في قلب الشباب

أحسست بانبهار شديد وأنا أدخل معرض الكتاب لأُقدم الندوة الخاصة بي، والتي أعلنت عنها الهيئة العامة للكتاب في افتتاحها للندوات التي ستعقدها تباعًا للفيفٍ من الكُتاب والفنانين، بينهم الفنان كمال الشيخ، والأستاذ أنيس منصور، والدكتور مصطفى محمود، والأستاذ ثروت أباظة، وأستاذنا الكبير الدكتور عبد الحميد يونس.

لم أصدق نفسي وأنا أدخل القاعة التي ستُعقَد فيها الندوة، الازدحام ليس هائلًا فقط ولكنه أكبر ازدحام على لقاء أدبي أو فكري شهدته في حياتي، الواقفون أضعاف أضعاف الجالسين، والمحتشدون خارج الباب أكثر من الاثنين، وأنا بين الأجساد المتلاصقة أحاول أن أجد طريقي للمنصة، شيء لم أشهده ولم أكن أتصوَّر حدوثه، الندوة ذهبت إليها لأن الإنسان يكتب وفي ذهنه فكرة مبهمة تمامًا عن الذين يقرءونه، ولماذا يقرءونه، وهل يَعُون ما يقرءون حقًّا، وهل يحاسبونه على كلماته، والأجيال الجديدة هل لها مثل حنكة الأجيال الغابرة أم أنهم أكثر وعيًا وذكاءً وجرأة، عشرات الأسئلة احتشدت وملأت رأسي، الزحام غريب لا يُوصَف، الدكتور عز الدين إسماعيل في حيرة بالغة هو الآخر، أخبرني الشاعر مصطفى الضمراني أنه وجد عينيه تحتقنان بدموع التأثُّر. الشباب بخير، القراء بخير، الدنيا لا تزال بخير. الموجودون لهم ساعات وهم ينتظرون الأسئلة التي وجدتها مكوَّمة فوق المنصة بالمئات. الأسئلة التي وردت لا مجال لحصرها. المعرض نفسه مظاهرة هائلة الضخامة من أجل الحصول على الكتاب. التنسيق بين دور النشر وطرق العرض رائع، كل ما يؤذي الشعور هو الكم الهائل من «الزبالة» الذي تحفل به طرقات المعرض.

فجأة وجدت نفسي في مصر أخرى؛ مصر القارئة، وفي القاعة الكبرى وجدت قُرائي أو بعضهم. إذن هذه هي العيون التي تُقبِل أو تزوَرُّ عما أكتب. هذه الوجوه؛ الفتيات، الملثَّمات، والسافرات، ومرتديات آخِر صيحات الموضة، ولا شاب يضايق الفتاة، الكل في حالة ترقُّب عظمى وكأن هذا اللقاء سيُسفِر عن حل مشاكل الدنيا، أو على الأقل كل مشاكل الشباب.

وسط الغِبطة والارتباك والذهول، بدأت أتكلم، وبعد ساعة انتهيت، وأمطرتْ سماء القاعة وجوانبها وابلًا آخَر من الأسئلة، وغرق الأستاذ سيد وكيل الوزارة والسيدة سميحة غالب المسئولان عن انتقاء ما أجيب عليه في وسط الكومة الهائلة التي مضت تتزايد بطريقة منذرة بالخطر، بل الخطر حدث فعلًا وسقطت «البرتيكابلات» التي أقامتها الهيئة بعشرات المتشعبطين فيها والواقفين عليها.

وبدأت أُجيب على الأسئلة ولكن إجابة قطرة في بحر، التساؤلات تمتد عبر حياتنا كلها وحياتي وكتابتي وآرائي ومواقفي، حتى لكأنني في محكمة قُضاتها آلاف. ومن حُسن الحظ أن الاتهامات نادرة وأن الأسئلة الشائكة لم تصلني.

وكان يومًا من أسعد أيام حياتي.

•••

ويوم الثلاثاء الماضي كانت الندوة التالية في جامعة المنصورة، أو بالأصح أخذت مسئوليتها اللجنة الثقافية في كلية الحقوق والمشرفون عليها من أساتذة وطلبة، وكان المدرج الكبير في الكلية كامل العدد إلى الدرجة التي ضحك فيها السيد عميد الحقوق في الجامعة ذاكرًا أن هذه أعلى «نسبة حضور» شهدتها الكلية، وأشهد أني لم أرَ في حياتي وفي أية جامعة أجنبية حتى — رغم عشرات الندوات التي عقدتها — جمهورًا طلابيًّا شبابيًّا يُصغي بمثل هذا الانتباه والتحضُّر، وفي العادة كان الطلبة المتدينون لا يعترفون ولا يدعون إلا أولئك الذين يعتبرونهم متطرفين في مناصرتهم لدعاواهم، وكان اختيارهم لي وإصرارهم الذي استغرق شهرين على دعوتي أنا مبعثَ حيرتي التي زالت تمامًا وأنا أجدهم قد بدءوا يجيدون الإصغاء ويلجئون للحوار.

وأيضًا هالني كمُّ الأسئلة الذي تراكم أمام الدكتور عبد العظيم المشرف على الندوة. كمٌّ هائل تمامًا لدرجة أني لم أجِبْ إلا على عشرة أسئلة وأصرَّ الطلبة والأساتذة على تحميلي بقيتها، ولم يجدوا شيئًا يستطيع أن يحتويها سوى صندوق كرتون كبير.

وعدت إلى بيتي ووضعت الأسئلة التي تجمَّعت في ندوة معرض الكتاب فوق الأسئلة التي أحضرتها من جامعة المنصورة، وأحسستُ حقيقةً بالخوف؛ فعددها مخيف فعلًا إلى درجة أني حين حاولت إحصاءها ووصلت إلى رقم ١٣٠٠ تعبت وأجَّلت بقية الإحصاء العددي — مجرد الإحصاء العددي — إلى فرصة أخرى.

والآن وأنا أكتب هذه الكلمات أمام صندوق الشاي الذي تملؤه الأسئلة، وأمامي مهمة أشقُّ كثيرًا، فهدفي اليوم أن أضع أمام المسئولين أولًا، وأمام القراء ثانيًا، وأمام الشباب والفتيات على وجه التحديد، نخبةً من أسئلتهم تلك، وكم كان بودي أن أرسلها جميعًا إلى كل مسئولي دولتنا من الرئيس حسني مبارك إلى رئيس الوزراء، وإلى الدكتور عبد الأحد جمال الدين والدكتور مصطفى كمال حلمي والأستاذ عبد الحميد رضوان والأستاذ صفوت الشريف ليقرءوها ويضعوا آذانهم على نبض الشباب؛ فالشباب في حالة تساؤل مخيف، والتساؤل بداية الطريق للمعرفة، والمعرفة بداية الطريق للعثور على الذات ثم فرض الذات.

وإذا كنت هنا سأختار نخبة من هذه التساؤلات فَلْيفطن القارئ الذكي — ومعظم قرائنا أذكياء أكثر بكثير مما يتصوَّر بعض كُتابنا — ليفطن القارئ إلى الإجابات الكامنة في نفس السؤال؛ فبعضها أسئلة مُجابة؛ أي حقائق.

ولنبدأ.

  • ما رأيك في الدبلوماسية المصرية الآن، خاصةً بعد تولِّي الرئيس مبارك المسئولية؟ وما رأيك في بعض التصريحات التي يتطوَّع بها أحيانًا الدكتور بطرس غالي ونحسُّ أنها معتدلة أكثر من اللازم؟

  • ما هي عيوب يوسف إدريس؟ حدِّثنا عن أخطائك.

  • ما رأيكم في التطرف الديني لدى الشباب، هل هو ظاهرةُ فراغٍ ديني أم امتلاء ديني؟

  • الأصالة والمعاصرة، وأين نحن منهما؟

  • لماذا لم يأخذ أساتذة جامعاتنا موقفًا من إقصاء زملائهم في العام الماضي، حينما استقال لطفي السيد حين أُقيل طه حسين؟

  • هل يأجوج ومأجوج قوم حقيقيون، أو كانوا حقيقيين؟ هل المسيخ الدجال من علامات الساعة؟

  • هل المؤامرة على العقل العربي التي تحدَّثتَ عنها منذ سنوات في إحدى ندواتك بالدوحة، لا تزال قائمة؟

  • الملاحظ الآن في مجتمعنا أن القدرة الاقتصادية لا تتوافر إلا للطبقات غير المثقفة، والتي لا يُنتظَر منها استثمار أموالها في أي تصنيع أو إنتاج، فمثل هذا التفكير يحتاج إلى عقل مثقَّف مثل طلعت حرب وغيره، بينما أصحاب العقل والضمير ليس لديهم أية قدرة اقتصادية، فكيف يمكن في رأيكم أن يحدث انفتاح إنتاجي بعقليات طُفيلية أو متخلفة؟

  • ما رأيكم في الإعلام السياسي هذه الأيام؟ وإذا كنا نقول الآن إنه قد خدعَنا في الماضي، فما هو الضمان ألَّا يكون الآن أيضًا يخدعنا؟ وإذا كان سليمًا، فكيف نعرف ذلك؟

  • الجامعات الآن تُخرِج أعدادًا هائلة من شبابٍ أشباهِ متعلمين، فلماذا لا نُحوِّلها إلى مدارس عليا، ونقصر أعدادًا محدودة جدًّا من الجامعات والدارسين لتتبوَّأ مراكز التفكير والتخطيط العليا؟

  • الاقتصاد المصري، ما هي مشكلته وحقيقتها بالضبط؟ اليومَ نسمع قرارًا بأن الاقتصاد المصري في أحسن حال وعلى خير وجه، وغدًا نسمع قرارات أخرى تقول يوجد عجز في الميزانية! فما هي الحقيقة؟

  • ما هو مفهوم السياسة في نظر الأديب؟ وهل تطبيق الشريعة الإسلامية سيمنع السينما والمسرح والإذاعة والتليفزيون والشعراء والكُتاب؟

  • ما هو تصوركم للتغيير الذي أحدثته السنوات العشر الماضية في الحياة الاجتماعية في مصر، سلبية كانت أم إيجابية؟

  • لماذا يسيطر الحزب الوطني ورجاله على جميع مجالات الثقافة والإعلام؟

  • لماذا توجد معوقات كثيرة في طريق الشباب، وبالذات طريق الأدباء الشبان؟

  • ما رأيكم في حكم لجنة «كاهان» الإسرائيلية بإقصاء شارون؟ هل هي لعبة لإخراج إسرائيل نظيفة اليد من الاجتياح والمذبحة، أم أن إسرائيل دولة ديمقراطية حقيقية؟

  • هاجم البعض فكرة القومية العربية لأنها تحمل في طياتها الدعوة إلى الإقليمية، وهو ما يراه البعض ضد الإسلام. نريد أن نسمع رأي سيادتكم في هذا الموضوع الهام.

  • ما هو سبب حرماننا من النشاط السياسي داخل الجامعة، مع أنه لا يوجد له نظير في أي مكان في الدنيا؟

  • ما رأي سيادتكم في اتحاد طلاب أغلبه من أساتذة الجامعة؟

  • ما هو موقع الأدب المصري والعربي من الأدب العالمي، ولماذا لم تتحمس كما هو مفروض لترشيحك في العام الماضي لجائزة نوبل، مع أن الترشيح يعادل الحصول على الجائزة؛ لأنه كما قال الدكتور صبري حافظ الأستاذ في جامعة استوكهلم التي رشَّحتك: ينال الكاتبُ الجائزةَ بعد ترشيحه بأعوام قليلة جدًّا؟

  • نحن نعاني من تشتُّت هائل بين معارَضة تسخر من الحكومة، وحكومة تتهم المعارضة بالانتهازية والشيوعية.

  • ما هي النتائج التي ترتبت على زيارة الرئيس حسني مبارك لأمريكا وأوروبا أخيرًا؟

  • هل أنت من مشجِّعي المرأة العاملة وهي متزوجة، أم تفضِّل تفرُّغَها لشئون منزلها، مع أنني كفتاة أفضِّل النوع الأول؟

  • التغيير مَطلب شعبي، فما رأي سيادتك في التغيير الذي يريده الشعب، وهل يُعقَل أن القيادات الحالية، ومعظمها كانوا مسئولين فيما مضى ومسئولين عما وصلنا إليها الآن، ستكون قادرةً على أن تصنع التغيير الجديد الذي نطمع فيه؟

  • في إحدى مقالات إبراهيم الورداني رد على الكاتب الذي كتب عنه رأي الدكتور طه حسين فيه بقوله عليه — على إبراهيم الورداني — أنه كاتب جهول رضي عنه جهله ورضي عن جهله. قال إبراهيم الورداني في رده: إن هذه العبارة وجَّهَها الدكتور طه حسين إلى سيادتكم: فلماذا لم ترد عليه؟ مع أن الجميع يعرفون أن العبارة قِيلت في الورداني؟

  • الترجمة الحقيقية لوصف حالة الشعب ﺑ «الأباثي» التي ذكرتها في إحدى مقالاتك هي في رأي «التولة» أو أن «الشعب متوول» بالضجيج الداخلي والخارجي، فهل هذه هي الترجمة الصحيحة؟ وأتوقَّف هنا، ولنا عودة لبقية الأسئلة.

وسيلاحظ القارئ أني لم أجب عليها؛ فالإجابة تحتاج إلى وقفة لدى كل سؤال، وهو ما أرجو أن أصنعه في القريب إن شاء الله. وفي مرة قادمة سأوجز مجموعة أخرى من الأسئلة الحائرة والشائكة معها.

والغريب، أن معظم هذه الأسئلة، كما قد يُلاحِظ القارئ ليست موجَّهة لي شخصيًّا، ولكنها في حقيقة أمرها موجَّهة ﻟ «مَن يهمهم الأمر». فهل أرجو هؤلاء السادة — كل فيما يخصه، وكل بطريقته — أن يلهمه السؤال بإجابة أو بعمل أو موقف يروي بعض عطش هذا الشباب الظامئ إلى المعرفة والمصلحة العليا، الممتلئ حماسًا وانتماءً لشعبنا وبلادنا وليس كما يُشيعون عنه أنه قد فقد انتماءه.

إنني لم أسجل هنا انطباعاتي الشخصية التي سوف أُعطيها بإذن الله بعد ندوة كلية الآداب بجامعة الإسكندرية، التي ستُعقَد يوم الخميس القادم، والتي أرجو أن أخرج منها ومن الندوات الأخرى بتقرير وافٍ عن قلب الأمة الجديد المفترى عليه، ذلك القلب الذي لا يزال بخير وينبض بالخير والحب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠