السؤال إجباري

في الأسبوع الماضي وجهَّت سؤالًا مباشرًا إلى المسئول أو المسئولين عن رفع أسعار السجائر وغيرها من احتياجات المواطنين؛ فقد حسبتها كما قلت، ووجدت أني كمواطن بدأت أدفع أكثر من أربعين جنيهًا في العام زيادة في ثمن ما أستهلكه من سجاير. ولأنها زيادة باهظة، ومبلغ لا يُستهان به على مستوى الفرد والدخل، وإذا عرفنا أن أمثالي من المدخِّنين من المواطنين للأسف لا يقلون عن عشرة ملايين، فمعنى هذا أن الزيادة تُقدَّر بمئات الملايين من الجنيهات.

ولقد تساءلت: إلى مَن تذهب هذه الزيادة؟ فلقد قبلتها، وقبلها المواطنون باعتبار أنها من المؤكَّد تذهب إيرادًا جديدًا إلى الدولة تُنفِق منه على المشروعات العامة وحلِّ مشاكل الناس. ولكن، حين خطر لي أنها قد لا تكون تذهب إلى الخزانة العامة، وإنما إلى جيوب التجار والمستوردين؛ فقد بادرتُ كأي مواطن بريء بسؤال: مَن تفضَّل ورفَعَ أسعار هذه المواد؟ ليهدِّئ خواطري وخواطر الملايين، ويطمئننا إلى أنها فعلًا تذهب إلى خزينة الدولة.

في الأسبوع الماضي تساءلت، وكنت حَسَن الظن فعلًا؛ فقد جلست أنتظر الجواب، ولم يأتِني أي جواب؛ لا من وزير الخزانة، ولا من وزير الاقتصاد، ولا من وزير التجارة الداخلية، ولا من وزير التجارة الخارجية، ولا من أي إنس أو جان.

والحقيقة دهشت؛ فإني أقرأ باب البريد في الصحف والمجلات، وأجد أن الوزير المختص أو الوزارة المختصة كثيرًا ما تُبادِر إلى الرد على شكاوى المواطنين أو تساؤلاتهم. فالمبدأ إذن موجود؛ مبدأ أن يردَّ الوزير أو الوزارة على تساؤلات المواطنين. المبدأ موجود ولكن يبدو أنني حَسَن النية تمامًا؛ فالوزير أو الوزارة أو المسئول مستعدون أن يردوا إذا كان الأمر يتعلق بعلاوةِ غلاءٍ استحقَّها موظف ولم تُصرَف له، أو بشكوى أرملة من عدم صرف معاش، أما حين يتعلق الأمر بملايين الجنيهات وبقضية تمسُّ ملايين المواطنين، فسذاجةٌ منا أن نعتقد أن أي مسئول سيبادر بالرد. إن «التطنيش» هنا مسألة واجبة، وبما أننا سنُفرِد فقرة تالية للتطنيش وخلافه، فمن المستحسَن هنا أن أتساءل: كيف لم أتلقَّ ردًّا على سؤالٍ وجَّهته من خلال صحيفة كالأهرام واسعة الانتشار على ما أعتقد ليس في مصر فقط وإنما في العالم، وحتى لو كان المسئول لا يقرأ الأهرام أو لا يقرأ بابي، فالمؤكد أن في كل مكتبِ وزيرٍ سكرتيرًا صحفيًّا خاصًّا مهمته البحث في كل صحفنا ومجلاتنا عما يُكتَب عن وزارته وعَرْضه على الوزير أو المسئول.

السؤال إذن وصل.

فلماذا لم أتلقَّ جوابًا؟

ربما لأني سهَّلت الأمورَ على مَن لا يحب الرد وذكرتُ أن الوزارات المسئولة عن نقودنا واقتصادنا أصبحت كثيرة بحيث لم يَعُد ممكنًا لإنسانٍ مثلي أن يُحدِّد بالضبط الجهةَ التي ترفع الأسعار، والأُسسَ التي عليها ترتفع.

وربما لأني بالاستقصاء عرفتُ أني كنت على حق في تساؤلي؛ إذ ثبت لي أن نسبة كبيرة من القروش الستة الزيادة في ثمن كل علبة سجائر ذهبت إلى جيب التاجر والمستورد فعلًا، وإنْ ذهب منها إلى خزينة الدولة نسبة محدودة.

إذن الزيادة في السعر لم تكن كلها لمصلحة الخزانة العامة، ولا من أجل الإنفاق على حل المشاكل والمشاريع، نسبةٌ كبيرة منها ذهبت ربحًا، ولا أستطيع أن أقول حلالًا، لجيوب تجار السجائر ومستورديها. وليس هناك مانع أن يربح تاجر السجائر، وأن يرفع أسعاره كما شاء.

وعلينا نحن المستهلكين أن نستعين بالحكومة وبأجهزة الرقابة لكي نغلَّ يده عن رفع السعر ونمنعه، ولكنَّ هذه الزيادة، الحكومةُ أو وزارة الخزانة هي التي قرَّرتها، وهي التي رفعت السعر. ومن الغريب أن تتولَّى وزارة رسمية رفْعَ سعر بضاعة لكي يربح تاجر من وراء هذا الرفع؛ إذ ما دامت النقود العائدة لن تذهب كلها للمصلحة العامة، فما دخل الوزارة هنا أن تتولَّى هي رفع السعر لمصلحة التاجر؟

•••

إني ما زلت مصرًّا على سؤالي؛ فهو ليس سؤالي وحدي، إنه سؤال يتوجَّه به على الأقل خمسة عشر مليون مواطن — للأسف — يدخنون، عليهم أن يدفعوا أكثر من خمسين مليون جنيه خلال هذا العام فقط «زيادة» في سعر السجائر، ويهمُّهم تمامًا أن يعرفوا إلى أين تذهب هذه الزيادة، وما الداعي — إذا كانت تذهب لجيوب التجار أو تذهب نسبة كبيرة منها — ما الداعي أن تتولى الوزارة رفع هذا السعر لمصلحة تاجر السجائر؟

وبما أن علامة الجمرك غير موجودة على كثير جدًّا من علب السجائر الموجودة في السوق، فكيف تحاسب الحكومة تجار السجائر على هذه الزيادة؟ وما هي الضمانات التي اتخذتها الوزارة لتُحصي بدقة عدد المطروح من السجائر وتتأكد من توريد الزيادة التي طرأت إلى خزانة الدولة؟

وليست السجائر فقط، كل البضائع التي «تحرك» سعرها، وتولَّت الأجهزة الرسمية تحريكَ هذا السعر، لمن تذهب الزيادة في سعرها، وضمانات تحصيلها وعدم تسرُّبها إلى جيوب المتلاعبين بأقوات الشعب؟

أسئلة، ها هي ذي علنية واضحة وتنتظر الجواب.

وليت الذي كانت لديه الشجاعة لكي يرفع السعر.

أو ليت الجهة التي رفعت، تجد لديها الشجاعة لتُجيب.

والسؤال — ليس اختياريًّا — إنه سؤال إجباري.

المسهلات اللغوية

شرُّ البلية ليس ما يُضحِك، وإنما هو في أحيان ما يجعلك تقف موقفَ المتفرج. صحيح، ليس أشر من موقف المتفرج، خاصةً إذا وصل الأمر حد التفرج على أشياء وأشخاص هم أعزُّ عليك من نفسك. ومنذ بضعة أسابيع وأنا أتابع ما آل إليه أمر «الجمهور» عندنا، ضحية الواقع وضحية ما يُعرَض عليهم، ضحايا التعليم والمعلم، وضحايا التربية في المنزل والملعب والمدرسة والشارع.

فجأةً يفيق الإنسان فيجد وكأنه أصبح موجودًا وسط مجتمع غريب عمره ما رآه أو سمع به أو كان يتصور إمكان حدوثه ووجوده، أو يجد نفسه هو الغريب وسط مجتمع منسجم تمامًا مع نفسه، متآمر تمامًا مع ذاته، حتى لغته أصبحت ألفاظًا غريبة مُتَّفقًا عليها كلغة التجار زمان حين كانوا يتآمرون خلسةً على الزبون فيسمونه «الديفش»، ويحذرون منه بقولهم «حزي» أيْ «خللي بالك منه» و«حزي الديفش» يعني «خللي بالك من الزبون» وهذا «فريك» يعني لص … وهكذا. اليوم تسمع الرجل أو الشاب فتجده يتكلم عن «اللي مش هوه» أو عن «اللي هيه» وعن «طنشه قوام» ولا يهمك «ده وهم ع الآخر»، أو وطلعت العملية «سكَّة»، أو ما «تشوفه» يا أخي، يعني: ارْشُه أو … أو … إلخ. تجد نفسك في النهاية كالأطرش في الزفة، يتسلل ماء التفاهم التام تحت أقدامك، ومن الممكن أن يسلبوك، وأنت محترم جالس، أعزَّ ما تملك وأعزَّ قِيَمك وما قضيت الحياة تنزف الدم والعَرق والدموع من أجل أن يتحقق، وفي النهاية «يطلع نقبك على شونه»، ويطلع حلم المجتمع العظيم الجديد «سَكَّة على الآخر».

في أحيان تلجأ المجتمعات للضحك على نفسها بطريقة في غاية الدهاء؛ فهي بدلًا من أن تستعمل الكلمة الدالة على العملية الجنسية مثلًا مثلما هي موجودة في قواميس الشعب من قديم الزمان، تخترع كلمة مخفَّفة جدًّا أو حتى لا علاقة لها بالموضوع لتخاطب نفسها بها، ليس لكيلا تخدش الكلمة حياءها، وإنما ليخدع المجتمعُ نفْسَه ويتوهَّم أنه إنما يتناول موضوعًا لا غبارَ عليه بالمرة، في حين أنه يكون مغروسًا إلى عنقه في قاع موضوع فاحش. وما استعمال «النكسة» لتسمية الهزيمة، و«تحريك» الأسعار لتسمية رفعها عن سبق إصرار وترصُّد، إلا محاولة موازية من أجهزة رسمية هذه المرة لخداع النفس أو خداع الجماهير أو خداعهما معًا.

لكأنما وجد الإنسان المصري نفسه أمام أوضاع لا قِبل له بمواجهتها. إن أسعار المواد الضرورية للحياة تُخرِج لسانها لمستوى الأجور، ولا يمكن لإنسان يعتمد على دخله الرسمي فقط أن يعيش به، ولا بد أن يحدث شيء من اثنين: إما أن يموت الإنسان انتحارًا أو عجزًا أو جوعًا، وإما أن «يُحرِّك» قِيَمه ومبادئه تحريكًا، وليبدو بسيطًا جدًّا، إلى أسفل. وهكذا على الإنسان العادي أن يُسهِّلها على نفسه، وبما أن النفس جُبِلت على النزوع إلى تقديس القِيَم وتكريس الصدق والشرف والأمانة، فلا سبيل لهذا إلا بلعبة لغوية ماهرة. إن «إهمال» كلمةٌ سخيفة يُعاقب عليها الإنسان نفسه إذا ارتكبها، ولكنَّ «التطنيش» كلمةٌ غامضة المعنى تمامًا، وإن احتوت على معنى الإهمال فهو احتواء ضمني لا يمكن أن يعاقب عليه قانون الضمير، وهكذا وحياتك … وطنشته … وبراءة يا عمنا المتحدث، محترم أنت وجالس «بيه» في كامل ثيابك الجسدية والعقلية لا يجرؤ أحد على خدش شخصك، فأنت لم ترتكب شيئًا، أنت قمت بعمل مشروع تمامًا لا يعاقب عليه لا المجتمع ولا النفس. وهكذا في كلمة «رش»، إن رش الماء ورش الحب ورش البذور، تعني الخير، تعني أن يفيض الخير ويتسع ليشمل أكبر عدد ممكن من الناس و… أليست الرشوة نقودًا وخيرًا يُصيب بعض الناس، فلنسمِّها رشَّة بدلًا من رشوة، فتستريح الضمائر والقِيَم ولا يغضب أو ينزعج أحد. وفعلًا كان المُشرِّع اللغوي الجديد بارعًا في اختياره؛ فالرَّشَّة قريبةُ الشبه جدًّا من الرشوة من حيث أسماء الحروف وعددها، صحيح أن المشرِّع اللغوي اختلس «واوًا» من الكلمة، ولكنه لم يختلسها والعياذ بالله من الكلمة الجديدة «الرشة»، وإنما اختلسها والحمد لله من الكلمة البغيضة القديمة «الرشوة»، والاختلاس من البغيض حميد، والسرقة من السارق حلال، وهكذا وحياتك … و«رشيت» … ويئوب «البك» المحترم إلى بيته المحترم وأولاده وزوجته المحترمين، وهو لم يفعل طوال يومه أكثر من أنه «طنش» على بعض الأشياء، و«رش» بعض الأشياء، و«حرَّك» بعض الأشياء، والنتيجة: كله وحياتك خير، والحمد لله على هذه نعمة، فقط ربنا يكفينا شر «القر» وشر حقد «السِّمَّاوي»، وما أكثر السِّمَّاوية في هذا البلد الذي يمتلئ حقدًا على الناس «الناجحين» من أمثالنا. كله وحياتك لخير البلد، هم يكرهون الخير لمصر، و«يحقدون» بعيونهم الزرق والسود والحمر والبنية، ولكن «القافلة» ماضية، وإلى الأمام تسير، مهما عوت الكلاب وجأرت السِّمَّاوية والكمبورات، وسلِّمْ لي على أحمد رجب والدرش مصطفي حسين.

أتبكي أم تضحك؟

الملحوظ الغريب هو الشجاعة التي انتابت بعض القراء الأعزاء فجأة؛ إذ فجأة بدأ يتسلل إلى خطابات القراء، خطابات غُفل عن الإمضاء أو ممضاة «مواطن» أو «مصري» أو «أيوب صابر» … وأنا عادةً أبدأ الخطابات من آخرها؛ لأعرف مقدَّمًا من المرسل. وهكذا كلما عثرت على توقيع كهذا، حسبت أنني سأقرأ في الخطاب أسرارًا خطيرة، أو هجومًا ساحقًا ماحقًا، أو تفاصيل فوارة لقلب نظام الحكم. والمذهل أني، في أغلب الأحوال، لا أجد شيئًا بالمرة. قارئ يكتب مثلًا ويؤيدني في نقد برامج التليفزيون تأييدًا هادئًا تمامًا ورزينًا ولا يحتوي حتى على كلمة نابية، ما معنى ألَّا يكتب اسمه أو يخفيه أو يتستر وراء أيوب المصري أو الفلاح الفصيح.

كعادتي لم أخذ الموضوع ببساطة؛ فتكرار الظاهرة، عندي وعند غيري، جعلني أحس أن الثقة بين القارئ وصحافته، بل ربما بينه وبين أجهزة إعلامه كلها، تكاد تكون مفقودة. معناه أن قطاعات كثيرة من الناس قد بدأت إما تسكت، وإما تتخفَّى وكأنْ لم يَعُد لها أدنى ثقة بالنور. وهذا أمر خطير.

•••

«أرجو من السادة المصحِّحين ترك الخطاب كما هو.»

بسم الله الرحمن الرحيم
السيد الأديب الكبير الدكتور يوسف إدريس

تحية طيبة وبعد:

من مدينة السويس الباسلة يسرني ويسعدني أن أهنئكم لعودتكم إلى باب «المفكرة» وبعد.

أنا المواطن أحمد عبادي محمد موظف بالعلاقات العامة بمديرية السويس التعليمية، ولي محاولات في كتابة المسرحيات القصيرة حازت على الجوائز الأولى والثانية في مسابقات النادي الاجتماعي بالسويس، كما أكتب القصة السينمائية وأريد عرضها على المختصين بعالم الفن السينمائي من منتجين ومخرجين، إلا أنني أريد قبل هذا العرض أن أتشرف برأي إحدى الشخصيات الأدبية الكبيرة في إنتاجي السينمائي حتى يشدَّ من أزري نحو سعيي بإنتاجي إلى عالم الفن السينمائي، وشخصياتكم والحق يقال تعتبر من أوائل الشخصيات الفنية والصادقة في عالم الأدب والصحافة والنقد البنَّاء.

فأرجو والأمر كذلك الموافقةَ على السماح لي بعرض أحد إنتاجي السينمائي عليكم شخصيًّا أو بريديًّا، حسب رأي سيادتكم وبالشروط التي ترونها، بما في ذلك عدم ذكر اسمي عليها في حالة رضاكم عنها ويكفيني شرفًا حينما أجد ذلك الإنتاج السينمائي وقد أخذ طريقه إلى النور، تحت رعاية شخصية تعتبر من أوائل الشخصيات الأدبية والفنية في مصر، أَلَا وهي شخصيتكم العظيمة.

فهل يجد لديكم رجائي هذا القبول؟

أرجو ذلك، كما أرجو قبول اعتذاري لهذه الطوابع، فأنا لا أقصد من ذلك شيء سوى عدم تكليف جريدتكم وجريدتنا المحبوبة جريدة الأهرام أيَّ شيء.

وإلى أن نلتقي مع إيفادتكم والرد علينا بالموافقة من عدمه، لكم مني أطيب التمنيات بالصحة والسعادة والتوفيق.

وتفضَّلوا بقبول فائق الاحترام.

المخلص
أحمد عبادي محمد
مديرية السويس التعليمية

وإني إذ أشكرك أيها الصديق القارئ على ثقتك، لا أملك إلا أن أعقد حاجبي مندهشًا من خطابك هذا — واعذرني — غاية «الاندهاش»، فسيادتك تعرض عليَّ هكذا علنًا، ودون أن تهتز لك شعرة استغراب أنْ ليس لديك مانعٌ أن يظهر إنتاجك السينمائي «تحت رعاية» شخصي «العظيم» دون أن يُذكَر اسمك عليه. أتعرف يا سيدي الفاضل الموظف بالعلاقات العامة ﺑ «التربية» والتعليم، ماذا يعني عَرْضك «العظيم» هذا؟ هل تدرك — أم أنك لا تدرك — أنك تعرض عليَّ أن أضع اسمي على إنتاجك (يعني أختلس إنتاجك أو أسرقه أو أقتبسه) وأرضى أن أضع اسمي أنا عليه بينما سيادتك قابع في السويس تشاهد بشغف إنتاجك العبقري وعليه اسم الكاتب الكبير، بينما أنت — مؤلِّفه الحقيقي — يا عيني جالس تتفرج على «الروائع» التي أبدعتها قريحتك وهي تحمل اسمَ واحدٍ من أولئك الذين يسمونهم الكُتاب الكبار؟!

أنا لا أعرف من أين استوحى ذلك القارئ هذه الفكرة، هل رآها في مسرحية أم قرأ عنها قصة، فكرة الكاتب الكبير الذي يتولَّى أناسٌ مغمورون تزويدَه بالقصص العبقرية التي يضع عليها اسمه ويقبض ثمنها نقودًا ومجدًا، بينما مؤلِّفوها الحقيقيون يعيشون في ظلام المجهول.

لا أعرف من أين استقى هذه الفكرة «الحسن إمامية» تمامًا، ولكني أذكر أن الفنان محمد عوض له مسرحية تتناول موضوعًا كهذا الموضوع، وأعتقد أني رأيت مرةً في مسرح تحية كاريوكا مسرحية لموضوع مشابه كتبها على ما أذكر الفنان فايز حلاوة. لا أذكر، ولكن الذي أعرفه تمامًا أني أحيا في حركة أدبية مصرية وعربية وعالمية منذ أكثر من عشرين عامًا، ولم أصادف أو أسمع عن أشياء كهذه تحدث في الواقع، ولكن ربما لأن المسرح أو التليفزيون تناولها مرة أو مرتين اكتسبتْ صدقًا ربما أقوى بكثير من الواقع، بدليلِ أن قارئًا كهذا، ليس قارئًا عاديًّا، ولكنه قارئ «يكتب» و«يؤلف» للمسرح والسينما (واعذروه على أخطائه الهجائية) يعرض، ليس في مسرحيةٍ هذه المرة أو في سيناريو فيلم، ولكنْ في الحقيقة والواقع على كاتبٍ يُكِنُّ له هو كما يقول كلَّ الاحترام، أن يقبل منه هذه المكافأة، ويعتقد أنها فعلًا مكافأة يكافئ بها كاتبًا يُقدِّره.

والمضحك — بل المؤلم — أنه لا يدرك، هو الذي يزعم أنه يؤلف، لا يدرك أن في الأمر جريمة خُلقية كبرى؛ فهو، كما هو واضح، ببراءة شديدة يفعل هذا ولا يحس أنه يرتكب شيئًا، أو أن في الأمر أي إهانة، إنها شيء بسيط وعادي جدًّا، بل ربما أراد بهذا إسعادي وظنَّ أن عرضًا كهذا سأتقبَّله بالفرحة والشكر.

هذا هو المؤلم، وإذا كنتَ في الفقرة السابقة قد تكلَّمت عن اللغة المسهلة التي بدأت تنزلق على ألسنتنا لنخفِّف بها من هول ما نستعملها لتسهيله، ابتلاع الجرائم وزلطها وتخفيف مفعولها إلى مجرد «الرش» و«المماينة» و«التطنيش»؛ فالنتيجة هي هذا، أن صاحبنا، مُواطنًا من آلاف وملايين المواطنين، لم يَعُد يرى في السرقة «الأدبية» وربما غير الأدبية، التي يقوم بها الإنسان عن عمد وتدبير وسبق تفكير وإصرار، ولا الإغراء والتحريض على ارتكاب الجريمة، شيئًا يؤاخذ الإنسان عليه أو حتى يستحق المؤاخذة، بالعكس، يرى فيه عرضًا ظريفًا مستحبًّا، بل وربما مَدْعاة شكر، وماله، بتحصل في أحسن العائلات وأعتى المؤسسات والوزارات، وعلى مستوى وزراء ونوَّاب رؤساء، والمؤلم أكثر أن يرسل لي، طيَّ خطابه، خمسةَ طوابع بريدية من فئة القرشين احترت لماذا أرسَلَها خمسة، بينما الرد عليه إذا قرَّرتُ قبول عرضه المغري ودخول التاريخ، لن يأخذ سوى طابع واحد، وحين أعدت قراءة خطابه، أدركت «الفولة»، وأنه قرَّر أن يبدأ الاتفاق منذ الآن و«يرش» عليَّ وعلى «جريدتنا المحبوبة» بأربعة طوابع، أليس يبدأ الطريق إلى «المجد»، وما دام المجد سيكون سرقة، فلِمَ لا تكون بداية الطريق إليه رشوة ورشًّا؟!

والمؤلم أكثر وأكثر أن تحمل الطوابع صورة شاعرين عملاقين: محمود سامي البارودي وعلي الجارم، جادا بأعمارهما حفاظًا على قِيَم شعبنا وحريته واستقلاله، أفنيَا عمرَيْهما تحريضًا على العِزة والكرامة والنبل والشرف.

تُرى، ماذا يقولان إذا عرفا أن طوابعهما نستعملها الآن أدوات «رش»؟

ألف سلام لك يا أخ، وألف تحية، وألف شكر على عرضك المغري، وألف اعتذار لأني من السذاجة بحيث لن أقبله.

وأرجوك سامحني؛ فهذه المرة لن أستطيع أن أسلِّم لك على المترو.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠