ومولد الكاتبين أيضًا

تقريبًا، وبطريقة أو بأخرى، أطَّلع يوميًّا على كل ما يصدر في العالم من جرائد بالإنجليزية وأحيانًا الفرنسية ومعظم الجرائد العربية. والمثل القائل بأن صحافة أي بلد هي مرآة لهذا البلد أو ذاك، لا تحسه قدر ما تحسه إذا أتيح لك أن تقارن بين ما يصدر في كل بلد من صحف وبين ما يصدر في أي بلد آخر، فمن قراءة أية صحيفة أستطيع أن أعرف بالضبط نوع الحكومات القائمة في هذا البلد أو ذاك، ومدى الديمقراطية والحرية التي لا يتمتع بها الصحفيون والكُتاب وحدهم ولكن الفرد العادي، بل يستطيع الإنسان من مجرد قراءة صحيفةٍ ما أن يحكم على كم التحضُّر أو التأخُّر في كافة المجالات، وبالذات مجالها الثقافي.

وثمة ظاهرةٌ لا بد أن تلحظها على الفور إذا أردتَ أن تقارن بين الصحف العربية والأجنبية؛ ظاهرةُ عددِ الكُتاب والذين يكتبون هنا ويكتبون هناك، في الصحف الغربية لا تكاد تعثر إلا على مقالة واحدة أو مقالتين ممهورتين بإمضاء كاتب، وبقية المواضيع عبارة عن تحقيقات صحفية خطيرة وعميقة وتحليلات في كثير من الأحيان غير ممضاة، لا تجد أبدًا رئيس تحرير «الواشنطن بوست» أو «التايمز» وقد صنع من صفحة الجريدة الأولى كرسي عرش يجلس سيادته عليه متربعًا «نافش الريش» جامعًا مقالته بأكبر الأبناط، ثم تقلب في الصحيفة فتجد أنها حافلة بما لا يقل عن نصف مليون قصيدة شعر، أو مقالات «بقلم» فلان أو عِلَّان، ولا بد تحت أو فوق «بقلم» من صورة لسيادته. مقالات مقالات، وقصائد وقصائد، وقصص وقصص، حتى إني أحصيت في يوم واحد عددَ القصائد والقصص والمقالات التي نُشِرت في يوم عادي واحد من أيام الأسبوع في العالم العربي كله، فوجدت أنها بالضبط خمسون قصة قصيرة ومائة وثلاثون قصيدة شعر وأكثر من أربعمائة مقالة ممضية، وهو رقم يعادل بالضبط ما تنشره كل صحف أوروبا ومجلاتها بلغاتها العشرين أو الثلاثين في شهر وربما أكثر.

بالضبط، كما يعتنون في أوروبا بضبط النسل للتفرُّغ للعناية بكل إنسان فرد، فإننا نعتني في صحافتنا وإذاعتنا وتليفزيوناتنا بانفجار قلمي رهيب، وحمدًا لله أن الانفجار القلمي ليس له مشاكل الانفجار السكاني، وإلا لَكان العالم العربي قد خرب من زمن رغم ما يحفل به من أموال. بالعكس، الانفجار القلمي علامة صحة، وأي انفلات في التعبير علامة صحة؛ ذلك أننا عانينا ولا نزال نعاني من كبت لحريات التعبير وعلى رأسها حرية الكتابة. ومعنى وجود هذا الكم الهائل من «الإنتاج» الكتابي أن حرية التعبير في عالمنا العربي قائمة والحمد لله على قدم وساق، ولكن المشكلة أنها قائمة على أربع أقدام وأربع سيقان، فحرية التعبير حق لكل إنسان هذا صحيح، ولكن الحق يصبح باطلًا بل ظالمًا إذا جار على حق غيره، وأن «تعبِّر» بإنتاجك الأدبي في جريدة سيارة تعبيرًا يظلمني أنا كقارئ هو عدوان صارخ، ليس على مواطن واحد فقط، وإنما عشرات وأحيانًا مئات الآلاف من المواطنين.

والمشكلة أننا شعب عربي مؤدب لا يستطيع أن يجرح أحدًا، هناك في الغرب إذا لم يعجبهم سياسة وزير قذفوه بالطماطم والبيض الفاسد، وإذا لم يعجبهم شِعر نشرته جريدة وجد «الشاعر» مَن يقول له: قف، رحمةً بنا وبالشعر أو بالقصة أو بالمقالة.

•••

والمشكلة أيضًا أننا لدينا هذا الكمُّ من الإنتاج الفني رغم أن كمَّ الأوكسيجين الديمقراطي المتواجد في جوِّنا العربي قليل قليل، بحيث إن هذا العدد الرهيب من الأعمال في النهاية يكاد بالمرة لا يقول شيئًا؛ فالكتابة عند كل العالم وكانت كذلك عندنا إلى عهد قريب (قبل هذا الانفجار الصحفي الكتابي) سلاحٌ رهيب بالضبط في قوة وفعالية السلاح النووي؛ إذ المفروض أن يكون له قوة وفعالية السلاح النووي. في الخارج ممكن أن تؤدي مقالة مكتوبة حقًّا وحافلة برأي حقيقي ومكتوبة بحرية تامة، ممكن أن تؤدي مقالة واحدة إلى استقالة وزارة، بل إني شهدت مرة وأنا في لندن استقالة نائب حزب العمال البريطاني تأثرًا بحديث تليفزيوني أُذيع في الليلة السابقة مع الكاتب الروسي المنشقِّ سولجينتسين. ذلك أن الحديث التليفزيوني ليس أي كلام يُقال، والمقالة والقصيدة والقصة ليست أي كلام يُكتب؛ فالكلام البشري اكتشاف إنساني رهيب استطاع الإنسان بواسطته أن يرتقي من حياة الغابة البدائية إلى ما نحن فيه الآن. وكتاب واحد ﮐ «كوخ العم توم» استطاع أن يؤدي إلى ثورة الزنوج في أمريكا، و«مذكرات شي جيفارا» خلقت ثورة مسلَّحة في أمريكا اللاتينية اشتعلت ولا تزال مشتعلة إلى الآن، بل إنني في صدر شبابي شهدت ما أسميه الآن ثورة ٤٦ في مصر، وكانت الشرارة التي سبَّبت كلَّ ما صنعناه من حريقٍ بيتَ شعرٍ واحدًا للشاعر التونسي أبو القاسم الشابي، والذي يقول فيه:

إذا الشعب يومًا أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القدر

بل إننا في نكسة ٦٧ لم نجد ما نتوكَّأ عليه كشعب، ويقود خطانا خلال حرب الاستنزاف وأثناء حرب ٧٣ سوى نشيد:

بلادي بلادي
لك حبي وفؤادي

وليس من أجل الكلمات الساذجة قادنا النشيد، ولكن موسيقاه هي التي أشعلت منا الصدور.

الفن إذن، والكتابة إذن، ليست لعبة، ولكنها كما قلت سلاح رهيب أزعم أنه أكثر فعاليةً من السلاح النووي؛ لأنه لا يدمِّر الإنسان ولكنه يبنيه، ويبنيه قويًّا رائعًا مشحونًا بقوى الحق والخير والجمال.

ولو كان واحد على ألف من الشعر العربي الذي نُشِر خلال العشرين سنة الماضية له فعالية لَحُلَّت مشكلة الشرق الأوسط من زمن، وحُلَّت كل مشاكلنا الاجتماعية والثقافية والسياسية.

•••

ولهذا أكتب الآن أنقد هذا الوضع.

فأنا حقيقة أفرح بهذا الكم الهائل الوافر من الإنتاج الأدبي، ولكني في نفس الوقت أحزن، ذلك أن المثل القائل: «إن الطلقة التي لا تُصيب تدوش.» أيْ تسبب ضجيجًا يُخيف العدو، ينطبق تمامًا هنا، ولكن بعكس ما أراده قائل المثل؛ إذ إن الضجيج يُصيبنا نحن ويخيفنا من الأدب والفن كله، ذلك أنه فوق ما يسببه لنا من صداع و«دوشة» يطغى صوته العالي القبيح ويحجب عنا الفن القليل الحقيقي الموجود في عالمنا العربي، ذلك أن الفن الحقيقي دائمًا خافت الصوت لا يكاد يُسمَع؛ إذ المقصود به أن يتسلل إلى الوجدان مهموسًا بحيث يُحدث الانفجار في الداخل، إنه مثل مدارس التمثيل الحديثة لا يزعق فيها الممثل كما يحدث في مسلسلاتنا التليفزيونية ويقول: ويحك يا جعفر، زعيقًا يُحدِث قنبلة صوتية تنفجر عند فم الممثل ولا تصل أبدًا إلى أعماقنا، بينما «هاملت» مثلًا، لا يقول ويحك أبدًا ولكنه يهمس لنفسه: أكون أو لا أكون، ذلك هو السؤال. ويصل الهمس، وإذا بأعماقنا نحن يتفجر فيها السؤال كالقنبلة ونتساءل: أكائنون نحن أم غير كائنين؟ ويتحول الانفجار إلى بركان يتفجر بنا وفينا لأننا ندرك أننا فعلًا غير كائنين، ولكننا على الفور نثور على أنفسنا ونتحدى الوجود وننشب أظافرنا في عنقه إثباتًا لوجودنا حتى لو هلكنا دونه.

الكتابة الحقيقية إذن مادة ساحرة، رموز غريبة تتشكل من نفس الكلمات التي نستعملها في حياتنا اليومية ونفس المفردات، ولكن وجدان الكاتب يرتبها بنفس تراكم وتعقيد جزيئات الأحماض الأمينية التي تصنع الحياة من نفس ذرات الجماد وجزيئاته، رموز غريبة يخاطب بها وجدانُ الكاتب وجدانَ القارئ، فيستجيب له وجدانُ الملايين وفي كل العصور، ولهذا ما زلنا نردِّد أشعار «امرؤ القيس»، ونمثِّل مسرحيات «أسخيليوس»، و«مناجاة الفلاح الفصيح» الذي يطلب العدل لا تزال حية بعد خمسة آلاف عام من تأليفها.

«الدوشة» التي يصنعها الكمُّ الوافر من الإنتاج النيء أحيانًا، القبيح أحيانًا أخرى، الذي كان على صاحبه أن يصبر عليه قليلًا لينضج وتتفاعل عناصره، لتصل إلى التشكيل الرمزي، السحر الذي يؤثر في وجدان القارئ؛ هذه «الدوشة» يضيع في وسطها تمامًا أي كلام حقيقي خافت بالضرورة، ويقال إن في العراق الآن ما لا يقل عن العشرة آلاف شاعر، بينما حركة الشعر الحديث كلها بدأت في العراق بثلاثة أو أربعة شعراء، في بيروت ما لا يقل عن خمسة آلاف كاتبة، بينما بدأت حركة كتابة المرأة الحديثة ﺑ «أيام معه»، وبليلى عسيران، وليلى بعلبكي، ثم بالغادة الرائعة السمان، وفي القاهرة وفي مسابقة للقصة القصيرة تقدَّم لها ثلاثة آلاف كاتب ناشئ.

•••

هذا رائع وناهض وجميل، ولكن المشكلة تبقى أن كلًّا من هؤلاء ما دام يكتب فقد أصبح من حقه في التو والحال أن ينشر ولا تستطيع أن تجادل في هذا؛ إذ هو يعتقد في قرارة نفسه أن ما يكتبه هو أعظم بكثير من كل ما يُنشر، وأنهم لا ينشرون له لأنهم خائفون منه ومن بلاغته التي حتمًا سيصبح بها طه حسين لو أُتيح، لو — فقط — أُتيح له النشر. وبالإلحاح دائمًا ما ينجح، وهكذا وبالوساطة أحيانًا، وبالخجل من المواجهة؛ إذ ليس أصعب من أن نقول لحامل قصة أو قصيدة ربع كلمة نقد، ولقد لاحظتُ بحكم خبرتي، وقد تصدَّيت لتشجيع كل الكُتاب الجدد، أنه كلما كانت موهبة الناشئ أصيلة كانت ثقته في عمله أقل، وكلما كانت موهبته شاحبة أو غير موجودة، كان مستحيلًا إقناعه أن بكتابته عيبًا واحدًا.

«الدوشة» إذن تطغى على الجيد، وتطرد العملةُ الزاعقة العملةَ الأصيلة خافتة أو تجعلها لا تسمع، والنتيجة أن آلافًا من قصائد الشعر نُشِرت ولم نحظَ إلا ربما بشاعر أو بشاعرَين ومئات الآلاف من المقالات كُتِبت ومع هذا يكاد عالمنا العربي كله لا يوجد به كاتب مقالة حقيقي، كتابةُ المقال فنٌّ من أصعب أنواع الفنون، أقصد الكتابة الحقة، أمَّا ما نقرؤه باعتبار أنه مقالات فهي كتابةُ كلامٍ أو كلامُ كتابة، صاحبها لم يصل إلى الرموز العقلانية والمعادلات المنطقية التي يُقنَع بها «كلُّ» مَن يقرأ مقاله. في الحقيقة نحن فعلًا «نتكلم» مقالات، ونتكلم شعرًا أو قصة؛ لأن الكتابة — هكذا نعتقد — لا تحتاج إلى مؤهل إلا أن يكون لديك قلم وورقة، أما إذا كان عليك — لتكون موسيقارًا ومؤلف موسيقى — أن تدرس عشرين عامًا، وربما أيضًا لا تصل، فسوف يتقلص هذا العدد الرهيب من الفنانين إلى رقم لا يتعدَّى الخمسة أو الستة، وهو بالضبط عدد مَن يؤلفون «موسيقى» في عالمنا العربي.

أيكون السبب أن كل جريدة ومجلة لا بد أن تحتوي يوميًّا على صفحة أدب؟

مَن وضع هذا التقليد وما فائدته إذا كان في معظم الأحيان لا تحفل به الغالبية العظمى من القرَّاء؟

ألم يئن الأوان — وقد ازدحمنا بالكم — أن نبدأ في البحث عن الكيف، وفعلًا لا نُصدِر إلا العملَ الجدير بالنشر؟

•••

ولكن أين هو الفأر الجريء الذي يُعلِّق الجرس في رقبة القط؟

وأين هو الناقد الذي يجرؤ أن يفقد ناخبيه من راغبي النشر والحالمين بشُهرة؟

أين هو الناقد الذي يقيس العمل بفعاليته ويعرِّف راغبي الكتابة بمسئولية الكلمة؛ إذ لو عرفوها لَاختفى عن النشر كلُّ بريق وتبدَّت للعيان ضريبةُ العمر التي على مَن يتصدَّى للكتابة أن يدفعها؟

وأين لنا من عصر يصل بكاتب ككافكا إلى حدِّ عدم الثقة فيما يكتب، إلى درجة أن يحرق معظم إنتاجه؟ عصر الخجل مما يحسه الكاتب من نقص في أدواته وقدراته، أين هو من عصر أصبح الناشئ فيه حتى يتباهى بقصور أدواته ويعتبر قصوره «مدرسة» جديدة في الكتابة؟

والغريب أننا جميعًا نخجل كلنا من «دون كيشوتات» الكتابة هؤلاء ونشجعهم وننشر لهم وأعترف، ها أنا ذا أعترف أني لو قُطِّعت إربًا فلن أجرؤ على أن أواجه إنسانًا جاءني يسعى وملء إبطه كتابٌ وأقول له: يا بني، ابحث لك عن مهنة أخرى.

إن ما يعز في نفسي أن هذا الازدحام الشديد يجعل الكُتاب والشعراء الموهوبين فعلًا يُحجِمون عن التزاحم ويأنفون من الاشتراك في الضجة، وبهذا نفقد الحقيقيين ولا نكسب حتى الزائفين؛ إذ هم الذين يملئون الدنيا ضجيجًا بعد هذا أنهم مظلومون، ولا يكتفون بقصيدة — إذ لا بد من دواوين — وبلقب شاعر، ولا بد من أمير الشعراء، أو على الأقل عميد الأدب.

أليست كارثة بالله؟!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠