خطاب لرئيس الوزراء

الزميل الكبير الدكتور فؤاد محيي الدين رئيس الوزراء:

كان ممكنًا أن أطلب لقاءك وتلبِّي طلبي كما تعودت أن تفعل لأعرض عليك هذه القضية، ولكني — أيها الزميل الكبير — وجدت أنها ليست قضية خصوصية أعرضها عليك بين جدران أربعة وإنما هي قضية عامة لا بد أن يشترك في الاهتمام بها الرأي العام كله.

القضية هي قضية الشعر والشعراء في مصرنا العزيزة. وقد تبدو إثارة موضوع كهذا في خضم مشاغلك الرهيبة من سياسة خارجية وداخلية من اقتصاد إلى إسكان إلى دعم إلى ارتفاع أجور، قد تبدو إثارة قضية كهذه في نظر البعض نكتة يقولون على أثرها: وهل انتهينا من حل المشاكل كلها حتى نفرغ لقضية الشعر والشعراء؟ ولو كنت أعرف أن لك هذا الرأي لراعيت شعورك ولم أعرضه عليك. ولكني — أيها الزميل الكبير — أعرف لك جوانب كثيرة لا يعرفها عنك الناس، فلقد تزاملنا في كلية طب قصر العيني أيام كانت تقود الكفاح الوطني، وكنت أنت زعيمها، وكنا نحن من ورائك، وبعدك نقوم بنفس المهمة، وجمعنا السجن، أتذكر يا دكتور تلك الزنزانة في حبس قسم السيدة زينب والأربعين طالبًا المحشورين داخل ٣ × ٣ متر والصعيدي المُرحَّل من معتقل الخطرين في الطور إلى أسيوط وحقيبته الحديدية الضخمة التي أبى أن يقربها أو يقرب مجلسه أحد منا؟ ولأن ضغط أجسامنا البشرية كان أكبر بكثير من أن يخضع لمنطقه فقد حاولنا ونحن الكثرة أن نجلس فوق الحقيبة الحديدية ولكنه مدَّ ذراعه صانعًا بها خطًّا يصل ما بين حائط الزنزانة وجسده واستهنا بالذراع فقد كانت رفيعة كعود قصب معتلٍّ وحاولنا دفعها، باستهتار أول الأمر، ثم حين وجدناها أصلب من الاستهتار استجمعنا كل قوانا لنزحزح ذراعه وإذا بنا أمام — ليس ذراعًا — وإنما سيخ حديدي مهما تكتلنا لم نملك له دفعًا حتى سلمنا له هو وحده بثلث الزنزانة وانحشرنا نحن الأربعين في الثلثين الباقيين.

لأني أعرفك يا دكتور فؤاد أنك تدرك تمامًا أن مصر أمة ودولة متحضرة، ليس بمعنى أنها راقية، ولكن بمعنى أنها لا بد أن تدرك قيمة الفن والشعر والقصة والمسرح والأدب حتى وهي تعاني من «الاختناقات» وليذهب أي إنسان إلى مساكن شعبية أو عشش أو نجوع مصر ليجد «إيريالات» التليفزيون. أحيانًا بالألوان، تطل من بيوت من المؤكد أن أهلها يعيشون على الرمق. متحضرون لأن الفن أساسي في حياتنا مثله مثل الطعام تمامًا بل أحيانًا قبله، فنحن أيضًا بالسليقة ندرك أن لا قيمة لحياة قوامها الأكل والشراب فقط، وأن الروح تظمأ أحيان أكثر مما يظمأ الجسد، وأن الفن غذاء الروح، والأرواح الشبعانة فنًّا هي وحدها القادرة على حل المشاكل، وبلا فن حقيقي وبلا مثقفين ومفكرين فإن حلولنا لكل مشاكلنا الحيوية تصبح حلولًا منقوصة إن لم يكن مغلوطة إذ هي تصبح حلولًا غير بشرية.

فوطننا مشاكل وناس، والناس هي التي تحل المشاكل، ولكن لأن أرواح الناس هي القبس الحي الذي يُضيء لهم السبيل ويهيِّئ لهم الحلول ويُشعل فيهم الطاقة القادرة على الحل والحياة، فلا بد ونحن نحضر لمصر الغد، ومنشغلون تمامًا في حل مشاكل مصر اليوم ألا نستغرب إذا اهتممنا بقضية روح الفن الشعر والشعراء.

وليس هذا بموقف غريب على مصر؛ فمصر كانت دائمًا بلد الشعر والشعراء، ترعاهم وترحب بهم وتحتضنهم ويجدون في ربوعها كل تكريم وإعزاز. فماذا حدث لنا؟

في مصر شاعر، واحد من أعظم الشعراء الذين أنجبتهم مصر في كل تاريخها، شاعر شاب أنبغ ما أفرزته حقبة الستينات من شعراء.

وإذا لم يكن لأمل دنقل شهرة شوقي وحافظ أو صلاح عبد الصبور فذلك لأنه نشأ وكتب في عصور اضطهاد كانت تدفع شعراءنا الشبان إلى نشر معظم إنتاجهم خارج مصر. بينما كان الشعر أيام شوقي وحافظ ينشر في الصفحة الأولى من الأهرام، وتظل القصيدة حديث الناس لا ينقطع الحديث عنها إلا بظهور قصيدة جديدة، ولم نكن أيامها أبدًا بلا مشاكل فقد كنا نخوض مشكلة حياتنا الكبرى الصراع المرير مع الاستعمار الإنجليزي والقصر والكفاح في سبيل الدستور، ولكن هذا لم يشغل الناس عن الشعر، وهذا الجيل من الشعراء الذي بدأ بصلاح عبد الصبور ثم ما لبث أن تألَّق بجيل الستينات شعره ثورة في عالم الشعر، شعر لا يقل عمقًا — إن لم يزد كثيرًا — عن شعر السابقين، ولكن حظه السيئ أنه نشأ في ظل حركة ثقافية مشتتة ومسطحة، بل لا يهمها الشعر بالمرة، ما دامت حلقات التليفزيون السخيفة موجودة وما دامت مذيعات التليفزيون يستطعن النطق بإنجليزية وفرنسية بإتقان مبالغ فيه بينما عربيتهن يتندر عليها رجل الشارع.

ولقد أردت لمن يريد أن يقرأ لأمل دنقل شعرًا أن أنشر أحدث قصيدة كتبها أمل دنقل. زرته أول أمس في معهد الأورام وأنت تعرف يا دكتور فؤاد ما هو معهد الأورام وأنت أستاذ الأشعة تعرف معنى مرض اﻟ «سيمينوما» حين تتسرب خلاياه إلى الدم، زرته فوجدته يعاني من آثار العلاج بالأشعة والكيمياويات، ولكنه عظيم صامد، وأحببت أن أُغيِّر الموضوع فطلبت منه أن يكتب قصيدة، وفي اليوم التالي أرسل لي هذه القصيدة المرفقة. اقرأها يا سيدي رئيس الوزراء لتعرف عظمة هذا الشاعر الشاب، ومدى رؤاه، وعمقه، ولننظر جميعًا كيف لخَّص عالمه الحالي في اللونين، وصنع من اللونين فقط ملحمة فنية لم أقرأ لها مثيلًا في تاريخ الشعر العربي كله.

وبعد.

كانت الدولة كريمة وأمرت بعلاج أمل دنقل على حسابها، ولكني رأيت القرار يا دكتور وهو قطعًا غير صادر عن مجلس الوزراء، أظنه صادرًا عن وكيل وزارة الثقافة أو الصحة. لا أعرف، وهو ينص على علاج «المواطن أمل دنقل» على نفقة الدولة في الدرجة الثانية بمعهد الأورام.

وأنت تعلم يا سيدي أن مرضًا كمرضه وعلاجًا مكثفًا كعلاجه يحتاج مرافقًا فكيف يكون المرافق — زوجته الكاتبة الصحفية عبلة الرويني — معه في حجرة يشاركهما فيها مريض آخر ربما له مرافق آخر هو الآخر.

وكانت النتيجة أن أمل دنقل رفض القرار وعنده كل الحق وأقام في حجرة تكاليفها ثلاثون جنيها في اليوم الواحد وقد تجمَّع عليه الآن مالًا يقل عن الثلاثة آلاف جنيه، وقد حاولت أنا وأصدقاؤه أن ندفعها فأبى بعنف؛ فهو إنسان صعيدي عظيم حتى وهو في مثل حالته له أنفة وصلابة تلك الذراع الفولاذية التي حالت بين أربعين طالبًا منا — كنت أحدهم يا دكتور — وبين أن نقترب مجرد أن نقترب، من حقيبته الصفيح المتواضعة.

ولقد التقيت مرة بالأستاذ محمد عبد الحميد رضوان وزير الثقافة وشرحت له القصة وطلبت منه حتى أن يرسل له بباقة زهور كرمز لاهتمام وزارة الثقافة بمرض شاعرنا العظيم، ولكن لا زهرة ولا وردة وصلت، ولا شيء للآن اتخذ، ولهذا فأنا ألجأ إليك يا دكتور فؤاد، لا أطلب له قرار شفقة وإنما أطلب له حقًّا أصيلًا على هذه الأمة الأصيلة، فما هكذا تعودنا أن نعالج الشعراء، وما هكذا تعودنا العقوق، ولو كان الوضع في إنجلترا أو فرنسا، لا نعقد مجلس الوزراء القادم في غرفة الشاعر المريض ليلمس جميعه حال العلاج وحال الشاعر وليهدهد على روح الأمة الرهيفة شاعرها.

أما من طريقة يا دكتور نرد لهذا الشاعر العظيم بعض ما عاناه ويعانيه من أجلنا؟ فكل شعره عنا وعن مصرنا وعن قضيتنا وكل حياته كانت كذلك.

•••

بالله يا أمل، لا تمت فكلنا فداؤك.

هذه القصيدة كتبها أمل دنقل خصيصًا من أجل أن تنشر مع المقال ضد مَن؟

في غرف العمليات
كان نقاب الأطباء أبيض،
لون المعاطف أبيض،
تاج الحكيمات أبيض،
أردية الراهبات،
الملاءات،
لون الأسرَّة،
أربطة الشاش والقطن،
قرص المنوِّم،
أنبوبة المصل،
كوب اللبن.
كل هذا يشيع بقلبي الوهن.
كل هذا البياض يذكرني بالكفن!
فلماذا إذا مت
يأتي المعزُّون متشحين
بشارات لون الحداد؟
هل لأن السواد
هو لون النجاة من الموت،
لون التميمة ضد الزمن؟
ضد مَن؟
ومتى القلب — في الخفقان — أطمأن؟!
بين لونين استقبل الأصدقاء
الذين يرون سريري قبرًا،
وحياتي دهرًا،
وأرى في العيون العميقة
لون الحقيقة،
لون تراب الوطن!
أمل دنقل

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠