الحل المصري لمشكلة القوة

خبر، مجرد خبر منشور في جرائد الأسبوع الماضي، ولكني لم أستطع الكف عن التفكير فيه. الخبر «رغم صياغته العقيمة» يُفهم منه أن أحدهم تقدم إلى رجل وزوجته يسيران معًا في مكان ما من مدينتنا الكبيرة، وادَّعى كالعادة أنه «بوليس سري» واصطحب الزوجين في تاكسي ثم ترك الزوجة «أمانة» لدى أحد البوابين ريثما ينهى «الإجراءات» مع الزوج في القسم. بل إن الخبر يقول إنه أخذ الزوج إلى القسم فعلًا، ودخل القسم به، ولكن الضابط النوبتجي «شك» فيه، وقبض عليه في النهاية.

تفكيري لم ينصبَّ على أن أحدهم ادَّعى أنه ضابط مباحث، فهذا أمر وارد ويحدث كل يوم، ولكن المشكلة في رأيي كانت: كيف يُسلِّم الزوج الفاضل بهذا الادعاء هو والسيدة زوجته، وكيف يوافقان، هكذا، على ركوب سيارة أجرة، ثم كيف «يُسلِّم» الزوج الفاضل في زوجته، هكذا ويتركها «أمانة» لدى أحد البوابين وكيف «تسلِّم» الزوجة الفاضلة في زوجها هكذا، وتتركه يذهب مع الضابط المزعوم وكان وجودها في حجرة البواب الغريب أكثر أمنا من اصطحابها للزوج إلى قسم البوليس؟

ولم ألبث أن قرأت في جرائد اليوم أيضًا أن شابَّين هدَّدا فتاة وزوجة أخيها بالمطاوي واصطحباهما إلى «كازينو» كروب، وبعد جلسة طويلة هناك انضم إليهما فيها ثالث، ذهب الجميع «وأيضًا كما يُقال تحت تهديد المطاوي إلى شقة في الهرم حيث كان ما كان».

أو تقرأ مثلًا أن شبَّانًا اختطفوا فتاة إلى شقة وظلت هناك خمسة عشر يومًا «تحت التهديد» إلى أن تمكنت أخيرًا من «الهرب» والعودة إلى أهلها.

كلما قرأت أو سمعت عن حوادث بهذه الصورة أقول لنفسي: إما أن ضحايا هذه الحوادث سذج إلى حدِّ البَلَه، أو مسلوبو الإرادة تمامًا، أو أن للموضوع وجهًا آخر، فلقد بدأ يشكل ظاهرة.

نحن مجتمع مسالم، ما في ذلك شك؛ أي أننا متحضرون، ننفر من العنف القبيح في كافة صوره، ولكن هناك شعرة دقيقة بين النفور من العنف تحضرًا وبين الخوف منه جبنًا وفرارًا من تفادي المواجهة. والجبن ليس موجودًا في الحروب فقط ولكنه موجود أكثر وبصورة أبشع في حياة الناس المدنيَّة. وأبسط مبادئ الحياة الإنسانية أن المبرر الوحيد لوجود الإنسان هو أن يكون قادرًا على حماية حياته وعلى حماية عِرضه إذا تعرض أحدهما لخطر. وأفهم أن يُفرط الإنسان أو الإنسانة في عِرضه إذا كانت حياته قد تعرضت لخطر حقيقي لا سبيل إلى دفعه إلا بذلك التسليم. كأن يلتقي رجل مسلح أو بضعة رجال بامرأة بمفردها في مكان مهجور، أما أن يلتقي شابَّان ولو كانا مسلحَين في قلب حي المنيل الغاصِّ بالناس وبعد صلاة الجمعة مباشرة، أي في قمة ازدحام كازينو «غاصٌّ بالناس هو الآخر» فهو أمر لم يكن ليؤدي أبدًا لا إلى موتهما ولا حتى إلى جرحهما وكأن الوضع لا يستلزم إلا أقل القليل من المقاومة، أو حتى الصراخ، ليهرب الشابان الجبانان، فليس أجبن ممن يمسك بمطواة ويهدد بها فتاة. ولكني لا أعرف، هل هو الجبن الشديد الذي ساد، وساد في قلب الجناة والمجني عليهم سواء بسواء، أم أن التفريط في العِرض أصبح في مقدمة الأشياء التي يفكر فيها الرجل أو المرأة للمساومة على «احتمال» أن يُجرح أو يُؤذى جسديًّا؟ أم أنه كان علينا أن نتصور أن الفتاة والسيدة خافتا وهما في قلب الشارع وفي قلب الكازينو وفي قلب التاكسي وفي قلب المدينة وفي قلب النهار وفي قلب الازدحام والخَلق التي تجتمع وتتدخل على الفاضي والمليان، خافتا وفي قلب هذا كله أن «يقتلهما» شابان ولهذا آثرتا التفريط في «عِرضهما»؟

وهذا السيد الزوج الذي «يخاف» من البوليس المزيَّف وهو راكب التاكسي وهناك «سائق» وهناك «بوَّاب» وهناك «ناس» بل وهناك هو نفسه، يخاف إلى الدرجة التي يودع زوجته حجرة بوَّاب وهو يعرف جيدًا أن حاميها ربما يكون حراميها. ممَّ يخاف؟ وعلى أسوأ الفروض ولو كان مطلوبًا في جناية و«قاوم» هذا الإجراء، ومهما حدث له من جرَّاء هذه المقاومة، أليس أهون بكثير مما قد يحدث لزوجته التي أودعها «أمانة»؟

إما — كما قلت — أن العِرض قد أصبح من الممتلكات التي يدفع بها الكثيرون الأذى عن أنفسهم، وإما أننا لم نعتنق بعد فلسفة هذا العصر الذي لم يعد فيه مكان للمتحضرين أن جبنًا وأن تمدينا، المعتمدين على قوانين الأمن البشري الأزلية في محافظة الناس تلقائيًّا على أنفسهم وعلى الآخرين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠