الرق في الإسلام

كان الإيمان بالروح أول خطوة صحيحة في طريق الحرية الإنسانية أو طريق الحكومة الديمقراطية كما نسميها اليوم.

لأن الإيمان بالروح يعلم الإنسان التبعة وأن كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر: ٣٨]، وهذا هو أساس التكاليف والحقوق.

ولأنه يوحي إلى العقل عقيدة المساواة بين جميع الناس أمام الله وأمام شريعة الله.

ولو جاء الإيمان بالروح سابقًا للرق لامتنع الاعتراف به في الأديان التي تأمر بهذه العقيدة؛ لأن بيع الإنسان بيع السلع الصماء لا يوافق الإيمان بروح يتساوى فيها السادة والعبيد، فضلًا عن الإيمان بتفضيل روح العبد الصالح على روح السيد الذي يعوزه الصلاح.

ولكن الأديان «الروحية» جاءت بعد ظهور الرق في المجتمع الإنساني بآلاف السنين، وكان الرق في تلك الأحقاب الطوال قد امتزج بنظام الثروة ونظام المعاملات، فأصبح اقتلاعه دفعة واحدة من أعسر الأمور، ولم تكن أذواق الناس وأخلاقهم في العصور القديمة قد بلغت من اللطف والتهذب مبلغ الترفع عن تسخير الآدميين كما يسخر الحيوان أو كما تسخر الآلة الصماء. فدارت الأديان «الروحية» حول المشكلة ولم تقابلها وجهًا لوجه في معظم الأحوال، ولم تكن للعبيد أنفسهم أنفة تعزف بهم عن هذه المنزلة التي فرضتها عليهم ضرورات الزمان، ومن كانت لهم الأنفة لم تكن لهم القدرة على التمرد والعصيان وتبديل المصالح والآداب.

ومع هذا لم يكن للمصلحين الدينيين بدٌّ من التوفيق بين عقيدة الروح وإباحة بيع الإنسان وشرائه كما تباع الآلات.

فكان من توفيقاتهم في هذا الباب أن العبد عبد بجسده حر بروحه أمام الله، وأنه في هذه الدنيا عبد وفي الآخرة سيد قد يرتفع إلى مراتب القديسين.

وكتب القديس بولس إلى أهل (أفسس) رسالة أوصى فيها العبيد بالإخلاص في الولاء لساداتهم كما يخلصون في الولاء للسيد المسيح، وكان الحواري بطرس يأمر العبيد بهذا الأمر ويلزمهم الخشية من سادتهم كأنها أدب من آداب الدين الصحيح، وجاءت الكنيسة فأقرت نظام الرق واعتمده أحبار رومة في المناشير والعظات، وأيده توماس الأكويني كبير فلاسفة النساك والقسيسين وتلميذ أرسطو الذي اشتهر بالعلم والتقوى في القرن الثالث عشر للمسيح. فاستند إلى أقوال رسل المسيحية، كما استند إلى أقوال أرسطو في كتابه عن السياسة؛ لأن أرسطو اعتبر الأرقاء في حكم الآلات التي تراد لعمل من الأعمال، ولم ير في نظام الرق شيئًا يعاب، فما دام في الناس من يعجز عن كفالة نفسه فعليه أن يعيش في كفالة سواه، وتبعه تلميذه الناسك؛ لأن الزهد في الحياة يجعل القناعة بأبخس المنازل أمرًا سائغًا لا غضاضة فيه، بل لعله من المأثور المحمود عند من يرفضون الحياة … وقد واجه الرق بهذا المزاج فحسبه من الحرمان الذي لا يناقض الخطة المثلى في آداب الديانة وفضائل السلوك، وسهل عليه أن يجد للرق مصدقًا من أسر الضرورات وتقييد بعض الحركات ببعض في نواميس الطبيعة وخصائص التكوين.

ومن أعجب العجب أن البلاد التي شاع فيها تحريم قتل الحيوان حتى ما يؤذي منه ولا يفيد — قد بلغت عقائدها القسوة القصوى في معاملة الأرقاء، فإن أناسًا من براهمة الهند كانوا يضربون الذلة على العبيد المعروفين باسم السودرا؛ لأنهم خلقوا من أسفل أعضاء الآلة فلا تبرحهم وصمة الذل ما لبسوا ثوب الحياة، فأيسر ما يعاقب به الرقيق على إغضاب سادته أن يسل لسانه أو يقتل بعد التمثيل به على مشهد من الناس.

وكانت الحضارة تلطف من هذه القسوة بعض التلطيف فتجري العادة أحيانًا في الأمم المتحضرة بالشفقة على العبيد والجواري وتخويلهم بعض حقوق المساواة. فكان المصريون الأقدمون يجيزون معاملة الإماء كما تعامل الزوجات الحرائر، ويحكمون بالقتل على من يقتل الرقيق في غير جريرة، ويلزمون الرجل في موقف الحساب بعد الموت أن يبرئ ذمته من إيذاء العبيد والإساءة إليهم، ويجعلون هذا الإبراء جوازًا لا مناص منه إلى حظيرة الأرباب.

ومن مصر أخذ العبرانيون تحريم القسوة على العبيد والأجراء؛ لأنهم كثيرًا ما كانوا يؤدون في مصر عمل الأجراء إن لم يكن عمل العبيد. فجنحت بهم الرغبة والقدوة إلى إنصاف الأرقاء والأحلاس، وأنكروا الإرهاق كما أنكروا الضرب والإيذاء في معاملة الأجراء.

وقال هيرودوت: إن الفرس في زمانه كانوا يمنعون عقاب العبد على الهفوة الأولى، ولكنهم يبيحون للسيد أن يقتل عبده أو يعذبه إذا أذنب مرة بعد أخرى، وكانت شريعة الفرس أرفق بالعبد على الجملة من شرائع اليونان والرومان؛ لأنها كانت ترخص له في الراحة وتكره العدوان عليه، وربما سرى إليهم أدب الشريعة هذا من عادة التسري واقتناء الزوجات من الإماء، ووافق ذلك معيشة الحضارة في المدن الكبيرة، وقلة الحاجة إلى إرهاق الأرقاء لتحصيل ضرورات المعيشة، ولعلهم قد استفادوا أيضًا من سنن العبرانيين في معاملة الرقيق، لطول العشرة بين اليهود وبين شعوب النهرين.

ولم تسلم أمة قط من إقرار نظام الرق وازدراء العبيد على اختلاف عناصر الأمم وأجناسها.

فما قيل عن فضل أمم الشمال الأوروبية على أمم الجنوب كافة في هذه المسألة خطأ ظاهر في البحث عن حقائق الأسباب؛ لأن أمم الشمال لم تخل من نظام الرق سموًّا في الأخلاق أو تفردًا بالصفات الإنسانية التي تدَّعى للشماليين في الزمن الأخير، ولكنها خلت من نظام الرق؛ لأن اقتناء الأرقاء في تلك البلاد الباردة يكلفها أكثر مما يحط عنها، فهي فضيلة الضرورات لا فضيلة الأخلاق، وهي مزية البقاع لا مزية عناصر الشمال.

وما زال الرقيق محرومًا من المساواة الإنسانية إلى هذا اليوم في الأمم الأوروبية والأمريكية. وكانت القوانين إلى القرن الثامن عشر تجيز قتل العبيد في المستعمرات إذا هربوا من الأسر أو أغلظوا لمواليهم في الكلام، ولم يكن على السيد الذي يقتل مولاه إرهاقًا أو تعذيبًا عقابٌ منصوص عليه.

تلك كانت حالة الرقيق جملة في القرون الأولى وفي القرون الحديثة، وقبل ظهور الأديان «الروحية»، وبعد ظهور تلك الأديان.

ومن الأسباب التي تذكر لتحسين أحوال الأرقاء ومنع الاتجار بهم في العصر الحديث: أن اقتناء العبيد كان ييسر لبعض البلاد أن تنافس البلاد التي تستخدم العمال الأحرار في الصناعة وتبذل لهم أجرًا لا يطمع العبيد السود في مثله، وكان اقتناء العبيد يضير أولئك العمال الأحرار في الوقت الذي عرفوا فيه حقوقهم ونهضوا للمطالبة بها، وساعدهم على المطالبة بها أصحاب الأموال الذين لا يستفيدون من تسخير الأرقاء.

ومهما يكن الرأي في حقيقة هذه الأسباب فهي مما يدخل في التقدير عند بيان فضل الإسلام وسبقه للحضارة الحديثة إلى أرفع الآداب وأكرمها في مسألة الرق ومعاملة الأرقاء.

فلم تكن معاملة الأرقاء على الوجه الذي أمر به الإسلام مصلحة اقتصادية على فرض من هذه الفروض، بل ربما كان من المصلحة إبقاء الرق على نظامه الأول ليفرغ الأرقاء لأعمال المعيشة والسخرة، ويفرغ الأحرار لأعمال الجهاد والرئاسة.

كذلك لا يقال: إن الإسلام تهيَّب النظام القائم في المجتمعات القديمة كما تهيبتها الأديان الروحية فدارت حول المشكلة ولم تقابلها وجهًا لوجه في معظم الأحوال، ولم تأخذ بأيدي العبيد إلا بما كانت تفرضه عليهم من الطاعة وتزجيه إليهم من العزاء المنظور في الدار الآخرة.

فلا يقال: إن الإسلام قد منع رق المسلم وقصر الرق على الأسرى وأوجب لهم حسن المعاملة؛ لأنه كان دينًا يؤمن بالروح، ولا توافق بين الإيمان بالروح وبين بيع الآدميين كما يباع الحيوان … فإن الواقع أن أديانًا «روحية» كثيرة قد وفقت بين الأمرين على نحو من التوفيق.

ولا يقال: إن الإسلام قد جاء بآداب الرفق بالرقيق بعد ذهاب الحاجة إلى تسخير الأرقاء وتبدل الأحوال الاقتصادية في مجتمعات المشرق والمغرب … فإن الواقع أن هذه الحاجة ظلت قائمة في البلاد الشرقية والغربية إلى زمن يذكره الأحياء، ولا تزال قائمة حتى اليوم في بعض الأنحاء.

فإنما هو إذن فضل خالص من علل المادة ودواعي الثروة الاجتماعية، وإنما هو نصر صريح في عالم الروح يحسب للدين الإسلامي وحده بين سائر الأديان.

كان في وسع الدعوة الإسلامية أن تمر بنظام الرق في العالم العربي وفي العالم بأسره ثم تتركه حيث كان فلا يحسب عليها ذلك — في حينها — إغضاءً معيبًا تسأل عنه؛ لأن مسألة الرق لم تبلغ يومئذ أن تكون من المسائل الناطقة التي يؤول السكوت عنها بالإغضاء أو المداراة.

ومن المحقق أن الدعوة الإسلامية لم تكن تخسر شيئًا لو أنها أهملت مسألة الرق في أول ظهورها؛ لأن المسلمين على نقيض ذلك كانوا يتجشمون خسارة لا يطيقونها في إعتاق العبيد والإماء. كلما ساءت حالهم عند سادتهم بدخولهم في دين الإسلام. وكان أبو قحافة يمثل الرأي الحصيف وهو يأخذ على ابنه الصديق بذل المال الكثير في سبيل رهط من الضعاف المهازيل يثقلون كاهله ولا يغنون عنه أقل غناء.

فلم يكن ثمة من باعث إلى النظر في إنصاف الأرقاء وهدم نظام الرق القديم غير باعث الفضيلة المثالية، التي تعنى بطلب الكمال ولا تحفل بالمصلحة المادية أقل احتفال.

وقد تبدل نظام الرق على يد الإسلام في أوسع نطاق للتبديل، أو على أعمق أساسٍ يبنى عليه كل تبديل في أمثال هذه الأنظمة الاجتماعية؛ لأنه عمد إلى أساس التفرقة بين الأجناس والأقوام فمحاه أو عفى عليه.

وعلم الناس أن المؤمنين إخوة، وأنه لا فضل لمسلم على مسلم بغير التقوى، وألقى إليهم في الأحاديث القدسية أن «الجنة لمن أطاعني ولو كان عبدًا حبشيًّا، والنار لمن عصاني ولو كان شريفًا قرشيًّا» أو كما قال.

وحصر الرق مع هذا في سبب واحد من أسباب الاسترقاق، وهو الأسر في ميادين الحروب، فلا يملك الرجل أو المرأة بالنخاسة والاختطاف، ولا يعد من العبيد إلا من وقع أسيرًا في ميدان القتال إلى أن يفدي نفسه أو يفديه من يفديه.

وقد مضت مئات السنين بعد ظهور الدعوة الإسلامية فبطل نظام الاسترقاق أو بطلت الحاجة إليه، ولا يزال الأسر مشروعًا والفداء واجبًا، ولو بتبادل الأسرى، أو بشرط من الشروط التي تقوم مقام الفداء، ولا يقع في العقل نظام غير هذا النظام ما بقيت الحروب وبقي الأسر والاستئسار مقبولين في شرعة المتحاربين.

ولم تنته عناية الإسلام بمسألة الرق بتضييق نطاقه وحصره في هذا السبب الوحيد من أسباب الاسترقاق، بل أمر المسلمين بقبول الفداء أو المن وهو الإعتاق بغير فداء: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا [محمد: ٤].

وأوجب على المسلم أن يقبل من الأسير تنجيم فديته حتى يستوفيها على سنة الرفق والسماحة: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ [النور: ٣٣].

وقد جعل الإعتاق حسنة تكفر عن كثير من السيئات، وفرضها على الذين يخالفون بعض أحكام الدين كما فرض الصدقات وإطعام المساكين، وجعل وصية الرفق بهم مقرونة بوصية الرفق بالآباء والأقربين: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا [النساء: ٣٦].

وكانت وصية النبي للمسلمين قبيل وفاته: «الصلاة وما ملكت أيمانكم.» وتكررت منه عليه السلام أحاديثه في هذا المعنى، حتى قال في بعض تلك الأحاديث: «لقد أوصاني حبيبي جبريل بالرفق بالرقيق حتى ظننت أن الناس لا تستعبد ولا تستخدم.»

وتجاوز الإشفاق على الأرقاء من سوء المعاملة إلى الإشفاق عليهم من الكلمة الجارحة، فكان عليه السلام يقول: «لا يقل أحدكم: عبدي وأمتي. وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي.»

أما ضرب الرقيق بغير تأديب محتمل فهو ذنب كفارته العتق، أو كما قال عليه السلام: «من لطم مملوكه فكفارته عتقه.» فإذا قتله فهو يقتل به في قول أشهر الفقهاء.

وقد فضل الإسلام الزواج بالأمة المؤمنة على الزواج بالحرة المشركة. وأوجب عتق الأمة متى ولدت للرجل واعترف بأبنائها.

وقد أعتق النبي عليه السلام مملوكه زيدًا وزوجه بعقيلة حرة من عقيلات بيته، وتبناه وأقام ابنه أسامة من بعده واليًا على جيش الشام وهو دون العشرين، وفي الجيش نخبة من أجلاء الصحابة منهم عمر بن الخطاب.

وكانت معاملة النبي للأرقاء في ملك يده وفي ملك غيره تفوق سماحة هذه الوصايا على فرط ما فيها من السماحة بالقياس إلى آداب ذلك العصر، وإلى آداب جميع العصور، فكان يؤاكلهم ويلبي دعوتهم إلى الطعام ويقول للمسلمين: «هم إخوانكم وخولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، ويلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم.»

وأكرم ما قال في هذا الباب — وكله كريم: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد.»

•••

هذه الوصايا والمعاملات كانت كلها من فيض الآداب العلوية الرفيعة، ولم يكن شيء منها قط من إملاء الضرورات الاجتماعية أو المصالح الاقتصادية، بل هي ولا شك قد تقررت على الرغم من ضرورات الاجتماع ومصالح الاقتصاد التي كانت غالبة في تلك الآونة على الجزيرة العربية وعلى غيرها من أرجاء العالم المعمور.

وهي لم تتقرر — بالبداهة — دفعة واحدة في مستهل الدعوة الإسلامية، ولا تقررت كلها أو بعضها قبل إسلام بلال وزملائه من الموالي والإماء. فقد تتابعت الأحكام الإسلامية في معاملة الرقيق على أثر قيام الحرب بين المسلمين والمشركين، وبعد ظهور حالة الأسرى والمستأسرين في معارك الفريقين.

فمن الخطأ أن يقال: إن أحكام الرقيق هي التي جلبت إلى الإسلام من دخل فيه من الموالي والإماء، أو إنهم سيقوا إلى الدخول فيه طلبًا لراحة الجسد وهربًا من مظالم السادة ومتاعب التسخير.

إن يكن هناك أثر للمعاملة الحسنة في إقبال بلال وزملائه على الإسلام، فهو على التحقيق أثر المثال الرفيع الذي تمثلوه في معاملة النبي عليه السلام لصحبه ومواليه، ولكل ضعيف منتمٍ إليه. ولم يكن سرًّا مجهولًا بينهم أن النبي عليه السلام أحسن إلى مولاه زيد بن حارثة فأنساه أباه وذويه، وجاءه هؤلاء يفتدونه ويعرضون عليه الحرية والعودة إلى أحضان أهله، فآثر صحبة النبي على نعمة الحرية بين معشره الأولين وفي ظلال وطنه الذي فارقه مكرهًا منذ سنين.

فهذا المثال الرفيع قد كان له ولا ريب أثره البالغ في تحبيب الإسلام ونبي الإسلام إلى الأرقاء وغير الأرقاء.

ولكنَّ طلب الإسلام عند أولئك الأرقاء لم يكن طلبًا لراحة الجسد ولا مفاضلة بين سيد وسيد أو معيشة ومعيشة.

فإننا لا نعرف في تواريخ العقائد الدينية أن أحدًا يقبل على الدين مساومة على الراحة ورفاهة العيش، ولم يكن طلاب الراحة ورفاهة العيش قط أعوان عقيدة ناشئة في عهدها الأول وهي مقدمة على المغامرة والجهاد تتطلب الضحايا وتفرض على الأتباع ألوان الفداء.

وفي حالة بلال وزملائه خاصة، لم يكن الإسلام راحة لهم ولا انتقالًا من جانب الخطر إلى جانب السلامة والأمان، بل كان على نقيض ذلك انتقالًا من جانب السلامة والأمان إلى جانب الخطر الذي لا يدفعه عنهم دافع. لأن العربي يحميه من الضيم آله وعشيرته ولا يبلغ الأمر مبلغ الخطر على حياته وماله إلا في قتال صريح بعد يأس من الوفاق، ولا حاجة إلى قتال صريح أو غير صريح لإهدار دم العبد المملوك المرهون بمشيئة مولاه. وأهون من ذلك عند مولاه تعذيبه وإعناته وحرمانه الراحة وضرورات الحياة.

كذلك لم يكن طلب الإسلام عند هؤلاء الأرقاء طلبًا للنقلة من رق ثقيل إلى رق خفيف، أو من سيد قاس إلى سيد رحيم؛ لأن الإسلام في مبدأ أمره لم يكن ليخرجهم من ربقة الأسر عند سادتهم الأقوياء، ولم يكن العتق جزاءً موعودًا لمن يغضب سيده المشرك ويرضي النبي عليه السلام بالدخول في دينه. فإنما جاء العتق مصادفة واتفاقًا بعد تشديد العذاب على أولئك الضعفاء المساكين، وقد كان العذاب يقينًا لا شك فيه، ولم تكن النجاة إلا وعدًا مأمولًا لم تبد تباشيره للعيان.

فمن الخطأ، كما أسلفنا، أن يعلل إيمان العبيد والإماء بأحكام الإسلام في معاملة الأرقاء، أو بالطمع في الراحة والمساومة على حسن المعاملة، فإنما عرفت تلك الأحكام بعد ابتداء الدعوة الإسلامية بزمن طويل، وإنما كان العناء والخطر أول ما يصيب العبد الذي يصبأ عن دين مولاه، وكانت الراحة آخر ما يرجوه من أمل بعيد، إن سلمت له الحياة.

وما زالت العقائد أكرم على ضمير الإنسان من هذه المساومات التي تلازم الأسواق وتعرض في صفقات البيع والشراء، وما زال قلق النفس هو الباعث لها وطمأنينة النفس هي البغية منها، وتهون في سبيلها بعد ذلك مطالب العيش وراحة الأجساد.

وآية ذلك أنه لم يؤمن إنسان قط لغنيمة تخصه ولا تعم سواه.

إنه ليساوم في سوق التجارة على الغنيمة التي تخصه دون غيره، ولكنه إذا آمن بعقيدة من العقائد التي تتناول الحياة والموت فلا بد من غاية تعمه وتعم غيره على السواء، ولا بد من الأمل العام الذي يتخطى مصالح الفرد ومساومات الآحاد.

وبلال حين آمن بالإسلام قد آمن حقًّا بالدين الذي ينصف العبيد، ولكنه قد آمن به على السنة التي ترضي الكرامة الإنسانية لا على سنة المساومة والمصافقة، أو هو قد آمن به إنسانًا كما آمن به السادة الأحرار القادرون على شراء العبيد والإماء.

وأقل ما يقال في تعليل إسلامه: إنه إعجاب نفس طيبة بنفس عظيمة، وإنه إيثار للخير الكبير على الخير الصغير، وإنه استقامة طبع تهتدي إلى الصراط المستقيم، وإنه شوق إلى الحق الذي يريح النفوس وليس بشوق إلى الرفاهة التي تريح الأجساد.

ومما لا شك فيه أن إرضاء الكرامة بالمساواة بين جميع المسلمين، كان أحب إلى أولئك العبيد والإماء من كل راحة يرجونها بعد الدخول في الدين الجديد، أيًّا ما كانت الثقة بتحقيق ذلك الرجاء. في أجل قريب أو بعيد.

وقد غبرت القرون على وصايا الإسلام بالرقيق، وعمل بها من المسلمين من عمل وخالفها من خالف، واحتال عليها من احتال، على عهد الناس بجميع الأوامر أو النواهي التي تشرعها العقائد والأديان.

ولكنها، سواء روعيت أو خولفت، قد كانت كسبًا عمليًّا له أثر من النفع الواقع في تاريخ بني الإنسان، وقد بقي لها هذا الأثر إلى أن بطل الأسر وبطل الرق بشتى ذرائعه ودواعيه، وارتفعت للحرية الفردية والحرية القومية صيحة لم ترتفع لها قط في زمن من الأزمان.

فبعد وصايا الإسلام بألف ومائتي عام، وفي العصر الذي راحت فيه أوروبا تنكر الرق وراح فيه اليونان يطلبون الاستقلال نزل بمصر فوج من الأسرى اليونان يزيدون على خمسة آلاف وخمسمائة، ووزعهم الولاة على بيوت السراة وذوي الثراء في القاهرة والإسكندرية، تم عقد الصلح وقضت شروطه برد الأسرى إلى بلادهم وإعتاق من بيع منهم بمال الحكومة المصرية لا بمال الأسير أو بمال ذويه، فآثروا البقاء جميعًا في البيوت التي نزلوا بها نزول العبيد، ولم يقبل منهم العتق غير أربعمائة أو دون ذاك، كما جاء في بيان المندوب الإنجليزي الذي نيط به تنفيذ تلك الشروط.

ومهما يقل القائلون في تعليل ذلك الإيثار، فالأمر الذي لا يُنكر في هذا المقام ولا ينسى أن أولئك الجند الأوروبيين الذين أسروا وهم يعلنون قضية الاستقلال، ما كانوا ليحمدوا البقاء عند سادتهم المسلمين لو كانت وصايا الإسلام بالأرقاء قد ذهبت ذهاب الكلام في الهواء.

فالعقائد الكبرى قد تتكلم بلسان الفضائل المثالية في نشأتها الأولى، وقد ينشدها المؤمنون بها حبًّا للمثال الأعلى وطموحًا إلى الكمال، ولكنها لا تلبث بعد ذلك أن توزن بالميزان وتشخص للعيان.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠