الضجيج الداخلي والخارجي وحالة التولة

لا أعتقد أنني وحدي الذي ألمس هذه الظاهرة؛ ظاهرة شبه «التوهان» التي يلاحظها الإنسان إذا استعرض وجوه السائرين في الشارع، أو منتظري الأوتوبيس أو حتى الجالسين على المقاهي أو الواقفين في طوابير، بل ربما حتى السائقين والعابرين للطرق والشوارع. ظاهرة غريبة ليست بنت اليوم ولكني أتابعها خلال السنوات العديدة المتوالية، حتى قبل هزيمة ٦٧، وألحظ أنها في ازدياد مستمر، ومرة في أوائل السبعينيات كتبت قصة وسيناريو فيلم عن توت عنخ آمون، وكنت إذ ذاك في لندن وجاء المخرج ومعه الممثلون الإنجليز الذين اشترك معهم النجم عزت العلايلي وصوَّروا الفيلم ما بين القاهرة والأقصر وأسوان، وحين عاد «ستيفن سكوت» المخرج، وكانت تلك أول مرة يزور ويُقيم ويعمل في مصر، سألته عن رأيه في شعبنا آنذاك فذكر لي أنه معجب جدًّا بأداء المصريين الفردي، ولكن — هكذا أضاف — ثمة حالة من اﻟ APATHY الجماعي موجودة بين الناس بحيث لا بد أن تذكر الشيء مرتين على الأقل لينتبهوا لسماعه، وأحيانًا بعد ذكره ثلاث مرات لا بد أن تسأل المتلقي عنه، وفي أحيان كثيرة تجد أنه — أيضًا — أخطأ في الانتباه وفهم أو أدرك نصف ما قاله، أو على الأقل لا بد قد نسي شيئًا، واﻟ APATHY كلمة لاتينية الأصل لا يوجد لها ترجمة عربية دقيقة؛ إذ هي في الأصل حالة مرضية، ولكنها ممكن أن تُترجم بعدم الإدراك أو عدم الوعي الكامل، أو المسافة الكائنة بين التوهان وعدم الانتباه ونقص الإدراك. ولأن الرجل كان يحب مصر والمصريين تمامًا وشديد الإعجاب بهم فقد أخذتها على محمل ملاحظة صديق متعاطف مع شعبنا، وليس هذا فقط؛ فقد كان انطباعي حتى قبل أن أسمع منه الملاحظة هو نفس الانطباع.

ولكن تلك كانت بذور الحالة، ومنذ ذلك التاريخ وإلى الآن أعتقد أنها قد زادت بطريقة أصبحت ملحوظة تمامًا حتى لمن هم مصابون بها، إنك تذهب إلى الموظف وباختصار شديد تشرح له المشكلة والمطلوب، فإذا به يستعيدك ما قلت مرة أو مرتين، وتلاحظ أنه أيضًا لم يبدأ يسمع، إلا حين فقط تبدو عليك معالم الغضب فيسمع ليجمع أسبابًا يرفض بها طلبك أو يزجرك. كثيرًا ما ذهبت إلى وِرش وشاهدت عمالًا يقومون بأعمال، ولا تركيز هناك، لفة مسمار، ثم زعقة هنا، وشتيمة هناك، وطلب شاي مرة، ولعن للصبي مرة أخرى، والكلمة التي على لسان السائر في الشارع: نعم؟! بتقول إيه؟!

لا أحد يسمع أو ينتبه من أول مرة.

لكأن هناك طاحونة داخلية ذات ضجيج عالٍ، تطحن وتلف وتدور، ويدور معها وبها التفكير، لتستغرق الحواس المفروض أنها تستقبل الإشارات من الخارج، في الاستماع إلى صوت الداخل المليء بالضجة والكلاكسات والميكروفونات الباطنية المعذبة والخطب والحكم والنواهي والأسعار والأزمات، فلا تعود تسمع أو تتلقى من الخارج شيئًا، وكفاها ما بها، وفعلًا كفاها ما بها.

ولكن أود أن أضيف هنا بضعة أسباب من اجتهاداتي، فالواقع أن الإنسان المصري خلال الحقبة الأخيرة قد بدأت تتراكم حوله وداخل عقله كثير من المشاكل الصغيرة جدًّا، أن تشتري طابع بريد، أن تركب أوتوبيسًا، أن تقطع تذكرة قطار، أن تعبر شارعًا، أن تقود عربة، أن تستخرج رخصة، أن تدفع فاتورة تليفون، أن تسدد أجر مكالمة للخارج، أن تُجري المكالمة، أن تطلب ترنك بنها أو بني سويف، أن تكشف عند دكتور أو في عيادة خارجية، أن تزور الشهر العقاري لسبب أو لآخر. باختصار أن تفعل أي شيء في مصر، مهما كان تافهًا، وأعود وأكرر أن تفعل أو تحاول أن تقوم بأي شيء، مشكلة؛ إذ لا شيء أبدًا يحدث تلقائيًّا أو بسهولة، حتى الحصول على ساندوتش طعمية، مضايقون يضايقون بعضهم، وقوانين صغيرة ولوائح وضعها متضايقون كي بها يضايقون، مئات من المشاكل اليومية الصغيرة إذا رفعت كل مشكلة منها ضغط دمك ملليمترًا فسيصل ضغطك إلى الثلاثمائة قبل حلول موعد الهول الأكبر، العودة من العمل. وصحيح أن العقل البشري مخلوق ليحل المشاكل الصغيرة والمشاكل الكبيرة أيضًا، وليظل طوال الوقت، ومع هذا منتبهًا تمامًا للعالم الخارجي، ولكن كثرة المشاكل الصغيرة التافهة وصعوبة حلها في كثير من الأحيان تطغى على الخلايا العقلية وتغرقها أو تخنقها في تراكمها الراكد المخزون، وبهذا لا يبقى ثمة وقت لمعالجة الأحلام الكبرى وحل المشاكل الأعوص، وأيضًا يفقد الإنسان قدرته على استقبال ما هو أهم، حتى بالنسبة لحياته، وبنفسي أرى أناسًا يقذفون بأنفسهم أمام العربات المجنونة الأنانية ويتركون مهمة الحفاظ على تلك الحياة — حياتهم — للسائقين الذين هم أيضًا غير كاملي الانتباه، والنتيجة حوادث وكوارث.

هذا سبب.

السبب الثاني الذي أود إضافته أن الأقدار لم تتركنا للمشاكل الصغيرة نصارعها وتصارعنا ولكنها أيضًا قدَّرت علينا مفاجآت مذهلة نصحو عليها، حربًا مرة، وصدمة كهربائية مرة، وقرارات تزلزل الكيان، حتى الكيان الشخصي مرة، وقانون يصدر فجأة دون أي دراسة أو مرونة، وتصرفات وإجراءات، كالحيوانات النمرية المفترسة تنقضُّ علينا وسط توهاننا في غابة مشاكلنا الصغيرة فلا نعرف كيف نتصرف وهل نتسمع إلى أعلى أو إلى أسفل، وهل يأتينا القضاء من أمامنا أم من خلف الظهور، وهل نمشي في هذا الطريق أو ذاك وربما يكون أحلاهما.

وفي وسط هذا كله نزدرد اللقم، من لحم ميت لا نفرقه عن الطازج، وسمك لا نعرف إن كان فسيخًا أم صيد اليوم، وبيض لولا أنه يُعلِن على الملأ بتغير لونه فسادَه، لأكلناه هو الآخر، وجبن، أهناك جبن معلب مبستر في العالم يفسد يا ناس. يبيعونه لنا فاسدًا ويأكله الأطفال ولا يعرفون، وحتى قراءة الجرائد أو التفرج على التليفزيون لا نعرف منها الطيب من الخبيث؛ فاهو كله كلام، وكلها فرجة، فعملية الطحن الداخلي شغالة تمتص انتباهنا كله.

•••

لهذا فإني أطمح، أصبح كل طموحي الآن، ليس أن نغزو القمر أو نغير في بعض القيادات، ولكني أطمح في شيئين:
  • أولهما: أن تُؤلَّف بشكل جادٍّ عاجل لجنة غير حكومية تدرس كل المشاكل الصغيرة التي يتعرض لها المواطن المصري صباح مساء وتستأصلها تمامًا، وملعون ذلك الروتين الذي يتوه شعبًا عن أن يعيش بوعيه وأن تقتل روحه مشاكل بالغة السفاهة والتفاهة، ما معنى إذا أردت أن أدفع مبلغًا في قسم بوليس الدقي غرامة أو ثمن تجديد بطاقة أن أذهب إلى العجوزة لأبحث عن شقة مهجورة أدفع فيها النقود ثم أعود إلى القسم ومعي الإيصال، مسألة تستغرق — حسب مواصلاتنا العادية — يومًا بأكمله، لماذا لا يكون التحصيل في القسم نفسه وفي المكتب المجاور تمامًا لمكتب إنهاء الإجراءات؟ وهذا مَثل واحد من نصف مليون مَثل يعانيه كل مواطن ويئنُّ ويتلوى والروتين ينظر إلى بلواه ويخرج له لسانه ويتلمظ. قلنا الإسكان وارتفاع الأسعار مشاكل كبرى في حاجة للجان ومقررات ودراسات ومليارات، ولكن هذا الإجراء البسيط، ماذا نحن في حاجة إليه أكثر من وزارة أو بضع وزارات تتحرى حالة اﻟ APATHY التي نعانيها، وتنتبه وبشدة إلى ما يعانيه المتعاملون معها.
  • ثانيًا: ألا يصدر أي مشروع أو قرار إلا بعرضه على الرأي العام لمدة خمسة عشر يومًا على الأقل بحيث يقال ما له وما عليه حتى يصدر وقد استوعب الواقع ورأي الشعب فيه، لكيلا يتحول إلى حاجز جديد على الشعب أن يتعلم القفز فوقه وكأن الشعب ليس أمامه من الحواجز ما يكفي.
  • ثالثًا: إلغاء الميكروفونات تمامًا من حياتنا وإلغاء السيرينات والكلاكسات واستبدال أجراس الحنطور بها لو أمكن، فالضجة في شوارعنا تلك التي تنفذ بإجرام إلى أسرَّة نومنا وحجراتنا تعمي آذاننا عن أن تسمع أو تستمع.

وقد يستخف بعض الناس بما أقول ويتساءل عن هيافة هذه المطالب الحادة العاجلة، ولكني متأكد تمامًا أنها الإجراءات الأولى التي لا بد منها لتتوقف الضجة الشديدة الداخلية والخارجية التي نعانيها بحيث يسود شبه سكون نستطيع خلاله أن نعي إن كنا أحياءً أم أمواتًا، وأن نفكر وأن نرى حتى نرى ماذا علينا أن نفعله لنحل المشاكل الكبرى.

إنها مثل طرقات القاضي أو رئيس أي جلسة التي يُسكت بها الضجة في القاعة حتى يسود السكوت، أو نعرف من المتكلم، وماذا يقول وحتى لا نظل نحملق في حالة ذهول لا نعرف هل الضجة التي تصم آذاننا قادمة من الداخل أم من الخارج وما سببها.

التوهان المتعمد هذه المرة

أقول ما سبق لأني حين كتبت في الأسبوع الماضي عن ضرورة أن نتتبع من أين وكيف جاءتنا الأطعمة الفاسدة مع أنه من المحرم دوليًّا ومحليًّا تداولها، واقترحت أن يقوم شبان صحفيون بمغامرة يتتبعون فيها الخيط، ويعرفون من أين كان يستورد موردو السموم سمومهم الطعامية أو أن تقوم بذلك أجهزة الدولة المختصة وعلى رأسها جهاز مباحث أمن الدولة، أفليس من المضحك أن نُسمي مؤسسات الأطعمة الفاسدة مؤسسات الأمن الغذائي، بينما ثبت أن كثيرًا منها كان مؤسسات لتوزيع السموم الغذائية، ثم أليس أمن الشعب أهم من أمن الدولة، أو ليس «أمن الشعب» الغذائي الحقيقي أهم من أي أمن آخر، وأن تاجر المخدرات وتجارة المخدرات التي أقمنا لها أجهزة هي في غاية الكفاءة تقاومها ربما أخف ضررًا من تجارة الأغذية المسمومة واستيرادها، وفوق هذا فليس أن نعهد للقطاع العام باستيراد الأغذية واللحوم هو كل الحل، فما حدث من القطاع الخاص ممكن أن يقع فيه موظفو القطاع العام إذا تسلمتهم مصيدة تجار الأغذية المسمومة العالميين الذين يقفون لبلاد مثل بلادنا بالمرصاد.

مرة ثانية أطالب بضرورة أن نتتبع ونبحث وبشكل جدي خطير من أين جاءتنا الأطعمة المسمومة، وكيف كانت تأتي، ومن أية دول أو شركات حتى نطالبها بالتعويض أو نقاطعها تمامًا.

فالموضوع ليس هيِّنًا بالمرة.

إنه موضوع مئات الملايين من الجنيهات أُنفقت على شراء لحوم وأغذية مسمومة عن عمد وسبق إصرار وترصد وترتيب وعصابات دولية أو دول عصابات خطيرة ولا يمكن السكوت عليها، ولا يمكن أيضًا مقابلتها بحالة «التوهان» فإنها حينئذٍ لا تكون حالة خاصة ولكنها حالة ذهول متعمد أو تطنيش لا بد وراءها من سبب مرضي أو إجرامي.

ولم نعد بعد تحتمل أن يتلاعب المرضى أو المجرمون بمصائرنا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠