مولد الكتابة في مصر

بلا حيثيات أو شروح أو مقدمات، ها أنا ذا، والعام الجديد يهلُّ، معكم، خُضت التجربة وخرجت منها أنه لم يعد أحد يهمه أن يكتب أحد، بل العكس هو الصحيح، وأن الطريقة التي درجنا عليها والتي كانت تدفعنا إلى ألا نقرب الكتابة إلا ونحن مطلوبون ومرغوبون وألف إنسان من المسئولين عن الكتابة يهيبون بصاحب القلم أن يعود يكتب إذا أدت به العوامل المتراكمة أن تمتلئ نفسه إلى حافتها بالإعراض عن تلك الوسيلة الخاصة جدًّا لمناقشة القضايا العامة جدًّا.

الواقع كله أصبح يثبط، ولم يعد يربط الإنسان بضرورة أن يظل يكتب إلا قوة الدفع وقوة الرسالة والحرص على استمرار أداء الدور الذي يُشكل بالنسبة إليه الرابطة الوحيدة بينه وبين الحياة.

عدنا يا كتابة مع أننا لم نكُف، ولكن العَود دائمًا أحمد.

ولم نعد بحماس فاتر أو بال مثقل.

بل بإرادة شحنتها شهور الاعتكاف القاتل.

شهور جذبت قوسها إلى آخر المدى.

بحيث لم يعد في قوس الصبر منزع.

وتحوَّلت الخواطر الكثيرة المتراكمة والمُلحَّة إلى ترسانة أسهم تُصيب — تأمل أن تصيب — كل معوِّق.

وتنغرس في قلب الهدف.

والهدف كان، وسيظل، أن نحيا بشرًا، أرقى ما يكون البشر، نزاول حياة تليق بالبشر، وبحرية خصَّها الله للإنسان ليجعله بها أرقى مخلوقاته.

فالاختيار البشري ليس ترفًا، ولا مجرد مطلب يشكل لزوم ما لا يلزم. الاختيار هو الكتابة، والرأي اختيار.

الكاتب نفسه إنسان مختار ليختار، والاختيار والخيار شكله وموضوعه.

والكاتب اختارته العناية لرسالة، واختار الرسالة هدفًا، والهدف وسيلة وغاية ووجود.

وبعد:

في تلك الأشهر التي توقَّفت تحريرًا وتسجيلًا، أبدًا لم أتوقَّف تأمُّلًا وإعمالًا للفكر، وقد وجدت الحياة والكتابة والطريقة والمواضيع التي نتناولها قد آبت إلى زقاق مسدود. واستحال الكُتاب، محررو الأعمدة وراصدو اليوميات، والمعلقون، والمحللون، إلى «كورس» هائل الضخامة كثير العدد قليل التنوُّع تمامًا وكأنهم جميعًا يردِّدون كلمات قد تختلف مفرداتها وتعلو أو تنخفض أنغامها ولكنها تكاد جميعًا تقول نفس الشيء؛ تنقد الروتين وتندِّد بالكسل، تُصرح طالبةً النظافة، تتساءل عمَّا جرى لحياتنا من تغيير، تجمع كلها أنه كله إلى أسوأ، وتختلف اجتهاداتها في الإجابة ولكنك تقرؤها جميعًا فلا تحس أنك تقدَّمت في معرفة السبب خطوة ولا عرفت بداية لأي حل، وكأنك، كالملايين التي تملأ شوارع القاهرة في عز ساعات «الدوام» هجرت العمل، وانتشرت في قلب المدينة تمشي ولا تسعى، تتمنى لسعيها غاية فتتوه بسعيها الغاية، مذهولة تتساءل، وتتلفَّت، ولا تجد لآلاف استفساراتها مجيبًا، ولا لهواجسها مطمئنًّا، كالأطباء تحوَّلوا يطلبون العلاج من المرضى، ومرضى يُعالجون مرضى، وأصحاء يمرضهم أنهم لا يرون علامات لأية صحة في أي شيء.

المجاري كلنا كتبنا عنها.

لصوص التطفل واستغلال النفوذ والإثراء المجرم السريع حفظنا من كثرة الإجماع وانعدام التنوع كل الآراء فيهم، وحصرناها في طائفة تقول إنها ظواهر فردية موجودة في العالم، وآخرون يعزون السبب للانفتاح الاستهلاكي غير الرشيد أو فساد الحكم.

تليفون الألف جنيه، والمط في مسلسلات التليفزيون، والإجماع على أن الحل هو الإنتاج وكأن الذي سينتج كائنات ستهبط من المريخ، أو كأن الإنتاج يحدث تلقائيًّا بمجرد المطالبة به، أو كأنه اكتشاف جديد نطلع به على الدنيا.

تشابهت عند كل الأقلام المشاكل، وتشابهت أنواع الحلول، وتحوَّلت معظم الأعمدة واليوميات إلى المسكينة برامج التليفزيون وكأنها البردعة يقفز فوقها كل من يكتب؛ ليعتلي المنبر ويوهم نفسه والآخرين أنه فعلًا يكتب وأنه يقوم بدور، وأنه لو كانت «جواري بلا قيود» جيدة لانحلت مشاكل مصر.

في الآونة الأخيرة، وبجانب الانفجار السكاني، حدث انفجار في كم الأبواب الصحفية والكتابية، ونفس المطالبين بتحديد الأبناء والنسل تنتشر أبوابهم وكلماتهم على هيئة انفجار كتابي في أكثر من مكان في الصحيفة الواحدة أحيانًا وبأكثر من طريقة، وكأن همَّ كلٍّ منهم أن يستحوذ على أكبر عدد من «البوتيكات» الكتابية؛ فبقدر ما لديه من بوتيكات يتأكد ما له من نفوذ ويتربَّع كقاضي الأمور الكلية (بتاع كله) يُصدر الأحكام بلا نقض، ويُشرِّع لكل شيء في مصر، يُعلِّم «يسرا» كيف تتقمص الدور، ويزجر عدوية، ويؤنِّب رئيس الحي ويثبت أنه أول من نبَّه إلى خطورة الاقتصاد في نمو المجتمع، ويتطوع برأي غير مسبوق في أحقيتنا ﻟ «طابا» وينعى على بحيرة السد العالي سمكها الذي أُهمل صيده حتى بلغ حجم الديناصورات، وبالمرة يؤكد أنْ لا عودة لعهود السجون والمعتقلات، ولا عدول عن القطاع الخاص، وأن الأهلي أثبت كالعادة أنه حديد، وأنه يستغيث بمحافظ الجيزة ليعالج مواطنًا على نفقة الدولة، والكل يفعل هذا ولسان حاله، وكثيرًا ما يُنهي كلامه قائلًا: ألا هل بلغت، اللهم فاشهد. أبلغ مَن؟ الحكومة؟ وكأنه يتصور فعلًا أن هناك مواطنًا اسمه الحكومة يسمع ويعي، وكأنها ليست أجهزة لا نهائية العدد والاختصاصات لها طول قطارات البضاعة وقدمها وانفصالها عن بعضها البعض، ولكنه يُصرُّ أنه نبَّه الكائن البشري الذي اسمه الحكومة، وأنه ها هو ذا يُعيد تنبيهه، وسجَّل في لوح التاريخ وعلى مَرأًى ومَسمعٍ من ملايين المواطنين الشهود، أنه كتب ولم يتحرك أحد، وأنه بثاقب نظره أثبت الحالة، وأنه أرضى ضميره والعيب أبدًا لم يَعُد عيبه.

وحتى كبار الكُتَّاب

«مولد كتابة» ينتهز بعض «كبار الكُتاب» فرصة الدوشة والازدحام وخاصيتنا القومية في ضعف الذاكرة من هول ما تكدَّس ويتكدس فيها، ويعدد للناس مواقفه الخطيرة مع الشعب ضد الملك قبل الثورة، ومع الديمقراطية ضد الطغيان وعصر عبد الناصر ومراكز القوى، وأنه — هو ولا أحد غيره — وقف ضد السادات وأخطائه، ويفعل هذا بجرأة يُحسد عليها، وكأنه يخاطب أطفالًا لم يروه يؤلِّه الملك ويُعادي الشعب، ويمجِّد عبد الناصر والثورة، وبالذات في المواقف التي كان الكل يعارضونها، ويُسبِّح بحمد السادات، ويكرر الشيء نفسه مع مبارك، واهو «مولد» وصاحبه الشعب يتصور الناس أنه غائب أو ساذج غير فاهم، أو ناسٍ، ولو عرف هؤلاء أن أحدًا لم ينسَ من مواقفهم شيئًا، وأن شعبنا من أذكى شعوب الأرض، وذكاؤه هو الذي يدفعه أن يترك الناس يزوِّرون ويكذبون حتى يوقعوا هم أنفسهم بأنفسهم.

ذلك الشعب الذي كان يعرف كل شيء عن رشاد وعن عصمت وعن توفيق ويعرف عن الآخرين كل شيء، وبحكمة العارف إنك قد تخدع بعض الناس كل الوقت، ولكنك أبدًا لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت، ينتظر؛ لأنه أعزل عن كل تنظيم ومنبر وسلاح، أعزل حتى أن يحتج احتجاجًا صارخًا أو جماعيًّا، ينتظر حتى تهيئ له الظروف الشرخ في المواقف أو في جبهة الشلة الصحفية أو الاقتصادية أو السياسية، وفي أيام يوسع الشرخ حتى يتحوَّل إلى خندق يسقط فيه الذين أشبعوه كذبًا واستهتارًا واطمئنانًا كاملًا أنهم سيعيشون أبدًا.

«مولد» على أصوات النصب والدجل وإثبات الذات بإعلاء الصراخ والزئير، اتفرج واسمع هلوسات اللابسين مسوح الإمامة والوعظ، أصحاب بنوك العملات الزائفة والمنطق الغوغائي الذين دفعوا القِلة القليلة الأصيلة التي تعرف والتي لديها فعلًا ما تريد قوله وتستطيع قوله، القلة التي لا تستطيع أن تتدافع بالمناكب لتأخذ مكان الصدارة في مجالات القول والفعل، القلة التي لا تكتب، حين تكتب، لإثبات الوجود وفرض الوجود بقوة الذراع، القلة التي لا تستطيع أن تُبدي رأيها إلا برأي عام يطلبها ويستمع ويُخرس الضوضاء لكيلا يفوته حرف من كلماتها حين تتكلم، ذلك أنها لا تكتب أو تتكلم إلا ولديها ما تقوله وما ينفع الناس فعلًا، ويحل لهم أزمة أو يفتح الأذهان لرؤى تكشف الضباب وتهدي سواء السبيل.

المتزاحمون بالمناكب من كل حدب وصوب، من جامعيين يئسوا من إثبات وجودهم علمًا فلم يعد أمامهم إلا أن يصرخوا بوجودهم صحافة ومقالات، ومديرين، وكبار موظفين، وغواة كتابة متطوِّعين، وغالبية من قُراء وجدوا أن لا مانع بالمرة، ما دامت الكتابة قد أصبحت لا تُكلف إلا ورقة وقلمًا، وأي رأي يعنُّ، وفي أي موضوع، فلماذا لا يُحوِّلون أنفسهم من قُراء إلى كُتَّاب، وهل فلان أو عِلَّان أحسن منهم؟ إلى درجة تدهش لتفاهة ما يرون ويقترحون، وانظر إلى هذا الذي يدبج مقالة عريضة يطلب فيها أن يقتصر الترشيح للمجالس الشعبية على حملة الشهادات العليا، وليست الكارثة في الرأي، الكارثة في المسئول الصحفي الذي ينشره على أنه «رأي» دون أن يتصوَّر أنه نوع من الجهل الصارخ بأبسط معاني التمثيل النيابي أو الشعبي، أو هذا السفير أو المدير أو الوزير الذي يصرُّ على ذِكر لقبه «لبث الهلع في نفس القارئ» وهو وهم وما ينشرون على الناس، وفي كل جريدة أو مجلة، متناولين أي موضوع يعنُّ لهم وبمواضيع إنشائية يبدون فيها آراء عمرها ما قدَّمت ولا أخَّرت؛ فلا شيء فيها جديد، ولا شيء غير مسبوق، وإن هو إلا تكرار لدردشات مقاهٍ روادها حتمًا لا يقرءون أو يكتبون. وهذا الذي ادعى أنه رُشِّح لجائزة دولية وقد تربَّع على عرش الإفتاء في كل زاوية من زوايا حياتنا وكأنه لم يعد مرشحًا لجائزة وإنما يمهد لترشيح نفسه رئيس حزب أو جمهورية وبطريقة تُميت القارئ الذي يتمتع بأبسط قدر من الوعي أو الاطلاع تُميته ضحكًا لضحالة وسخافة وسوقية ما يفرضه من آراء على الناس. ناس يملئون الدنيا كتابة لأنهم يتصورون أنها أسهل وأسرع طريقة لإثبات الوجود، ويتصوَّر حتى المتخصصون أن مجرد تخصصهم الأكاديمي يؤهلهم بحكم الشهادة للكتابة في فرع تخصصهم في حين أن الكتابة المتخصصة الحقيقية ليست مجرد تلخيص لرسالة دكتوراه أو بحث؛ وإنما هي رأي منفرد يخرج به الواحد منهم أو حتى يخرج به غير المتخصص على الرأي العام؛ رأي مبتكر كالاكتشاف العلمي أو الاختراع لأنه لو لم يكن كذلك لما ارتقى لمستوى الرأي ولما كان له الفاعلية الحقيقية التي يُحدثها الرأي؛ فالرأي الحقيقي هو الكتابة القادرة على تغيير رأي عام سائد ربما لنقيضه؛ أو فتح عين المجتمع على منظور لوجوده لم يكن يراه أو يتصوره قبلًا.

•••

إن إثبات الوجود بالعمل مسألة شاقة قد تأخذ عمرًا بأكمله لحدوثها وتستدعي عملًا دءوبًا صامتًا لا يتحدث عن نفسه إلا وقد وصل إلى نتيجة تحل للوطن أو للمواطنين معضلة، ومثل الانحراف الذي حدث لمُثُلنا العليا بحيث أصبح الشِّعار هو الهدف أسهل الطرق وأسرعها لتحقيق الثروة أو المركز، حدث أيضًا هنا، بحيث تحولت الكتابة في الصحافة والإصرار على النشر هو أيضًا الوسيلة الأسرع لتحقيق المكانة وهو الحديث المكتوب، وتحقيق الذات بالنشر عن الذات، وليلة كتابة في رأيهم تُغني عن عام بحث جاد أو عمل، ولأن كمَّ الكتابة قد تضخَّم، بحيث حدث لدينا بجانب الانفجار السكاني انفجار كتابي؛ فقد أصبح التسابق هو في رفع العقيرة أكثر، ومداومة الصراخ حتى يلفت الصوت المتكرر العالي الأنظار؛ ولهذا يصبح الحق هو للأعلى حنجرة وجعجعة.

وفعلًا أصبح الضجيج هائلًا.

ومع هذا — وتلك هي الظاهرة الغريبة — فإذا تفحَّصت هذا الضجيج لا تجده يقول شيئًا بالمرة، تجده في الحقيقة صمتًا تامًّا؛ إذ الذي يُحدث الصوت في الكتابة ليس هو الصوت المرتفع ولكنه النوع الفريد أو المتميز من الأسلوب والرأي ووجهة النظر، وما دام لا تميز أو تمايز، فالموجود، رغم الضجيج الهائل، صمت موجود على هيئة ضجيج.

•••

وإذا كان هذا هو حال المقالات والرسائل والشكاوى — ولنقف عند الشكاوى لحظة — فبريد القُراء كله شكوى، وإن تكون الشكوى من أشياء أو أوضاع تؤثر في قطاعات بأكملها من المواطنين والفئات شيء معقول، أما أن تكون الشكوى استغاثة من مواطن لهذا المحافظ أو الوزير لحل مشكلة شخصية، فمعنى هذا أن أقسام الشكاوى، وطريقة التظلُّم، وكل الموظفين دون الوزير أو المسئول، لا فائدة من وجودهم البتة، أو هم موجودون فقط لصنع نوع من موانع التسابق تحول دون المواطنين وتحقيق مطالبهم، بحيث لا يعود أمام المواطن إلا أن يجأر على صفحات الجريدة التي تصدر لتناقش قضايا الملايين، يجأر حتى يسمعه الوزير أو المسئول. والغريب أن الوزراء والمسئولين لا يجدون في هذا ما يعيب، وغالبًا ما يجيء خطاب للجريدة: إيماءً لشكوى المواطن كذا فقد أمر الوزير بكذا. ويتقبل الناس هذا بارتياح، وتُقدم الجريدة وافر الشكر في حين أن الوزير كان مفروضًا قبل أن يأمر بحل المشكلة أن يعرف ويحقق مع مرءوسيه الذين لم يحلوها، وأن يعاقبهم، وأن يرسل للجريدة بنتيجة التحقيق وما حلَّ من عقاب، ولو حدث هذا، لاختفت استغاثات المواطنين من مشاكلهم الخاصة، ولتعلَّم جهاز الوزارة أن «يحل» المشكل قبل أن يشرف صاحبه على الهلاك، ويجأر بالصوت الحيَّاني على صفحات الجرائد وكأنها انقلبت لحائط مبكى. أقول إذا كان هذا هو حال المقالات والرسائل والشكاوى، فالضجة الأكبر التي تحفل بها صحفنا وتكون «مولدًا» للكتابة منصوب يوميًّا هو الآخر، هو أخبار المؤسسات والشركات ومواقع العمل الخاصة بالعاملين، تلك التي مكانها اللوحات المعلقة داخل الموقع، بحيث لا أعرف أنا الموظف في إدارة المعاشات بهيئة كذا لا أعرف أخبار مقر عملي إلا من الجرائد العامة، ولا أعرف أنا مدير التفتيش في وزارة الري عن سياسة وزارتي — حتى الخاصة بالتفتيش — إلا من صفحات الجرائد، أخبار المصالح والهيئات، الأخبار التي نادرًا ما تهم غير العاملين فيها تحتل الصفحتين الداخليتين لكل جريدة، بينما المفروض أن تحتلها الموضوعات التي تهم المواطنين العاديين المتعاملين مع تلك الهيئات والخاصة بالعمل والإنتاج وسياسة العمل والإنتاج وما تم فيها وما سوف يتم ومتى، ولكنه «مولد» أخبار، بلا أخبار، ومانشتات أخبار وعناوين عريضة هي في حقيقتها دعامة لما ينتويه هذا المسئول أو ذاك وهذه الهيئة أو تلك، أخبار عما «سوف» يتم وليس أبدًا عمَّا «تم».

•••

أما المولد الحياني حقًّا فهو مولد الرياضة، بإحصائية بسيطة تنشر صحافتنا حوالي مائة صفحة كاملة للرياضة كل أسبوع؛ أي بمعدل حوالي ١٢٠٠ صفحة وأكثر كل شهر ١٢٠٠ صفحة منها لا أقل عن ١١٠٠ صفحة لكرة القدم وحدها، حتى إن بعض الصفحات الرياضية لا تكتفي بوصف واحد تفصيلي لمباراة كرة القدم الواحدة وإنما هي تقدم أحيانًا وصفًا يقوم به مسئول الباب ووصفين آخرين لمحررين، ناهيك عن التعليق، والمفارقات التي يتولَّاها محرر ثالث، وحديث مُفصَّل لكل حركة قدمها هذا اللاعب أو ذاك بحيث إن الجمهور يعرف كل كبيرة وصغيرة عن أحدث لاعب في أي نادٍ، إذا «شاط» شوطة جيدة أصبحت الشوطة مانشيت وحديث المدينة، وأي «أوف سايد» ممكن أن يتحول إلى صراع حول مشروعيته أو ربما أقيمت قضية أمام المحكمة الدستورية العليا للنظر فيه، صراع قد يستمر أسبوعًا وربما موسمًا بأكمله، والمضحك أن هذه الكتابات كلها ليست عن أشياء مجهولة من القراء وإنما عن أشياء كل الناس رأتها ولاحظتها ولا جديد فيها، عن مباراة أو «لعبة»، وليست عن اجتماع لهيئة كبار العلماء و«النتيجة» أننا نحيا في «مولد» كلام عن الكورة، بينما اللعب نفسه، ومعظم المباريات أكاد أقسم، وبالمقارنة إلى المباريات الأجنبية أو حتى معلوماتي العامة جدًّا عن لعب الكرة أنها لا تستحق حتى مجرد التنويه، «مولد» لا يناقش فيه أحد خطة الفريق وأداءه وإنما هي كلها مناقشات لأداء كل فرد في الفريق بحيث هدمَ هذا المولد الكتابي جماعية اللعبة تمامًا، وأصبح همُّ كل لاعب أن ينفرد بلفت الأنظار لمهارته الخاصة «مولد» منصوب من سنوات، لو كان له أية فاعلية، لحوَّل الكرة في مصر إلى علم لا يجارينا فيه أحد. إنه لجنون مُطبق. في مجلة مصورة مصرية محترمة أحصيتُ مرة عشر صفحات بأكملها تتحدث عن مباراة واحدة لم أستطع شخصيًّا ولفرط ضحالة مستواها أن أكمل التفرج عليها.

•••

ومولد آخر — أخبار الفن والفنانات — يصل إلى درجة أن خبر مرض نجم فما بالك نجمة، بالإنفلونزا حتى دون أن يكون لهذا المرض أية علاقة بتأجيل تصوير أو فتح الستار عن ليلة عرض، أي تأثير أو علاقة. «مولد» تُحشى فيه أدمغة الشبان والفتيات بترهات فارغة عن أتفه أخبار الفن وعن أتفه ما في حياة الممثل أو الممثلة من أحداث، ولا تجد فيه رأيًا موضوعيًّا واحدًا يضع يد النجم الصاعد أو النجمة على مواطن القوة في العرض أو الفيلم، ولا عن مواطن الضعف وإنما التعبيرات تتوالى: كان فلان كعادته عملاقًا، أما فلان فقد كان أكثر من عبقري (بربكم هل هناك مرتبة للقدرة البشرية تسمى أكثر من عبقري إلا مرتبة الألوهية) يغوص خنجر حاد داخل ضلوعي وأنا في الولايات المتحدة مضطر للبقاء بجوار ابني في المستشفى، وتأتيني الجرائد المصرية والمجلات التي صدرت خلال خمسة عشر يومًا، يغوص خنجر وأخجل أني كاتب، وأن الصحف لبلادي فأقسم غير حانث أن كم الكتابة الذي وجدته يناقش الفرق بين فوازير نيلي وفوازير سمير غانم، ومحاولات من كتبوها لتحليل ذلك الحدث الخطير، كان يطغى تمامًا على اجتياح لبنان وانفعال الكاتبين بها، وكانت الصحافة الأمريكية تغلي فعلًا لا مجازًا بكنه وصدى ووصف المذبحة الرهيبة الحادثة «للمسلمين» اللبنانيين والفلسطينيين بينها الكُتَّاب الصحفيين المسلمين في مصر مشغولون بتفاصيل برامج الإذاعة والتليفزيون وياميش رمضان وحتى الصفحات الدينية — في عز المعمعة — تناقش هل صيام المسافر بالطائرة يوجب الإفطار، أو هل الحقن الشرجية تفطر. كلام وعظات وكأنها أول مرة يصومها المسلمون أو أن الصائمين في حاجة — لا يزالون — لتبيان فضائل الصيام، وأعداؤنا يذبحون ويُنكِّلون بنساء المسلمين وأعراض المسلمين.

الفوازير أصبحت أهم من المجازر، والمجازر يزأر لها الضمير المسيحي والبوذي، بل واليهودي ويتظاهرون ضدها في واشنطن، والعالم بملحديه حتى يتأجج غضبًا، وصحفنا مليئة بدوشة الطقوس الرمضانية الفاطمية والمقارنة بين إذاعات الشرق الأوسط والبرنامج العام وأي المسلسلات «أنقح» والقضية الكبرى هي: هل الأفضل الفصل بين القنوات في وقت البرامج المسلية عقب الإفطار أم أن الإدماج كان الأحسن. وصحف ومجلات القاهرة في شهور مايو ويونيو ويوليو موجودة وارجعوا لها. مولد كتابة.

•••

مولد صاخب تاهت فيه القيم والحقائق، وكثرت الأبواب، واشتدت سواعد وحناجر القائمين عليها، وفي الازدحام لا يلحظ أحد تبادل المنافع وشيلني وأشيلك، وشبه الملكية المطلقة لكل من استحوذ بطريقة في الغالب غير مشروعة على مزرعة كتابية مسوَّرة ومكهربة السور يديرها لحسابه الخاص، وأشياء أخرى كثيرة لا بد أن نتداركها قبل تفجر المواسير القيمية والمعنوية، ولأن هذا ليس نقدًا لصحافتنا، ولا حتى مشروعًا لنقد، وإنما هو مجرد رصد للجو الكتابي والصحفي الزاعق بلا معنًى، الصاخب بلا صوت، المزدحم بلا تفرد، فإني إنما تعرضت لهذا الجو فقط من أجل أن أذكر أن باستطاعة هذا الكم الهائل الطاغي على الكيف أن تتوه فيه المواضيع القليلة البالغة الأهمية، ما دامت المواضيع كلها قد أصبحت عند العرب صابون.

ولقد كنت أذكر انطباعاتي عن الأشهر القليلة التي قضيتها «أقرأ» ما يُكتب وأتأمله، ولكي أكون منصفًا فإني لم أخرج بقراءتي صِفر اليدين؛ فوسط حلقات الذكر والهلوسة والصراخ والعويل، وسط القُراء الذين يضجون كتابة، والكتابة التي تضجُّ استسهالًا قرأت مواضيع قليلة جدًّا، المؤلم أنها ضاعت تمامًا من معظم القراء، كالإبر الماسية التي لا بد تخفيها أكوام القش، أحدها ذلك الذي قرأته منذ أيام وقد كُتب بتركيز شديد، ورغم تخصص صاحبه وكفاءته العالمية، فقد أبت عليه غيرته المصرية إلا أن يطوع خبرته لخدمة واقعنا ويناقش أهم مشكلة تواجهنا، مشكلة تحولنا إلى مجتمع انتابته لوثة استهلاكية تهدد بتوقف كل مظاهر الإنتاج فيه. والجميل في الموضوع، والمفروض إذا كان قد ضاع اسم كاتبه وعنوانه الذي كُتب ببنط كالإبرة وسط أكوام القش، الجميل أنه ترك جانبًا طريقة المتحاذقين في تناول مشاكل حياتنا والذين يستنتجون بعد طول استعراض وتمحيص أن لا مخرج لنا سوى زيادة الإنتاج، وكأنه بهذا الاستنتاج الذي طرحه الرئيس حسني مبارك كقضية هامة، عنوان قضية هامة بالأصح، وترك للآراء وللجهابذة مهمة العثور على السبب والحل، الجميل أنه — كاتب المقالة — ترك المقارنات التي نعقدها بين المجتمعات الأمريكية والأوروبية وبين مجتمعنا، وضرب مثلًا بمجتمع من العالم الثالث مثلنا، كوريا الجنوبية. والحق أن الأرقام التي ذكرها أذهلتني؛ فقد قال إن معدل التنمية في كوريا وصل خلال العام الماضي إلى ٤٥٫٨٪ وإذا عرفنا أن معدلات التنمية في أعظم المجتمعات الغربية إنتاجًا وقدرة على الإنتاج لم تصل أبدًا إلى العشرين في المائة، فإن هذا الرقم لكوريا يعتبر معجزة فريدة، ومن دولة ليس لديها فائض أموال، ولا نقود بترول، ولا تملك إلا سواعد أبنائها. ٤٥٫٨٪ بينما معدلنا نحن لا يزيد على ٨ إلى ٩ في المائة، يستهلك الدعم أي الاستهلاك حصيلتها، والحصيلة الباقية يبتلعها تمامًا الانفجار السكاني بحيث إن الأرقام الواقعية لمعدل التنمية لا تتجاوز الخمسة أو أقل في المائة. وذكر أيضًا أن حصيلة صادرات هذه الدولة الصغيرة، الصغيرة تمامًا من المواد الخام والخبرة التكنولوجية بلغت في العام الماضي ستة عشر مليار دولار؛ أي أنها صدَّرت ما يغطي كل ديون مصر الخارجية في عام واحد، وأن خطتها للتصدير تشمل السيارات والآلات والأدوات الكهربائية والملابس بينما صادرتنا نحن (قطاع خاص وعام وكله) لا تتجاوز المليارين وكلها منتجات زراعية أقل القليل منها هو المصنَّع.

أما المذهل حقًّا، فهو أن هذه الدولة تُزمع رفع صادراتها هذا العام إلى رقم يعادل معدل التنمية التي هي أخطر بكثير من مجرد زيادة الدخل القومي، فزيادة معدل التنمية تعني زيادة الطاقة الإنتاجية المتطورة أي زيادة المصانع وأدوات الإنتاج. والمهارات البشرية في حين أن زيادة الدخل القومي قد تحدث لأسباب لا علاقة لها بزيادة القدرة الإنتاجية للبلاد.

ويا لروعة أن أقرأ لهذا الخبير المصري العالمي، أن في نية كوريا الجنوبية أن تُصدِّر لعب أطفال بما قيمته مليار دولار هذا العام.

كوريا الجنوبية تلك كانت في عام ١٩٥٠م مخرَّبة تمامًا وكان وضع مصر الاقتصادي بالنسبة إليها يكاد يعادل وضع أمريكا بالنسبة إلى دول العالم الثالث.

•••

ولست أنوي — ولا معلومات كافية لديَّ — أن أعرض لِكُنْه الطريقة التي حققت وتحقق بها كوريا ومعظم دول آسيا هذا، ولكني متأكد أنه رغم التخلف التكنولوجي ومحدودية رأس المال، فسرُّ الإنتاجية الآسيوية الهائلة كامن في قدرة المجتمع على إحالة نفسه إلى مجتمع منتج، وهو عكس ما ظلنا طويلًا نتصور أن القاعدة الصناعية أو الإنتاجية هي رأس مال وآلات وصناعات ومواد خام. هم اكتشفوا أن القاعدة الأولى شعب يعمل أولًا ويخلق نظام عمل يحقق أعلى مستوًى للإنتاجية، وبهذا الشعب المنظم على هيئة مجموعات بشرية منتجة تبني القاعدة الآلية وتستخرج المواد الخام، وتطور الصناعة والزراعة وبالتالي يقفز الإنتاج القومي.

وأكاد أجزم أن المشكلة الرئيسية التي تهوي بإنتاجنا إلى الحضيض راجعة إلى أننا نفكر في إقامة المشاريع والصناعات قبل تفكيرنا فيمن سيعملون في هذه المشاريع، وأولًا في كيف يعملون، وينتجون، ليس على أساس فردي، أو نظام إداري هرمي وإنما على أساس نظام استبدال العامل الفرد الواحد، والفترة الواحدة، بمجموعة عاملة منسجمة ومنتجة.

لأن هذا ليس الموضوع الذي بدأته وأريد أن أنهيه فأستسمح القارئ إلى أن أعود مرة أخرى إلى «مولد» الكتابة، فما ذكرت هذا الموضوع إلا لأوضح كيف أن الضجة الكتابية العالية الصوت المعدومة النتيجة ممكن أن تُضيع أهم المفاتيح والمواضيع التي بدونها تمتلئ حياتنا هي الأخرى بالضجيج، وتنعدم أيضًا فاعليتها.

إن الصحافة والإعلام والكتاب والكلمة والأجهزة التي تتعامل بها ومعها هي بمثابة الجهاز العصبي والمخ الذي يستقبل مؤشرات الواقع وتتفاعل داخله ثم يُعيد يرسلها أوامر وأفكارًا يتحرك على أثرها المجتمع، ويوجد، ويحل كل مشاكل يومه وغده بل ويحلم ويستمتع، ويحقق الحياة الجديرة بأذكى وأكثر الكائنات حساسية على سطح الأرض. والكتابة كمولد، ومولد الكتابة، وفوضى الإرسال والاستقبال، أضاع منا صحافة وأعلامًا دور العقل، ولهذا، في حلِّنا لمشاكلنا نحن نتحرك كعضلات وإجراءات بوليسية، وردود أفعال.

وإذا كنت قد أنهيت منذ بضعة أشهر سلسلة مقالات عن فقرنا الفكري وتفكيرنا الفقير، فلقد اكتشفت، حين حولت نفسي وحولتني الظروف لقارئ ومستهلك، إننا لسنا كأفراد أو حتى كمجتمع فقراء فكر أو مفكرين فقراء إنما المرض سببه وعَرضه الرئيسي هو خلل في عقلنا الإعلامي والصحفي، الذي بازدحامه يمنعنا من أن نرى، أو يربك أنظارنا بحيث يتوه منا الطيب من الخبيث، وبضجيجه، إذا رأينا وأدركنا، أن ننظم إدراكنا ونمنطقه، وبتحولنا جميعًا إلى كُتاب ومرسلين، أجبرنا خلايا الإرسال المتخصصة والقادرة أن تقوم بعملها وترسل الحل أو تعثر على المفتاح أو على الأقل تميز بين المهم فالأقل أهمية، أن تحتجب.

أو إذا زمجرت بعض الأصوات تحتج فأتحدى أحدها أن يمسك بجريدة اليوم ويعرف له أو لها رأسًا من رِجلين، أو يتفق اثنان من قرائها على أهم خبر أو موضوع نشرته اليوم.

•••

وإذا خرج قارئ واحد، من هذا المقال الطويل، بالحقيقة الواحدة البسيطة التي خرجتُ بها من أكوام وأكوام ما قرأته طوال أسابيع، حقيقة أننا لا نُنتج لأننا «نتسابق» أو نريد التسابق إنتاجًا، في حين أن الوسيلة الوحيدة لكي ننتج هي أن نسكت على الضجيج الحادث حول مشاكلنا ونركز على نقطة أولى، أول وأهم وأخطر نقطة، كي ننتج كمجتمع، ونفكر معًا كجماعة، ونوقف سباق الإنتاج المزعوم ونبدأ نؤمن بقانون الحياة في الجسد الذي وزَّع مهام بقائه ووجوده ليتكون منه «كل» منتج تكمل الأمعاء فيه إنتاج المعدة، وكرات الدم الحمراء دور الرئتين.

وإيقاف مولد الكتابة وإحالة الصحافة إلى وسيلة تفكير عميق منظم، وليس حائط مبكى أو سوق عكاظ، هو الخطوة الأولى لجعل الجهاز العصبي والعقلي في المجتمع يبدأ يفكر ويعهد لكل جهاز بعمله، ويعلم كل خلايا جهاز أن تعمل معًا، بلا مفتش لعموم إدارة الكبد، أو مدير هيئة يأمر مدير قطاع، يأمر مدير قسم، يأمر مدير جهاز يأمر عامل نظافة أن يمسك بالمقشة وإلا رفع ملاحظه شكوى لكبير الملاحظين للمهندس المختص، لرئيس الحي، ولمدير التنظيم للمحافظة لوزير الحكم المحلي لرئيس الوزراء لكي يضطر رئيس الجمهورية أن يذهب بنفسه ليوقف التسمم الجاري في أحد شوارع القاهرة.

نظام العمل في مصر هو أيضًا مولد؛ لأن صاحبه غائب، ترك العمل، وتحول إلى كاتب وانضم إلى مواكب الطرق غير الصوفية في مولد الكتابة في بلادنا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠