البغال والخيل عبر جبال وسط آسيا، والمراكب الشراعية بين الشرق الأقصى والهند إلى ميناء السويس ومن ميناء الإسكندرية إلى ساحل البحر المتوسط الأوروبي.)

ولقد أدت هذه التجارة العالمية القليلة الحجم الوفيرة الربح إلى تنافس شديد بين عدد من موانئ أوروبا التجارية، وكان ذلك منطلق الكشوف الجغرافية التي أدت إلى اكتشاف عوالم ضخمة في الأمريكتين وأستراليا وأفريقيا.

ولقد أدى رأس المال المتراكم في أوروبا نتيجة احتكار الذهب والفضة وموارد الخام العالمية وتجارتها — إلى جانب ظروف أخرى — إلى نشوء الصناعة وانتشارها في القارة الأوروبية، وكان لذلك آثار خطيرة على العالم؛ فلقد أصبحت أوروبا مصنع العالم وفي حاجة متزايدة إلى الخامات مع تزايد الصناعة والتطورات التكنولوجية في هذا المجال.

وساعد هذا على نشوء أشكال احتكارية في إنتاج الخامات الزراعية والمعدنية. ومن الأمثلة الصارخة على ذلك تشجيع بريطانيا عددًا من البلاد على إنتاج القطن، وكذلك تحويل مناطق من العالم من إنتاج معين إلى إنتاج آخر يخدم كخامة تجارية. والمثال على ذلك، تهريب المطاط الطبيعي من البرازيل وزراعته في مناطق جديدة لم يكن يوجد بها من قبل، كما حدث في الملايو ومناطق أخرى من جنوب شرق آسيا.

ويمكننا أن نمضي في تعداد الأمثلة، ولكننا نكتفي بذلك لكي نوضح أن الصناعة والتجارة — مع تقدم النقل وتنوع الاستهلاك — قد أدت إلى خلق أشكال إنتاجية لم تكن معروفة، وقضت على نظم إنتاج سابقة، وحولت العالم من الكفاية الذاتية إلى التشابك الاقتصادي.

ومن ثم؛ فإنَّ إنتاج أي إقليم لا يمكن في الحقيقة دراسته كشيء مُتكامل في حد ذاته، بل لا بد من دراسته داخل إطار الاقتصاد العالمي الذي يتبادل معه السلع والخدمات. ونستثني من ذلك — بطبيعة الحال — مناطق العزلة في العالم (مثلًا جبال الهملايا وهضبة التبت أو جزيرة تيرادل فويجو «أرض النار» في جنوب أمريكا الجنوبية … إلخ).

ومع ذلك فإن التشابك الاقتصادي العالمي ليس على درجة واحدة في أجزاء العالم المختلفة. ويمكننا — على ضوء الموقف التجاري — أن نُقَسِّم معظم دول العالم إلى المجموعات التالية:
  • (١)
    الدول المعتمدة على السوق العالمي: وتتميز باستيراد الخامات المعدنية والغذائية وتصدير السلع المصَنَّعَة. ومن أوضح النماذج لهذه المجموعة من الدول الولايات المتحدة ودول غرب أوروبا واليابان.
  • (٢)
    الدول الموجهة إلى السوق العالمي: وتتميز بتصدير الأغذية والخامات، ويمكننا أن نعد دول البترول في العالم وأستراليا أو جنوب أفريقيا أو الأرجنتين نموذجًا لهذه المجموعة.
  • (٣)
    الدول الضعيفة الاتصال بالسوق العالمي: وهذه تتميز بضعف الإنتاج نتيجة للتخلف والكفاية الذاتية وسيطرة النُّظم البدائية على اقتصادياتها. وتعد أثيوبيا أو بوركينا فاسو أو باراجواي نموذجًا لهذه المجموعة.
وتقسيم العالم إلى هذه المجموعات ليس في الواقع تقسيمًا جامدًا. وهو إن كان يعطينا صورة مبسطة من أجل الوضوح، إلا أن التداخل بين هذه المجموعات يحدث الآن وبسرعة؛ نتيجة عوامل عديدة أهمها:
  • (أ)

    اتجاه شديد نحو التنمية الاقتصادية، وخاصة التصنيع في الدول المتخلفة والنامية بمساعدات أجنبية أو دولية بعد انهيار الإمبراطوريات الاستعمارية الكبرى (الإمبراطورية البريطانية على وجه الخصوص)، واستقلال كثير من المستعمرات. ومن الأمثلة على إمكانية التغيير في موقف الدول من ناحية السوق العالمية حالة دول البترول العربية؛ فإنه نتيجة للاستثمارات الخارجية أمكن اكتشاف حقول للبترول جعلتها في عداد الدول الموجهة إلى السوق العالمي بعد أن كانت من الدول ضعيفة الاتصال بالسوق.

  • (ب)

    اتجاه جديد نحو السوق العالمي من جانب دول الكتلة الشيوعية السابقة، وقد جاء ذلك بعد ثبات أقدام النظام الاقتصادي في هذه الدول ودخولها مرحلة جديدة بعد بناء الاقتصاد الداخلي. ومن الأمثلة الواضحة استيراد كميات كبيرة من القمح من العالم الغربي، ودخول البترول والغاز الروسي السوق الأوروبي الغربي.

  • (جـ)

    اتجاه الدول الموجهة إلى السوق العالمي — إن عاجلًا أو آجلًا — إلى التصنيع مما يؤدي بها إلى تغير موقفها من السوق العالمي بدرجات ملحوظة.

(٢) مناهج الدراسة في الجغرافيا الاقتصادية

هناك عدة مناهج للدراسة في مجالات الجغرافيا الاقتصادية، ولكل منها مؤيدون ومحبذون أو معارضون. ويمكننا أن نلخص هذه المناهج فيما يلي:
  • (١)
    المنهج الإقليمي The Regional Approach.
  • (٢)
    المنهج المحصولي The Commodity Approach.
  • (٣)
    المنهج الحرفي The Occupational Approach.
  • (٤)
    المنهج الأصولي The Principle Approach.
  • (٥)
    المنهج الوظيفي The Functional Approach.

(٢-١) المنهج الإقليمي

عبارة عن دراسة «الموارد الاقتصادية» مجتمعة داخل إطار إقليمي؛ كالإقليم المداري مثلًا أو قارة من القارات أو قطر من الأقطار أو إقليم محدود المساحة يتميز بالتجانس في حياته الاقتصادية كدلتا النيل «ولا شكَّ أنَّ مثل هذا المنهج يعطي الدارس في النهاية قيمة حقيقية للإقليم الذي يدرسه. فهو يوضح التشابك الاقتصادي في الإقليم مبينًا تكامله أو نواحي النقص فيه.»١٠
والملاحظ أن معظم الكُتَّاب يجمعون على وجوب تقسيم العالم إلى أقاليم اقتصادية Economic Regions. ومثل هذا التقسيم ليس أمرًا سهلًا؛ فقد تكون حدود الأقاليم في بعض مناطقه حدودًا طبيعية (مناخية أو نباتية، أو تتصل بمظاهر السطح المختلفة) أو حدودًا بشرية (كثافة سكانية معينة؛ عرف خاص — دين خاص — نظام جمركي محدد … إلخ) وهذا أمر واضح إذا ما أخذنا الزراعة والصناعة كلٌّ على حدة. فهناك ضوابط بشرية تلعب دورًا إيجابيًّا في تحديد أنواع من الأقاليم الزراعية. وفي الوقت ذاته تتأثر بعض الأقاليم الزراعية بضوابط خارجية معينة، كالإقليم المداري الذي يتأثر بضوابط بشرية مصدرها أقاليم الصناعة في أوروبا وأمريكا.

هذا بطبيعة الحال إلى جانب مجموعة الضوابط الطبيعية، وفي الدراسات الإقليمية التفصيلية نجد تداخلًا بين الفواصل الطبيعية والبشرية مما يؤدي في نهاية الأمر إلى صعوبة تحديد الأقاليم على أساس واحد أو اثنين.

ورغم كل هذه الصعوبات، فإن الدراسة الإقليمية تفيد — بلا شك — في دراسة التكتلات الاقتصادية في العالم١١ إذا ما أخذنا هذه التكتلات على أنها وحدات سياسية تتداخل وتترابط فيها الظروف الطبيعية والبشرية في أقاليم اقتصادية عديدة يربط بينها تخطيط وسياسة إنتاجية واقتصادية معينة.

(٢-٢) المنهج المحصولي

يعتبر المنهج المحصولي بلا شك أقدم وأسهل مناهج الدراسة في الجغرافيا الاقتصادية، ولا يكاد يخلو كتاب من كُتبِ الجُغرافيا الاقتصادية — على أي منهج متبع — من معالجة محصولية للإنتاج. وفي ذلك قال عبد الحكيم: «… وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن جونز — أحد الكتاب — حاول أن يتحرر من المنهج المحصولي فلم يفلح ولم يلبث أن عاد إلى اتباعه عند دراسته التفصيلية داخل كل حرفة.

ولا يقتصر هذا على من حاولوا اتباع المنهج الحرفي … «بل» على كثير من الكتاب الذين حاولوا اتباع المنهج الإقليمي».١٢
وبعد أن كان المنهج المحصولي في البداية تعدادًا للمساحة والمحصول والاستهلاك والتجارة. أدخل الكتاب الجديد أساليب جديدة في دراسة المحاصيل؛ ومن أهم هذه الأساليب ما أدخله الأستاذ E. B. Shaw١٣ من أسئلة يجب الرد عليها فيما يختص بدراسة كل محصول أو سلعة على حدة، وهذه الأسئلة هي:
  • (١)

    أين تُنْتَج وتُسَوَّق وتُسْتَهلك؟

  • (٢)

    أين يُمْكن أن تُنتَج وتُسَوَّق وتُسْتَهلك؟

  • (٣)

    لماذا تُنْتَج وتُسَوَّق وتُسْتَهْلَك؟

  • (٤)

    كيف تُنْتَج وتُسَوَّق وتُسْتَهْلك؟

ففي دراسة Shaw لغلة معينة زراعية أو معدنية، نجده «يبدأ بالتعريف بطبيعة الغلة والنواحي التي تستخدم فيها، مع الإشارة إلى تاريخ ظهورها واستخدامها، ثم ينتقل إلى تفصيل العوامل المختلفة التي يشترط توافرها لإنتاج هذه الغلة، وتطبيق هذه العوامل على جهات العالم المختلفة؛ لتحديد أيها يصلح لإنتاجها. ثم يميز بين ما ينتجها فعلًا وما لا ينتجها من هذه المناطق الصالحة، موضحًا الأسباب في كل حالة، سواء أكانت طبيعية أم بشرية، كالتعرض لأمراض وآفات معينة أو حدود بشرية خاصة. ثم ينتقل إلى تفصيل كيفية إنتاج هذه الغلة في كل منطقة، مع توضيح مركز كل منطقة في عالم الإنتاج، وهنا يشير إلى جميع مراحل الإنتاج التي تمر بها السلعة حتى تصل إلى يد المُستَهلِك الأخير. ويختم الدراسة بتوضيح مراكز القوى الرئيسية في العالم في إنتاج هذه السلعة.»١٤
ويطلق الأستاذ «شو» على المنهج المحصولي اسم «المنهج الموضوعي» Topical ويقسمه إلى قسمين:
  • (أ)
    المنهج المحصولي العام: ويقوم على دراسة المحصول الواحد في العالم ككل، مبتدئًا بالشروط الطبيعية والبشرية للإنتاج، ومنتهيًا بالاستهلاك، موضحًا في ذلك مراكز القوى الرئيسية في الإنتاج والتجارة كما سبق ذكره.
  • (ب)
    المنهج المحصولي الإقليمي: وهو «يتناول دراسة النشاط الاقتصادي المرتبط بغلة معينة في منطقة بالذات، وقد اختار «شو» لتوضيحها نطاق الذرة في الولايات المتحدة؛ فدرس الذرة كغلة تدخل ضمن دورة زراعية تشمل مجموعة من الغلات — تدرس ربما بتفصيل أقل — ثم يدرس كل ما يقوم على هذه الغلة من نشاط اقتصادي في المنطقة — زراعيًّا كان أو صناعيًّا — فتربية الحيوان وصناعة حفظ اللحوم تدخل في دراسة الجغرافيا الاقتصادية لنطاق الذَّرَة في الولايات المتحدة.١٥

(٢-٣) المنهج الحرفي

ومثل هذا المنهج يعتمد على تقسيم الموضوعات الاقتصادية على أساس حرفي متضمنًا دراسة الحرف كل على حدة في ترتيب تاريخي؛ أي: الأقدم فالأحدث. ومن أهم الأمثلة على مثل هذا المنهج كتاب جونز ودار كنفالد١٦ بعنوان «الجغرافيا الاقتصادية»، وفيه يتناول المؤلفان الموضوع حرفيًّا مبتدئين بالصيد البري والبحري، ثم الحرف المرتبطة بالغابات وصناعة الأخشاب، ثم الحرف المرتبطة بالرعي القديم والحديث، ثم حرفة الزراعة، ثم حرفة التعدين، ثم الصناعة، وأخيرًا التجارة والنقل.

ويبين المؤلفان في كل حرفة التطورات التكنولوجية التي أُدخلت على الحرفة منذ عرفها الإنسان في الماضي حتى استخدام تكنولوجيا العصر الحديث؛ ففي الصيد البحري مثلًا يدرس على حدة الصيد بالوسائل القديمة عند الجماعات البدائية المعاصرة، ثم يدرس الصيد التجاري الذي تُستخدم فيه السفن والشِّباك الميكانيكية ووسائل التعليب الآلية. وفي الزراعة يدرس المؤلفان الزراعة البدائية والزراعية من أجل الكفاية الذاتية المحلية والزراعة التي يتدخل فيها العامل التجاري. ثم يخصصان للزراعة التجارية قسمين كبيرين؛ أولهما: الزراعة التجارية في الإقليم المداري. وثانيهما زراعة محاصيل الألياف التجارية. وفي داخل كل قسم يدرس المؤلفان كل محصول على حدة، مثل الكاكاو أو البن أو المطاط أو القطن أو الجوت.

ولكنْ المؤلفان لا يقتصران على مثل هذا المنهج المحصولي فقط — بعد المنهج الحرفي — بل ينتقلان إلى دراسة أنواع أخرى من الزراعة في صور إقليمية، مثل زراعات إقليم البحر المتوسط، أو زراعة الحبوب الغذائية في الإقليم الجاف وشبه الجاف، أو الزراعة المختلطة مع تربية الحيوان في إقليم شمال غرب أوروبا وكندا.

فكأن المؤلفين في حقيقة الأمر لا يقتصران على المنهج الحرفي، بل يتناولان الموضوع بشتى المناهج حسب احتياج الدراسة.

ومثل هذا المنهج يتبعه عددٌ آخر من المؤلفين نذكر من بينهم الأستاذ جون ألكسندر١٧ وروبنسون.١٨

(٢-٤) المنهج الأصولي

وهذا المنهج يتناول التركيب الاقتصادي والعوامل المؤثرة فيه طبيعيًّا وبشريًّا، وما يترتب على ذلك من قوانين تتحكم في الإنتاج.

ويُقَسِّم الأستاذ هانز بيش١٩ العالم إلى أقاليم على أساس مركب؛ فهو أولًا يقسمه على أساس: (أ) أقاليم طبيعية. (ب) أقاليم تدخَّل فيها الإنسان. ثم يعود فيقسم القسم الأول على أساس احتمالات الاستغلال المُستقبلة، والثاني على أساس درجة تدخل وتأثير الإنسان.
وفي داخل كل قسم يدرس كلًّا من العوامل الطبيعية والبشرية ككل متكامل في تأثيراتها المتبادلة، أو يفصل كل عنصر طبيعي أو بشري في دراسة مفردة. ويخص بيش الإنتاج الزراعي والحيواني بمثل هذا المنهج نظرًا للتداخل والتأثير الشديد للعوامل الطبيعية في الإنتاج. وقد ذكر الأستاذ شو٢٠ مثل هذا المنهج مبينًا القوانين الأساسية المُتحَكِّمة في الإنتاج، وقد ذكر منها القانونين الأساسين التاليين:

(١) ظروف البيئة الطبيعية تضع حدودًا واضحة لإمكان السكن والإنتاج في جهات العالم المختلفة، أو أن إنتاج غلة بالذات يقتضي ظروفًا طبيعية معينة. وإذا حاولنا تطبيقها على جهات العالم المختلفة أمكننا تحديد المناطق التي يمكن لهذه الغلة أن تنتج فيها، وأمكننا أن نحذف المناطق غير الصالحة.

وفي دراسة الإنتاج التعديني نجد شروطًا طبيعية معينة تحدد طريقة الاستغلال، وبالتالي تحدد التكلفة وحجم الإنتاج وعمره، كما يتحدد شكل الاستقرار البشري في المنطقة.

(٢) العوامل البشرية تلعب دورًا هامًّا في نوع الاستغلال وتحدد السكن والإنتاج في مناطق دون غيرها حتى ولو تشابهت في ظروفها الطبيعية. ومن العوامل البشرية التي يذكرها الأستاذ نصر وتؤثر على الإنتاج: المستوى الفني والمعيشي للسكان، والاستقرار السياسي والاقتصادي أو الحرب والقلاقل والثورات والعقائد التي تساعد على الاتجاه إلى أنواع من الإنتاج أو الانصراف عنها، مراكز الاستهلاك ودورها في تحديد أنواع المحاصيل أو نوع التجارة أو تركز الصناعة فيها.

(٢-٥) المنهج الوظيفي٢١

وهو من أحدث المناهج في الدراسة الجغرافية وعلى وجه الخصوص في دراسة الجغرافيا الاقتصادية. مثل هذا المنهج يسعى إلى دراسة التركيب الوظيفي للنظام الاقتصادي السائد، وبالتالي يأخذ في الاعتبار التطور التاريخي والتأثير البشري المتطور على الإنتاج أو التجارة.

ونتيجة للدراسات العديدة أمكن ملاحظة عدة مستويات من وظائف النظام الاقتصادي يمكن ترتيبها تاريخيًّا؛ ففي المجتمعات البسيطة أو حيث تكون المزرعة منعزلة وتكفي الاستهلاك المحلي؛ فإنَّ الوظيفة الاقتصادية للإنتاج والاستهلاك تكون على أدنى مستوى نظرًا لعدم تعقد وتشابك وظائف الإنتاج والتجارة والتسويق، كذلك لوحظ أنَّ الصناعة والخدمات تتميزان بارتباطات وظيفية أكثر تعقيدًا من الوظائف الاقتصادية في المجتمعات الزراعية، وذلك على الرغم من تعقد الزراعة الموجهة إلى السوق والتجارة الدولية.

وفي داخل التركيب الوظيفي لأي نشاط اقتصادي نجد عددًا من العناصر الهامة نذكر منها: نظام ملكية الأرض الزراعية أو وسائل الإنتاج. ونظرًا للتطور التاريخي للملكية؛ فإنَّ وظائفها مُتغيِّرة وليست ثابتة. فعند معظم الشعوب الزراعية نجد ملكية الأرض وأدوات الإنتاج الأساسية فردية، ولكنها عند الجماعات البدائية وفي بعض النظم السياسية المستحدثة تبدأ الملكية من مستوى الجماعة أو العشيرة، ولا يصبح للملكية الفردية مكان ولا وظيفة داخل البناء الاقتصادي، وفي خلال عهد أمراء الإقطاع في أوروبا كانت لهم بحكم القانون القديم سلطات وسطوة على الملكية الصغيرة أو الكبيرة.

ومن العناصر الهامة الأخرى داخل التركيب الوظيفي؛ المستوى الذي يعمل عليه الفرد داخل البناء الاقتصادي؛ ففي المجتمعات البدائية نجد الفرد يعمل على مستوى الجماعة والعشيرة، وفي مجتمعات الزراعة البدائية ومناطق الزراعة الكثيفة في الدول المتخلفة يعمل الفرد على مستوى مزرعته، وفي هذه الحالات فإنَّ وظيفة الفرد بسيطة غير مُعَقَّدة لقلة تشابكها بغيرها من الوظائف الإنتاجية.

وعلى العكس من ذلك؛ فإن الفرد في الدول المُتقدَّمة يعمل على عدة مستويات من الوظائف نظرًا لترابط الإنتاج في هذه الحالات بالسوق والاستهلاك المحلي والدولي.

وعلى أساس عناصر الوظيفة؛ فإننا نجد إنَّ دراسة الجغرافيا الزراعية يجب أن تتناول الموضوعات التالية بالدراسة:
  • (١)

    مستوى المزرعة الفردية.

  • (٢)

    الأسواق المحلية للإنتاج الزراعي.

  • (٣)

    وظيفة الأقاليم الزراعية داخل الاقتصاد القومي.

  • (٤)

    التجارة الدولية في المنتجات الزراعية.

وفيما يختص بالموضوع الثالث؛ فإنه من الواضح أنَّ الإنتاج الزراعي تتعدد ارتباطاته مع أنواع أخرى من الإنتاج، تكوِّن في مجموعها كل موارد الاقتصاد القومي؛ وبالتالي تخضع لاعتبارات أعلى من مستوى الزراعة. وفي حالة التجارة الدولية للإنتاج الزراعي يزداد التعقيد في وظيفة الإنتاج نظرًا لارتباطه بالسوق الدولي بما فيه من عناصر خارجة عن الدولة.

•••

هذه المعالجة السريعة للمناهج في دراسة الجغرافيا الاقتصادية لا تؤدي بالضرورة إلى تفضيل منهج على آخر حيث إننا لا نرى لذلك ضرورة معينة، فكما سبق أن ذكرنا، فإن في الإمكان دراسة الموضوع الاقتصادي من زاوية أو أكثر، كما أنَّ هناك موضوعات يحسن دراستها من جانب مُعين بناءً على منهج معين؛ من أجل إبراز قيمة النشاط الاقتصادي المعني داخل ترابط دولي أو إقليمي أو دراسته في حد ذاته أو لتوضيح مكانته العالمية.

ومن الأمثلة على ذلك أن المنهج الإقليمي يوضح قيمة أقاليم العالم الإنتاجية، بينما يوضح المنهج المحصولي قيمة المحصول محليًّا ودوليًّا، وهذان المنهجان هما أكثر المناهج شيوعًا في الدراسات الاقتصادية، أما المنهج الحرفي؛ فإنه يبدأ من نقطة انطلاق اقتصادية تاريخية موزعًا أنواع الاقتصاد السائدة على العالم بغض النظر عن تعمد فكرة الإقليم الجغرافي، ثم يدرس الإنتاج على أسس محصولية أو إقليمية. وأخيرًا فإن المنهجين الأصولي والوظيفي لا يمثلان في حد ذاتهما مناهج قائمة بذاتها في دراسة الجغرافيا الاقتصادية قدر ما هما فلسفة وأسس وقواعد للدراسة يلتزم بها الدارسون في المعالجة الموضوعية لأنواع النشاط الاقتصادي.

ورُبَّما كان الأوفق أن نُسَمِّيهما بالمدخل الأصولي والوظيفي بدلًا من المنهج.

وعلى أية حال فإن المدخل الأصولي أكثر ميلًا للأخذ بالقواعد الجغرافية العامة في الدراسة، وينص صراحة على دراسة عوامل الإنتاج داخل قالبين كبيرين؛ القالب الطبيعي والقالب البشري، وتفاعلهما معًا.

أما المدخل الوظيفي؛ فينطلق من زاوية معينة هي: وظيفة النشاط الاقتصادي المعين داخل أنواع النشاط المختلفة؛ وبالتالي دراسة تركيب وبناء الاقتصاد وترابطه وتشابكه على مستويات الفرد والدولة والعالم.

وأخيرًا؛ فإنَّ إيجاد ائتلاف دائم للمناهج قد يعوق التقدم الفكري؛ فإن تعدد المناهج والمداخل بلا شك يعطي الموضوع الواحد قيمًا عديدة من زوايا عديدة، وبالتالي يتم دراسته على أمثل الطرق.

هوامش

(١) هي تسميات على الأسس الاقتصادية، فهما عالم نامٍ وعالم متقدم اقتصاديًّا.
(٢) الطبعة الثانية ١٩٥٨ Lutgens, R., Die Produktionsraum der Erde.
(٣) Hassinger, H., “Wirstschaftsgeographgie.” In Handbuch des geographischen Wissenchaften. Von F. Klute 1933.
(٤) Otremba, E., “Wertwandlungen in der deutschen wirtschaftslandschaft.” In Die Erde, Vol. II 1950-1951.
(٥) نصر السيد نصر: (قواعد الجغرافيا الاقتصادية)، القاهرة ١٩٦٠ ص٩.
(٦) C. P. Jones & G. G. Darkenwald “Economic Geography”, New York 1959, P. 7.
(٧) H. Boesch, “A Geography of World Economy”, London 1964, p. 112.
(٨) أصبحت هذه الأنشطة ١٩٩٤ في فرنسا على النحو الآتي: الزراعة ٢٫٣٪، الصناعة ٢٨٫٧٪، الخدمات ٦٩٫٨٪ من الناتج المحلي العام، والعاملون في الزراعة ٥٪، وفي الصناعة ٢٨٪ والخدمات ٧٦٪ من قوة العمل الفرنسية.
(٩) J. W. Alexander, “Economic Geography”, New Jersy 1963, pp. 5–7.
(١٠) نصر السيد نصر: «قواعد الجغرافيا الاقتصادية»، ١٩٦٠ ص١٩–٢١.
(١١) من التكتلات الاقتصادية: الاتحاد الاقتصادي لدول البنلوكس، المنظمة الأوروبية للفحم والصلب، السوق الأوروبية المشتركة.
(١٢) صبحي عبد الحكيم: (موارد الثروة الاقتصادية)، ١٦-١٧.
(١٣) نصر السيد نصر: (قواعد الجغرافيا الاقتصادية)، ١٩٦٠ ص٢٢.
(١٤) نصر السيد نصر، المرجع السابق ص٢٢.
(١٥) نصر السيد نصر، المرجع السابق ص٢٢-٢٣.
(١٦) C. F. Jones & G. G. Darkenwald, “Economic Geography”, New York 1954.
(١٧) John. W. Alexander. “Economic Geography”, New Jersey, 1963.
(١٨) Robinson, H., “Geography For Business Studies” nd. Macdonal & Evans, London 1972.
(١٩) H. Boesch, “A Geography of World Economy.” London 1964, pp. 113–115.
(٢٠) نقلًا عن نصر السيد نصر، المرجع السابق، ص٢٣-٢٤.
(٢١) H. Boesch: idid, pp. 10–17.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١