الديناصور

فقَدَ الحجمُ عصرَه الذهبي.

فالإنسان منذ أن بدأ يعي، ووعيه يجعله يدرك أنه من أصغر الموجودات حجمًا بالقياس إلى الجبال الهائلة الضخامة، والوديان الهائلة العمق والاتساع، والأنهار الخرافية الطول وكم الماء. بدأ يقدِّس «الضخامة»، أصبحت الضخامة ليست مجرد حجم هائل أو كم، أصبحت معنًى، ومعنًى رهيبًا مقدَّسًا، وهكذا حين فكر الفراعنة أجدادنا في تخليد أنفسهم، ومدِّ وجودهم إلى عصر النهاية، وجدوا أن أقدس وأروع ما يستطيعون به تجسيد هذا الخلود، هو الضخامة، وهكذا كانت، ولا تزال، الأهرام من أكبر معماريات العالم القديم والحديث ضخامة. ولا يزال السائح الأجنبي أو المصري حين يقف بجوار حجر من أحجار قاعدة الهرم ويرنو إلى هذه الكومة الهائلة التي لا يكاد العقل يعي ضخامتها، لا يزال يحس، بنفس ما أراده الفرعون القديم أن يجعل الرائي يحس حين يرى أهرامه به، يحس أنه أمام العمل الجبار المهول الخارق.

وليس التفكير في تضخيم الأشياء لإعطائها المعنى الأروع، مجرد نزوة، أو فكرة عابرة، إنها تكاد تكون قانونًا من قوانين الوجود؛ فالحياة نفسها حين بدأت على الأرض كحيوان بالغ الصغر مكوَّن من خلية حية واحدة، مضت تميل في محاولاتها الدائمة لتأكيد وجودها وبقائها وامتدادها إلى الأبد، تميل إلى تضخيم ذاتها، ومن الحيوان ذي الخلية الواحدة بدأت تنشأ حيوانات من خلايا متعددة، من ملايين الملايين من الخلايا، التي لا تُرى بالعين المجردة، بدأت أحجام الحيوانات تكبر وتكبر حتى وصلت إلى المرحلة الأهرامية من الضخامة الخرافية، إلى مرحلة الديناصورات.

ولكن، إذا كان للضخامة المعمارية مع تجسيدها لمعاني الخلود والعظمة عيوب، وهي المجهود البشري الهائل والسنوات الطوال التي تُستغرَق في إنجازها، فكذلك كان للضخامة الحيوانية، للحياة حين تؤكد نفسها ووجودها بالضخامة، عيب يسير جنبًا إلى جنب مع هذه الميزة، أَلَا هو البطء. فكلما كان الحيوان يكبر في الحجم كانت سرعته تبطئ، وحين وصلنا مرحلة الديناصورات، وصلنا إلى أقل مراحل الحياة حركة.

وهكذا كما وصل الإنسان إلى التعبير عن العظمة والروعة بالضخامة إلى درجة العجز عن إيجاد أحجام تُعبِّر عن الأروع والأروع، وصلت الحياة أيضًا بالديناصورات، أكبر أشكالها حجمًا، إلى مرحلة العجز عن إيجاد حيوانات أضخم تؤكِّد بقاء الحياة واستمرارها، فالحياة هي الحركة الإرادية الحرة السريعة المنطلقة بغير قيود، والحجم الضخم هو قيد الحياة التي وُجِدت فيه وهي تحاول أن تُعبِّر عن نفسها وتتحرر، أقسى قيد، هلكت الديناصورات عجزًا عن الحركة والالتفاف وتغيير الموقع والبعد عن مواطن الخطر، وكفَّ الفراعنة عن بناء أهرامات أضخم، بالضبط كما كفَّ الكُتاب من أمثال ديكنز وتولستوي عن إنشاء القصص الخرافية الحجم.

وكما اكتشف المهندس أن حجرًا صغيرًا منحوتًا بفن ممكن أن يُودَع فيه من الروعة والعظمة أضعافُ ما في الأهرام بضخامتها.

وكما اكتشفت الحياة أن طريق الديناصورات مسدود، وأن البقاء ليس للحيوان الأكبر حجمًا وإنما للحيوان الأذكى عقلًا وإدراكًا وسرعة.

اكتشف الكُتَّابُ أيضًا أن الروعة في الكتابة لا تُقاس بالضخامة، وإنما أصبحت الروعة في الكتابة تُقاس بما فيها من كمٍّ فني ومحتوًى إنساني. بل حتى تجاوَزوا هذا المقياسَ وأصبحت العظمة الخالدة في الكتابة لا تُقاس بمقدار ما فيها من كمٍّ فني، وإنما بنوع ما فيها من فن.

أصبحت الروعة ليست في ضخامة البناء، وإنما في نوع هندسته.

والروعة في الكائنات الحية ليست بضخامتها العضلية، إنما بذكائها.

والروعة في الكتابة ليست بعدد كلماتها أو صفحاتها، إنما ربما بجملة، ربما ببيت واحد من الشعر يحوي من روح الفن والشعر ونوعية هذه الروح ما يفوق به أعظم الأهرامات ضخامة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠