امتحان

أمسكت ورقة الأسئلة، لا كوليِّ أمر طالب في الإعدادية، ولا كمحبٍّ حتى للاستطلاع، وليس أبدًا ككاتب له عشرون عامًا وهو يزاول الكتابة وله أكثر من ثمانية وعشرين كتابًا، وإنما أمسكت ورقة أسئلة اللغة العربية كتلميذ يحاول الإجابة ويريد أن يعرف قدرته. إن اللغة العربية هي مادتي اليومية التي أتعامل معها، كما أن السمك مثلًا هو المادة اليومية التي يتعامل معها السمَّاك، يعرفه ويعرفها، وحتى بمجرد الملمس يستطيع أن يحدِّد الطيِّب من الخبيث.

قرأت الأسئلة بغير عناية كبيرة، ولكني ما لبثت أن اعتدلت في الكرسي، وزيادة في الدقة لبست النظارة، وبتمعُّن شديد أعدت قراءتها.

وقلت لنفسي واحدة من اثنتين: إما أن اللغة العربية التي أكتب بها وأستعملها وأفهم بها الناس ويفهمونني هي اللغة الصحيحة، لغتنا التي نطقنا بها أول ما نطقنا وكتبنا بها وما زلنا، وإما أنها لغة خاطئة مائة بالمائة وهناك لغة أخرى لا نعرف عنها شيئًا، لغة غريبة لم نكتشفها بعد، هي اللغة العربية الحقيقية وهي التي يعلِّمونها في المدارس، وهي التي أيضًا وضعوا لها هذه الأسئلة.

فالحقيقة أني رغم كل اهتمامي واعتصاري الخلايا عقلي لم أستطع أن أجيب على سؤال واحد.

وأمسكت بكتاب القواعد ألتمس الإجابات.

إذا أُعِلَّ حرف في الموزون لا يُعَلُّ في الميزان.

إذا كان الكلام ناقصًا منفيًّا تُعرَب «غير» حسب موقعها.

المضارع المضعَّف يُفكُّ إدغامه مع نون النسوة.

المعتل بالواو والياء لا يحدث فيه شيء مع ألف الاثنين ونون النسوة، ولكن مع واو الجماعة وياء المخاطبة يُحذَف حرف العلة ويُضم ما قبل الواو، ويُكسر ما قبل الياء.

ضمائر الرفع المتصلة وضمائر الرفع المتحركة، والناقص المعتل بالألف إذا كان ثلاثة أحرف تُرد الألف إلى أصلها ياءً مثل رميت، وواوًا مثل دعوت، أما إذا كان أكثر من ثلاثة فتُقلَب الألف ياءً مثل اشتريت، ويحدث هذا مع كل الضمائر إلا واو الجماعة، فمعها تُحذف الألف ويُفتَح ما قبلها وتُسكَّن الواو.

أزحتُ الورقة والكتاب جانبًا وأنا شاحب الوجه؛ فقد اكتشفتُ أني نصَّاب كبير، وأني ظللتُ أكتب وأكذب على الناس لمدى ربع قرن بينما أنا جاهل بهذه «اللغة العربية»، وبهذا «النحو والصرف».

وقلت لنفسي: إما أنني إنسان كالسيد البدوي، وُلِد وأسنانه النحوية والصرفية كاملة، وأن سليقته وحدها سوَّاها الله سبحانه وتعالى من عجينة من نحو وصرف، وإما أن هذا النحو كله نصب في نصب، وتفسير للماء بعد الجهد بالماء، وتعليلٌ أحمقُ ومُوغِلٌ في حماقته لتعقيد اللغة البسيطة وإحالة ما فيها من بساطة إلى ألغاز لا يدرك أسرارَها إلا كَهَنة اللغة العربية، كما كان كهنة آمون يحوِّلون الأدعية البسيطة إلى طقوس كهنوتية ينطقونها بلغة ومصطلحات لا يفقهها العامة؛ إذ بهذا وحده يظلون هم الكهنة أصحاب السلطة الروحية والنفوذ.

أقول: لقد ظللت ربع قرن أكتب ويقرؤني الناس، وأنا لا أعرف أن الحرف إذا أُعِلَّ في الموزون لا يُعلُّ في الميزان.

هذا هو السبب إذن في كُرْه الأجيال الجديدة للغة العربية؛ فنفس ما يحدث في النحو والصرف يحدث أيضًا فيما يسمونه إلى الآن هذا الاسم السخيف: النصوص. تصوَّروا! يسمون لغة الشعر الجميلة، إبداع الكاتب، تألق الخطيب، نصوصًا!

والمؤامرة، وأسميها عن عمد وصدق مؤامرة، المؤامرة على اللغة العربية تكمل باختيارات هذه النصوص؛ فهي مليئة بأسخف ما أنتجته القريحة العربية من شعر أو نثر، وبالذات إذا كان الاختيار من الأدب الحديث، فهم يختارون أولًا لأصدقائهم وزملائهم المتأدبين الموظفين في وزارة التربية والتعليم، ثم إذا بقي هناك مكان يختارون لشعراء وكُتاب من الدرجة الثالثة والرابعة والعاشرة، لم يسمع عنهم أحد؛ كلامًا ركيكًا ليس فيه حتى تشبيه واحد يدعوك للإعجاب أو يُثير انبهارك.

إن تدريس اللغة العربية لا يزال يُدرَّس كما كان يُدرَّس في الأزهر منذ خمسمائة عام، ولقد تطوَّر تدريس اللغات حتى أصبح عِلمًا يخرج باللغة وقواعدها من عقلها السحيق إلى حاضر عصرنا.

يا أهل الكهف، صحِّ النوم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠