الفصل الأول

ابن الله (أبانا) (الإنسان — ابن الله — ضعيف بالجسد قوي بالروح)

فحوى الفصل الأول

يسوع المسيح كان ابنًا لأب مجهول، وإذ لم يعرف من هو والده دعا نفسه ابن الله منذ صباه، وفي ذلك الزمان كان في بلاد اليهودية نبي اسمه يوحنا، كان يُكرز للناس بقرب ظهور الله على الأرض، فكان يقول: إن الناس إذا غيَّروا طريقة حياتهم وأصبحوا يحسبون جميع الناس متساوين، وينقطعون عن التعديَّات على بعضهم، ويأخذون بمساعدة بعض؛ فإن الله ينزل إلى الأرض ويُوطد دعائم مملكته عليها؛ فلما سمع يسوع هذه الكرازة ابتعد عن الناس وسار إلى البرِّيَّة حيث اختلى بنفسه ليتأمل بمعنًى حياة الإنسان ونسبته إلى ذلك الأزلي الذي لا بداية له ولا نهاية، أعني به الله جل جلاله، وكما قدَّمنا: إنه لما كان لا يعرف له أبًا التجأ إلى ذلك الواحد القدير مبدع الموجودات الذي سمَّاه يوحنا: الله.

ولما أقام يسوع المسيح في البرِّيَّة عدة أيام بدون طعام ولا شراب، أخذ يشعر بالجوع، فافتكر بنفسه قائلًا: أنا ابن الله القادر على كل شيء، فإذن يحق لي أن أكون قادرًا مثله، ولكني الآن جائع وليس لدي خبز وليس في استطاعتي إيجاده؛ ولذلك فإني ضعيف جدًّا، فأجاب نفسه على ذلك بقوله: إني لا أستطيع أن أُحوِّل الحجارة إلى خبز، ولكني أستطيع الإمساك والعيشة بدون الخبز، وإذا كنتُ ضعيفًا بالجسد فإني قوي بالروح، وأستطيع أن أغلب الجسد؛ ولذلك فإني ابن الله بالروح وليس بالجسد.

ثم قال لنفسه: إذا كنتُ ابن الروح فإني أستطيع أن أتخلص من الجسد وأُفنيه، إنني ولدت بالروح في الجسم، هكذا شاءت إرادة أبي فأنا لا أُخالفها.

ثم قال لنفسه: إذا كانت إرادتي لا تستطيع إرضاء جسدي ومجاراته في مطالبه، فإنه يتحتَّم عليَّ أن أخضع للجسد ولا أنكره، وأن أعمل وأشتغل لأجله، وأتمتع بجميع الملذات التي يهبني إياها الجسد، فأجاب نفسه على ذلك بقوله: إني لا أقدر أن أُجاري مطالب الجسد، كما أني لا أستطيع إنكاره، وإنما روحي قوية بالله أبي؛ ولذلك يتحتَّم عليَّ أن أخدم الروح بالجسد، ولما تثبَّت وأيقن أن حياة الإنسان مُكرَّسة للروح أو لله عاد من البرِّيَّة، وأخذ ينشر تعاليمه بين الناس، فقال: إن به روحًا، وأنه من الآن تُفتَّح أبواب السماء، وتتَّحد القوات السموية مع الإنسان، وقد أقبلت على الناس حياة أبدية حُرة، وأن الناس مهما كانوا تعساء فإنهم يصبحون سعداء، يرفلون بسربال الغبطة والهناء.

•••

متَّى، ١: ١٨: أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا، كانت أمه مريم مخطوبة ليوسف، ولكن قبل أن يعزما على العيشة كما يعيش الرجل مع زوجته ظهرت مريم حُبْلى.

١٩: ويوسف كان رجلًا بارًّا، فلم يشأ أن يجلب عليها العار ويُشهر أمرها، بل إنه قبلها كزوجته ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر ودعته يسوع.

لوقا، ٢: ٤٠: وكان الغلام ينمو ويتقوَّى، وكان حاد الجَنان، أُوتي ذكاءً مُفرطًا لم يُؤته أحد في سِنِّه.

٤١: ولما بلغ الثانية عشرة سنة.

٤٢: قصد ذات عام يوسف ومريم أورشليم لحضور العيد، واصطحبا الغلام معهما.

٤٣ و٤٤: ولما انقضت أيام العيد سافرا إلى مدينتهما ونسيا الغلام.

٤٥: وفيما هما في الطريق ذكراه ظنًا أنه مضى مع أترابه، فبحثا عنه ولمَّا لم يجداه، عادا إلى أورشليم يطلبانه فيها.

٤٦: وفي اليوم الثالث وجدا الغلام في الهيكل جالسًا بين العلماء يُسائلهم ويسمع حديثهم.

لوقا، ٢: ٤٧: وجميعهم كانوا مُتعجِّبين لسمو مداركه.

٤٨: فلما رأته أمه قالت له: ماذا فعلتَ بنا؟ لأني كنت مع أبيك نبحث عنك وحزنَّا جدًّا على فقدك.

٤٩: فقال لهما: أين بحثتما عني؟ ألا تعلمون أنه ينبغي البحث عن الابن في بيت أبيه؟

٥٠: ولكنهما لم يفهما كلامه، ولم يُدركا مَن يعني بأبيه.

٥١: ومن ذلك الحين عاش يسوع عند والدته وكان طائعًا لها.

٥٢: وكان ينمو في القامة والعقل.

لوقا، ٣: ٢٣: وكان الجميع يظنون أن يسوع ابن يوسف، وبقي عائشًا على حاله حتى بلغ الثلاثين عامًا.

متَّى، ٣: ١: وفي ذلك الزمان ظهر في اليهودية النبي يوحنا.

مرقص، ١: ٤: وكان يوحنا يعيش على ضفاف نهر الأردن الواقع في اليهودية.

متَّى، ٣: ٤ وكان لباسه من وبر الإبل، وكان طعامه من جذور الأشجار والعسل البري.

مرقص، ١: وقد نادى في الناس أن يُغيِّروا طريق معيشتهم ليخلصوا من الكذب والنفاق، وإشارة إلى تغيير معيشة الناس كان يُعمِّدهم بالماء.

لوقا، ٣: ٤: وكان يقول: صوت صارخ إليكم في البرِّيَّة، أعدُّوا طريق الرب، واصنعوا سُبله مستقيمة.

٥: مهِّدوا كل شيء حتى لا يكون اعوجاج ولا وِهاد ولا وديان ولا ارتفاع ولا انخفاض.

٦: وحينئذٍ يظهر الله بيننا ويجد الجميع الخلاص.

١٠: ثم سأله الشعب ماذا نعمل؟

١١: فأجابهم: من له ثوبان فليعطِ لمن ليس له، ومن عنده طعام فليعطِ من ليس عنده.

لوقا، ٣: ١٢: فجاء إليه العشَّارون وسألوه: ماذا نفعل؟

١٣: فأجابهم: لا تتقاضوا من الناس أكثر مما هو مفروض عليهم.

١٤: وسأله جند: ونحن ماذا نعمل؟ فأجابهم لا تُهينوا أحدًا، ولا تخادعوا الناس، واكتفوا بما عُيِّن لكم.

متَّى، ٣: ٥: وأتى إليه الأورشليميون وجميع اليهود من كورة الأردن.

٦: وتابوا أمامه عن خطاياهم، وكان يُعمِّدهم في الأردن إشارة إلى تغيير معيشتهم.

٧: وجاء إليه الفريسيُّون والصدوقيُّون سرًّا ولكنه عرفهم، وقال لهم: يا أولاد الأفاعي من أرشدكم إلى مخالفة نواميس الله حتى جلبتم عليكم غضبه؟ فارجعوا عن آثامكم وغيِّروا معتقداتكم.

٨: وإذا غيَّرتم معتقداتكم فأتوا بأثمار تدل على إقلاعكم عنها.

١٠: قد وضعت الفأس على أصل الشجر فكل شجرة لا تُثمر ثمرًا جيدًا تُقطع وتُلقى في النار.

١١: وإني إشارة إلى رجوعكم عن معتقداتكم أُعمِّدكم بالماء، ولكن ينبغي عليكم بعد ذلك أن تتطهَّروا بالروح.

١٢: الروح يطهِّركم كما يُنقِّي الفلاح بيدره، فيجمع القمح ويحرق التبن.

١٣: فأتى يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا، واعتمد منه وسمع وعظه وكرازته.

متَّى، ٤: ١: ومضى من الأردن إلى البرِّيَّة حيث دعا الروح.

٢: فأقام يسوع في البرِّيَّة ٤٠ يومًا و٤٠ ليلة دون أن يأكل أو يشرب.

٣: فقال له صوت جسده.

لوقا، ٤: ٣: إذا كنتَ ابن الله القادر على كل شيء، فأنت تستطيع أن تصنع من هذه الحجارة خبزًا، وبما أنك تعجز عن صنع ذلك فلست إذن ابن الله.

٤: ولكن يسوع قال لنفسه: إذا كنتُ لا أستطيع أن أصنع من الحجارة خبزًا فأكون لستُ ابن إله الجسد، ولكن ابن الله الروح، وأني حي ليس بالخبز بل بالروح، وروحي تقدر أن تستغني عن الجسد، ولكن الجوع أضناه، فقال له أيضًا صوت الجسد: إذا كانت روحك تستغني عن الجسد فيمكنك إذن أن تنفصل عن الجسد وتبقى روحك حية.

٩: ثم تصوَّر نفسه واقفًا على جناح الهيكل، وصوت الجسد يقول له: إذا كنت ابن الله فارمِ نفسك إلى أسفل فلا تُقتَل ولا يلحقك أذًى.

١٠: لأن القوة السماوية غير المنظورة تحرسك وتحملك وتنقذك من كل شر.

١١: ولكن يسوع قال لنفسه: إني أستطيع إنكار الجسد، ولكن لا أستطيع الانفصال عنه؛ لأني وُلِدت بالروح في الجسد كما شاءت إرادة أب روحي التي لا أقدر أن أُخالفها، فقال له حينئذٍ صوت الجسد: إذا كنت لا تستطيع مخالفة أبيك بأن لا تطرح نفسك عن جناح الهيكل وعدم الانفصال عن الجسد، ولكنك لا تستطيع مخالفة أبيك عندما تجوع وتريد تأكل، وأنك لا تستطيع أيضًا أن تُنكر شهوات الجسد، بل يجب عليك أن تخدمها.

٥: ثم تمثَّلت ليسوع جميع ممالك العالم وجميع الناس، وكيف يعيشون ويتعبون للجسد ويتوقَّعون المكافأة منه.

٦: فقال له صوت الجسد: انظر! ألا ترى أنهم يشتغلون لي وإني أعطيهم جميع ما يتمنون؟!

٧: فإذا أردتَ أن تخدمني وتشتغل لي فيُصيبك مني مثل ذلك.

٨: غير أن يسوع قال لنفسه: أبي ليس جسد بل روح، وأنا أعيش به وأعرف أنه فيَّ؛ ولذا فإني أكرمه وحده وأشتغل له وحده، ومنه دون سواه أنتظر المكافأة.

١٣: وعلى أثر ذلك انتهت التجربة وعرف يسوع قوة الروح.

لوقا، ٤: ١٤؛ ويوحنا، ١: ٣٦: ولما عرف يسوع الروح عاد من البرِّيَّة، ورجع إلى يوحنا، ومكث عنده، ولما تركه ومضى قال يوحنا عنه: إن هذا هو مُخلِّص العالم.

يوحنا، ١: ٣٧: فلما سمع تلميذا يوحنا كلامه تركا معلمهما وتبِعا يسوع.

٣٨: فلما رآهما يسوع يتبعانه وقف وقال لهما: ماذا تُريدان مني؟ فأجاباه: يا معلم نحن نريد أن نكون معك لنسمع تعليمك.

٣٩: فقال لهما: هلُمَّ ورائي وأنا أقول لكما كل شيء، فسارا معه ومكثا عنده يسمعان كلامه حتى الساعة العاشرة.

٤٠: وكان اسم أحد التلميذين أندراوس، وكان له أخ اسمه سمعان.

٤١: فلما سمع أندراوس تعليم يسوع مضى إلى أخيه سمعان، وقال له: نحن وجدنا ذاك الذي كتب عنه موسى والأنبياء، ذلك الذي سيرشدنا إلى طريق الخلاص.

٤٢: ثم أخذ أندراوس أخاه سمعان إلى يسوع، وقد دعاه فيما بعد بطرس أعني الحجر، ومن ذلك الحين صار الأخوان تلميذين ليسوع.

٤٣: ثم قبل أن يدخل يسوع الجليل صادف فيلبس، وقال له: اتبعني.

٤٤: وكان فيلبس من بيت صيدا وطن أندراوس وبطرس.

٤٥: ولما عرف فيلبس يسوع مضى ووجد أخاه نثنائيل، وقال له: نحن وجدنا ذاك الذي اصطفاه الله، الذي كتب عنه الأنبياء وموسى المدعوَّ يسوع ابن يوسف الذي من الناصرة.

٤٦: فاستكبر نثنائيل خروج ذلك الذي كتب عنه موسى والأنبياء من بلدة مجاورة لهم، وقال: إن لفي خروج المختار من الله من الناصرة حكمة خافية عن الناس، فقال له فيلبس: هلمَّ معي، وأنت ترى وتسمع.

٤٧–٤٩: فسار نثنائيل مع أخيه، ولما أبصر يسوع وسمع كلامه، قال له: قد تحققتُ الآن الصحيح والحق يقال بإنك أنت ابن الله وملك إسرائيل.

٥١: فقال له يسوع: الأحرى بك أن تعرف ما هو أهم من ذلك، فإن من الآن تُفتَح السماء ويستطيع الناس أن يتَّحدوا مع القوات السماوية، ولا يكون الله بعدُ بعيدًا عن الناس.

لوقا، ٤: ١٦: وجاء يسوع إلى وطنه الناصرة، ولما جاء يوم العيد دخل كعادته إلى المجمع وصار يقرأ.

١٦: فدفعوا إليه سِفر أشعياء النبي ففتحه، وقرأ فيه ما يأتي: إن روح الرب عليٌّ، ولأجل ذلك مسحني، وأرسلني لأُبشِّر المساكين، وأشفي منكسري القلوب، وأنادي للمأسورين بالحرية، وللعميان بالبصر، وأُطلق المهشَّمين إلى الخلاص، وأُكرز بسُّنة الرب المقبولة.

لوقا، ٤: ٢٠: ثم طوى السِّفر، ودفعه إلى الخادم وجلس، وكان الجميع ينتظرون ماذا يقول.

٢١: فقال لهم: لقد تمت الآن هذه الكتابة أمام أعينكم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠