ليس — وحياتك — أي كلام

حين أراد الله سبحانه أن يرفع من قدر الحياة ويسمو بها فوق كل حيوات الأرض ومكوناتها، أنطقها، وهكذا تكلَّم الإنسان. وحين أراد الله سبحانه أن يُعلِي من شأن كلمة الإنسان ويصل بها لتصبح رسالة الحق والصدق، قال على لسان جبريله لخاتم رُسله: اقرأ.

وفي الإنجيل جاء: في البدء كان (أي الله سبحانه) الكلمة.

ذلك أن الكلام جاء ليصنع من الجنس البشري الموزَّع خلايا ونحلًا في شقوق الأرض وبحارها وهضابها وجزرها، يصنع منه كله جنسًا أرقي، أرقى بكثير من مجرد انتمائه للأرض بحُكم أنه من الطين وإلى الطين يعود، وانتمائه للحياة بحكم أنه كائن حي، وفعلًا ولولا الكلام، ولولا أن الإنسان بالكلام طوَّر فكره، وبالفكر والكلام المكتوب طوَّر عمله وذاته ووجوده، لولا هذا لكنا ما زلنا تلك الكائنات الغابية أو الصحراوية أو الجبلية البدائية، ولَمَا وصلنا أبدًا إلى ما وصلنا إليه.

وأعتقد أن من باب لزوم ما لا يلزم أن نسترسل في إضفاء الصفات على نعمة الكلام، فما أريد أن أجذب الانتباه له بشدة هنا هو أهمية الكلام. ولا أريد هذا إلا لكمِّ الرُّخْص الشديد الذي أصبح عليه الكلام — مقالًا أو مكتوبًا — في بلادنا، بحيث درج الناس على وصفهم لما كنا نسمِّيه «كلشنكان» قولهم «أي كلام»؛ قلت له «أي كلام»، وقمت بالعمل «أي كلام». ولماذا تذهب إلى الشغل؟ والإجابة هزَّة من الأكتاف وكلمة «أهو كلام»، أو «يا سيدي، أي كلام».

والظاهر أنها مسألة قومية؛ فهي ليست خاصية مصرية فقط، ولكنها تكاد تكون خاصية عربية. في ليالي الشتاء الطويلة، وأمام مضارب الخيام كانت تنعقد، ولا زالت، مجالس الكلام، وفلان «جال»، وفلان «عاد»، وفلان «زاد». كلام، كلام كثير كثير، أغلبه بلا رصيد إلا قدرة المتحدث العضلية واللسانية على الكلام.

ولهذا شيئًا فشيئًا، بدأت تنفصل عندنا خاصية الكلام عن خاصية الفعل، في حين أنهما أصلٌ واحد، وكلٌّ واحد، أبدًا لا يمكن أن يتجزأ؛ فالإنسان مفروض أنه يظل «يفعل» ويفعل حتى يصل إلى مرحلة لا يعبِّر فيها الفعل (المجسَّد غالبًا في العمل) عن وجوده، وحينذاك فقط يُكمِل تعبيره عن الفعل بالكلام، أو بمعنى أدق بفعل الكلام؛ فالكلام في الأصل ليس بديلًا عن الفعل، ولا يمكن أن يكون أبدًا بديلًا عن الفعل، الكلام البشري هو فعل، عمل، يعبِّر عن نفسه بالكلمات، بل هو عمل أسمى من العمل الروتيني أو اليدوي، شرط أن يكون عملًا. وحين أكرم الله الإنسان وأنطَقَه، لم يفعل هذا لينطلق حرًّا بعيدًا عن صعوبة الوجود، وتحرُّرًا من «الفعل» و«العمل» اللازم للوجود، وإنما فعل سبحانه ذلك ليعطيه سلاحًا أقدر وأقوى على «الفعل» و«العمل» و«التفكير».

قلت: شيئًا فشيئًا، بدأ الكلام عندنا ينفصل عن الفعل، ويصبح لا رصيد له من العمل، هدفًا في حد ذاته، وهذا هو أرخص وأحط أنواع الكلام، ذلك الذي لا يكلِّف قائله إلا أن يقوله، فقط يقوله، وتتحرك به عضلات فكَّيْه وحنجرته ولسانه، أما أن يكون معبِّرًا عن موقف حقيقي، أو رأي حقيقي قد يُكلِّف قائله ما لا تُحمَد عقباه؛ فهو ذلك النوع من الكلام الذي له رصيد من الفعل، والذي أخذنا شيئًا فشيئًا نتجنَّبه؛ لأنه غالٍ جدًّا، ومكلِّف تمامًا، أحيانًا يكلِّفنا حياتَنا نفسها، أو سعادةَ أقربِ الناس إلينا.

وهكذا — بانخفاض الرصيد من الأفعال — رخص الكلام تمامًا، حتى انعدمت قيمته.

بل وبدأ الكلام، أروع خاصية تحلَّى بها الإنسان، يصبح وسيلةً للكذب (أي الفعل بالسلب، جريمة الفعل)، وللتضليل، وللخداع، ليس للتعبير عن الذات أو الرأي، وإنما لإخفاء الذات وإخفاء الرأي الحقيقي المكلِّف.

ومن هنا بدأت «التجارة» في الكلام، الكلام المقال، والكلام المكتوب.

وفجأةً وجدنا أنفسنا في عصر رهيب حديث.

نمتلك أعظم طاقات الأرض، وأغنى أنواع الإنسان، والعالم كله من حولنا يفعل ونحن «نتكلم»، وحياتك وفعلًا «أي كلام».

أبعد هذا مأساة؟!

ولن أنزلق أكثر لتبيان أبعاد المأساة التي نعانيها؛ فخير لي ولنا أن نبدأ أي إجراء أو فعل ونكفَّ عن الحديث فيها، حتى ولو من قبيل التشخيص، فللأسف نحن الأطباء ونحن المرضى، وحيث يكون الأطباء مرضى والمرضى أطباء تصبح محاولات بعض «الحكماء» للتمهُّل حتى «نناقش» المسألة، ونصل إلى «تشخيص» دقيق لما نعاني منه، تصبح كارثة ويصبح الأكثر منها فعاليةً وجدوى أن نبدأ فورًا في حركة عمياء، فلتكن، ولكنها أفضل من أضغاث الأحلام وخطرفات المرضى.

لن أنزلق إذن لتبيان أبعاد المأساة التي خلَّفها لنا الوضع الكلامي، وأية مأساة أكبر من أن «الكلمة» التي كانت وفي كل مكان في الدنيا تكون الرابطة الأساسية بين الإنسان والإنسان، أصبح الإنسان عندنا أبدًا لا يصدِّقها. زمان كان الرجل يقول إذا حاول أحد أن يزحزحه عن صفقته أو موقفه: أنا خلاص، أعطيت كلمة. وكلمة هي الكلمة، وما العقود والوصولات والاتفاقات المكتوبة إلا مجرد تحصيل حاصل. الآن، الكلمة المعطاة لا قيمةَ لها بالمرة، ولهذا كان من المحتم أيضًا أن تصبح الكلمة المكتوبة لا قيمةَ لها، ولا أعتقد أن محاكم في الدنيا تنوء بعدد من العقود والاتفاقات المطعون فيها وفي صحتها مثلما يوجد في محاكمنا.

وتصريحات الساسة والمسئولين هي أبسط أنواع التعاقدات التي كان مفروضًا أن تقام لها محاكم خاصة، وكانت أيضًا ستنوء بحمل ما سيتكوَّم في أرففها من كلام وتصريحات؛ حتى أصبح تصريح المسئول عندنا نكتة! أهناك كارثة أكثر من هذا؟!

لن أنزلق.

فلنبدأ نفعل.

نكف عن الكلام الذي بلا رصيد، ونتكلم برصيد.

أولًا وكبشر، نعيد إلى الكلمة قيمتها، فنحن لن نحيا أفرادًا مشتَّتين، نحن أردنا أم لم نرد، مجتمع لا بد من أن نترابط لنحيا معًا، والكلمة هي رابطنا التي أصبحت للأسف هي مفكِّكنا، فهل نستطيع أن «نفعل» هذا الشيءَ البسيط جدًّا؛ أبسط أنواع الفعل؟

بالضبط كالمريض الذي يشير بسبابته، أو يرمش بعينه، لنثق وليثق الناس حولنا أننا أحياء ما زلنا.

هل نستطيع لا أن نكفَّ عن الكلام، وإنما أن نتكلم بحسابٍ كلامًا نحاول قدر ما استطعنا أن نجعله في مثل حجم ووزن قدرتنا كأشخاص أو كمجتمعات أو كتنظيمات أو حتى كمؤسسات؟ هل ممكن أن نطلب من مجتمع بأسره أن يفعل أبسط (إنْ يكن أبدًا ليس أسهل) مواصفات البشر، أن يَصدق مع نفسه؟ لا أدري لماذا أحس بالحرج الشديد وأنا أطلب هذا من نفسي قبل أي إنسان آخر، وكأنني أضع فوق رأسي عمامة وأعِظ؟ إن النفس البشرية جُبِلت على مقاومة الوعظ المباشر والأمر المباشر، وتعقَّدت تلك النفس بحيث أصبح عليك أن تسلك لها دروبًا ملتوية ربما لتقول لها أبسط الحقائق.

فلماذا الحرج؟ وما حاجتنا أن يعِظ كلٌّ منا الآخر؟ ولماذا لا يوقف أيٌّ منا نفسَه في منتصف كلامه المقال أو المكتوب، ويسأل: أأنت صادق فعلًا فيما تقول، أم هو «أي كلام»؟

لنبدأ بالمفتشين، ولنجعل المفتشين داخليين بلا أحد غريب، وليس هذا هو الحال الأمثل بالطبع، ولكن لا بد لكل شيء من بداية، ولا بد من مجتمع يريد أن يعود للحياة كله، أن يبدأ بعض أفراده يعودون إلى الصدق، ومن بنوك عملة حقيقية قليلة، أن تبدأ تتعامل بنقد حقيقي.

وأول بنوك في رأيي لا بد أن تبدأ هكذا، هي بنوك وسائل إعلامنا؛ صحافتنا، إذاعتنا، تلفزيوننا، بنوك فننا وأدبنا، رواياتنا، قصصنا، أشعارنا، حتى رقصاتنا؛ فالإعلام ليس «أي كلام»، والفن ليس «أي كلام».

وإن صح «أي كلام» في أي شيء، فأبدًا أبدًا هو جريمة في حق المجتمع ككل حين يدخل وسائل الإعلام، أو للأسف الشديد يتسلَّل في النخاع الشوكي للأمة من خلال وسائل الفن.

ولكن هذا «كلام» آخر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠