من أجل حفنة نساء

تأتيني من الكويت بالذات، ومن بعض البلاد العربية الأخرى وعلى رأسها بالطبع بيروت، بعض الجرائد والمجلات. ولكن ليست هذه هي المشكلة؛ المشكلة هي هذه التقليعة التي أُصِيبت بها بعض الجرائد، ومنها جرائد أحترمها كثيرًا وأحترم أصحابها ورؤساء تحريرها، تقليعة إصدار «ملاحق» يسمونها ملاحق «فنية». والملحق لا يكاد يختلف عن الآخر إلا في نوع «الفنانة» التي تحتلُّ صورتها وهي شبه عارية نصف الصفحة الأولى أو ربما الصفحة كلها. الملحق الأخير الذي استوقفني ملحقٌ أصدرته جريدةٌ أحترمها تمامًا، والمانشت العريض يُزيِّن الصفحة الأولى للملحق، مانشت يقول: سهير صبري تبحث عن ملحن. وتحت المانشت صورة للسيدة أو «الآنسة» — لا أريد أن أعرف — سهير صبري بنصف قميص نوم وسيقان عارية من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ووراءها شاب (اتضح لي أنه ممثل كوميدي مصري معروف) يقيس قميص النوم من الخلف، وواضح من المتر الذي يقيس به أن طول القميص لا يتعدى النصف متر، صورة هائلة ضخمة بشعة. الدعارة وبالألوان، مع أن الملحق على ورق جرائد عادي! شكرًا لاستغلال التقدم التكنولوجي في بلاد العرب الغنية هذا الاستغلالَ العظيم.

تصوَّرت أن الست سهير صبري هذه لا بد أن تكون مطربة من الدول العربية، فأنا لم أسمع، ولا أعتقد أن أحدًا آخر سمع عن مطربة في مصر اسمها سهير صبري. ولكن اتضح أنها فعلًا «تغني» أو مفروض أنها «تغني» في مصر، وأن الصورة الفاخرة لها تلك هي صورتها وهي تبحث عن «ملحن»، والله إنها لفعلًا مشكلة عويصة، كيف لم تستطع الست أن تجد هذا الملحن؟! مشكلة تستحق من الجريدة التي لا أزال أحترمها أن تخصِّص لها كل هذا الحيز من الملحق، وأن تبتكر لتصوير تقاطيع الست الموسيقية ما شاءت عبقريةُ الطابعين من ألوان.

إنه إعلان دعارة واضح وبشِع الوضوح.

وطبعًا أنا لا ألوم الست سهير صبري على هذه الصورة، فمن الواضح أنها صوَّرتها بالحجم وبالملابس الطبيعية التي تستعملها في أشياء أخرى تمامًا غير الغناء والفن. ولكن ألوم هذه الجريدة، وألوم غيرها من الجرائد، فما من ملحق إلا وستجد فيه سهير صبري أو إيناس شفشق أو عزيزة خورشيد أو ما شئت من أسماء وأشكال ومشاكل مثل مشكلة البحث عن «ملحق» كسب — أي سبب — لنشر صور عن عاريات أو أشباه عاريات.

ماذا أيها السادة — بهذه الصور — تريدون في النهاية؟ أن تقولوا إن مصر أصبحت هي هذه السهير والعزيزة والغادة … إلخ؟ تريدون أن تقولوا: هذا هو «الفن» الوحيد الذي أصبحت تجيده مصر وأصبح له «جمهوره» في بلادكم الغنية.

لا يا سادة!

إن مصر ليست سهير وغير سهير.

إذا كان بعض نسائها يَبِعْن شرفَ أجسادهن، فليس هذا معناه أنها تحوَّلت إلى ذلك الماخور الملون الذي تصدرونه في ملحقاتكم الفنية. مصر هي الجامعة التي تعلَّمَ فيها معظمكم، والمدرِّس الذي يُربي أبناءكم في بلادكم، والعامل الذي يبني فيلَّاتكم، مصر هي الربع مليون قتيل وشهيد دفاعًا عن عروبتنا وانتمائنا لكم.

وستبقى مصر هكذا مهما صدر عنها من ملاحق دعارة.

وأخيرًا قشرة ولو رقيقة من الحياء يا مدَّعيات «الفن» في مصر، فصحيح أن صورًا كهذه قد ترفع السعر، ولكنها تأخذ من بلاد تأويكن أيتها البغايا — أكثر مما تحرص عليه أمة من الأمم — كرامتَها وتقتل روحها.

إنني أطالب السيد ممدوح سالم رئيس الوزراء الجاد أن يتقدَّم إلى مجلس الشعب بمشروع قانون بإسقاط الجنسية المصرية عن أية امرأة من هؤلاء تضيِّع بما تظهر به على صفحات الجرائد وفي الأفلام جهودَ أمَّةٍ مجيدة، منذ مائة وخمسين عامًا وهي تناضل نضال الأبطال كي تصنع الكرامة لشعبها وأمتها.

أما الزملاء المحرِّرون والمسئولون عن مجلات العُري وملاحقها، والذين من الغريب أنهم لا ينشرون أبدًا إلا العرايا المصريات، فإنني أقول لهم إذا كانت هذه العيِّنات من نساء مصر يقبلن الظهور في فتارينكم الصحفية من أجل دخل أعلى، أو تطلُّع طبقي فني، أو غيره، فهؤلاء لهن صفة معروفة تمامًا لا حاجة لأن أقولها، ولكن ما هي الصفة التي نطلقها على مَن «يُورد» هذه الصور للقراء باسم «الفن» وباسم «الصحافة»؟ أعتقد أنها هي الأخرى صفة معروفة جدًّا لكم ولنا، ولكني في هذا المجال أربأ أن أستعملها لأنكم حقًّا غير واعين أنكم تقومون — شئتم أم أبيتم — بها.

فلنتعاون أيها الزملاء لرفع بعض البلاء عن كرامة أمة لا تستحق والله كلَّ ما أُصيبت وتُصاب به.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠